top of page
Screenshot 2023-11-22 at 11.56.45 AM.png

يشكل السوريون 90 في المئة من اللاجئين وطالبي اللجوء في العراق، معظمهم يعيشون بشكل أساسي في إقليم كردستان.


يكشف هذا التحقيق كيفية وقوع سوريات وسوريين ضحية "بائعي الوهم" من شركات توظيف وسماسرة ومهربين وأصحاب ورش ومطاعم وصالونات، ومشغلي دعارة، ويسلط الضوء من خلال شهادات ضحايا ومتورطين، على أنماط من الاستغلال، ويبين تقاطع الأدوار بين منتفعين فاسدين وجهات متنفذة، مستفيدين من ضعف الرقابة على سوق العمل، كما يوضح مسارات رحلة الاستدراج والتهريب من أربيل إلى بغداد نتيجة ثغرات عند السيطرات أو من خلال "طرق نسيمية".


(استُخدمت في هذا التحقيق أسماء مستعارة بناء على رغبة المتحدثين و المتحدثات في حماية خصوصيتهم أو خشية الملاحقة القانونية)



مثقلة بقلق لا يفارقها، جلست غادة (اسم مستعار) قبالة فريق الصحفيات في ركن وفرته منظمة محلية تعنى بتمكين النساء وإنقاذ المعنَّفات في بغداد. ورغم الإرهاق الذي تملَّك من عينيها، أطلقت العنان لتفاصيل عن رحلة أمل تحولت إلى مسار ألم وإكراه واستغلال.


"كان كل همّي أهرب"

منعت الظروف خلال السنوات الماضية في سوريا غادة من تحقيق حلمها وإتمام دراسة الحقوق في جامعة دمشق. وبسبب تدهور الوضع الاقتصادي، بدا لها إعلان على "فيسبوك" لمكتب توظيف، يعرض فرص عمل في العراق براتب مغٍر 1000$ مع السكن والطعام المجاني، فرصًة لحياة أفضل. لم تكن تعرف أن المكتب الذي وعدها بعمل كريم في أربيل وتكفّل بإجراءات السفر من تأشيرة سياحية وتذكرة طيران، هو واجهة لشبكة استغلال.


في فندق يضج بالجالية السورية في سوق أربيل، باتت ليلتها في انتظار ترتيب نقلها إلى بغداد صباح اليوم التالي، في البداية كان الوضع طبيعيًا "بعدين طلعت بسيارة تهريب باتجاه بغداد تنكرت بلبس العباية والنظارات". وقد تبين للفريق من مصدر في القطاع الفندقي، أن هناك تنسيقًا بين الفندق وبين المستقدِمين بداعي التوظيف والمهربين الذين لديهم أماكن دائمة لركن سياراتهم أمام الفندق.


متخفية بعباءة ونظارة، جلست غادة في سيارة رباعية الدفع برفقة أفراد من عائلة السائق الذي عرَّف عنها عند السيطرة بأنها زوجة أخيه، "عند السيطرة ما انتبهوا، وسجلوا إقامة باسم الهوية بدون تدقيق بالشكل، والضابط صدّق وسوّى لي الإقامة بالحاسبة، وكملنا طريقنا".





الاستغلال والعمل القسري


من دون تدقيق بهويتها وصلت غادة إلى بغداد، لكن بدل مكتب التوظيف، وجدت نفسها في شقة "هناك سحبوا مني كل أوراقي"، وهناك أيضًا فهمَت أن "الشغل بيكون يا بالدعارة، يا بالملاهي، يا بالخدمة بالبيوت".


رفضت غادة خيارات تتنافى مع قناعاتها، وقبلت بالعمل في الخدمة المنزلية، كانت تشعر بأنها ملك لصاحب الشركة الذي يتحكم بمصيرها، "حسّيت حالي منباعة". أُتيحت لها فرصة العمل في متجر لأدوات التجميل، لكن المشغل ضاعف المبلغ المعتمد مقابل إتمام نقلها إلى صاحب المتجر مع أوراقها الثبوتية.


تقول غادة: "حاولوا يبيعوني بثلاثة آلاف دولار، بس الصفقة فشلت وقتها ضربني وكسرلي أنفي" ، في إشارة إلى المشغل.


بعد هذا التعنيف، تعرفت غادة على ضابط أمني رتب لها الانتقال تهريبًا إلى بعقوبة في محافظة ديالى حيث تنقّلت بين المطاعم والمقاهي وصالونات التجميل في ظل ظروف قاسية وساعات عمل طويلة، تحت وطأة تهديد بإعادتها إلى المشغل كلما اعترضت على ظروف العمل.




غرقت غادة في دوامة من العنف والاستغلال والابتزاز والإيهام بالحب والإجبار على الدعارة، وكان عليها لاستعادة حريتها دفع خمسة ملايين دينار، قيمة "رهنها" لـ "المشغل الكبير".


ما اختبرته غادة يستوفي شروط العمل القسري أو الاتجار بالعمالة، سواء من حيث الأفعال والوسائل التي تشمل الاحتيال، الإكراه النفسي والتهديد بالقوة، ومصادرة وثائق الهوية والتلاعب بالديون والمدفوعات. وهذه الجريمة يمكن أن تقع في مجالات ومهن مختلفة، غالبًا في المطاعم والفنادق وصالونات التدليك والتجميل والمتاجر.


ينص قانون العمل العراقي رقم (37) لسنة 2015 بوضوح في المادة 9 على حظر العمل الجبري أو الإلزامي بكافة أشكاله، منها العمل بالرق أو المديونية والمتاجرة السرية بالأشخاص والعمال المهاجرين والعمل المنزلي الذي يتضمن عوامل قهرية.



استدراج ووعود مغرية


تستهدف مكاتب التوظيف السوريين الباحثين عن العمل جراء ظروفهم الأمنية والاقتصادية، لكن النساء يخضعن لأنماط محددة من الاستغلال سواء من حيث المهن التي تزج بها أو شروط العمل.


توضح نسمة (اسم مستعار)، مسؤولة ملف السوريات في المنظمة التي لجأت إليها غادة، أن أساليب استدراج النساء تتنوع إما عبر عقوٍد مزيفة أو وعوٍد مغرية بالعمل، أو عبر محتالين بهيئة فاعلي خير يندسون في مجموعات "واتساب". وهكذا يقعن ضحية أشكال متعددة من الاستغلال في العمل والزواج القسري والاتجار الجنسي، وُيعاملن كسلع وسط تهديد دائم "يعني انت سورية حقك رصاصة زين...! وما حدا رح يعرف ما حدا رح يطالب فيك أصلًا" ، في ظل انعدام الحماية القانونية.


وشددت نسمة على دور منصّات التواصل الاجتماعي في تسويق فرص العمل والترويج لصورٍة نمطيٍة مضلِّلة عن "حياٍة مرفّهة" في العراق، وفي إعادة إنتاج صورة المرأة السورية بوصفها هشًّة وسهلة الاستغلال، ما يخلق بيئة خصبة للابتزاز.


"صورولي الحياة وردية" تقول الناجية هنادي (اسم مستعار)، شابة سورية وصلت إلى أربيل بتأشيرة سياحية ووعد بعمل في مركز تجميل في مدينة الرمادي. قام صاحب المركز بتهريبها بنفسه إلى الرمادي، "أخذني بسيارته من أربيل هو وابنه وزوجته ولبسوني عباية وحجاب، وعلى السيطرة ماحدا سألني شيء.. معالمي مخفية".


استغل صاحب المركز أن أوراق إقامتها قيد الإنجاز لدى محامٍ في أربيل، للمساومة أولًا على راتبها، ثم لإجبارها على الخدمة الجنسية بإجراء مكالماٍت عبر تطبيق "واتساب" ليلًا، لكنها لم تستسلم، تمكنت من الهرب إلى بغداد بمساعدة صديقتها.


في بغداد، ظل تهديد الاستغلال الجنسي يلاحق هنادي خلال تنقلها بين صالونات التجميل، تسمع عبارات من نوع "احمدي ربك ما اشتغلت عليكي"، في إشارة إلى أنه كان يمكن أن تُستغل جنسيًا. في أحد الصالونات، تديره سيدة، لزوجها نفوذ كما تقول هنادي، عانت كثيرًا من استغلال وظيفي وساعات عمل طويلة وتمييز في الأجور، ومحاولات تسليع، "قالوا لي منظرك مو حلو، لازم تغيري وجهك حتى نصورك وننشر صورك على صفحة الصالون"، لكنها رفضت رفضًا قاطعًا.


وخلال بحثها المستمر عن عمل، قرأت هنادي منشورًا على فيسبوك لشركة توظيف باسم "شركة ملاك" تبحث عن مصففة شعر، وفور وصولها إلى المكان المذكور اكتشفت أنه شقة تُستخدم للمتاجرة بالنساء، تقول هنادي "جاء رجل وسأل صاحب الشقة مشيرًا إليَّ قائلًا: هذه بكم تريدها؟ " فأجابه: "بثلاثة آلاف دولار وبعدها خام" أي لم يتم بيعها بعد لأي شخص، لم تمكث كثيرًا، هربت بمساعدة أحد العمال داخل الشقة. تمكنت لاحقًا من التواصل مع المنظمة نفسها التي تعمل فيها نسمة ووفرت العون لغادة، هناك حصلت على المساعدة لتصحيح وضعها القانوني، والحصول على أوراق رسمية من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.




مكاتب غير مسجلة وعقود عمل مزيفة


أظهرت عملية رصد لبعض المجموعات والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي كثافة منشورات بصيغة إعلانات فرص عمل من مكاتب توظيف أو شركات تجارية، فيما تبيّن أن جزءًا من هذا النشاط يدخل ضمن ما وصفته جوان الحمداني مديرة مشروع "أمان" لمكافحة الاتجار بالبشر، والمشاركة في إعداد الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر، بـ"التجنيد الإلكتروني".


الضحايا يُستدرجون عبر منشورات وهمية لفرص عمل مغرية، تظهر في التعليقات عليها شكاوى عديدة عن حالات نصب واحتيال من قبل بعض الشركات. وبعد التحقق من أسماء هذه الشركات عبر موقع وزارة التجارة والهيئة العامة للسياحة والآثار العراقيتين، وكذلك من خلال التواصل مع وزارة العمل السورية، تبيّن أن بعض هذه المكاتب غير مسجّلة رسميًا ومن دون تراخيص قانونية، وهو ما تؤكده الحمداني، التي أشارت إلى أن "في العراق، وللأسف، توجد بعض الشركات أو مكاتب الاستقدام غير المرخّصة، بل وحتى مكاتب وهمية. الضحايا لا يمتلكون أي معلومات عنهم؛ لا اسم صاحب الشركة ولا عنوانًا واضحًا، مما يجعل القاضي نفسه عاجزًا عن الوصول إليهم"، مضيفة أن هذه المكاتب "تتاجر بالعمال السوريين لصالح أصحاب عمل"، الأمر الذي يجعل الضحايا في موقع هشّ لا يحميهم فيه أي إطار قانوني، ويتيح لتلك المكاتب الإفلات من المساءلة القانونية.



لفت عدد من السوريين الذين التقاهم فريق التحقيق إلى أن العقود التي تُبرم مع بعض المكاتب غالبًا ما تكون شفهية، لا تضمن أي حق قانوني أو إقامة رسمية أو حتى تأمين صحي. ومن بين هؤلاء، عاملة في قطاع التعليم في أربيل أوضحت أن بعض المكاتب تتاجر بالعمال السوريين لصالح أرباب عمل، مقابل عمولات تصل إلى 600 دولار أو باقتطاع أول راتبين منهم.


وفي كثير من الأحيان، يتم تداول الضحايا كسلع بين المكاتب وأرباب العمل والشركات. يعطي المدير التنفيذي لمنظمة مصير لمكافحة الاتجار بالبشر في العراق باسم جبر مثالًا، "إن مكتبًا في أربيل قد يبيع 50 عاملًا أو عاملة إلى مكتب في بغداد بمبلغ 2000$، والذي بدوره "يبيعهم" إلى أرباب عمل بمبالغ تصل إلى 5000$" موضحًا أن بعض العاملات السوريات، خصوصًا ممن يعملن في فنادق فخمة، يخضعن للاستغلال الجنسي، فبعض أرباب العمل أو مسؤولو الفنادق يهددون بإبلاغ الجهات الرسمية عنهن إذا رفضن، أو كما قالت الناشطة نسمة، يجبرن على هذا النوع من الأعمال مقابل تحصيل "مبلغ البيع" وإعادة أوراقها الثبوتية لها. 



الطريق إلى بغداد: قانون غضّ النظر (مسارات التهريب وأساليبها)


خط إمداد هذا الاستغلال المنظم هو التهريب القائم على خط (أربيل- بغداد) عبر طرق متعددة تتداخل فيها حلقات من غياب الرقابة الصارمة على السيطرات، وصلات بين مكاتب التوظيف أو الجهات المشغلة والمستغلة، وتواطؤ من عناصر أمن، ودعم من جهات متنفذة.



أحيانًا تُنفّذ عمليات التهريب عبر مكاتب التوظيف نفسها، إذ يقول جبر إن بعض مديري هذه المكاتب يمتلكون نفوذًا واسعًا بحكم مناصبهم أو علاقاتهم مع جهات أمنية، ما يوفّر لهم غطاءً قانونيًا وحماية، أو يلجأ أصحاب الأعمال إلى علاقاتهم كما فعل محمود (اسم مستعار) صاحب شركة، الذي استعان بمركبات الجهات المتنفذة، أو هوياتهم كـ"خط أحمر" لعبور السيطرات موضحًا أن "السيارة الي تحمل كتابًا من هذه الجهة لا يتوقف فيها أحد"، وأضاف أن المبالغ لقاء تهريب كل شخص تتراوح بين 1,000$ – 5,000$ وقد تصل إلى 10000$ في حالاٍت أخرى، بحسب مستوى "التغطية" والاتفاقات المسبقة، أو نوع العمل الذي جاء العامل من أجله.


بعض عمليات التهريب تدار بتنسيق عالٍ لاختراق نقاط التفتيش، وأخرى باستخدام طرق فرعية ووعرة تسمى "طرق نسيمية"، وهي طرق نائية بين القرى غير خاضعة للسيطرات الأمنية.


تمكن الفريق من الحديث إلى المهرب ممد (اسم مستعار)، يعمل في شركة نقل كبيرة تمتلك أسطولًا من السيارات الحديثة مزوّدة بأنظمة تتّبع GPS. يوضح ممد أن كل الترتيبات بشأن مواقع تسليم السيارة وتجمع الركاب تتم عبر مكالمات هاتفية، "العمل منظم جدًا، لا يوجد شيء عشوائي، كل سيطرة نعرف من فيها وكيف تمرّ السيارة، أحيانًا نبدّل المركبة مرتين أو ثلاث حسب الحالة".


حسب ممد، فإن عبور سيارات الشركة يكون سلسًا بمجرد أن يرى عناصر الأمن رقم لوحة السيارة، أما حين يستخدم سيارته الخاصة، فإنه يلجأ إلى تدابير معينة للتخفيف من المخاطر والعراقيل منها اختيار "حسني المظهر"، وتحديد توقيتات خاصة تكون الرقابة فيها مخففة، لكن عند اشتداد التفتيش يقول ممد إنه يسلك الطرق "النسيمية"، أي الطرق الترابية الفرعية.


غرافيك مسارات التعريب بحسب المهرب "ممد"



دور ممد، كما يقول، ينتهي بإيصال الأشخاص إلى بغداد: "بعدين الموضوع يصير أكبر.. كله عقداء وفوق" في إشارة إلى استخدام بعض العناصر الأمنية لسياراتهم الخاصة ومناصبهم لمنافع شخصية بعمليات التهريب، وأوضح أن أجره الشخصي لا يتجاوز 50$ عن كل راكب، لا يعلم ممد حجم المبالغ التي تتحصل عليها الشركة، بينما تُذكر مبالغ أكبر تُدفع لمن وصفهم بـ "الضباط" (1,000–1,700$).



لكن هناك طرقًا قد تكون محفوفة بمخاطر، حتى لو كانت بمعية عنصر أمني. أنس (اسم مستعار) 19 سنة يعمل بوظيفة "كوافير" نسائي، وجد نفسه بلا مأوى في أربيل بعد خديعة من مشغّل، إلى أن وعدته زبونة في صالون تجميل بمساعدته من أجل العبور إلى بغداد عن طريق زوجها، وهو ضابط في القوات الأمنية على حد قوله.


نقل "الضابط" أنس و17 من رفاقه إلى بغداد بسيارته الخاصة مقابل 300$ للشخص، لكن الطريق لم يكن آمنًا، إذ رفض "الضابط" التوقف عند نقطة تفتيش، "عندما بدأ إطلاق النار، كان الشاب الذي بجانبي عاجزًا عن التنفس، أما أنا فلم أفكر إلا بأمي.. تخيّلت لو متُّ، ماذا سيكون مصيرها؟". فيما بعد توقف "الضابط" لتبديل السيارة في محطة وقود، مكملًا طريقه إلى بغداد.


عماد (اسم مستعار) عامل في أحد محال المعجنات، يعتقد أن السائق كان على تنسيق مع عناصر أمنية أو أشخاص ذوي نفوذ على نقاط التفتيش، "في كل مرة نقترب من سيطرة، كان يرفع هاتفه ويتحدث قائلًا: وصلتُ إلى النقطة الفلانية.. ثم يرسل إحداثيات الطريق". عبر عماد باستخدام طريقة الإخفاء داخل المركبات، "شعرتُ بالخوف، وأحسستُ أننا قد ننكشف في أي لحظة، سحب السائق هواتفنا وأطفأها، ثم جمع وثائقنا كلها".


تنفذ بعض رحلات التهريب عبر سيارات نقل باستخدام هويات مؤجرة أو يؤمنها السائق المهرب نفسه، كما يستخدم المهربون أساليب للتمويه بارتداء "العباءة والحجاب" لإخفاء هويات الفتيات.



خلال تتبع الفريق بعض المجموعات على الفيسبوك، التي ينشط فيها مقدمو خدمات العمل والنقل للسوريين من سوريا إلى العراق أو بين المحافظات، برزت حسابات مختلفة من بينها حساب لشاب عراقي يعرض خدماته للنقل. جرى التواصل معه من خلال حساب وهمي بشخصية فتاة سورية باحثة عن عمل في بغداد لكنها لا تملك تأشيرة للانتقال من أربيل إلى بغداد، فتجاوب معها، وطمأنها إلى أنه يمكنه العبور بها عبر طريق آمن على مسؤوليته بكلفة 500$، مشيرًا إلى ضرورة ارتداء الحجاب، وهذا يتطابق مع شهادتي غادة وهنادي.





الثغرات الأمنية والقانونية


الشهادات المختلفة تشير إلى تورّط عناصر أمنية وجهات متنفذة في تسهيل عمليات التهريب، وهذا ما أكده مصدر أمني في وزارة الداخلية لفريق الصحفيات، مفصحًا أن خلية الصقور الاستخبارية نفّذت "قبل أشهر قليلة" حملة اعتقالات واسعة، على خلفية قضية تهريب العمالة الأجنبية والمواد الممنوعة، شملت 10 ضباط من رتب تتراوح بين عقيد وعميد ومقدم في السيطرات الخارجية في بغداد، وذلك بعد اعتراف أحد عناصر الشرطة العاملين على أجهزة الفحص (الرابيسكان) بتورط عناصر آخرين، "كل السيطرات كانت تستفيد من التهريب، وتسمح بمرور المهربين و شاحناتهم مقابل رشىً ثابتة".


ويلفت المصدر الأمني إلى أن عملية التهريب لا تنجح بالتنسيق مع طرف واحد، "تمرّ الشاحنة فقط عندما يكون هناك تفاهم مسبق مع جميع الأجهزة الأمنية السبعة داخل السيطرة.. إذا اختلّ التنسيق مع جهة واحدة، تفشل العملية بالكامل".


ولتفادي نقاط التفتيش، أكد المصدر نفسه اعتماد شبكات التهريب على طرق ترابية غير خاضعة للرقابة (نسيمية) تمتد من السليمانية إلى ديالى وصولًا إلى بغداد، كما ثبت في حديثه للفريق الترابط بين التهريب والاستغلال والاتجار بالبشر، وأن العمالة المهربة في الغالب من الرجال، أما النساء فيُهرَّبن لغرض تشغيلهنّ في شبكات الدعارة المنتشرة في بغداد.


هذا التورط توثقه أيضًا تقارير دولية صادرة خلال الأعوام الثلاثة الماضية عن الاتجار بالبشر، تفيد أن مسؤولين حكوميين في مناصب قيادية وفروا الحماية للمتاجرين من التحقيق أو المقاضاة، وأنه رغم المحاولات الحكومية لتنظيم استقدام العمالة بقيت بعض وكالات التوظيف تعمل خارج سيطرة الحكومة، غالبًا بسبب ارتباطها بأحزاب سياسية أو جهات متنفذة أخرى.


وفيما يشير جبر إلى غياب آلية واضحة ومحددة لاستقدام العمالة الأجنبية للعراق، ووجود ثغرات قانونية تكمن في التنسيق بين الوزارات المعنية، يلفت إلى أهمية بناء قاعدة بيانات واضحة للعمال لمتابعة أحوالهم وحمايتهم من الاستغلال والاتجار بالبشر.



تجدر الإشارة إلى أن وزارة العمل السورية نفسها "لا تمتلك قاعدة بيانات محدثة للعمال السوريين في العراق" كما أوضح خليل عواد، مدير تنظيم العمل في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية، الذي اعتبر أن غياب الاتفاقيات الثنائية يجعل حماية هؤلاء شبه مستحيلة.


لكن ليس غياب التنسيق وحده ما يمنع حماية العمال من الاستدراج وتعريضهم للخطر عبر التهريب واستغلالهم. يشدد المتحدث باسم وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، حسن خوام أن "التحدي الأكبر هو محدودية عدد المفتشين مقارنة بحجم المشاريع في العراق".


وضعف القدرات البشرية له تبعات خاصة في حرمان الضحايا النساء من التدابير الحمائية المطلوبة، إذ حسب الحمداني، "لقلة الموظفين المختصين تضطر الجهات الرسمية إلى تنسيب موظفات من الداخلية للتعامل مع الضحايا في دور الإيواء". كما تشير إلى أن الإطار التشريعي ما يزال في طور المراجعة، لافتة إلى ضرورة إقرار تعديلات على قانون العمل رقم 37 لسنة 2015 وزيادة عدد دور الإيواء.


وإذ يقرّ خوام بوجود "مشكلة في متابعة من يدخلون بتأشيرات دينية أو سياحية ويتسللون إلى سوق العمل"، يشير إلى أن "الوزارة تحيل من تضبطهم إلى الجهات الأمنية المعنية بالترحيل".


وفي موازاة اعتماد الترحيل، حمَّلت المعالجات السابقة من وزارة الداخلية، مثل إجراء تصحيح الإقامة عبر مركز البيانات الوطني، المسؤولية للعمال المخالفين بدلًا من أصحاب العمل، خلافاً لما ينص عليه القانون العراقي.



العراق غير موقع على الاتفاقية الدولية الخاصة بحماية حقوق العمال المهاجرين وأُسرهم، ما يضع العمال المهاجرين، من ضمنهم السوريون، في موقع أضعف قانونيًا.



خاطب فريق الصحفيات دائرة الإعلام في وزارة الداخلية العراقية مرارًا، للحصول على مقابلة مع الجهات المعنية وضمان إيضاحها وردها بشأن ما ورد في التحقيق، لكن من دون تجاوب حتى لحظة النشر.


وقد تواصل الفريق مع اللواء الحقوقي مصطفى الياسري مدير مديرية مكافحة الاتجار بالبشر، للرد على ما ورد في شهادات الضحايا والمصادر الأخرى. فأوضح أن المديرية جهدَت لزيادة الكشف عن جرائم الاتجار بالبشر والحد من عمليات التهريب، وطورت من طريقة تعاملها مع الضحايا بوصفهم أشخاصًا بحاجة إلى الحماية، مشيرًا إلى توجيهات مجلس القضاء الأعلى بتمكين أجهزة إنفاذ القانون من تحديد الضحايا المحتملين بشكل استباقي، لضمان التعامل معهم أثناء التحقيق كضحايا، فيودعون في مراكز الإيواء إلى حين انتهاء التحقيق. وصحيح أنه يعمل على ترحيلهم إلى بلدانهم، إلا أن اللواء الياسري شدد على أن الضحية لا تلاحَق قانونيًا، في حين تُتخذ إجراءات صارمة بحقّ من ينقل أو يؤوي أو يستقبل عمالة أجنبية غير نظامية. وبهدف طمأنة الضحايا للإبلاغ عن مستغلّيهم من دون الخوف من الوصمة أو من الملاحقة القانونية، لا سيما للنساء، وحَّدت المديرية رمز الاستجابة السريعة (911) لتسهيل وصول الضحايا والمبلّغين عن حالات الاستغلال أو التهريب، موضحًا أن الاستجابة تتم خلال دقائق وتتبعها إجراءات قانونية عاجلة، مع إحالة الضحايا إلى دور الإيواء بسرّية تامة. كما بيّن أن وزارة الداخلية عززت هذه الدور بكوادر نسائية مدرَّبة دوليًا لضمان التعامل الإنساني مع الضحايا النساء.


تقرير الاتجار بالبشر الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية - العراق 2025


"لا تفي الحكومة العراقية تمامًا بالحد الأدنى من معايير مكافحة الاتجار بالبشر، لكنها تبذل جهودًا لتحقيق ذلك"





أعلنت وزارة الداخلية العراقية عن استهداف 220 شبكة دولية للاتجار بالبشر منذ مطلع عام 2025 وشملت العمليات ما يلي:

كما شدَّد اللواء الياسري أن ربط المديرية مباشرة بوزير الداخلية ووكيل الاستخبارات منحها حرية في اتخاذ القرارات مهما كانت صفة المتورطين. وفي هذا السياق، لفت إلى إجراءات اتُخذت خلال العام الماضي في حق نحو 400 ضابط فصلوا وأُحيلوا إلى المحاكم بقضايا مختلفة من ضمنها عمليات تهريب واتجار بالبشر، في إطار سياسة المساءلة وعدم التساهل مع الفساد.


وبالرغم من إجراءات تعتمدها وزارة الداخلية للحد من عمليات التهريب عبر إعادة تأهيل السيطرات، وتحديث الأجهزة التقنية وتعزيز القدرات الاستخبارية، فإن اللواء الياسري أشار إلى أن الثغرات لا تزال موجودة، لا سيما في الطرق الرابطة بين إقليم كردستان وباقي مناطق العراق، وتستغلها شبكات التهريب، من بينها استخدام الطرق الترابية (النسيمية) أو شاحنات النقل الكبيرة لتهريب العمالة بصورة غير قانونية. وذلك بالرغم من التنسيقٍ المستمر بين المديرية في بغداد والجهات المعنية في إقليم كردستان. ونفى اللواء الياسري تورط مكاتب مرخصة في الاستغلال، موضحًا أن حملات جرت سابقًا لإغلاق مكاتب غير مرخّصة تستدرج الضحايا، أُحيل أصحابُها إلى القضاء.



تُظهر المعطيات التي جمعت من شهادات الضحايا والمتورطين ومصادر حقوقية وأمنية، أن شبكة من الفساد والتواطؤ من بعض مكاتب التوظيف وعناصر داخل أجهزة الدولة تقف وراء هذه الجريمة، مستفيدة من ضعف في ممارسة الرقابة وتنفيذ القانون لمحاسبة المتورطين.


إزاء المعالجات التقنية والأمنية، فإن المطلوب من وجهة نظر نسمة، حماية الضحايا بدلًا من إحالتهم إلى مديرية الإقامة باعتبارهم مخالفين، وتعقب شبكات الاستغلال من قبل الجهات الأمنية، ومراقبة الحدود والإعلانات على منصات التواصل الاجتماعي التي تروج للاستغلال، وتشدد على أن المقاربة الإنسانية تصب في صلب دور الشرطة المجتمعية الحامي للفئات الهشة، لافتة إلى فشل محاولات سابقة للتنسيق مع هذه الجهة بحجة أنها لا تملك صلاحيات كافية للتدخل.


وبالإضافة إلى أهمية مواصلة تحديث القوانين ذات الصلة وتطويرها وفقًا على الدروس المستقاة من التطبيق وفعالية النتائج، تولي الحمداني أهمية لتخصيص الموارد لزيادة الكوادر المتخصصة سواء في دوائر التفتيش أو دور الإيواء، واستمرار الدعم الذي تقدمه المنظمات الدولية بسبب حاجة العاملين في الوزارات والجهات الرسمية إلى التدريبات وتبادل المعلومات والخبرات.


خلال التحقيق، تكررت شهادات ضحايا فرّوا من حرٍب وأزماٍت اقتصادية في سوريا، ليقعوا في فخّ الخداع والاستغلال من قبل مكاتب توظيٍف مزعومة، ومهربين من أربيل إلى بغداد يمرّرون البشر مقابل رشًى، وعناصر فاسدة مستفيدة من ضعف الرقابة، وإلى أن تنشط الجهات الرسمية بدور أكثر فعالية في مكافحة التهريب والاتجار بالبشر، تتمسك النساء الضحايا بحبل منظمات حقوقية تؤمن لها استشارات قانونية وتمكين اقتصادي محدود، كحال هنادي التي بدأت العمل لحسابها بمساعدة المنظمة النسوية التي تعمل فيها نسمة والتي أمنت أيضًا عودة غادة إلى سوريا بعد عامين من معاناتها. عودة لا تشكل خلاصًا بعد، بسبب استمرار الوضع الاقتصادي الصعب في سوريا، تقول غادة عبر اتصالٍ هاتفي:

"أحيانًا أفكّر بالخروج مجددًا، لكن لا أعرف إلى أي وجهة؟"

 
 

في بغداد، يُرافق فعل حمل الكاميرا ريبة وتوجس من قبل المارة؛ فالكاميرات ما تزال تُذكّر كثيرين بسنوات العنف والحرب، حين كانت أحد أدوات توثيق أيام عسيرة لم تُمحَ من الذاكرة العراقية. وحين تحمل امرأة الكاميرا، تتضاعف الأسئلة والشكوك، وخاصة تجاه مصورات الشارع.  هؤلاء يخرجن ليس فقط بحثاً عن اللقطة المناسبة، وإنما ليروين قصصا منها الحزين ومنها السعيد. بعضهن وصلن إلى الكاميرا لأن أحلامهن أُجهضت، فكان التصوير أقرب طريق لاستعادتها، وبعضهن لأن سؤالاً صغيراً عن ماهية جمال الصورة ظل يُرافقهن لسنوات.

 


من الشغف إلى امتهان التصوير


قبل أن تصبح مصورة، كانت حنين (27 عاماً) من بغداد، تُطيل النظر إلى أبسط التفاصيل التي لا يهتم بها معظم الناس. ولم تكن تفهم سر هذا الانجذاب، إلى أن وجدت وسيلة لتحتفظ بهذه التفاصيل. كان والدها  يحب توثيق اللحظات العائلية عبر كاميرا “كومباكت”، لكن بعد وفاته، وهي في الثامنة عشرة من عمرها، قررت الابتعاد عنها. 

بعد سنوات، وخلال رحلة مدرسية، قادها سؤال طُرح أمامها "شنو تحتاج الصورة حتى تكون جميلة؟" إلى شراء كاميرتها الأولى عام 2017، والبدء بتعلم التصوير بجدية، في وقت لم يكن مألوفاً أن تحمل فتاة كاميرا في الشارع، وسط نظرات متوجسة وغياب شبه تام للدعم.

وبالتوازي، بدأت حكاية طيبة صادق ( 29 عاماً) من بغداد أيضا. منذ طفولتها، كانت تحلم بأن تكون ممثلة أمام أضواء الكاميرا، لتصطدم بالواقع الصعب الذي يمنع النساء من التمثيل. ولكن والدتها أرادت تعويضها عن حلمها الضائع، فاشترت لها كاميرا، مؤمنة بأن طرق التعبير قد تتغير، لكنها تقود إلى الطريق ذاته. 

بدأت طيبة بتصوير عائلتها وأصدقائها خلال حياتهم العادية. وعند الغروب، كانت تصعد إلى سطح البيت لتلتقط منظر الشمس وهي تغيب أو صورة نخلة وحيدة أو طيوراً عابرة، دون معرفة تقنية التصوير وأساسيات استعمال الكاميرا الميكانيكية، مثل فتحة العدسة أو سرعة الغالق، لكنها كانت تتدرب على توثيق المشاعر من زاوية جمالية.

بعد أشهر قليلة، وبمحض الصدفة، شاهدت الفيلم الوثائقي "Hondros" عن المصور الصحفي الأمريكي كريس هوندروس، الذي غطى حروباً عديدة بينها حرب العراق. " كان الفيلم بمثابة لحظة إدراك بالنسبة لي وفهمت أن المصور قادر على نقل الحقيقة، وأن صورة واحدة يمكن أن توصل إحساساً كاملاً دون كلام، وقد تثير فكرة أو وعياً يقود إلى تغيير حقيقي"، تقول طيبة. 

في الأول من تشرين الأول 2019، ومع انطلاق الاحتجاجات في وسط وجنوب العراق، شعرت طيبة أن اللحظة جاءت لتُوثّق بدورها الحقيقة، فالحدث موجود، والأداة متوفرة، بقيت فقط الجرأة. نزلت إلى الميدان، تُصوّر وتنشر على إنستغرام. تلقت دعمًا كبيرا من المتابعين لحسابها. وبعد عام، تلقت عرضاً من وكالة رويترز، ليتحول التصوير إلى مهنة رسمية، وليس مجرد شغف.

خلال محرم 2020، كانت أول مهمة صحفية حقيقية لها خارج مدينتها وتحديداً في كربلاء. هناك، وسط زحام المشاعر والطقوس، شعرت بثقل المسؤولية، خاصة وأن تجربتها الصحفية لم تنضج بعد وقتها، ولكنها لم تستسلم لخوفها. والتقطت صورة حازت على لقب "أفضل صورة اليوم" بوكالة رويترز، التي نشرتها على حساباتها الرسمية على مواقع التواصل، وانتشرت في العديد من الصحف العالمية.

لاحقاً، في 2025، ذهبت إلى جنوب لبنان لتغطية الحرب. هناك، بين الخوف والحذر، أدركت أن تصوير الصراع ليس بحثاً عن الحدث، بل عن الإنسان داخله.

عن نفسها، تقول طيبة بأنها هادئة، خجولة، “صوتها ما ينسمع”. لكنها اكتشفت أن الكلام ليس الوسيلة الوحيدة للتعبير. “ما أحتاج أحچي، الكاميرا تحچي عني”. هكذا أصبحت الصورة لغتها الأقرب، والأصدق.

 


منصة لتوفير الإرشاد والإحاطة للمصورات


في وقتٍ كانت فيه المصورات يعملن غالباً بشكل فردي، بلا تجمعات داعمة أو مساحات مهنية واضحة، اعتمدت حنين وطيبة على نفسيهما؛ دخلن ورشاً، بحثن، تعلمن ذاتياً، وشققن طريقهن وسط مجال يقلّ فيه الحضور النسائي.

تتمنى حنين أن ترى مزيداً من المصورات العراقيات يدخلن هذا المجال بجدية، لا بوصفه هواية عابرة أو لملئ صفحة على وسائل التواصل الإجتماعي، بل كمسار مهني وفني يتطلب الالتزام والسعي إلى التطور والمشاركة في المعارض والمسابقات. 

برأيها، " قيمة الصورة لا يحددها المصور وحده، بل تُختبر في الفضاء العام، وأمام أعين الآخرين". ورغم عملها في مجال التصوير منذ 2017، تشير إلى أن عدد النساء الجادات في هذا المسار المهني ما زال قليلاً، وكثيرات ينسحبن بسبب عدم وعيهن بحجم الجهد الذي يتطلبه هذا الطريق، أو بالفرص التي يمكن أن يفتحها.  


عندما تُسأل حنين عن أعز الصور على قلبها، تقول أنها ليست تلك الأجمل فنياً، بل الأكثر إنسانية. واختارت صورتين التقطتهما: الأولى لطفل عراقي وهو يدرس تحت ضوء شمعة أثناء انقطاع الكهرباء، أسمتها Reading under the candle light. أما الثانية، فجاءت بعد سنوات، خلال زيارة أخرى لبيته، حين شاهدته يُطعم أخته المصابة بمتلازمة داون، حيث أصبح الطفل المسؤول الأول عن أخته، بعد وفاة الأب وذهاب الأم إلى العمل. هاتان الصورتان تختزلان بالنسبة لحنين، معنى التصوير الوثائقي: الالتزام، والإنصات، والاقتراب من الإنسان دون استغلال ألمه.



أما أعز صورة لدى طيبة، فهي تلك التي التقطتها عن قرب لنساء غريبات. كانت المرة الأولى التي تجلس فيها مع نساء لا تعرفهن، تستمع إلى ضحكاتهن وحكاياتهن قبل أن ترفع الكاميرا. في تلك اللحظة، لم تكن تتعلّم التصوير فحسب، بل كانت تتعلّم كيف تُحاور الناس الذين ترغب في تصويرهم، وكيف تُنصت إليهم، وكيف تكتشف مدينتها بغداد بلا خوف. قد لا تكون الصورة الأفضل تقنياً، لكنها الأقرب إلى قلبها، لأنها تُمثّل بدايتها الحقيقية.



لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب"

برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)


 
 

في أحد أحياء بغداد، كان أحمد يظن أن أصعب ما في رحلته المهنية هو إقناع العملاء بجودة عمله كمصمم مواقع يعمل بشكل مستقل. ولكن حين انتهى من إنجاز  أول مشروع كبير له مع شركة أجنبية، اصطدم بعائق كبير وهو كيفية استلام أجره، فالتحويل المصرفي يتأخر  لمدة أسابيع والعمولات المرتفعة تلتهم جزءًا من المبلغ، بالإضافة إلى إجراءات تحقيق طويلة وأسئلة مصرفية لا تنتهي حول طبيعة العمل ومصدر التحويل. وفي كل مرة، كان أحمد يشعر أنه مطالب بإثبات شرعية جهده، لا مجرد استلام مستحقاته. وحين فكّر في توسيع عمله وتوظيف مساعدين، اصطدم بحقيقة أخرى: وهي هشاشة نظام الدفع والاستلام وتعقيده إلى جانب أنه غير مُتوافق مع طبيعة الاقتصاد الرقمي.




قصة أحمد تكشف واقعا صعبا يعيشه رواد الأعمال في العراق، فيما يخص البنية الأساسية للحركة المالية غير ملائمة لنشاطاتهم، من حيث طرق الدفع وآليات التحويل وسهولة الحصول على الأموال بعد إنجاز العمل، إذ كيف يمكن لقطاع خاص أن ينمو، إذا كان استلام المستحقات يمثل تحديًا بحد ذاته؟ وكيف يمكن لفريلانسر عراقي أن ينافس عالميًا، بينما يظل محاصرًا بقيود مصرفية لا تواكب طبيعة السوق الرقمية؟


في ظل التحولات العالمية نحو الاقتصاد الرقمي والعمل عن بُعد، أصبحت سرعة ومرونة المدفوعات عنصرًا حاسمًا في استدامة الأعمال. غير أن النظام المصرفي في العراق لا يزال يتعامل مع هذا التحول بحذر شديد، ينعكس في تعقيد الإجراءات، وضعف الخدمات الرقمية، وغياب حلول متخصصة للعاملين لحسابهم الخاص. 

من هذا المنطلق، لا تبدو قصة أحمد حكاية فردية، بل مؤشرًا على خلل أوسع في العلاقة بين البنوك والاقتصاد الجديد؛ علاقة تحتاج إلى مراجعة جذرية إذا أردنا للقطاع الخاص أن يتحول فعلًا من شعار اقتصادي إلى واقع منتج ومستدام.



تحويلات تستغرق أسابيع  وصعوبات في الحصول على الأموال


في مدينة النجف، أسّس مصطفى شركة صغيرة لخدمات التصوير والإنتاج الإعلامي. وتعاقد مع مؤسسة إقليمية لتنفيذ حملة دعائية، وأنجز العمل ضمن المدة المحددة وبجودة عالية. غير أن مرحلة استلام الدفعة كانت أكثر تعقيدًا من تنفيذ المشروع نفسه، حيث أن التحويل الخارجي استغرق وقتًا طويلًا للوصول، ثم خضع لإجراءات تدقيق إضافية داخل المصرف. وطُلبت منه وثائق وعقود مترجمة، وانتظر أيامًا أخرى قبل أن يُسمح له بالتصرف في المبلغ.


يقول مصطفى أنه خلال تلك الفترة، كان عليه دفع أجور فريق العمل واستئجار معدات إضافية لمشروع جديد، كما أنه اضطر إلى الاقتراض بشكل شخصي لتغطية الالتزامات العاجلة، رغم أن أمواله موجودة فعلًا في حسابه. هذه المفارقة تختصر جوهر الأزمة: الا وهي عدم القدرة على الوصول السلس إلى السيولة، حتى عند تحقق الدخل فعليًا.

كل هذا يُنتج بيئة غير مستقرة للتخطيط المالي، فصاحب المشروع لا يستطيع تحديد موعد دقيق لدخول الإيرادات، ولا احتساب صافي أرباحه بشكل واضح بعد خصم الرسوم المختلفة. ومع غياب أدوات دفع إلكترونية واسعة الانتشار وموثوقة، يبقى الاعتماد الكبير على النقد أو الحلول الجزئية، ما يحدّ من قابلية توسع النشاط الإقتصادي ويزيد من المخاطر التشغيلية.

الأخطر من ذلك هو أن هذه الهشاشة تُضعف القدرة التنافسية للقطاع الخاص العراقي. في عالم تُقاس فيه كفاءة الشركات بسرعة التحصيل وسلاسة المعاملات، يصبح التأخير البنكي عبئًا إضافيًا على كاهل رواد الأعمال، فالمستثمر أو العميل الخارجي يبحث عن شريك يمكن التعامل معه بسهولة مالية، لا عن طرف يعتذر بسبب قيود مصرفية محلية.

إن معالجة هذه الإشكالية لا تتطلب فقط تطوير تطبيقات إلكترونية أو إطلاق شعارات عن التحول الرقمي ، بل تستدعي إعادة نظر شاملة في فلسفة التعامل المصرفي مع الأعمال الصغيرة والمتوسطة، لأن استقرار منظومة المدفوعات هو الأساس الذي يُبنى عليه أي نمو لاحق. ومن دون ضمان حركة مالية مرنة وموثوقة، سيبقى القطاع الخاص يتحرك بخطوات حذرة في بيئة لا تمنحه اليقين الذي يحتاجه للتوسع والاستدامة.


فجوة سعر الصرف… حين تتآكل الأرباح عند بوابة المصرف


إذا كانت أزمة المدفوعات تتعلق بسرعة الوصول إلى الأموال، فإن أزمة سعر الصرف تتعلق بقيمتها الفعلية عند الوصول، حيث أن الكثير من العاملين في القطاع الخاص، خصوصًا من يتعاملون مع عملاء خارج العراق، يواجهون معضلة عدم القدرة على استلام الحوالات بالعملة الأجنبية نفسها، والاضطرار إلى تسلّمها بالدينار العراقي وفق سعر صرف أدنى من السعر المتداول في السوق.

في بغداد، تعمل منار كمترجمة حرة مع دور نشر ومنظمات خارجية. وتتقاضى أتعابها بالدولار مقابل كل مشروع تنجزه. حين يرسل العميل الحوالة، تتوقع منار أن تستلم المبلغ كما هو متفق عليه. لكن عند وصول التحويل إلى حسابها، تُبلَّغ بأن المبلغ سيُصرف لها بالدينار العراقي، وبسعر صرف رسمي يقل عن السعر الرائج في السوق المحلية.

النتيجة؟ فرق في القيمة قد يلتهم جزءًا معتبرًا من الأجور، فالمبلغ الذي تتفاوض عليه بالدولار يفقد جزءًا من قوته الشرائية بمجرد تحويله إجباريًا إلى العملة المحلية بسعر أدنى. وبين السعر الرسمي والسعر المتداول، تتكوّن فجوة يتحمّلها العامل وحده، لا المصرف ولا الجهة الدافعة.

هذه الإشكالية لا تمس الأفراد فقط، بل تضرب الشركات الصغيرة التي تعمل مع الخارج، فعندما يتفق رائد الأعمال مع عميل دولي على تسعيرة معينة، فإنه يبني حساباته على أساس تلك العملة التي من المفروض أن تُغطي تكاليف الإشتراكات الرقمية وأدوات عمل وخدمات الإستضافة و حتى المواد الأولية المستوردة والتي تُسعّر غالبًا بالدولار. وعند إجباره على استلام أجره بالدينار العراقي بسعر صرف أقل، يجد نفسه أمام معادلة مختلة وبدخل فعلي بقيمة أدنى.

والأسوأ هو  أن هذا الواقع يضع العامل العراقي في موقع أضعف تفاوضيًا، فهو لا يستطيع ببساطة رفع أسعاره لتعويض الفارق، لأن السوق العالمية تنافسية. كما أنه لا يملك دائمًا خيار الاحتفاظ بحسابه بعملة أجنبية والتصرف به بحرية.

إن مسألة سعر الصرف هنا ليست مجرد تفصيل تقني، بل عنصرًا حاسمًا في تحقيق العدالة في التعامل المالي، فحين يخسر صاحب العمل جزءًا من أجره بسبب آلية صرف مفروضة، يتحول النظام المصرفي من وسيط محايد إلى طرف يؤثر سلبًا على دخله. وفي اقتصاد يسعى إلى تشجيع الصادرات غير النفطية والخدمات العابرة للحدود، يُصبح تمكين العامل من استلام أجره بالعملة المتفق عليها خطوة أساسية لتعزيز الثقة وجذب المزيد من النشاط الاقتصادي الخارجي.


يشير الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي في تحليلاته المتكررة إلى أن أي حديث عن تنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط يظل ناقصًا من دون إصلاح جذري للقطاع المصرفي، وتطوير أدوات التحويل والدفع بما ينسجم مع حركة التجارة والخدمات العابرة للحدود، فضعف كفاءة النظام المصرفي، برأيه، لا يؤثر فقط في الأفراد، بل يحدّ من قدرة العراق على جذب العملة الصعبة وتنشيط القطاعات الإنتاجية غير النفطية.

من جانبه، يؤكد الخبير المالي باسم جميل أنطوان أن تحديث أنظمة الدفع الإلكتروني، وتوسيع التعامل بالعملات الأجنبية بشفافية، وتقليل الفجوة بين السعر الرسمي والسوقي، هي عناصر أساسية لاستقرار السوق وتعزيز الثقة بالمؤسسات المالية. ويرى أن غياب هذه المعالجات يدفع بعض الأنشطة إلى البحث عن قنوات غير رسمية، ما يضعف الرقابة ويزيد من هشاشة الاقتصاد.

إن تمكين رواد الأعمال والفريلانسرز من استلام مستحقاتهم بالعملة المتفق عليها، وبسعر صرف عادل، وبإجراءات واضحة وسريعة، ليس تفصيلًا تقنيًا، بل خطوة استراتيجية في مسار إصلاح اقتصادي أوسع، فبقدر ما تُبنى الثقة بين المصرف وصاحب العمل، بقدر ما يتحول القطاع الخاص إلى شريك حقيقي في التنمية، لا مجرد عنوان في خطط الإصلاح.



لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)


 
 

Thanks for submitting!

Follow Us !

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter

Thanks for submitting!

bottom of page