top of page
Screenshot 2023-11-22 at 11.56.45 AM.png

من شرفة بعيدة يبدو البحر كما تركته حكيمة: ممتداً حتى الأفق، هادئاً في مظهره، وكأنه لا يعرف شيئاً عن الذين غادروا شواطئه. لكنها لم تعد تقف على شاطئ الخوخة المطلة على باب المندب اليمنية، اليوم توجد هذه المرأة النازحة في أبين، بعيداً عن المكان الذي عاشت فيه، وعن البحر الذي كان مصدر رزق أسرتها. لم تأت إلى هنا بحثاً عن حياة أفضل، كما تقول، ولكن بحثاً عن الأمان.

"أخذوا منا البحر، المصدر الوحيد لنا"، تقول حكيمة، مضيفة: "الأزمة جعلتنا ننزح من الخوخة متجهين إلى محافظة أبين للبحث عن الأمان، رغم أنه لا يوجد مأوى لنا إلى الآن". 


حين فقدت حكيمة البحر، لم تفقد مكاناً فقط، إنما فقدت مورداً كانت تعتمد عليه أسرتها، واضطرت إلى الإنتقال إلى مكان آخر من دون أن تجد فيه الاستقرار الذي بحثت عنه. قصتها ليست قصة منفردة وإنما تتكرر نفس المعاناة مع العديد من النساء.

فماذا يحدث لهن عندما يفقدن البحر بوصفه مصدراً للعيش ويضطررن للنزوح؟ وكيف تتواصل حياتهن بعد الوصول إلى أماكن جديدة؟


النزوح لا يعني فقدان المكان فقط، بل فقدان مصدر الرزق أيضاً


تتميز باب المندب بأجود أنواع الأسماك الموجهة للإستهلاك المحلي والتصدير (كالثمد، الباغة، الناجل)، ويعمل الرجال تاريخيا في مهنة الصيد التقليدي، بينما تشارك النساء في تجهيز الشباك وإعداد زاد الرحلات البحرية للأزواج والأبناء، إلى جانب العمل على تجميع "الظفر" الذي يُستخرج من الأصداف البحرية ويُستخدم في صناعة البخور والعطور اليمنية التقليدية". 

ويؤكد تقرير أصدرته اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) في 2020، أن البحر كان مصدر الرزق الأساسي للسكان، في منطقة ذباب في مديرية باب المندب بمحافظة تعز في اليمن، وأن النزاع الحاصل حاليا دفع سكان المنطقة إلى النزوح، فيما أدى ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف الصيد إلى تقليص ما يتبقى للصيادين من دخل.

جاء أيضا في تحقيق نشره موقع "سويس إنفو" (Swiss info)، أن البحر الأحمر لم يعد بالنسبة لأهالي منطقة ذباب والصيادين اليمنيين ذلك الملاذ الآمن ومصدر الرزق الأساسي الذي يعتاشون منه، بل تحول إلى ساحة خطر تضج بالتوترات، فقد أجبرت أزمة باب المندب المستمرة السكان على النزوح هرباً من جحيم النزاع، فيما اصطدم من تبقى من الصيادين بغلاء أسعار الوقود وتصاعد تكاليف الصيد، لتتآكل أرباحهم الشحيحة ويجدون أنفسهم في مواجهة قاسية مع الجوع والعوز.

بشكل عام، تشير إحصاءات الصليب الأحمر إلى أن أكثر من 70% من صغار الصيادين في اليمن تضرروا بشكل مباشر جراء الحرب المستمرة وتداعياتها الاقتصادية. 

وفي واحجة ذباب المخا المطلة على باب المندب، تختصر أم محمد علاقتها بالبحر بعبارة أكثر حميمية: "عمرنا وحياتنا نعيش على البحر"، ها أنه أصبح الآن مصدراً للخوف وفقدان العمل والنزوح.

قبل النزوح، كانت أم علي تعيش في قرية واحجة الساحلية في منطقة ذباب في مديرية باب المندب مع أسرتها. وكانت تعمل في الخياطة، بينما كان شقيقها، الذي يعيل الأسرة، يعمل في البحر. "كنا آمنين ونعيش في سلام"، تتذكر بأسى.

مع تصاعد حدة الأزمة، تفرقت الأسرة بين مناطق مختلفة، ونزحت أم علي وشقيقها وزوجته وأولاده إلى الوادي الكود في محافظة أبين، وبينما نزحت أسر أخرى إلى مناطق ودول أخرى، ومنهم والدتها التي ذهبت إلى جيبوتي. "جعلتنا الأزمة نعيش في رعب، حيث فقدنا العمل وارتفعت الأسعار."، تقول بأسف.

يوضح الباحث في حقوق الإنسان والصحفي أ. عاصم الخضمي كيف تتداخل عوامل الخوف وانعدام سبل العيش لدفع الأسر الساحلية نحو الرحيل، حيث يقول إن " فقدان مقومات الحياة في البحر وانعدام مصادر الرزق يتحولان إلى عامل ضغط رئيسي يدفع نحو سرعة النزوح. ويتزامن ذلك مع تفاقم المخاطر الأمنية، وانتشار الألغام المزروعة على طول السواحل، فضلاً على تلوث البحر بمهددات إضافية وألغام مرتبطة بقراصنة وافدين عبر عمليات الاختطاف والاعتقال المستمرة. هذا الواقع القاتم يُجبر الصيادين على ترك أعمالهم والنزوح نحو مناطق أكثر أمناً مثل حضرموت وشبوة وأبين، وحيث تتراجع حدة المخاطر".

ويضيف أن النازحين يواجهون أزمات ضخمة بسبب نقص فرص العمل وغياب الدور الحكومي والدولي المطلوب لخلق وظائف بديلة، مما يجعل الأسر رهينة للمساعدات المتقطعة دون قدرة فعلية على الإنتاج. ويرافق ذلك تدهور حاد في الخدمات الأساسية داخل المخيمات، مثل انعدام الرعاية الصحية، وشح المياه النقية، وغياب خدمات الصحة الإنجابية، وهو ما يضاعف المعاناة الإنسانية.

قبل الأزمة، كان صابر، وهو صياد من واحجة ذباب المخا المطلة على باب المندب، يحقق دخلاً يومياً يصل، بحسب إفادته، إلى 60–70 ألف ريال يمني، لكن العمل توقف لمدة شهر بسبب الخوف من الطيران الحربي، ثم لم تعد المشكلة مقتصرة على الخروج إلى البحر، فقد ارتفعت تكلفة الوقود. "كنا قبل الأزمة نأخذ الدبة ب 20 ألف ريال يمني، حاليا وصل سعرها إلى 100 ألف ريال يمني"، يقول صابر، مضيفا "لقد أثّرت علينا الأزمة كثيرا، حيث لا يوجد دخل قار، فأحياناً نحصل على الغذاء وأحياناً لا".

ويروي أن زوجته تُعاني من مرض الضمور في الدماغ كما حصلت لها جلطة دماغية، ما يؤثر على قدرته على توفير العلاج لها.

يشير تحليل نظم سوق المصائد السمكية الذي نشره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في يونيو 2026 إلى "هشاشة وضع الصيادين نتيجة ارتفاع أسعار الوقود، ومحدودية التمويل، وعدم استقرار أسعار الأسماك، وتراجع المصيد". كما وثقت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في ذباب أن جزءاً كبيراً من دخل الصياد يذهب أصلاً إلى الوقود وصيانة القوارب ومعدات الصيد، وأن الصياد قد يعود من البحر بكمية من الأسماك لا تغطي حتى تكلفة الرحلة. 

تقول أم محمد أن زوجها كان مصدر الدخل الأساسي للأسرة: "إذا ما في شي في البحر لا الغذاء ولا عشاء ينتظران أطفالي عندما يعودون".

وتضيف أنها نزحت بسبب الحرب، وحصلت هي وأسرتها على مساعدات إيوائية، لكنها لم تحصل على الغذاء والاحتياجات الصحية الكافية.


الواقع الصعب في مخيمات النزوح


بحسب بيانات الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في المحافظات المطلة على باب المندب الحديدة وتعز، فقد بلغ عدد النازحين حتى 30 سبتمبر 2026 نحو 29,506 أسرة، تضم 197,945 فردًا. وتشير هذه الأرقام إلى اتساع الاحتياجات الإنسانية.

 أثر النزوح لا ينتهي بمجرد وصول الأسر إلى منطقة أكثر أماناً، فبالنسبة إلى كثير من الأسر تبدأ معركة جديدة أخرى لتأمين الغذاء والماء والمأوى والعلاج، خصوصاً عندما تضطر الأسر إلى ترك ممتلكاتها ومصادر دخلها خلفها.

توضّح الأستاذة أمة الله عبد الله، مسؤولة النازحين في اليمن، أن فقدان مصدر الدخل لا يكون دائماً السبب المباشر للنزوح، لكنه يتحول إلى عامل ضغط إضافي عندما تجتمع خسارة الرزق مع الحرب وانعدام الأمن وارتفاع الأسعار وضعف الخدمات.

وتروي أمة الله حالة أسرة غادرت منطقة الوازعية ولم تتمكن من اصطحاب سوى بقرة واحدة قبل أن تضطر إلى بيعها بأقل من سعرها لتوفير الطعام بعد الوصول إلى منطقة النزوح.

تكشف هذه الحالة كيف لا يفقد النازحون ممتلكاتهم فحسب، بل قد يضطرون أيضاً إلى بيع ما تبقى لديهم من أصول لتلبية احتياجاتهم الأساسية، حتى لو كانت تلك الأصول مصدراً محتملًا للدخل والتعافي في المستقبل.

وبالنسبة إلى الأسر الساحلية، قد تتخذ الخسارة شكلًا آخر؛ إذ يمكن أن يؤدي الابتعاد عن البحر وتعطل الصيد إلى فقدان مصدر الدخل الذي كانت تعتمد عليه الأسرة.

بعد وصول أم علي وأسرتها إلى الوادي الكود في محافظة أبين، لم تبدأ حياة مستقرة جديدة، حيث تؤكد أن الأسرة منذ نزوحها لم تحصل على الغذاء الأساسي، وإنما حصلت على بعض المواد الإيوائية: "من وقت نزوحنا ما تلقينا غذاء أساسي إنما كماليات وأدوات ايوائية كالفرشان".

لا يختلف وضع أم محمد عما تعيشه أم علي، التي تروي بأسف: "نحن أسرة كبيرة مكونة من خمس عائلات، نعيش في هذا المكان على التراب. الحياة هنا صعبة، فلا مسكن ولا علاج لنا والبعوض قتلنا". وتُضيف أن هناك مشاكل في القدرة على الوصول إلى الأدوية، فهي تُعاني من الغدة الدرقية ولم تستطع الحصول على علاجها، كما أنها تشكو من ارتفاع ضغط الدم ولا يتوفر الدواء الخاص به في الوحدة العلاجية.

توضّح أمة الله عبد الله أن الفجوة بين الاحتياجات والمساعدات للنازحين لا تقتصر فقط على الغذاء، بل تشمل المأوى والمياه النظيفة والصرف الصحي والرعاية الصحية وخدمات الصحة الإنجابية والحماية. وتشير إلى أن بعض التدخلات الإنسانية تشمل توزيع مواد غذائية وبطانيات وفرش وحقائب، لكنها ترى أن هذه المساعدات لا تزال محدودة مقارنة بالاحتياجات التي رصدتها في مناطق النزوح.


النساء يتحملن العبء الأكبر

 

تتحمّل النساء أعباء النزوح بشكل أكبر. في هذا الصدد، تُبيّن أمة الله عبد الله أن بعض النساء نزحن أكثر من مرة، فيما فقدت أخريات أزواجهن وأصبحن مسؤولات عن إعالة أطفالهن من دون مصدر دخل ثابت. كما رصدت، بحسب إفادتها، حالات لنساء حوامل ومرضعات وصلن إلى مناطق النزوح من دون مأوى مناسب أو خدمات صحية كافية. هذا ما حصل في مخيم القحفة الحمراء،غربي مدينة تعز، حيث تعيش النازحات ظروفا معيشية قاسية لدرجة أن بعض النساء اضطررن إلى الولادة في العراء أو تحت الأغطية البلاستيكية.

ترى أمة الله، أن فقدان الدخل ينعكس على قدرة النساء على إعالة أسرهن واتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهن، لاسيما عندما تتزايد مسؤوليات الرعاية وتتقلص فرص العمل. ومع تواصل النزوح، قد تجد المرأة نفسها عالقة في دائرة تبدأ بفقدان الأصول والدخل، ثم تتسع مع زيادة الأعباء الأسرية والاعتماد على المساعدات.

ويزداد الوضع سوءا بالنسبة إلى النساء الحوامل والمرضعات والنساء المعيلات لأسرهن اللواتي قد يحتجن إلى تدخلات مختلفة لا يمكن تلبيتها من خلال توزيع المساعدات العامة وحدها.

كانت عصماء، زوجة ابن أم محمد، عروساً جديدة عندما اضطرت إلى الإنتقال من موزع إلى المخا، حيث تقول "كنت متحمسة للعيش في المخا ولكنني تفاجأت بالنزوح بعد أسبوع من عرسي".

تُبيّن شهادة عصماء كيف يمكن للنزوح أن يغيّر حياة المرأة في لحظة يُفترض أن تكون بداية لحياة جديدة. لكن المخاطر التي تواجه النساء أثناء النزوح لا تتوقف عند فقدان المنزل أو الدخل، حيث تُشير انتصار الهدالي، رئيسة مؤسسة «من حقي» لتمكين المرأة سياسياً، إلى  أن النساء النازحات قد يواجهن العنف القائم على النوع الاجتماعي، والاستغلال والتحرش، والعنف الأسري، والزواج القسري أو المبكر، إضافة إلى الفقر وفقدان السكن والوثائق وصعوبة الوصول الآمن إلى الخدمات.

وتضيف الهدالي أن الحقوق الأكثر عرضة للتأثر أثناء النزوح تشمل السكن الملائم والتعليم والصحة والعمل وكسب الرزق والحماية من العنف والحصول على الوثائق القانونية والمشاركة في القرارات التي تؤثر في حياة النساء.


تأثير الأزمة السياسية والحرب في باب المندب على تلوث البحر


يقول صابر، أحد الصيادين: " قبل الأزمة، كان البحر نظيفا، لكن لونه أصبح في الآونة الأخيرة مختلفا ولا ندري إذا كان ذلك بسبب الحرب أم بسبب التغير المناخي."  

بين عامي 2020 و2026، تحوّل باب المندب إلى بؤرة أزمة بحرية متشابكة بفعل النزاع في اليمن وتصاعد الهجمات على السفن التجارية منذ أواخر عام 2023، ما أثار مخاوف بشأن سلامة الملاحة الدولية والتجارة والبيئة البحرية. وتفاقمت المخاطر مع غرق السفينة "روبيمار" في فبراير 2024، وهي تحمل نحو 41 ألف طن من الأسمدة، بما سلط الضوء على احتمالات التلوث البحري. وفي ممر استراتيجي تتقاطع فيه المصالح التجارية والأمنية، امتدت تداعيات الأزمة إلى الصيادين والمجتمعات الساحلية وأمنها المعيشي. 

لا تقتصر آثار الأزمات التي تواجه السواحل اليمنية على البحر والكائنات التي تعيش فيه، بل تمتد إلى حياة المجتمعات التي تعتمد عليه في الغذاء والعمل والدخل. ويوضح المهندس عدنان عبدالله، الخبير في علوم البحار والبيئة، أن عدن والسواحل اليمنية تشهد مجموعة من التحديات البيئية، من بينها تدهور جودة المياه، وتراكم النفايات البلاستيكية والصلبة، وتآكل السواحل، وتراجع بعض الموائل البحرية المهمة، مثل الشعاب المرجانية وغابات المانجروف، إلى جانب الضغوط الناتجة عن الأنشطة البشرية وتغير المناخ.

ويشرح عدنان أن ارتفاع درجة حرارة مياه البحر، وتغير أنماط الرياح والأمطار، وارتفاع مستوى سطح البحر، يمكن أن تؤثر في توزيع الأسماك والموائل البحرية والموارد الطبيعية. وقد تنعكس هذه التغيرات على إنتاجية المصايد، وبالتالي على دخل الصيادين والأسر التي تعتمد على البحر مصدرًا للرزق.

ولا يتوقف التأثير عند الصياد الذي يخرج إلى البحر، بل يمتد إلى سلسلة واسعة من الأعمال المرتبطة بالصيد، مثل نقل الأسماك وصيانتها، فضلًا عن الأنشطة التي تمارسها النساء في تجهيز الأسماك وتسويقها وبعض الأعمال المرتبطة بمعدات الصيد. وعندما يقل الصيد أو تتراجع الموارد البحرية، قد تتقلص فرص العمل وينخفض دخل الأسرة، ما يزيد صعوبة توفير الغذاء والاحتياجات الأساسية.

من جهته، أوضح المختص في البيئة، الأستاذ محمد سعد، أن تلوث المياه وتراكم المخلفات يهددان الموائل البحرية ونظافة الشواطئ وفرص السياحة البيئية. وتنعكس هذه التحديات على الأسر الساحلية، خصوصًا النساء العاملات في مجال الصيد. ودعا سعد إلى تعزيز الرصد البيئي طويل الأجل، ودعم المؤسسات البحثية بالمعدات والكوادر، وتطوير التنبؤات الجوية وأنظمة الإنذار المبكر بالكوارث.

ولا تنفصل هذه الإجراءات عن احتياجات السكان؛ فتنويع مصادر دخل المجتمعات الساحلية يمكن أن يساعد الأسر على مواجهة تراجع الصيد، ويحد من اعتمادها على مصدر رزق واحد. وينبغي أن تشمل هذه الجهود النساء العاملات في تجهيز الأسماك وتسويقها والأنشطة المرتبطة بها، لأن تراجع الموارد البحرية قد يؤثر في دخلهن حتى إن لم يعملن مباشرة في الصيد.

وتلخص رؤية المهندس عدنان العلاقة بين البيئة والمجتمع في أن حماية البيئة الساحلية ليست قضية علمية أو بيئية فقط، بل ترتبط أيضًا بالغذاء والصحة والدخل وقدرة المجتمعات الساحلية على الصمود. ومن هذا المنطلق، فإن حماية البحر في خليج عدن والسواحل اليمنية ينبغي أن تسير بالتوازي مع دعم سبل العيش، وتحسين البيانات البيئية، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية في تحديد المخاطر وصياغة الحلول.


من الإغاثة إلى التمكين


تطرح أزمة النزوح ضرورة ايجاد حلول للنازحين خاصة من الصيادين، لاستعادة نشاطهم السابق وبناء حياة جديدة مستقرة. 

يرى كبير الصيادين في المخا، عبده محمد، أن الأولوية هي أن يحصل  الأشخاص الذين فقدوا أعمالهم في المخا والبحر على فرص عمل في المناطق التي نزحوا إليها حتى يستطيعوا التكيف مع الوضع والإنفاق على أسرهم. كما أشار إلى النساء اللواتي فقدن أزواجهن أو مصادر رزقهن نتيجة الأزمة، ويرى أنهن يحتجن إلى مشاريع صغيرة تمكنهن من الإنفاق على أطفالهن. وهذا يلتقي مع الاتجاه الموجود في برامج التنمية الحالية لقطاع الأسماك في اليمن؛ فبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي يشدّد على أن التدخلات في قطاع المصائد لا تقتصر على إعادة البنية التحتية، وإنما تشمل خلق فرص دخل مستدامة، وتطوير سلسلة القيمة، مع تركيز خاص على تمكين النساء. 

من جانبها، تؤكد أمة الله عبد الله على أن المساعدات الطارئة ضرورية في المراحل الأولى من النزوح، لكنها لا تكفي وحدها عندما تطول الأزمة. وتشدّد على أهمية توفير فرص اقتصادية تساعد النساء على استعادة مصادر دخلهن، بدلًا من استمرار اعتمادهن على المساعدات.

وتشمل الخيارات التي تقترحها: المنح الإنتاجية الصغيرة، ودعم الزراعة المنزلية وتربية المواشي والدواجن والصناعات الغذائية والمنزلية والخياطة وإعادة التدوير، إلى جانب التدريب المهني المرتبط باحتياجات السوق الفعلية.

وتؤكّد أمة الله عبد الله على أن تصميم المشاريع يجب أن يبدأ بالاستماع إلى النساء أنفسهن، ومعرفة احتياجاتهن ومهاراتهن والعوائق التي تواجههن، بدلًا من فرض حلول جاهزة عليهن.

وتقترح إشراك النساء في جميع مراحل التدخل، بدءًا من تحديد الاحتياجات وتصميم البرامج، مرورًا بالتنفيذ، وانتهاءً بالمتابعة والتقييم، فالمشاركة الحقيقية لا تعني سؤال النساء عن احتياجاتهن فقط، بل منحهن دورًا في تحديد الأولويات واتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهن وسبل عيشهن.

من جهتها، تعتبر انتصار الهدالي أن النساء النازحات لسن أرقامًا في قوائم المساعدات، بل صاحبات حقوق وقدرات ويجب أن يكنّ شريكات في صياغة الحلول وإعادة بناء مجتمعاتهن".

هكذا يبدو باب المندب من بعيد ممراً بحرياً استراتيجياً تتشابك حوله المصالح الأمنية والتجارية، لكن الاقتراب من حياة سكانه يكشف وجهاً آخر للأزمة؛ نساء فقدن بيوتهن ومصادر رزق أسرهن، و صيادون أصبح البحر بالنسبة إليهم مصدراً للخوف والخسارة بعد أن كان مصدراً للحياة.

بالتالي، فإن مستقبل باب المندب لا يُقاس بسلامة الملاحة وحدها، بل أيضاً بقدرة سكانه على استعادة سبل عيشهم، وحماية بيئتهم، والمشاركة في القرارات المتعلقة بحياتهم، فمن الشرفة نرى الممر البحري، لكن من الشاطئ نفهم ثمن الأزمة؛ وبين الرؤية والقرار، يجب ألا تبقى النساء خارج الصورة.


 
 

مع ساعات الفجر الأولى، ترش السبعينية "أم كريم" رذاذ الماء على بسطة الخضار في سوق الرضوي بمدينة الصدر، لتعيد إنعاش بضاعتها قبل اشتداد الحرارة. على بعد أمتار منها، تجلس "أم صابرين" (45 عاماً) خلف لوح خشبي مبلل لتنظيف الأسماك، مرتدية قفازات جلدية سميكة تخفي تشققات أصابع أنهكها عقد كامل من العمل الشاق عقب وفاة زوجها بسبب فشل كلوي، تاركاً إياها تعيل وحيدة طفلين وأما مريضة.


تشكل الأسواق الشعبية فرصة عمل لنساء وجدن أنفسهن المعيلات الوحيدات لأسرهن في غياب أية حماية اجتماعية.

ويستوعب الاقتصاد غير المنظم في العراق ما بين 50% إلى 60% من إجمالي القوى العاملة، حسب دراسة لمنظمة العمل الدولية نشرت في 2021، أي أن أكثر من خمسة ملايين عامل ينشطون خارج المظلة التأمينية. وتتراجع مشاركة الإناث في القوى العاملة الرسمية إلى ما بين 11% و13%، حسب موقع البنك الدولي، بينما تُبيّن بيانات التعداد العام للسكان لسنة 2024 أن هناك نحو مليون أسرة ترأسها نساء بنسبة 11.33% من إجمالي الأسر. ويتركز ثقل هذه الأسر في أحياء أطراف بغداد، مثل مدينة الصدر والشعلة، حيث تتراوح معدلات الفقر بين 20% و24% لأسرة يبلغ متوسط أفرادها 5.7.



السلف التشاركية… بنوك تضامنية لمساعدة البائعات


في ظل امتلاك أقل من 20% من العراقيات حسابات مصرفية نشطة، واشتراط المصارف كفالات موظفين وضمانات عقارية يعجز عنها صغار الكسبة للحصول على تمويل لمشاريعهن، ابتكرت البائعات نظامهن الائتماني الخاص عبر السلف التشاركية (جمعيات الادخار التدويري) لتأمين السيولة بفائدة صفرية وحماية أنفسهن من المرابين.


توفر أم كريم خمسة آلاف دينار عراقي يومياً من أرباحها لصالح سلفة دورية تديرها بائعة موثوقة في السوق، مكنتها طوال 35 عاماً من تحمل نفقات تدريس ابنيها حتى تخرجا من المرحلة المتوسطة وبناتها الثلاث اللواتي أنهين تعليمهن الابتدائي، بالإضافة إلى ترميم جدار منزلها. تقول أم كريم: "لا أحب البقاء في البيت بين أربعة حيطان… العمل هو الذي يساعدني ويعطيني القوة، حتى لو اضطررت أن أبقى واقفة من الصباح إلى المساء" وتضيف " توفير خمسة آلاف دينار عراقي يوميا للمشاركة في السلفة أمر يرهقني ولكن ذلك هو ما مكنني من تربية أطفالي وتعليمهم وترميم البيت الذي كاد يقع فوق رؤوسنا".


وفي سوق" مريدي"، تدير الستينية "أم ناظم" كشكاً للملابس المستعملة(البالة)، وتخصص دفتراً لتسجيل مبيعات (البيع بالآجل) لنساء الحي اللاتي يعجزن عن الدفع الفوري. وإلى جانب ذلك، تدير صندوقاً تضامنياً يضم عشر نساء باشتراكات يومية تُقبض شهرياً، لكنه محكوم بقواعد مرنة تتجاوز الحسابات المالية الجافة، إذ توضح هذه الأخيرة: "الناس تعيش في ضيم، وكلما احتاجت زبونة أن تؤجل الدفع لتشتري ما تحتاجه من ضروريات لأطفالها، لا أستطيع أن أرفض، فأسجل المبلغ في الدفتر وأصبر." وتتابع " السلفة تجمعنا نحن عشر نساء، كل شهر واحدة منا تقبض المبلغ، نحن الفقراء نساعد بعضنا البعض، ولا نيأس من رحمة الله". وتوظف المجموعة سلفاً سنوية باشتراكات أكبر لشراء بالات ملابس كاملة لتوسيع الكشك وتجديد البضاعة.




عجز مؤسسات الدولة عن إيجاد بدائل

رغم إقرار قانون التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال رقم 18 لسنة 2023  والذي يشمل الضمان الاختياري بمساهمة حكومية تبلغ 15% مقابل 5% يدفعها العامل، يبقى أكثر من 90% من العاملين في الأسواق المفتوحة خارج التغطية نتيجة تعقيدات الإجراءات الرقمية وضعف الرقابة وتذبذب الدخل اليومي، كما تتراوح إعانات شبكة الحماية الاجتماعية بين 125 ألف دينار (ما يقارب 90 دولار أمريكي)، كحد أدنى للمرأة المعيلة و325 ألف دينار (ما يقارب 220 دولارًا أمريكيًا)، للأسرة المكونة من أربعة أفراد فما فوق، وهي مبالغ لا تسد تكلفة المتطلبات الأساسية في ظل التضخم المستمر.


تبدأ رحلة أم صابرين عند الرابعة فجراً بالتوجه إلى علوة سوق التاجي شمال بغداد لجلب الأسماك، متقاسمة تكلفة سيارة الأجرة مع باعة آخرين لتقليص نفقات النقل، بينما يتولى زملاؤها في السوق مساعدتها في تفريغ وحمل الصناديق الثقيلة. تصف أم صابرين واقعها قائلة: "شغل السمك يكسر الظهر، فالماء بارد في الشتاء، في حين أن حرارة الصيف تُتلف الأسماك، بالإضافة إلى الروائح الكريهة والاوزان الثقيلة. ولكن ما العمل؟ فليس لدي خيار آخر بعدما توفي زوجي وترك لي أطفالا لأعيلهم إلى جانب أمي المريضة".

وفيما يخص مراجعاتها المتعثرة لدوائر الحماية الاجتماعية، تقول: "كلما ذهبت إلى هناك، قيل لي أن النظام معطل وأن المعاملات مجمّدة بحجة الإنتخابات. لو اعتمدت على مساعدة الدولة لمت جوعا، بالتالي، ليس لدي من حل سوى الإعتماد على نفسي كي أوفر لقمة العيش لي ولأطفالي". 


تشن أمانة بغداد حملات دورية لإزالة البسطات غير المرخصة بدعوى تنظيم الفضاء العام وفتح الطرقات، دون طرح بدائل مكانية مستدامة. هذا ما اضطر أم صابرين إلى شراء لوح خشبي مستعمل والانتقال إلى داخل الأزقة الضيقة بعد تجريف بسطتها السابقة قرب الشارع العام. 

وترى الباحثة في الشأن الاقتصادي، آمنة أحمد أن " تعامل دوائر البلديات والجهات ذات العلاقة مع البسطات كتشويه بصري للفضاء العام، يتجاهل حقيقة كون كل بسطة تُطعم خمسة أو ستة أفراد، مشيرة إلى أن حرمان المعيلات من مساحات عمل مرخصة وميسرة التكلفة في ظل محدودية المواقع البديلة، يقطع مصدر الدخل الوحيد عن أسر تعتمد كلياً على مبيعات الأسواق الشعبية".

عند مغيب الشمس، تجمع أم كريم ما تبقى من خضارها بعد 12 ساعة من العمل المتواصل في سوق لم يتبق فيه من جيلها سوى خمس بائعات يواجهن الأمراض المزمنة دون معاش أو رعاية صحية. وبين دفتر ديون أم ناظم وألواح سمك أم صابرين، تواصل الأسواق الشعبية والبسطات أداء دورها كشبكة حماية تعاونية تديرها نساء يقتطعن من عرق يومهن كلفة مواجهة أعباء الحياة، أمام عجز المؤسسات عن توفير بديل.



لقد تم انتاج هذا المقال ضمن مشروع "أصوات نساء بلا حدود من أجل السلام" (VFSF)، وهي مبادرة من منظمة المساعدات الإنسانية والصحافة (AHJ)و بدعم من الصندوق الأوروبي للديمقراطية (EED).


 
 

على الرغم من أن المادة 41 من الدستور اليمني تنص على  أن "المواطنين جميعهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة"، والمادة 31 تقر بأن "النساء شقائق الرجال"، لكن لا تزال النساء في اليمن يواجهن تمييزاً قانونيا ًومؤسسياً يُقصيهن من مراكز صنع القرار ويهمّش دورهن الأكاديمي والقيادي.


الدستور في ظاهره يؤكد على مبدأ المساواة، إلا أنه يفتقر إلى نص صريح يُجرّم التمييز القائم على أساس النوع الاجتماعي، ما يُبقي الباب مفتوحاً أمام ممارسات إقصائية تُفرغ هذه المبادئ من مضمونها.

في المقابل، تميّز دستور جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بنصوص أكثر تقدما ًووضوحًا؛ إذ نصت المادة 27 على أن "المرأة تتمتع بحقوق متساوية مع الرجل في جميع مجالات الحياة"، فيما ألزمت المادة 31 الدولة بإزالة القيود التي تعيق تطور المرأة، وضمنت المادة 32 حقها في العمل والتعليم وتقلد المناصب، إضافة إلى المساواة في الأجر.

غياب مصطلح "عدم التمييز" في الدستور الحالي يمثل ثغرة قانونية، تعيق تمكين المرأة، خاصة في ظل وجود مواد تمييزية في قوانين الأحوال الشخصية والعقوبات، رغم التزامات اليمن باتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المراة (سيداو) والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

يهدف هذا التقرير إلى تحليل التمييز القانوني والمؤسسي بين الجنسين في اليمن واقتراح حلول تضمن العدالة والمساواة أمام القانون.


تحولات في مشاركة النساء في صنع القرار قبل الوحدة وبعدها


خلال فترة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية من عام 1978 الى عام 1989 المعروفة بمرحلة ما قبل الوحدة، لم تكن المرأة في اليمن غائبة عن المشهد القيادي. ففي الجنوب، برزت أسماء نسائية في مواقع غير مسبوقة: أول نائبة وزير، أول عميدة كلية، أول قاضية، وأول إعلامية تظهر في التلفزيون والإذاعة الرسمية، في سياق دستوري وقانوني تقدّمي دعم حضورها. لتعزيز حقوق المرأة، وقّعت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية على اتفاقية سيداو عام 1984، مما منح النساء أدوات قانونية للدفاع عن حقوقهن في المحافل الرسمية والمدنية. لكن مع قيام الوحدة في عام 1990، وبالتحديد بعد حرب صيف عام 1994، شهدت المرأة في جنوب اليمن تراجعاً كبيراً في حضورها السياسي، إذ ألغيت كثير من التشريعات التقدمية، وتم استبدالها بقوانين محافظة، مما نتج عنه إقصاء ممنهج للنساء من مراكز صنع القرار، وتراجُع تمثيلهن في المؤسسات التشريعية والتنفيذية. على سبيل المثال، جرى استبدال قانون الأسرة الجنوبي الذي كان يضمن المساواة في الحقوق والواجبات، بقانون الأحوال الشخصية الموحّد الذي رسّخ الهيمنة الذكورية في قضايا الزواج، والولاية، وحضانة الأطفال، كما تراجع الالتزام بتعيين النساء في المناصب القيادية، وغابت السياسات التي كانت تُلزم المؤسسات بتمثيل النساء في مواقع القرار.



تظل نسبة مشاركة المرأة في مراكز صنع القرار ضعيفة، حيث لم تتجاوز 4.1% . من المناصب الوزارية منذ الوحدة 1990، مع تراجع كبير في وجودهن في هرم السلطة. 

في تقرير لموقع (منصتي 30)، تشير رئيسة اللجنة الوطنية للمرأة في اليمن، الدكتورة شفيقة سعيد إلى "تمثيل النساء بـ 5% في هيئة التشاور و20% في مجلس القضاء الأعلى، مع بعض التعيينات المحدودة في الوزارات". 



     المخطط يمثل مقارنة مع نسبة تمثيل النساء والرجال في عام 2014 الى عام 2022 (مصدر: تقرير وضع المرأة في اليمن لعام 2022م-1444ه).


ترى الناشطة الحقوقية البارزة وعضو سابق في مجلس الشورى اليمني، الأستاذة نور باعباد "أن الوحدة لم تحقق العدالة في مشاركة النساء في الحياة السياسية، بل عزّزت مكانة أصحاب النفوذ، إضافة إلى ثقافة الولاء والمحاصصة والبنية القبلية، مما أدى إلى تراجع دور المرأة وتهميشها".

تعتبر باعباد "ان تخصيص 30% من مقاعد مؤتمر الحوار الوطني للنساء، كان خطوة مهمة في سبيل الاعتراف بحقهن في المشاركة السياسية". وقد شكّل هذا المؤتمر الذي أُطلق عام 2013 واستمر الى يناير 2014، كجزء من العملية الانتقالية عقب الثورة الشعبية منصة جامعة، حيث جمعت القوى السياسية والاجتماعية من مختلف الأحزاب السياسية والنساء والشباب ومنظمات المجتمع المدني، بهدف وضع أسس لدستور جديد وبناء دولة مدنية حديثة. 

لكن هذه الخطوة، رغم رمزيتها، لم تتحول إلى التزام دائم أو سياسات ملزمة؛ لذلك، تدعو نور باعباد إلى "تشكيل تنظيم نسوي موحد"، يضغط من أجل تمثيل النساء في مواقع صنع القرار على أساس الكفاءة والاستحقاق، بدلًا من الاعتماد على معادلات التسوية السياسية.


"احتلال تشريعي"


تصف الأستاذة نادرة عبد القدوس، رئيسة اللجنة الإعلامية  في المجلس الانتقالي، التغيير الشامل للقوانين بعد الوحدة بأنه "احتلال تشريعي"، مؤكدة على الانحسار الكبير لدور المرأة في الحياة العامة، فبعد أن كانت المرأة اليمنية أديبة، صحفية، وذات وعي مجتمعي فاعل، أصبح وجودها اليوم محصورا في مهن محددة مثل التعليم، المحاماة، الصحافة، الاستشارة، ولا يوجد لها دور فعال في الحكومة الجديدة. هذا التدهور واضح بشكل صارخ، خاصة مع وجود قوانين لم تُفعَّل بعد، مما يُبرز تراجع وضع المرأة مقارنة بالفترة السابقة التي شهدت فيها حضوراً قوياً في المناصب القيادية.

 تؤكد الناشطة الحقوقية الأستاذة مها عوض، مديرة مؤسسة وجود للأمن الإنساني، أن الدستور اليمني، رغم نصّه على عدم التمييز "يفتقر إلى مادة صريحة تُجَرِّم التمييز ضد المرأة، مما أدى إلى تراجع واضح في حقوقها". وتوضح أن هذا "النقص القانوني، مثل عدم إلزامية نظام الحصص (الكوتا) الذي كان يجب أن يُفرض بالقانون، أعاق تقدم المرأة".

كذلك تُبيّن عوض أن المادة 41 من الدستور ورغم تأكيدها على المساواة، تُحال في تطبيق حقوق المرأة إلى المادة 31 التي تُقَيِّدها بما "توجبه الشريعة"، وهذا يُستخدم لتبرير قوانين تمييزية ضد النساء ويفتح الباب أمام الفقه التقليدي بدلاً من تحقيق مساواة حقيقية، معربة عن أملها في تحسين وضع المرأة بوجود دولة حقيقية تضمن تطبيق القانون بإنصاف.

وحول أسباب تراجع دور المرأة في اليمن، تؤكد الأستاذة نور قايد، القيادية الحزبية من محافظة أبين، أن ضعف اهتمام صنّاع القرار بمسألة حقوق النساء، وغياب تفعيل القوانين، وضعف دور الأحزاب هي عوامل رئيسية وراء هذا التراجع. 

في سياق متصل، تُشير الأستاذة إشراق قائد، المديرة السابقة في مستشفى المصافي بعدن، إلى أن النظام التقدمي الذي كان سائداً في جنوب اليمن قبل الوحدة "وفّر للمرأة فرصاً متساوية للمشاركة في الحياة العامة مع الرجل"، على النقيض تماماً "أدت مرحلة ما بعد الوحدة إلى تهميش النساء بسبب غياب القانون وسيطرة الفكر القبلي".  


من الطليعة إلى التهميش: مسيرة الأكاديميات اليمنيات بين عهدين


في عهد جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، شكلت جامعة عدن منذ تأسيسها عام 1970 نموذجاً تقدمياً لتأهيل الكوادر الوطنية، حيث أُدرجت النساء ضمن مشروع الدولة الاشتراكية لبناء مجتمع عادل ومتساوٍ، وتم تمكينهن من الإستفادة من التعليم العالي والوصول إلى مراكز القرار الأكاديمي.

لكن بعد الوحدة عام 1990، بدأت ملامح التراجع تظهر، فقد واجهت الأكاديميات بيئة يغلب عليها الطابع المحافظ، وتضاءلت فرصهن في الترقّي الوظيفي والمشاركة في صنع القرار الجامعي. على سبيل المثال، عندما تأسس أول مركز للدراسات النسوية في جامعة صنعاء سنة 1993، على يد الدكتورة رؤوفة حسن السيد، أول امرأة يمنية تحصل على دكتوراه في الإعلام، تعرض للكثير من المضايقات وتم غلقه لاحقًا بفعل حملة تحريض من التيار الديني المحافظ.

منذ ذلك الحين، باتت الأكاديميات يعانين من تهميش ممنهج، تمثيل ضعيف في مجالس الجامعات، عوائق معيشية وإدارية، وتقييد للفرص المهنية. ورغم وجود تجارب واعدة في مناطق مثل حضرموت، إلا أن المرأة الأكاديمية في اليمن لا تزال تصطدم بجدران صلبة من التمييز المؤسسي والاجتماعي.

تؤكد القيادية البارزة في مجال الاكاديمية البروفيسورة رخسانه إسماعيل، مديرة مركز لعلوم والتكنولوجيا واستاذة البتروكيماويات في كلية العلوم، والمديرة السابقة لمركز المرأة، أن وصول النساء لمراكز صنع القرار بعد الوحدة "كان محدودا"، رغم وجود أربع قيادات نسائية في المجلس الجامعي في جامعة عدن. وتشير إلى أن "الوزارات السيادية لا تُمنح للنساء، بل يقتصر دورهن على الوزارات الهامشية بسبب النظرة الذكورية والثقافة المجتمعية".

رغم أن القانون لا يمنع وصولهن إلى مراكز القرار، إلا أن الأعذار لعدم تمكينهن من ذلك تُبنى على مفاهيم ثقافية تقليدية مثل رفض المرأة الإقامة في الفنادق أو العمل في بيئة فاسدة. ترى البروفيسورة رخسانه "أن النقابات ضعيفة وغير قادرة على الدفاع عن حقوق النساء". لذلك، تواجه بصفتها امرأة صعوبات في المجلس الجامعي نتيجة لجرأتها في قول الحقيقة، مما أدى إلى تهميشها. 

 

"النساء بعد الحرب تحملن أعباء أكبر"


تُسلّط رينا هيثم، مسؤولة الجندر في منظمة أوكسفام، الضوء على التحولات في أدوار المرأة اليمنية قبل وبعد الحرب، مستندة إلى دراسة لـ أوكسفام "تُبيّن أن النساء تحملن أعباء إنتاجية واجتماعية أكبر من ذي قبل".

وتؤكد هيثم أنه رغم مشاركة النساء المتزايدة في سوق الشغل، إلا أنهن ما زلن يواجهن قيوداً جمة بسبب العادات والتقاليد والعنف القائم على النوع الاجتماعي، خاصة في ظل الآثار الناجمة عن الحرب في اليمن وتاثيرها على حياة المرأة. وتوضح "أن فرص النساء في صنع القرار كانت أفضل بشكل ملحوظ قبل عام 1990، حيث كان هناك إيمان راسخ بقدراتهن". وتوجه رسالة الى السلطة تقول فيها "أعطونا الفرصة وسنبدع، لأننا خُلقنا متساوين في الفرص".

لا يعود تهميش النساء اليمنيات إلى غياب تشريعات واضحة فقط، بل إلى منظومة متقاطعة من النصوص الدستورية الفضفاضة، والأعراف الاجتماعية الذكورية، وآليات المحاصصة السياسية. وتُقصى المرأة عادة ليس لأنها عاجزة، بل لأن القوانين تُفسّر ضدها، والعادات تُستخدم كسلاح لإبعادها، كما أن المناصب تُمنح بالولاء لا بالكفاءة. 

ينضاف إلى كل ذلك أن قانون المساواة مُعطّل ليس بسبب قانون واحد، بل بسبب مزيج من نصوص دستورية وقوانين تمييزية (خاصة في قانون الأحوال الشخصية) وتفسيرات الدينية المتشددة بالإضافة إلى أعراف قبلية تتعارض مع المساواة وذلك بسبب ضعف سيادة القانون نتيجة الصراعات المستمرة في اليمن. وهناك فجوة من حيث المرجعية الفكرية في النصوص القانونية. بين دستور جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية لعام 1978، ودستور الجمهورية اليمنية لعام 1991، نشهد انتقالا من إطار قانوني يفرض مساواة مطلقة الى إطار يكرس تمييزاً ضد النساء مبرر دينياً وتغييب مصطلح "المرأة" كمواطنة مستقلة ذات حقوق، أي أنه قبل الوحدة كانت الدولة تدعم دور المرأة ومشاركتها، على عكس ما حصل ويحصل بعد ذلك.

بالتالي، تبرز الحاجة اليوم إلى ضرورة تعديل الدستور اليمني ليشمل مواد صريحة تمنع التمييز ضد المرأة وتعزز من حقوقها كمواطنة مستقلة. كما يجب إعادة فرض نظام الكوتا لدعم مشاركة المرأة في مواقع صنع القرار، بما يضمن تمثيلها بنسبة 30%  في البرلمان كمرحلة انتقالية نحو مشاركة متكافئة. الى جانب ذالك، من الضروري تنفيذ حملات توعوية للتغلب على الأعراف الاجتماعية التي تعيق تقدم المرأة، وتعزيز مفهوم المساواة بين الجنسين، مع تشجيع التنسيق بين المنظمات النسوية لتعزيز قوتها وقدرتها على المطالبة بحقوق النساء وتحقيق العدالة الجندرية.








 
 

Thanks for submitting!

صحافة_من_أجل_حقوق_الانسان#

bottom of page