رواد الأعمال في العراق: قيود المصارف وتآكل أرباح العمل الحر
- فاطمة نعمة

- قبل 3 ساعات
- 4 دقيقة قراءة

في أحد أحياء بغداد، كان أحمد يظن أن أصعب ما في رحلته المهنية هو إقناع العملاء بجودة عمله كمصمم مواقع يعمل بشكل مستقل. ولكن حين انتهى من إنجاز أول مشروع كبير له مع شركة أجنبية، اصطدم بعائق كبير وهو كيفية استلام أجره، فالتحويل المصرفي يتأخر لمدة أسابيع والعمولات المرتفعة تلتهم جزءًا من المبلغ، بالإضافة إلى إجراءات تحقيق طويلة وأسئلة مصرفية لا تنتهي حول طبيعة العمل ومصدر التحويل. وفي كل مرة، كان أحمد يشعر أنه مطالب بإثبات شرعية جهده، لا مجرد استلام مستحقاته. وحين فكّر في توسيع عمله وتوظيف مساعدين، اصطدم بحقيقة أخرى: وهي هشاشة نظام الدفع والاستلام وتعقيده إلى جانب أنه غير مُتوافق مع طبيعة الاقتصاد الرقمي.
قصة أحمد تكشف واقعا صعبا يعيشه رواد الأعمال في العراق، فيما يخص البنية الأساسية للحركة المالية غير ملائمة لنشاطاتهم، من حيث طرق الدفع وآليات التحويل وسهولة الحصول على الأموال بعد إنجاز العمل، إذ كيف يمكن لقطاع خاص أن ينمو، إذا كان استلام المستحقات يمثل تحديًا بحد ذاته؟ وكيف يمكن لفريلانسر عراقي أن ينافس عالميًا، بينما يظل محاصرًا بقيود مصرفية لا تواكب طبيعة السوق الرقمية؟
في ظل التحولات العالمية نحو الاقتصاد الرقمي والعمل عن بُعد، أصبحت سرعة ومرونة المدفوعات عنصرًا حاسمًا في استدامة الأعمال. غير أن النظام المصرفي في العراق لا يزال يتعامل مع هذا التحول بحذر شديد، ينعكس في تعقيد الإجراءات، وضعف الخدمات الرقمية، وغياب حلول متخصصة للعاملين لحسابهم الخاص.
من هذا المنطلق، لا تبدو قصة أحمد حكاية فردية، بل مؤشرًا على خلل أوسع في العلاقة بين البنوك والاقتصاد الجديد؛ علاقة تحتاج إلى مراجعة جذرية إذا أردنا للقطاع الخاص أن يتحول فعلًا من شعار اقتصادي إلى واقع منتج ومستدام.
تحويلات تستغرق أسابيع وصعوبات في الحصول على الأموال
في مدينة النجف، أسّس مصطفى شركة صغيرة لخدمات التصوير والإنتاج الإعلامي. وتعاقد مع مؤسسة إقليمية لتنفيذ حملة دعائية، وأنجز العمل ضمن المدة المحددة وبجودة عالية. غير أن مرحلة استلام الدفعة كانت أكثر تعقيدًا من تنفيذ المشروع نفسه، حيث أن التحويل الخارجي استغرق وقتًا طويلًا للوصول، ثم خضع لإجراءات تدقيق إضافية داخل المصرف. وطُلبت منه وثائق وعقود مترجمة، وانتظر أيامًا أخرى قبل أن يُسمح له بالتصرف في المبلغ.
يقول مصطفى أنه خلال تلك الفترة، كان عليه دفع أجور فريق العمل واستئجار معدات إضافية لمشروع جديد، كما أنه اضطر إلى الاقتراض بشكل شخصي لتغطية الالتزامات العاجلة، رغم أن أمواله موجودة فعلًا في حسابه. هذه المفارقة تختصر جوهر الأزمة: الا وهي عدم القدرة على الوصول السلس إلى السيولة، حتى عند تحقق الدخل فعليًا.
كل هذا يُنتج بيئة غير مستقرة للتخطيط المالي، فصاحب المشروع لا يستطيع تحديد موعد دقيق لدخول الإيرادات، ولا احتساب صافي أرباحه بشكل واضح بعد خصم الرسوم المختلفة. ومع غياب أدوات دفع إلكترونية واسعة الانتشار وموثوقة، يبقى الاعتماد الكبير على النقد أو الحلول الجزئية، ما يحدّ من قابلية توسع النشاط الإقتصادي ويزيد من المخاطر التشغيلية.
الأخطر من ذلك هو أن هذه الهشاشة تُضعف القدرة التنافسية للقطاع الخاص العراقي. في عالم تُقاس فيه كفاءة الشركات بسرعة التحصيل وسلاسة المعاملات، يصبح التأخير البنكي عبئًا إضافيًا على كاهل رواد الأعمال، فالمستثمر أو العميل الخارجي يبحث عن شريك يمكن التعامل معه بسهولة مالية، لا عن طرف يعتذر بسبب قيود مصرفية محلية.
إن معالجة هذه الإشكالية لا تتطلب فقط تطوير تطبيقات إلكترونية أو إطلاق شعارات عن التحول الرقمي ، بل تستدعي إعادة نظر شاملة في فلسفة التعامل المصرفي مع الأعمال الصغيرة والمتوسطة، لأن استقرار منظومة المدفوعات هو الأساس الذي يُبنى عليه أي نمو لاحق. ومن دون ضمان حركة مالية مرنة وموثوقة، سيبقى القطاع الخاص يتحرك بخطوات حذرة في بيئة لا تمنحه اليقين الذي يحتاجه للتوسع والاستدامة.
فجوة سعر الصرف… حين تتآكل الأرباح عند بوابة المصرف
إذا كانت أزمة المدفوعات تتعلق بسرعة الوصول إلى الأموال، فإن أزمة سعر الصرف تتعلق بقيمتها الفعلية عند الوصول، حيث أن الكثير من العاملين في القطاع الخاص، خصوصًا من يتعاملون مع عملاء خارج العراق، يواجهون معضلة عدم القدرة على استلام الحوالات بالعملة الأجنبية نفسها، والاضطرار إلى تسلّمها بالدينار العراقي وفق سعر صرف أدنى من السعر المتداول في السوق.
في بغداد، تعمل منار كمترجمة حرة مع دور نشر ومنظمات خارجية. وتتقاضى أتعابها بالدولار مقابل كل مشروع تنجزه. حين يرسل العميل الحوالة، تتوقع منار أن تستلم المبلغ كما هو متفق عليه. لكن عند وصول التحويل إلى حسابها، تُبلَّغ بأن المبلغ سيُصرف لها بالدينار العراقي، وبسعر صرف رسمي يقل عن السعر الرائج في السوق المحلية.
النتيجة؟ فرق في القيمة قد يلتهم جزءًا معتبرًا من الأجور، فالمبلغ الذي تتفاوض عليه بالدولار يفقد جزءًا من قوته الشرائية بمجرد تحويله إجباريًا إلى العملة المحلية بسعر أدنى. وبين السعر الرسمي والسعر المتداول، تتكوّن فجوة يتحمّلها العامل وحده، لا المصرف ولا الجهة الدافعة.
هذه الإشكالية لا تمس الأفراد فقط، بل تضرب الشركات الصغيرة التي تعمل مع الخارج، فعندما يتفق رائد الأعمال مع عميل دولي على تسعيرة معينة، فإنه يبني حساباته على أساس تلك العملة التي من المفروض أن تُغطي تكاليف الإشتراكات الرقمية وأدوات عمل وخدمات الإستضافة و حتى المواد الأولية المستوردة والتي تُسعّر غالبًا بالدولار. وعند إجباره على استلام أجره بالدينار العراقي بسعر صرف أقل، يجد نفسه أمام معادلة مختلة وبدخل فعلي بقيمة أدنى.
والأسوأ هو أن هذا الواقع يضع العامل العراقي في موقع أضعف تفاوضيًا، فهو لا يستطيع ببساطة رفع أسعاره لتعويض الفارق، لأن السوق العالمية تنافسية. كما أنه لا يملك دائمًا خيار الاحتفاظ بحسابه بعملة أجنبية والتصرف به بحرية.
إن مسألة سعر الصرف هنا ليست مجرد تفصيل تقني، بل عنصرًا حاسمًا في تحقيق العدالة في التعامل المالي، فحين يخسر صاحب العمل جزءًا من أجره بسبب آلية صرف مفروضة، يتحول النظام المصرفي من وسيط محايد إلى طرف يؤثر سلبًا على دخله. وفي اقتصاد يسعى إلى تشجيع الصادرات غير النفطية والخدمات العابرة للحدود، يُصبح تمكين العامل من استلام أجره بالعملة المتفق عليها خطوة أساسية لتعزيز الثقة وجذب المزيد من النشاط الاقتصادي الخارجي.
يشير الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي في تحليلاته المتكررة إلى أن أي حديث عن تنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط يظل ناقصًا من دون إصلاح جذري للقطاع المصرفي، وتطوير أدوات التحويل والدفع بما ينسجم مع حركة التجارة والخدمات العابرة للحدود، فضعف كفاءة النظام المصرفي، برأيه، لا يؤثر فقط في الأفراد، بل يحدّ من قدرة العراق على جذب العملة الصعبة وتنشيط القطاعات الإنتاجية غير النفطية.
من جانبه، يؤكد الخبير المالي باسم جميل أنطوان أن تحديث أنظمة الدفع الإلكتروني، وتوسيع التعامل بالعملات الأجنبية بشفافية، وتقليل الفجوة بين السعر الرسمي والسوقي، هي عناصر أساسية لاستقرار السوق وتعزيز الثقة بالمؤسسات المالية. ويرى أن غياب هذه المعالجات يدفع بعض الأنشطة إلى البحث عن قنوات غير رسمية، ما يضعف الرقابة ويزيد من هشاشة الاقتصاد.
إن تمكين رواد الأعمال والفريلانسرز من استلام مستحقاتهم بالعملة المتفق عليها، وبسعر صرف عادل، وبإجراءات واضحة وسريعة، ليس تفصيلًا تقنيًا، بل خطوة استراتيجية في مسار إصلاح اقتصادي أوسع، فبقدر ما تُبنى الثقة بين المصرف وصاحب العمل، بقدر ما يتحول القطاع الخاص إلى شريك حقيقي في التنمية، لا مجرد عنوان في خطط الإصلاح.
لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)





تعليقات