top of page

عنف النساء ضد النساء في الفضائين الرقمي والعام


عندما اختارت الأستاذة الجامعية سارة جواد - اسم مستعار لعدم رغبتها في إثارة الموضوع مجددًا بعد الحملة الشعواء التي تعرضت لها على وسائل التواصل الإجتماعي - أن تخرج في بث مباشر في قنوات تلفزيونة وصفحات إخبارية، لتتحدث عن استحقاقات مالية تخص آلاف التدريسيين، لم تكن تدرك أن معركتها لن تكون مع أصحاب القرار، بل مع شريط التعليقات أسفل الشاشة. هناك، تحول الترند من قضية رواتب تمس لقمة عيش المئات من الأساتذة إلى محاكمة علنية لـحجابها ومكياجها، ونبرة صوتها. 


المفارقة المؤلمة لم تكن في تعليقات الرجال فحسب، بل في هجوم "زميلات المهنة" اللواتي تركن لب القضية -وهن متضررات منها أيضا- ليتفرغن لجلد زميلتهن التي تجرأت على الكلام. 

تطرح هذه الواقعة تساؤلا أعمق من مجرد تنمر عابر: لماذا تتحول النساء في الفضاء الرقمي العراقي إلى حارسات للمعايير الأخلاقية المحافظة، عبر ممارسة الرقابة على بنات جنسهن نيابة عن نظام أبوي يسعى لإقصائهن من الشأن العام؟



تحوّل التنمر من سلوك انفعالي إلى أداة تأديبية ممنهجة


لم تكن الأستاذة الجامعية سارة جواد غريبة عن "ساحات الهجوم الرقمي، فهي التي خبرت خوارزميات "إكس" (تويتر سابقاً) لسنوات، واعتادت أن تدخل في معارك الرأي السياسية والفكرية. كانت تُدرك أن لـلتغريد خارج السرب كلفة، لكنها كانت كلفة سياسية بالأساس تُدفع من رصيد النقاش. إلا أن المعركة الأخيرة كانت مختلفة في جوهرها وأدواتها، فحين خرجت تُطالب بحقها العادل في الراتب والكرامة المهنية، لم يأتِ الرد من خلال مناقشة الأرقام أو القوانين، بل جاء من خلال تجاهل تام للمحتوى لصالح المظهر العام.

"في السابق، كان خصومي الرقميون يهاجمون أفكاري أو انتماءاتي السياسية، وكنت أقبل ذلك كجزء من ضريبة الاشتباك العام. لكن هذه المرة، وبمجرد أن طالبت بحقي وحق زملائي، شعرت بـهجوم شرس ضدي. فجأة، لم يعد أحد يسمع صوتي، بل كانوا يراقبون حركة شفاهي، نوع ثيابي، وتفاصيل وجهي. تحولت قضية الرواتب -التي تمس لقمة عيش آلاف الموظفين- إلى محاكمة أخلاقية لشخصي من أناس لا يعرفونني"، تتحسر الأستاذة، مضيفة "ما آلمني ليس جهلهم، بل استخدام التنمر على شكلي كعقوبة لي لأنني تجرأت على مغادرة دور "الضحية الصامتة" إلى دور "المطالبة الشرسة". لقد أرادوا إخباري بوضوح أنني مهما بلغتِ من العلم والمكانة، سأبقى في نظرهم مجرد "شكل" يقررون مدى مطابقته لمعاييرهم الأخلاقية".

هكذا، يتحول التنمر من سلوك انفعالي إلى أداة تأديبية ممنهجة. والهدف ليس النقد، بل الردع. عندما يُختزل خطاب امرأة أكاديمية في "لون أحمر شفاهها" أو "طريقة حجابها"، فإن المجتمع الأبوي يُمارس عملية إسكات للنساء لمنعهن من إبداء الرأي. بالتالي، هي رسالة مبطنة لهن حتى يُدركن أن الفضاء العام ليس ملكاً لهن، وأنهن إذا قررن اقتحامه، فيجب أن يتحملن محاولات نهش كرامتهن وتشويه صورهن. هذه الآلية تعمل على تحويل انتباه الجمهور من عدالة القضية (الرواتب) إلى أهلية المرأة للحديث عنها، بناءً على معايير أخلاقية وضعها النظام العام للمجتمع.

المفارقة في تجربة هذه الأستاذة تكمن في أن الجمهور نفسه الذي يُمارس هذا التسقيط، يضم في صفوفه متضررين فعليين من أزمة الرواتب، لكنهم فضلوا التنمر على الإنحياز لمصلحتهم المشتركة، وهو ما يعكس نجاح النظام الأبوي في تدجين الضحايا ليُصبحوا حراساً لجلاديهم.

ترى الباحثة في علم النفس الاجتماعي، نور الهدى إبراهيم، أن ما نشهده في الفضاء الرقمي العراقي ليس مجرد خلافات نسائية عابرة، بل هو تجسيد لآلية دفاعية معقدة تُعرف "بـالعنف الأفقي"، حيث تؤكّد "أن الهجوم الذي تُمارسه النساء ضد قريناتهن في الفضاء العام هو نوع من التموضع الدفاعي داخل النظام الأبوي. في مجتمع يربط أمان المرأة بمدى انصياعها للمعايير الجماعية، تُصبح ممارسة الرقابة على مظهر الآخرين وسيلة لـ تأكيد الولاء "للسيستم الاجتماعي"، مضيفة أن "المرأة التي تُهاجم مثيلتها بسبب مكياجها أو مظهرها أثناء مطالبتها بحقوقها، إنما تحاول لاشعورياً استرداد شعور زائف بالسيطرة، فهي تُخبر المجتمع المحيط أنها شريكة في حراسة القيم، وبذلك تشتري أمانها الشخصي عبر التضحية بقرينتها."

وتُبيّن الباحثة أن هذا السلوك يُحوّل الضحية إلى أداة بيد النظام الذي يضطهدها، بالتالي، فقد نجحت البنية الأبوية في العراق في تدجين وعي الكثير من النساء، لدرجة جعلتهن يتبنين عين الأب في تقييم ذواتهن والآخرين. "إن تحول النقاش من (عدالة المطلب المالي) إلى (أخلاقية المظهر) هو استراتيجية إلهاء نفسية، فمواجهة النظام السياسي أو المؤسساتي تتطلب كلفة عالية، بينما يمنح رجم المرأة إلكترونياً شعوراً فورياً ومجانياً بالاستعلاء الأخلاقي والشرعية الاجتماعية."

 


العنف الرقمي كـأداة ضغط للانسحاب من الفضاء العام


ا يمكن فصل قسوة التعليقات التي واجهتها الأستاذة الجامعية عن البنية العميقة للعنف ضد النساء في العراق إذ تؤكد دراسة حديثة لشبكة "إنسم" (INSM) للحقوق الرقمية أن العنف الميسر بالتكنولوجيا ليس ظاهرة تقنية معزولة، بل هو امتداد رقمي بنيوي لأشكال القمع التي تمارس ضد النساء في المجالين الخاص والعام.

وترى الدراسة أن استهداف النساء العاملات في الشأن العام والصحفيات والأكاديميات عبر "التصيد والتحريض الإلكتروني" يهدف بالدرجة الأولى إلى إسكات أصواتهن وتقويض مشاركتهن في الحياة العامة. هذا النوع من العنف يُشكّل ما يمكن وصفه بـالجدار الجديد الذي يُشيّد أمام المرأة العراقية لمنعها من ممارسة حقوقها الأساسية في التعبير والعمل.

المفارقة في هذا الجدار أنه يعتمد على خوارزميات ومنصات تواصل تُضاعف حجم الضرر وتجعله عابراً للحدود الجغرافية والاجتماعية، حيث يتحول المحتوى الرقمي المسيء إلى أثر دائم يصعب محوه، مما يفاقم من "الوصم الاجتماعي" الذي يدفع الكثير من الكفاءات النسوية إلى الانسحاب من الفضاء الرقمي والعام لتجنب كلفة الظهور الباهظة.

إن الكلفة الحقيقية لهذه الظاهرة لا تُقاس بحجم الأذى النفسي الذي تعرّضت له صاحبة القصة فحسب، بل في الأثر الدائم الذي يتركه هذا العنف الرقمي، إذ تُدرك كل امرأة تراقب المشهد من بعيد أن ثمن المطالبة بالحقوق هو وضع حياتها الخاصة تحت مجهر أناس مجهولين ينشطون من خلف الشاشة، ومستعدين كل الوقت لتشويه صورتها، وهو ما يدفع العديد من النساء المتميزات إلى هجرة الشأن العام، تاركات الساحة لنمط واحد من الخطاب لا يُزعج النظام الاجتماعي والصورة النمطية للمرأة.

لكن السؤال الذي يظل معلقاً إلى متى ستظل النساء يمارسن دور الحارسات لزنزانة المجتمع الأبوي، وهل سيأتي اليوم الذي يصبح فيه المحتوى الفكري للمرأة العراقية أهم من مظهرها العام في نظر قريناتها قبل خصومها؟



لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب"

برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)


Thanks for submitting!

Follow Us !

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter

Thanks for submitting!

bottom of page