top of page

ناشطات يواجهن التشهير الإلكتروني بسبب آرائهن



" شرفي لا تحدّده بعض الصور الخاصة المسرّبة  والمنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي"،


تستنكر زينب جواد، محامية مهتمة بقضايا المرأة، مضيفة "لو ندّدت جميع النساء علانية بالابتزاز، لما بقي للمبتز شيء لفعله". 

تعرضت المحامية للاختطاف بسبب دفاعها عن حقوق النساء وفُرّغ هاتفها الخاص من محتواه، من قبل الجهة الخاطفة، قبل أن يتم ابتزازها.

يُستعمل الابتزاز والتشهير الإلكتروني كأداة لردع المدافعات عن حقوق المرأة في العراق، حيث يتم تسريب صور خاصة لهن كوسيلة ترهيب، إلا أن مثل هذه المحاولات غالبًا ما تدفعهن للإصرار على مواقفهن بشكل أكبر. 

تقول زينب أن الجهة الخاطفة عرضت عليها مبلغا كبيرا من المال مقابل إسكاتها وحين رفضت، قامت بتسريب صورها الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي على أمل أن تصمت إلا أنها تشجعت أكثر لأنها تفترض أن ما تعرضت له هو إشارة الى مدى الخوف من تصريحاتها حول حقوق النساء.

تتذكّر المحامية كيف تشكّل وعيها بقضايا حقوق النساء وتقول: "نشأت في عائلة محافظة وعلى يد أم كانت تحرمني حتى من حق السؤال وتُنهي كل حديث معي ب"اسمعي كلام اخوانك"، كبرتُ وكبرت  داخلي أسئلة عدة عن حقوقي الأساسية كامرأة وإذا ما كنت أستحق أن أُعامل كإنسان من الدرجة الثانية ؟ هذا ما دفعني لإكمال دراسة المحاماة كتخصص جامعي والحصول على الماجستير لأعرف ما إذا كانت النصوص الدستورية والقانونية تُهمّش وجودي كامرأة أم لا؟ "وتضيف" عائلتي سمحت لي بإكمال دراستي الجامعية بشرط أن لا أُغرّد خارج السرب أي أن لا أتكلم عن التابوهات المجتمعية المسكوت عنها". 

اكتشفت زينب من خلال دراستها أن تهميش النساء يبدأ من المؤسسة التشريعية نظرا لغياب قوانين منصفة للمرأة مثل قانون حماية الأسرة وتشريع أخرى تحمي المعنفات. وكان تعديل قانون الأحوال الشخصية بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير ـ لذلك قرّرت أن تنتفض. لكن ذلك أثار حفيظة المعادين لحقوق المرأة، فقاموا بنشر صورها على وسائل التواصل الإجتماعي. إلا أنها لم تستسلم.


" اعتقدوا أنني سأسكت بعد أن نشروا صوري بدون حجاب، لكنهم بما فعلوه أثبتوا أنهم ليسوا حريصين على حماية عرض النساء، فمن ينتهك حرمة امرأة لأنها عارضته في الرأي، لا شرف له "


، تستنكر المحامية.


حماية مجتمعية للمبتز


تُفسّر الدكتورة إيناس هادي، المختصة في علم النفس، استخدام الإبتزاز ضد النساء بأنه سلوك عنيف وانتقامي وممارسة ذكورية من المجتمع ككل وليس فقط من المبتز، فهذا الأخير " يعلم أن المجتمع سيتفاعل ويُضخّم قضايا الصور الخاصة والتسريبات الصوتية للنساء وهذا يحوله بأكمله الى مبتز "، مضيفةً 

تنتظر الطبقة السياسية من المرأة أن تخضع للصورة النمطية التقليدية للأنثى الخاضعة والمكسورة وأي تصرف عكس ذلك يُؤخذ على أنه تهديد للسلطة الذكورية.

زينب ليست الحالة الوحيدة التي تعرضت للابتزاز، فقد سبقتها الناشطة هبة النائب التي شهدت هي أيضا هجمات شرسة وتشهيرا بسمعتها.

تنشط هبة على مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة منصة تويترـ، حيث بدأت تكتب قبل ثمان سنوات وتقوم بتحليل خطابات الساسة والأوضاع العامة، وانتهى بها المطاف إلى الكتابة عن قضايا النساء حتى توصلت إلى قناعة أن جميع الصعوبات التي تعاني منها المرأة في العراق تنبع جذورها من  صانعي القرار السياسي. 

هذه القناعة جعلتها تنقد بقلم ساخر ما يحدث في مجتمعها حتى وجدت نفسها معادية للنظام والسلطة. " أنا لا أملك المال ولا السلاح، أعبّر فقط عن آرائي وهو حق دستوري وقانوني مكفول. ولكني واجهت هجمات شرسة واتهامات خطيرة تتعلق بالإتجار بالنساء والعمالة، كما تم اتهامي بأني جزء من الفرقة 8200 وحدة الاستخبارات الإسرائيلية ." لم تهتم هبة بكل هذه الاتهامات وواصلت انتقاداتها للنظام لتكتشف أنه تمت فبركة صور وفديوهات خادشة لها ونشرها من قبل جيوش إلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي. 














الابتزاز الالكتروني كمنهجية سياسية


يرى القاضي المتقاعد، رحيم العكيلي أن ممارسة الطعن والتشهير والتسقيط محاولة الاستنقاص وتخوين الاخر , من يختلف بالرأي   والابتزاز ضد المعارضين الذين يعبّرون عن آرائهم وينتقدون الأداء السياسي والتشريعي وأساليب إدارة البلاد والثروة هي عملية منظمة تقوم بها جهات سياسية تُحاول الدفاع عن احتكارها للسلطة، مؤكداً أن  "هؤلاء المعارضين يشكلون في نظر من يحكمون تهديدا لهم، لا يقل خطورة عن تهديد حامل السلاح."  

من جهتها، تعتبر هبة أن أغلب الجيوش الإلكترونية التي تهاجم المُعارضات مكونة من نساء عاطلات عن العمل يوظفّنَ ب200 ألف عراقي شهريا للمس من سمعة هؤلاء كي لا تكون هناك اتهامات مباشرة للرجال بأنهم أعداء لمن يطالبن بحقوق المرأة. " هكذا يتم إيصال صورة للمجتمع الدولي بأننا منبوذات من قبل النساء اللواتي يرفضن وجودنا وأطروحاتنا، وهي استراتيجية ذكية أثبتت جدواها"، تستنتج الناشطة بأسف.

أما أستاذ علم النفس، زياد الصوفي فيُبيّن أن الإبتزاز ضد النساء هو ظاهرة سياسية تُستخدم لتلبية حاجة البقاء والوجود لأن المعارضة قد تخلق جمهورا معاديا، وهذا يُعتبر خطرا على وجود المبتز. يشرح  زياد هذا السلوك بثلاثة محاور:

أولها ماذا يريد المبتز؟ فهو يرغب أساسا في أن يبقى في السلطة. وهذه الرغبة بحد ذاتها خاطئة لأنها تمنع وصول الآخرين إلىى مراكز صناعة القرار والتعبير عن وجودهم. أما المحور الثاني فيتعلق بالطريقة المستخدمة لتحقيق هذا الهدف والتي في الغالب تتمثل في الابتزاز والتشهير والطعن في الشرف. ويشمل المحور الثالث كيفية تفسير المبتز للواقع، حيث يعتبر أنه من العادي أن ينتهك حرمة شخص آخر لتحقيق أهدافه .

للأسف، أغلب الساسة لديهم مشكلة في جميع النقاط السابقة وهذا ما قد يخلق عندهم اضطراب الشخصية المُعادية للمجتمع، الذي يتحول إلى خلل أخلاقي و نفسي

، حسب الصوفي.


قانون يعجز عن ملاحقة المذنبين


يُجرم القانون العراقي أفعال المهاجمة والتشهير بالمعارضين الذين يعبرون آرائهم ويعتبر ذلك قذفا أو سبا  وهي من الجنح البسيطة وفق المادتين 433 و434 من قانون العقوبات، حيث يكون الحكم فيها غالبا غرامة أو حبسا بسيطا مع وقف التنفيذ فتنص المادة 433 على ما يلي : لقذف هو إسناد واقعة معينة إلى الغير بإحدى طرق العلانية من شأنها لو صحت ان توجب عقابًا من أسندت إليه أو احتقاره عند أهل وطنه. ويُعاقب من قذف غيره بالحبس وبالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين. وإذا وقع القذف بطريق النشر في الصحف أو المطبوعات أو بإحدى طرق الإعلام الأخرى عدّ ذلك ظرفًا مشدّداً . أما المادة 434 فتنص على :لسب من رمي الغير بما يخدش شرفه أو اعتباره أو يجرح شعوره وإن لم يتضمّن ذلك إسناد واقعة معينة. ويُعاقب من سبّ غيره بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تزيد على مئة دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين. وإذا وقع السب بطريق النشر في الصحف أو المطبوعات أو بإحدى طرق الإعلام الأخرى عدّ ذلك ظرفًا مشدّداً . ولكن الأعداد الكبيرة من مرتكبي جرائم القذف والسب المنظم ضد المعارضين يجعل  الضحية عاجزة عن ملاحقتهم كلهم بسبب كثرتهم واستخدامهم أسماء وصفحات وصفات وهمية يصعب الوصول إليها. وللأسف لم يطور العراق أية اليات لملاحقة المذنبين، بل إن الأسوأ  هو أن  العديد من مرتكبي تلك الممارسات محميون سياسيا وممولين من المال الفاسد. 


ويكون استهداف المعارضين بحملات التشويه أكثر خطرا عندما  يتعلّق الأمر بالنساء. وهو ما تعاني منه الكاتبة، أميرة جواد التي تُخصص جزءاً من وقتها اليومي لحذف التعليقات المسيئة من صفحاتها على مواقع التواصل الالكتروني. 

بدأ اهتمام أميرة بالشأن العام في العراق منذ  2011، حيث انخرطت في جميع المظاهرات المطالبة بتغيير سياسات الدولة. أدركت أن الطريقة الأفضل للتغيير هي أن تكون جزء من صناعته، لذلك رشحت نفسها للانتخابات 2021  التشريعية ضمن القوى المجتمعية التي خرجت من مظاهرات تشرين . أسست أيضا مع مجموعة من النساء الأخريات  المنتدى الاستشاري للشرطة المجتمعية عام 2012 المعني برصد حالات العنف والانتحار والتسرب الدراسي في عموم العراق . وقادت حملات عدة ومن ضمنها حملات معنية بالتغير المناخي.


"التماس المباشر بيني وبين الشارع حملني مسؤولية أن أنقل أصوات الناس إلى الفضاء العام، وهذا ما دفعني للتصدي لقضايا الفساد والخروقات السياسية التي يتم ارتكابها بشكل يومي" تُفسر أميرة،  مضيفة "التشهير بالنسبة لي هي مشكلة مستمرة منذ 2015، حيث تم اتهامي مؤخرا بالعمالة إلى الخارج  من قبل بعض النواب، ناهيك عن المنشورات التحريضية ".

 حتى هذه اللحظة، تخصص أميرة وقتا كل يوم لحذف تعليقات الجيوش الإلكترونية من صفحاتها والتي تتراوح بين السب والشتم والتحريض على القتل والطعن في الشرف. 

معاناة تُواجهها باستمرار وتتخلص منها مؤقتا بحذف التعليقات، لتتكرّر الموجة ذاتها بمجرد إعطائها  أو نشرها لرأي جديد.



لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)

تعليقات


Thanks for submitting!

Follow Us !

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter

Thanks for submitting!

فتيات ضحايا لهيمنة العادات بمستقبل مجهول.png
bottom of page