top of page
Screenshot 2023-11-22 at 11.56.45 AM.png

"أكثر ما حُرمت منه المرأة اليمنية هو التعليم"، بهذه الكلمات تختصر مزنة الحميدي، سيدة في الخمسين من عمرها، معاناة النساء في اليمن.


 ما زالت هذه الأخيرة تحن إلى فرصة ضاعت منها بسبب تزويجها مبكرا في سن 13 من عمرها وعدم إكمالها تعليمها، حيث أنجبت طفلها الأول بعد عام واحد فقط من بلوغها البيولوجي. تتحسر مزنة على تلك الأيام، حين كانت في الصفوف الابتدائية وتتذكر معلميها المصريين قبل حوالي نصف قرن.

لاتزال المرأة اليمنية تُعاني إلى اليوم من ظاهرة الزواج المبكر، الذي يعتبر أحد العادات والتقاليد الاجتماعية المتجذرة في المجتمع. وقد أسهمت الحرب وتدهور الوضع الإنساني والصحي في ازدياد هذه الظاهرة، حتى باتت تُمثّل أحد أبرز أشكال العنف الممنهج ضد الفتيات. 

يؤدي زواج القاصرات إلى انقطاع البنات عن التعليم في سن مبكرة، حيث تقل فرصهن في الالتحاق بالمدراس أو الاستمرار فيها. وفقاً لتقرير صادر من اليونيسف في يوليو 2021، فإن هناك "أكثر من مليوني طالب وطالبة يوجدون خارج المدرسة"، وهو ضعف العدد مقارنة بعام 2015. 

وتشير دراسة أجرتها وزارة التربية والتعليم في عام 2014، الى أن "الفتيات هن أكثرعرضة بنسبة 17% للانقطاع عن التعليم في المرحلة الابتدائية مقارنة بالفتيان"، بينما في المرحلة الإعدادية "ترتفع هذه النسبة إلى 23%"، الأمر الذي يعكس ازدياد الفجوة بين الجنسين فيما يخص التسرب من المدرسة.

ويُعدّ الزواج المبكر السبب الأبرز لانقطاع الفتيات عن التعليم، الأمر الذي زاد من نسبة الأمية في أوساط النساء وقّلل من عدد الملتحقات بالتعليم العالي، في ظل ظروف اقتصادية صعبة بسبب الحرب والجفاف والتغيرات المناخية. 

في المجتمعات القبلية يُنظر إلى الزواج المبكر أحياناً كوسيلة لحماية الفتاة أو لتأمين مستقبلها، خاصة مع ضعف الوعي المجتمعي بأهمية تعليم الإناث، الذي يُساهم في استمرار هذه الظاهرة. لكن في الواقع، فإن ذلك يتسبب في التعدي على حق المرأة الأساسي في التعليم.



"لا خيار لنا كفتيات سوى الموافقة والرضوخ"


بدأت ظاهرة تزويج القاصرات في القرية بين أحضان القبيلة ولكن الحرب والظروف الاقتصادية الصعبة، جلبت هذه التقاليد إلى المدن والمراكز الحضارية، مثل عدن وغيرها.

في هذا الصدد تقول رنا (اسم مستعار)، معلمة تعمل في إحدى المدارس بمديرية البريقة في محافظة عدن: "لاحظت أنا وزميلاتي ازدياد عدد المخطوبات من الطالبات في المراحل الأساسية والثانوية، وعدد المتسربات من الصفوف أو اللواتي يذهبن الى صفوف الانتساب أو التعليم المنزلي لانشغالهن ببيوتهن المفتوحة حديثا، سواءا كان ذلك بإردتهن أو بدونها".

لا تزال العديد من الفتيات اليمنيات اللواتي تزوجن في سن مبكرة، يدفعن ثمن هذا القرار القاسي الذي اتخذه الكبار في العائلة، من بينهن فخرية محمود (اسم مستعار)، وهي نازحة من محافظة تعز وتسكن في مديرية البريقة، وهي كذلك أم لطفلين، الكبرى تبلغ من العمر ثماني سنوات والصغرى لم يتجاوز سنها تسعة أشهر، وهي تُعاني هي وزوجها من قسوة الحياة. من أجل كسب لقمة عيشها، تُدير مشروعاً منزلياً قائما على بيع المعجنات، في حين يعمل زوجها في صيد وبيع السمك لمجابهة غلاء الأسعار وارتفاع تكاليف الإيجار ومصاريف المدرسة لطفلتها الكبرى. 

تروي فخرية قصتها بمرارة قائلة: "وحده النظر إلى طفلتيّ يخفف عني الأعباء التي نالت من صحتي جراء زواجي المبكر وولادتي الأخيرة الصعبة، والتي استغرقت أربع ساعات في عملية قيصرية حطمتني مادياً وصحياً"، مضيفة "عندما تزوجت كان عمري 15 سنة، لكن كتبوا لي في عقد الزواج حينها بأن لدي 19 سنة. كان أخي هو من أرغمني على هذا الزواج مثلي مثل أخواتي البنات اللواتي زوجهن أبي وهن قاصرات قبل وفاته". 

من جهتها، تتحدث نسرين (اسم مستعار)، وهي أم لطفلة في عامها الثالث وطفل لا يتعدى عمره التسعة أشهر، عن قصتها المؤلمة حول زواجها بعمر ال16 سنة، وتقول "زوجتني عائلتي بعد نزوحنا إلى عدن بسبب الحرب. في محافظتنا، الحديدة، كان والدي رجلا فقيرا وعائلتي كثيرة العدد، ولا نملك كمصدر دخل سوى المساعدات الإنسانية، كما أن الزواج المبكر يُعدّ هناك من العادات والتقاليد التي نشأنا عليها، ولا خيار لنا كفتيات سوى الموافقة والرضوخ لقرار الذكور دون أي اعتراض". 


52% من الفتيات اليمنيات يتزوجن قبل سن 18عاماً


يشير تقرير دراسة أجرتها هيومن رايتس ووتش تحت عنوان "على اليمن وضع نهاية لزواج الأطفال"، أن "نحو 52% من الفتيات اليمنيات يتزوجن قبل سن 18عاماً، و14% منهن قبل سن 15 عاماً، أما نسبة الفتيات المتزوجات من الفئة العمرية بين 20 الى 24 عاماً، فتبلغ 37%". 

تقول منظمة هيومن رايتس ووتش في دراستها " أن الضرر الذي تتعرض له الفتيات اللواتي تقوم عائلاتهن بإجبارهن على الزواج، في بعض الحالات في سن صغيرة تصل إلى ثماني سنوات، شديد وطويل الأمد، لأنه يعني أنهن فقدن السيطرة على حياتهن، بما في ذلك القدرة على تقرير ما إذا كن يرغبن في إنجاب أطفال أم لا ومتى يكون ذلك".

وبسبب انتشار الظاهرة وخطورتها على الفتيات، دعا مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة اليمن في سبتمبر 2013 لإنهاء الزواج المبكر والقسري. 

كذلك أشار المجلس الأعلى للأمومة والطفولة في تقرير نشرته منظمة الإنسانية الجديدة في 2007، أن وزارة الصحة اليمنية تقدرعدد النساء اللواتي يمتن يومياً أثناء الولادة بثماني نساء، ومن بين 100 الف ولادة حية (طبيعية) تموت 366 امرأة، ويتفاقم الوضع بسبب ارتفاع معدل الخصوبة في اليمن وهو أحد أعلى المعدلات في العالم، بمتوسط سبعة أطفال لكل امرأة. ويعتبر المختصون أن الزواج المبكر هو أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع معدل وفيات الأمهات.


مشاريع قوانين معطلة للحد من الزواج المبكر 


 رغم المحاولات المتكررة لتحديد سن قانوني للزواج في اليمن، إلا أن هذه الجهود غالباً ما تُواجه بمعارضة من بعض القوى التقليدية والدينية. في عام 2014، تم تقديم مشروع قانون يحدد سن الزواج بـ 18 عاماً، لكن لم يتم إقراره حتى الآن، حيث أن المعمول به حاليا، هي المادة 15 من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1990، والتي تنص على "أنه لا يصح تزويج الصغير ذكراً كان أو أنثى دون بلوغه خمسة عشرة سنة".   

تضمّن مشروع القانون الذي تم طرحه من جانب وزير الشؤون القانونية اليمني في 2014، اقتراحات جذرية لحل مشكلة الزواج المبكر، فمثلا جاء في الفقرة (ج) من المادة 46، أنه "على المسؤول عن تحرير عقد الزواج التأكد من سن الرجل والمرأة على حد سواء. أما المادة 242 الفقرة (أ) فتنص، على عقوبات جنائية بالسجن لفترات تتراوح بين شهرين وسنة واحدة وغرامة تصل الى 400 ألف ريال، ما يعادل (1860 دولاراً وقت إقرار القانون) لأي شخص غير مختص يقوم بتحرير عقد زواج وهو على معرفة بأن أحد الطرفين على الأقل دون سن ال18، ويواجه أي من الشهود أو الموقعين على عقد الزواج، بمن في ذلك الآباء والاوصياء، الذين يعرفون أن أحد الطرفين على الأقل هو دون سن ال18، عقوبة السجن من شهر الى ثلاثة أشهر وغرامة مالية تتراوح ما بين 100 ألف و250 ألف ريال (460 الى 1160 دولاراً وقت إقرار القانون). 

وبالرغم من أن اليمن وقّع على إتفاقيات دولية مثل إتفاقية حقوق الطفل واتفاقية سيداو، التي تمنع بشكل صريح زواج الأطفال، وتُلزم الدولة باتخاذ تدابير قضائية لاستئصال هذه الممارسة، إلا أن الواقع يعكس غير ذلك.

ترى الناشطة النسوية والحقوقية، الرميصاء يعقوب أنه "يجب رفع سن الزواج لضمان حماية الطفلات وضمان تنمية سليمة لهن، ولكن للأسف لا يتم تطبيق القوانين حالياً".

زواج القاصرات في اليمن ليس ظاهرة جديدة بل هو نتاج بيئة قبلية راسخة في الأرياف، حيث تتغلب العادات والتقاليد على الحقوق الأساسية للفتيات، إلا أن تفاقم الظاهرة في الوقت الراهن يعود إلى عوامل إضافية أبرزها الفقر، وضعف مستوى التعليم، وغياب القوانين الرادعة.

وتشير الحقوقية رميصاء إلى أنه "رغم أن غياب مجلس النواب يمنع حالياً إصدار قانون يحدد سناً قانونية للزواج، إلا أنه لا يزال بإمكاننا إحداث فرق من خلال حملات توعية جادة ومستدامة تركز على حماية الطفولة، وتمكين الفتيات على الأقل من خلال التعليم كخطوة أساسية لبناء جيل واعٍ وقادر على التغيير". 

وتضيف "يجري حالياً إعداد خطة لمشروع الحماية الاجتماعية لعدن، وخطة وطنية عامة ومناقشة موضوع سن الزواج، حيث أن سن ال15 سنة غير مناسب للزواج كون الفتاة في هذا العمر لم يكتمل نموها الجسدي أو النفسي، مما يُشكّل خطراً على صحتها وعائقا أمام قدرتها على تحمل مسؤولية أسرة". 


تداعيات جسدية ونفسية حادة


تواجه الفتيات المتزوجات في سن مبكرة مخاطر صحية جسيمة أثناء الحمل والولادة ومضاعفاتها، مثل النزيف والالتهابات وتسمم الحمل، نظراً لعدم اكتمال نمو أجسادهن، مما يؤدي إلى الوفاة، إضافة إلى التأثير النفسي، حيث أن العديد من الفتيات يواجهن اضطرابات نفسية نتيجة زواجهن المبكر كالاكتئاب والقلق، بسبب الضغوط والمسؤوليات التي تُلقى على عاتقهن في سن صغيرة. 

في هذا الصدد، تُفسّر الأستاذة رانيا خالد، رئيسة منصة المرأة المستقلة، وأستاذ مساعد في قسم علم الاجتماع في جامعة عدن ومختصة في تدريب الدعم النفسي، أن "زواج القاصرات صار مشكلة تؤرق المجتمع اليمني بشكل عام وعدن بشكل خاص، لما يترتب عليه من سلبيات كثيرة"، مشيرة إلى أن " الفتاة تتعرض للأمراض النفسية والعضوية في حالة الحمل المبكر، كما أن الأم الطفلة التي تُصبح لديها أطفال، تجد نفسها غير ناضجة لتربية الأولاد مستقبلاً. كذلك، فإن عدم اكتمال الوضع الواعي لعقلها وعدم فهمها لمهام الأم والزوجة، يتسبّب في ازدياد التوترات مع الزوج، وقد حصلت مشاكل كبيرة وكثيرة من هذا القبيل". 

يتسبّب الزواج المبكر أيضا في انقطاع الفتيات عن التعليم، مما يحد من فرصهن في الحصول على وظائف مستقبلية، وتعاني الزوجات القاصرات من الفقر والاعتماد على الآخرين بصورة كبيرة، وهو ما يعد من مؤشرات الأضرار الاجتماعية التي تعانيها القاصرة، من قبيل تعزيز دائرة الفقر وتهميش المرأة وإقصائها من العمل والحياة العامة، وهو ما ينعكس سلبا على المجتمع برمته. لذلك تعتبر الأستاذة رنا، أن "ازدياد ظاهرة الزواج المبكر، يستدعي حقاً تدخلاً قانونياً لتمكين الفتاة من إكمال تعليمها، على الأقل في المرحلة الأساسية". 

غالبا ما تعيش الفتيات اللواتي تزوجن في سن مبكرة حياة زوجية صعبة، لذلك بات من الضروري الحد من هذه الظاهرة عبر سن قوانين ملائمة تمنع هذا النوع من الزواج والحرص على تطبيقها. 

كذلك من المهم إنشاء مراكز تخصصية لمعالجة تبعات مشكلة زواج القاصرات نفسياً وجسدياً وتحسين المستوى المعيشي لبعض القاصرات اللواتي لم يكملن تعليمهن من خلال دعمهن لانشاء مشاريع صغيرة مثل الطبخ والخياطة والتطريز، مما يساهم في التخفيف من معاناتهن ويساعدهن على مجابهة الحياة بشكل أفضل.





"لا خيار لنا كفتيات سوى الموافقة والرضوخ لقرار الذكور دون أي اعتراض."


 
 
 

في ظهيرة حارقة بمخيم السويداء للنازحين بمحافظة مأرب، لا شيء يخفف الحرّ سوى ظلال الخيمة المهترئة، ولا أحد يقاوم المرض سوى أم تُكافح خلف ستارة قماش رقيقة.


هناك تجلس أم يوسف، فوق بطانية بالية، تحاول أن تُبرّد جبين ابنتها الصغيرة بقطعة قماش مبللة، فمنذ أيام تعاني الطفلة من حرارة لا تنخفض ووجع لا يهدأ. تذهب الأم كل يوم تقريباً إلى الوحدة الصحية القريبة، لتعود بمغذيات وأحياناً بحقنة دواء، لكن المرض لا ينتهي.

بصوت واهن، تقول أم يوسف وهي أم لأربعة أطفال أصيبوا جميعاً بحمى الضنك، وكانت ابنتها آخر من أصابتها العدوى، " لم أعد أعرف ماذا أفعل، أرى أطفالي وهم على مشارف الموت أمام عيني ولا أستطيع تقديم يد العون لهم".  

قصة أم يوسف ليست حالة منفردة، بل تعكس واقع أكثر من مليوني نازح في مأرب يعيشون في ظروف صعبة، وفقاً لاحصائيات مكتب تنسيق الشؤون الانسانية (اوتشا OCHA) لعام 2024، نصف هؤلاء النازحين على الأقل، يعيشون في مخيمات غير رسمية، بلا خدمات صحية أو تعليمية أو بيئية.

الموت في المخيمات لا يحتاج إلى طائرات ولا مدافع، فيكفي أن تشرب كوب ماء ملوث أو أن تلسعك بعوضة محمّلة بفيروس حتى تنتهي حياتك.  

تنتشر الحمى كالنار في الهشيم، لا تستثني صغيراً ولا كبيراً وتتنوع الأمراض بين حمى الضنك والكوليرا والملاريا، والإنفلونزا الفيروسية... وتتداخل الأعراض.



إصابات بالآلاف


تقع محافظة مأرب في شمال شرق العاصمة صنعاء، وتبعد عنها مسافة تُقدّر بحوالي 173 كيلومتراً، وتُعدّ واحدة من أكبر المحافظات استقبالاً للنازحين في اليمن. 

يتدهور الوضع الصحي في محافظة مأرب مع ارتفاع درجات الحرارة، وازدياد الكثافة السكانية داخل  المخيمات التي أصبحت تضم أعداداً ضخمة من النازحين. 

تقول أم يوسف "الحر والرطوبة والبعوض وقلة النظافة، كل شيء يتكاتف علينا"، بينما تنظر نحو صفيح الماء بجوار الخيمة، وقد غطت سطحه طبقة خضراء من الطحالب.

 من جهته، يُوضّح مدير مكتب الصحة في محافظة مأرب، الدكتور أحمد العبادي، أنه "بعد الحرب، أصبح الوضع الصحي في مأرب كارثياً، فقبلها كان أي مريض يستطيع خلال ساعة ونصف أن يسافر إلى صنعاء ليتعالج ويعود، أما اليوم فمأرب لا تملك مستشفيات أو عيادات كافية ولا حتى أدوية"، وكان البنية التحتية للمدينة بسيطة للغاية "فقد كان عدد سكانها قبل النزوح 53 ألف نسمة، أما اليوم فالسكان الأصليون لا يتجاوزون 13%، والباقي نازحون".

ويضيف "رغم حملات التطعيم، منذ بداية العام وحتى منتصف مايو 2025، سجّلنا 164 حالة إصابة بالكوليرا، لكن الوافدين بأعدادهم الكبيرة ينقلون المرض، 99% من الحالات تأتي من مناطق أخرى منعت فيها اللقاحات".

أما الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، فقد سجلت بين يناير وأغسطس 2024 أكثر من 55 ألف حالة اشتباه بالإصابة بأوبئة، مثل الكوليرا، الحصبة، حمى الضنك والدفتيريا، بينها 90 حالة مؤكدة و19 وفاة. الكوليرا كانت الأكثر انتشاراً بنحو 54.456 حالة، فيما سُجلت 32 حالة مؤكدة بحمى الضنك، منها 71 في مخيم الحصون.

منذ عام 2014 يعيش اليمن في حالة حرب مستمرة، خلفت وراءها أزمة إنسانية كبيرة. تشير بيانات الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في ديسمبر 2024، الى أن الحرب دفعت "أكثر من  ٤.٨ ملايين شخص إلى النزوح، يشكل النساء والأطفال 80% منهم، ويواجهون أوضاعاً قاسية ونقصاً حاداً في المأوى والغذاء والمياه النظيفة، وفي حين لا يستطيع 73% من النازحين الوصول إلى الرعاية الصحية".

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (اوتشا) فإن "4.5 ملايين يمني لا يزالون نازحين في أنحاء البلاد، الكثير منهم تعرّض لعمليات نزوح متعددة على مدى عدّة سنوات".


أزمة الأدوية تزيد المعاناة


 قبل شهور قليلة، كانت أم يوسف شاهدة على وفاة بنت جارتها التي كانت تعاني من نفس أعراض ابنتها: وجع في البطن، حرارة مرتفعة، اسهال"، وقيل لأهلها وقتها أن ابنتهم تُعاني من أعراض الكوليرا. لذلك فهي خائفة على ابنتها من أن تلقى نفس المصير، خاصة وأنها لا تستطيع نقلها إلى مستشفى أهلية بسبب عدم وجود مواصلات وتوفر إمكانيات مادية.


تفتقر معظم مخيمات مأرب لمرافق صحية متقدمة، وتعتمد على نقاط إسعاف أو عيادات متنقلة تموّلها منظمات إنسانية، إلا أنّ تراجع التمويل الدولي والتحولات في أولويات العمل الإنساني أدى إلى انسحاب العديد منها مؤخراً.

 وفي بعض الأحيان، لا يتوفر حتى ميزان حراري، وتُقاس حرارة الأطفال بلمس الجبهة ثم تُقدَّم لهم أدوية خفيفة قد لا تتناسب مع طبيعة العدوى. في هذا الصدد، تقول أم يوسف "يعطونا فقط بنادول ومغذيات، وأحياناً نرجع إلى الخيمة بعد ساعات من الانتظار بدون أي علاج لأن الطبيب ليس موجوداً أو نفذت الأدوية". 


حول نقص الكوادر الصحية وعدم كفاية الدعم الصحي، يُفسّر مدير مكتب الصحة في محافظة مأرب أن "الكوادر الصحية جاءت من محافظات أخرى بحثاً عن مصدر الرزق، لكن مع توقف الدعم، هناك 500 عنصرا منهم يمكن أن يغادروا في أي لحظة، حيث كانوا يشتغلون ضمن 30 فريقاً توقفوا عن العمل، و35 موقعًا صحياً توقف الدعم عنها، وكان في كل منها 8 أشخاص من أطباء وممرضين وقابلات". 

واضاف "أما الأدوية التي تصل، فهي لا تكفي إلا لـ 600 الى 800 نسمة، بينما الواقع أن لدينا أكثر من 3 ملايين شخص، نحاول قدر الإمكان تقديم ما نستطيع من المساعدة لهم".


الجوع والفقر أهم العوائق لمواجهة المرض


في زاوية من خيمة نجاة المعروفة بأم عبدة، وهي أم لثلاثة أطفال، تتكوّم عبوات أدوية فارغة، وعلى أحد الجوانب أُلصقت وصفة طبية من مركز صحي كُتب فيها بخط اليد "اشتباه حمى الضنك، راحة تامة، متابعة السوائل، وسوء تغذية "، لكن في الواقع لا شيء من هذا متاح في هذه الخيمة. 

تقف نجاة وهي تحتضن رضيعها الصغير الذي يعاني من سوء تغذية حاد، وتقول "ولدي هلال أصبح عمره عاما، وعند رؤيته يظن الناس أنه مولود جديد بسبب ضعف بنيته، وهو لا يستطيع حتى البكاء، وعندما أخذه للمستشفى يخبرني الأطباء بأنه مصاب بسوء التغذية الحاد وقد أعطوني مغذيات وحليب، وأعلموني كذلك بأنه بحاجة لرعاية خاصة لأنه مصاب أيضاً بحمى الضنك". 

تؤكد الدكتورة سماح الحدرمي، الطبيبة في قسم سوء التغذية بمستشفى كرى، على خطورة مشكلة سوء التغذية في المخيمات، وتُشير إلى تفاقمها قائلة: "تأتي إلينا حالات عديدة، ونُسجّل شهرياً ما يصل إلى 700 حالة، منها نحو 70 حالة مصابة بسوء التغذية الحاد الوخيم، و100 حالة متوسطة، بينما نحو 400 إلى 500 حالة يتم علاجها في بدايات الإصابة".

من جانبه، يُبينّ الدكتور أمين الكرابي، طبيب طوارئ في مستشفى الشهيد، أن "مأرب تواجه موجة تفشٍ جديدة  لحمى الضنك، حيث سجلنا ارتفاعاً ملحوظاً في الإصابات في مخيمات مثل الجفينة، السويداء، الميل، والرويك"، مضيفا أن عدم إسعاف المريض مبكراً قد يتسبب في تطور المرض إلى الحمى النزفية".

ويشير كذلك إلى انتشار الإسهالات المائية، حيث تم تسجيل أكثر من 2112 حالة اشتباه بالكوليرا في مستشفى الشهيد عام 2024، وكان الفقر هو العائق الأكبر أمام الإسعاف المبكر، " إذ لا يملك الناس حتى أجرة المواصلات"، على حد قوله.

ويؤكد تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادر في فبراير 2024، بعنوان "قياس الفقر متعدد الأبعاد في اليمن"، أن 82.7% من سكان اليمن يعانون من فقر متعدد الأبعاد، أي بمعدل أكثر من 8 أشخاص من كل 10.

من جانبها، أشارت المنظمة الدولية للهجرة إلى افتتاح مركز لعلاج الإسهال في مخيم الجفينة، استفاد منه أكثر من 1500 نازح. في المقابل، تعاني المخيمات الأخرى، البالغ عددها 208 مخيمات، من ضعف الخدمات الصحية وغياب الوحدات الطبية، ما يساهم في تفشي الأمراض في ظل الاكتظاظ ونقص المياه وانتشار البعوض.


تنص المادة 55 من الدستور اليمني، أن "الرعاية الصحية حق لجميع المواطنين، وتكفل الدولة هذا الحق بإنشاء مختلف المستشفيات والمؤسسات الصحية والتوسع فيها، ويُنظّم القانون مهنة الطب والتوسع في الخدمات الصحية المجانية ونشر الوعي الصحي بين المواطنين". لكن بالمقارنة مع ازدياد أرقام المرضى والضحايا في محافظة مأرب، يظهر أن ما جاء في هذه المادة ليس سوى حبر على الورق. 

في المخيمات أصبح الحصول على الرعاية الصحية حلماً يتمناه الآلاف من المرضى.  هناك انهيار حياة الناس لا يحتاج إلى وباء عالمي، يكفي فقط يومٌ مشمس وريح رملية لتنقل الوباء إلى الخيام.


" نحن لا نطلب سوى أن نعيش بسلام، نريد طبيباً يكون موجودا، ودواءً لا يُشترى بالدين، وماءً لا يحمل المرض. ونحتاج إلى عيادات حقيقية داخل المخيمات، لذلك نرجو أن تعود المنظمات الإنسانية لتساعدنا، ولا تتركنا فريسة للوباء والفقر"، يقول بأسف أحد النازحين في مأرب، حيث يواجه الحياة في ظروف لا تحتمل.




« الموت في المخيمات لا يحتاج إلى طائرات ولا مدافع، فيكفي أن تشرب ماءً ملوثاً أو أن تلسعك بعوضة محمّلة بمرض. »



 
 
 

في زحمة سير خانقة وسط بغداد، يصدح صوت جهوري من سيارة مجاورة. الإيقاع راقص ومبهج، يغري الرؤوس بالتمايل، لكن الكلمات التي تُصاحب هذا النغم تحمل وعيداً لا يمت للحب بصلة "إلا أبچيها وتجي تتوسل.. إلا أموتها عليّا من القهر". للحظة، يبدو المشهد سريالياً: شباب يرقصون بحماسة على وقع كلمات تتوعد بكسر كرامة امرأة وإذلالها.


خلف الأنغام الشجية للأغنية العراقية، وتحديداً في العقود الثلاثة الأخيرة، يختبئ خطاب ممنهج يعيد إنتاج علاقة قوة وتسلط يمارسها الرجل على المرأة. هذا الخطاب لا يكتفي بعكس الواقع، بل يستخدم الموسيقى كأداة ثقافية لتكريس "السلطة الذكورية"، محولاً الحبيب في الأغنية من شريك عاطفي إلى قاضٍ، وحاكم، وجلاد في آن واحد.


نحاول في هذا المقال تفكيك أركان هذا الخطاب، الذي يُعزّز فكرة تسلّط الرجل وتأديب المرأة، لفهم كيف تتسرب هذه السموم السمعية إلى الوعي الجمعي لتُكرّس العنف الرمزي ضد النساء.


التحول في اللغة كنتاج "لعسكرة المجتمع"


يرى الناقد والأكاديمي أحمد الظفيري أن هذا الانحدار في القاموس العاطفي لم يحدث فجأة، بل هو نتاج مسار طويل من "عسكرة" المجتمع العراقي. ويشرح كيف تحولت اللغة من "الوجد والشوق" إلى "التهديد والهيمنة"، مُرجعاً جذور ذلك إلى حقبة الحصار في التسعينيات.

يقول الظفيري: "لقد أدى الحصار والحروب إلى تراجع المؤسسات الثقافية والرقابة الفنية، ما فسح المجال أمام (التعبير الغريزي) ليحُلّ محل التعبير الجمالي. لكن الانفجار الحقيقي حدث بعد 2003، حين تضافر غياب لجان فحص النصوص مع صعود (ديكتاتورية المشاهدات) في السوق المفتوحة، حيث باتت مفردات "الصدمة والعنف" هي العملة الرابحة لجذب الانتباه".

لعل أخطر ما في الأغنية الرومانسية هو قدرتها على تغليف الخضوع بغلاف الغزل. وفي الكثير من الأغاني التي صاغتها حناجر كبار المطربين العراقيين، يتم استدعاء مفردات السلطة والحكم لوصف العلاقة العاطفية.

حين تغنى الكلمات بـ( يا حضرة السلطاني)، أو حين يصف الرجل نفسه بـ "الآمر الناهي"، فإننا نغادر مساحة الشراكة العاطفية إلى هيكلية هرمية صارمة. 

إذا كانت مرحلة "السلطنة" تمثل الوجه الناعم للذكورية، فإن موجة الأغاني التي ازدهرت منذ تسعينيات القرن الماضي وتمتد إلى اليوم، تمثل الوجه الخشن والسادي. هنا، ننتقل من "الغزل الفوقي" إلى "التأديب الصريح".

عبارات مثل "إلا أبچيها"، "إلا أذلها"، "أخليها تعض أصبع ندم"، و"كذابة أنتي"، ليست مجرد تعبير عن قلب مكسور، بل هي سلسلة "انتقام". يلاحظ المتابع لتطور الأغنية العراقية انزياحاً خطيراً نحو التطبيع مع العنف اللفظي والنفسي. وفي هذه السردية، المرأة دائماً هي "الخائنة"، "اللّعوب"، و"الناكرة للجميل"، بينما الرجل هو الضحية التي تملك حق العقاب.


المطرب "ابن بيئته"... والجمهور شريك


في تحليله للعلاقة الجدلية بين الفنان والجمهور، يرفض الظفيري تحميل طرف واحد المسؤولية، معتبراً أن الأغنية "مرآة لواقع مشحون"، فالحياة اليومية في العراق، التي شهدت تراجعاً في سيادة القانون وارتفاعاً في منسوب العنف، ولّدت قناعة جمعية بأن "القوة هي وسيلة البقاء".

ويضيف: "المطربون الجدد هم أبناء هذه البيئات المتوترة، حيث أنهم لم يتلقوا تهذيباً موسيقياً، لذا فهم يعيدون إنتاج عنف الشارع داخل الاستوديو. والجمهور بدوره، وإن كان ينشد الفرح، فإنه يستجيب لا شعوريا لسردية القوة، حيث يُسوّق للعنف اللفظي على أنه (رجولة) و(سيطرة مستحقة)، ليصبح مع الوقت جزءاً من المقبول ثقافياً".

تكمن الخطورة هنا في أن هذه الأغاني تُسمع في الأعراس، وفي السيارات، وفي المقاهي، ويرددها الأطفال والمراهقون. وتُصبح فكرة "إذلال الحبيبة" مرادفة لـ "الكرامة الذكورية". والرجل الذي لا "يؤدب" حبيبته التي أخطأت، يُنظر إليه (وفق منطق هذه الأغاني) على أنه ضعيف الشخصية.

عند تفكيك بنية الأغاني التي تتناول موضوع "الخيانة"، نجد تفاوتاً جندرياً واضحًا. حين يخون الرجل، غالباً ما تلتمس الأغنية له الأعذار، أو تُصورّه كـ "طير حر" لا يكفيه غصن واحد، أو يتم لوم المرأة الأخرى (خرابة البيوت). أما حين يٌشتبه بخيانة المرأة، فإن الحكم يصدر فورياً وقاطعاً: الطرد، التشهير، والوصم الأخلاقي الذي لا يُمحى.

تتردد كلمات مثل "غدارة" و"بياعة" بكثافة مفرطة، مما يُعزّز صورة نمطية للمرأة ككائن ماكر لا يُؤتمن. هذه الشيطنة المستمرة لها في الفن الشعبي والرومانسي تمنح المجتمع رخصة أخلاقية لمراقبتها والتضييق عليها، بذريعة أن طبيعتها تميل للغدر ما لم يتم ضبطها.


الترويج للعنف اللفظي والجسدي


لا يتوقف الضرر الناتج عن هذه الأغاني عند حدود المس من الذوق العام، بل يتعداه ليمنح الجمهور "كتالوجاً" لممارسة العنف. ترى سارة جاسم، المدافعة عن حقوق النساء، أن المسافة بين "الشتيمة الموسيقية" والتعنيف الجسدي قد تلاشت تماماً.

من خلال رصدها لقصص النساء المعنفات، لاحظت هذه الأخيرة تقاطعاً مرعباً بين لغة المعتدين وقاموس الأغاني الرائجة، حيث تقول: "عبارات مثل (أكسر خشمها) و(أخليها تجي تتوسل) لم تبقَ مجرد مبالغات فنية، بل تحولت إلى تبرير إجتماعي للعقاب. حين تُصبح هذه المفردات مألوفة للأذن، يتراجع معيار الصدمة، وتتحول الكلمة العنيفة بمرور الوقت إلى فعل عنيف، وكأن الضرب امتداد طبيعي لهذه "الفحولة الغنائية".

وتشير جاسم إلى ما تسميه "ثقافة الحب العنيف"، حيث يتم تصوير التملك على أنه غيرة، والضغط النفسي على أنه اهتمام. الأخطر في هذا الخطاب هو شيطنة كلمة "لا"، واعتبار رفض المرأة "جرحاً للكرامة" يستوجب الانتقام لا التفهم.

هذا الربط ليس نظرياً، بل تم حقيقة تجسيده في الواقع. تستحضر جاسم مآسي واقعية كقضية الشابة "مريم" (2021) التي رُش وجهها بماء النار، ومحاولة قتل طالبة جامعة البصرة (2023). الجريمتان وقعتا لأن الضحيتين قالتا لا؛ وهو الرفض الذي تحاربه الأغاني بشعار "إلي ..ما تصير لغيري". وتضيف "الأغنية التي تصف المرأة بـ(الكذابة والبياعة) لا ترفه عن الجمهور، بل تضعه في حالة تأهب وريبة، وتجعل المرأة متهمة حتى تثبت براءتها. ومواجهة هذا الخطاب لا تكون بالمنع البوليسي، بل بانتزاع التصفيق عنه، وبناء وعي يدرك فيه الرجل أن كلمة (لا) هي حق إنساني، وليست إعلان حرب".


"تجميل القبح"... لماذا نرقص على إهانتنا؟


عن المفارقة المتمثلة في الرقص البهيج على كلمات مُهينة، يُقدّم الظفيري تفسيراً نفسياً وفنياً لافتاً، واصفاً ما يحدث بعمليات "تجميل لغوي".

يرى الناقد أن "الإيقاع الصاخب والسريع يعمل كأداة تخدير؛ فهو يطغى على الكلمات ويُحرّك الغريزة، ما يجعل المتلقي منشغلاً بالرقص كحالة (تعويض نفسي) واحتجاج جسدي ضد الكبت والألم، تماماً كما كان يفعل المحتجون في ساحات التظاهر". ويختم الظفيري حديثه قائلاً: "شركات الإنتاج والملحنون يمارسون خدعة ذكية؛ يستخدمون اللحن كقناع يخفي بشاعة النص، فيبتلع الجمهور السم في العسل، ويستهلك خطاباً يمس  من كرامته دون أن يشعر بالمهانة".

إن الموسيقى ليست بريئة، والأغنية العراقية، بتاريخها ومقاماتها الشجية، تستحق خطاباً يرتقي بالعلاقات الإنسانية بدلاً من سحقها. مسؤولية الفنانين وكتاب الأغاني اليوم هي إعادة الاعتبار لمفاهيم الشراكة، والاحترام، والندية في الحب. ومسؤوليتنا كجمهور نسائي هي أن نتوقف عن التصفيق لمن يهيننا، وأن نمتنع عن الرقص على جراحنا.

آن الأوان لأن تتغير الاسطوانة، لتصبح الأغنية مساحة للبوح والجمال، لا ساحة لتصفية الحسابات وإعلان الحروب الذكورية، فالحب الذي يحتاج إلى إذلال لكي يستمر، ليس حباً.. بل هو مجرد تسلّط يختبئ خلف الأنغام.





"شركات الإنتاج والملحنون يمارسون خدعة ذكية؛ يستخدمون اللحن كقناع يخفي بشاعة النص، فيبتلع الجمهور السم في العسل"


لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)


 
 
 

Thanks for submitting!

Follow Us !

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter

Thanks for submitting!

فتيات ضحايا لهيمنة العادات بمستقبل مجهول.png
bottom of page