top of page

العمل عن بُعد في العراق: فرصة غائبة في سوق عمل متغير


في ظل التحولات الرقمية المتسارعة عالميًا، أصبح العمل عن بُعد خيارًا أساسيًا في العديد من بلدان العالم، لا سيما بعد جائحة COVID-19 التي دفعت الشركات إلى اعتماد أنماط مرنة للعمل، ففي أسواق التوظيف الحديثة، هناك مئات الوظائف المتاحة عن بُعد حاليًا  في العراق في مجالات متنوّعة تشمل  تطوير البرمجيات، الخدمات المالية وغيرها، حيث تُوجد أكثر من 2,000 فرصة وظيفية عن بُعد في صناعات تقنية مختلفة بحسب أحدث بيانات الوظائف الرقمية.


ورغم هذه الفرص الرقمية المتنامية، لا يزال العمل عن بُعد في العراق متأخرا جدًا مقارنة بما تعيشه أسواق عالمية أخرى، إذ تُشير منصة لينكدين الرقمية  إلى وجود أربع وظائف عن بُعد فقط حاليا موجهة للعراقيين ضمن أحدث الإعلانات المُحدَّثة وهو رقم صغير جدًا يعكس محدودية الثقافة المؤسسية في تبني هذا النموذج محليًا.

في سياق يُعاني فيه سوق العمل العراقي من تحديات متعددة، من تفشي البطالة بين الشباب إلى ضعف التشريعات الداعمة لبيئة العمل المرن، تبرز فجوة واضحة بين الإمكانات الرقمية المتاحة عالميًا وبين ما هو مُطبَّق فعليًا على أرض الواقع هنا. 

يحاول هذا المقال تسليط الضوء على أسباب ضعف انتشار العمل عن بُعد في العراق، وتأثير ذلك على فرص الشباب في سوق العمل، والإمكانات التي يمكن لهذا النموذج أن يقدّمها إذا اُعتمد بشكل واسع ومستدام.


واقع العمل عن بُعد في العراق بين الطموح والواقع


في العراق، لا يزال نموذج العمل التقليدي هو السائد في معظم مؤسسات القطاعين العام والخاص، حيث يُنظر إلى الحضور الجسدي بوصفه معيارًا أساسيًا للالتزام والإنتاجية. هذا التصور، إلى جانب تحديات البنية التحتية الرقمية وضعف ثقافة الإدارة المرنة، جعل من العمل عن بُعد خيارًا استثنائيًا أكثر منه ممارسة اعتيادية. وبينما تتجه اقتصادات العالم نحو أنماط عمل هجينة أو رقمية بالكامل، ما زال كثير من الشباب العراقيين يصطدمون بواقع مهني محدود الخيارات.

ورغم ذلك، ظهرت خلال السنوات الأخيرة قصص فردية تعكس إمكانات كامنة لم تُستثمر بعد. أحمد، شاب في منتصف العشرينيات من عمره، تخرّج من كلية الهندسة ولم يجد فرصة عمل محلية تتناسب مع تخصصه. بعد أشهر من البحث، تعلّم مهارات البرمجة ذاتيًا عبر الإنترنت، وبدأ العمل بشكل حر مع شركات خارج البلاد. اليوم، يعمل من منزله ويتقاضى أجرًا يفوق ما كان يمكن أن يحصل عليه في وظيفة محلية تقليدية. تجربة أحمد ليست حالة معزولة، لكنها لا تزال محدودة وتعتمد على الجهد الفردي أكثر من كونها نتيجة منظومة داعمة.

وفي تجربة أخرى، تتحدث زهراء، خريجة قسم الترجمة، عن معاناتها في التنقل اليومي لساعات طويلة داخل المدينة مقابل راتب متواضع. بعد أن خاضت تجربة العمل عن بُعد مع منصة دولية للترجمة، اكتشفت أن بإمكانها تحقيق دخل أفضل مع مرونة زمنية تُتيح لها متابعة دراساتها العليا. تقول إن أكبر تحدٍ واجهته هو إقناع عائلتها ومحيطها بأن “العمل من المنزل” هو عمل حقيقي وليس نشاطًا جانبيًا.

ففي أحد برامج التدريب المهني في العراق، أظهرت متابعة للخريجين أن 18% منهم حصلوا على وظائف عبر الإنترنت أو عن بُعد بعد التدريب. البرنامج نفسه أظهر أن 84٪ من المشاركين زاد دخلهم بعد اكتساب مهارات رقمية مرتبطة بالعمل الرقمي. 

تكشف هذه القصص والارقام جانبًا إنسانيًا من القضية، فالمشكلة لا تتعلق فقط بغياب الفرص، بل بثقافة مؤسسية ومجتمعية لم تتأقلم بعد مع التحول الرقمي. كثير من أصحاب العمل لا يزالون يربطون الإنتاجية بالرقابة المباشرة، ويخشون فقدان السيطرة الإدارية في حال اعتماد نماذج مرنة. في المقابل، يفتقر عدد كبير من الشباب إلى الإرشاد والتدريب الذي يؤهلهم لدخول سوق العمل الرقمي بثقة.

هكذا يقف العمل عن بُعد في العراق عند مفترق طرق: بين جيل شاب يمتلك المهارات والطموح، ومنظومة عمل لم تُحدّث أدواتها بعد. وبين هذين الطرفين تتسع فجوة، قد تتحول إلى فرصة حقيقية إذا ما أُعيد النظر في مفاهيم العمل والإنتاجية في المرحلة المقبلة.


لماذا يتأخر تبنّي هذا النموذج الجديد؟


يلعب عامل البنية التحتية دورا كبيرا في عدم تحوّل العمل عن بُعد في العراق إلى خيار مؤسسي، فضعف خدمة الإنترنت في بعض المناطق، والإنقطاع المتكرر للكهرباء ، يضعان تحديات عملية أمام أي نموذج يعتمد كليًا على الاتصال الرقمي المستقر. صحيح، أن المدن الكبرى شهدت تحسنًا نسبيًا في خدمات الإنترنت، لكن ذلك لم يتحول بعد إلى قاعدة وطنية تُتيح تكافؤ الفرص بين المحافظات. وهنا تتجلى فجوة رقمية واضحة بين من يملك أدوات العمل عن بُعد ومن يفتقدها.

كذلك، فإن غياب أطر تنظيمية واضحة يُساهم في تفاقم المشكل، حيث لا تزال معظم العقود في سوق العمل العراقي مبنية على مفهوم الدوام الحضوري وساعات العمل الثابتة، دون وجود سياسات تُنظّم العمل المرن أو تُحدّد حقوق وواجبات العامل عن بُعد. هذا الغموض القانوني يجعل كثيرًا من الشركات تتردد في تبني النموذج، خشية التعقيدات الإدارية أو المساءلات المحتملة.

تواصل الثقافة الإدارية التقليدية يقف بدوره عائقا أمام انتشار العمل عن بعد، فالكثير من المدراء يربطون الانضباط بالإشراف المباشر، ويعتبرون الحضور الفعلي دليلًا على الجدية. هذا التصور يتطلب تحولًا في فلسفة الإدارة نفسها: من إدارة قائمة على التحكم في وقت العمل إلى إدارة قائمة على النتائج. وفي المقابل، يحتاج الموظفون أيضًا إلى تطوير مهارات الانضباط الذاتي وإدارة الوقت والتواصل الرقمي الفعّال.

لكن، مقابل كل هذه التحديات، تبرز فرص حقيقية يمكن البناء عليها. فالعراق يمتلك شريحة شبابية واسعة اذا يمثل الشباب 60% من سكان العراق، نسبة كبيرة منها تجيد استخدام التكنولوجيا ووسائل التواصل والمنصات الرقمية. كما أن انتشار العمل الحر عبر المنصات العالمية أثبت أن الكفاءات العراقية قادرة على المنافسة عندما تتوفر لها البيئة المناسبة. ولو تبنّت الشركات المحلية نموذجًا هجينًا — يجمع بين الحضور الجزئي والعمل عن بُعد-  فقد يشكل ذلك خطوة انتقالية واقعية، بدل القفز المباشر إلى التحول الكامل.

كذلك يمكن للجامعات ومراكز التدريب أن تلعب دورًا محوريًا عبر إدراج مهارات العمل الرقمي ضمن مناهجها، مثل إدارة المشاريع عن بُعد، الأمن السيبراني الأساسي، وأدوات التعاون الافتراضي، لأن المسألة لتتعلق بإعداد جيل يفهم طبيعة الاقتصاد الرقمي ومتطلباته.

بهذا المعنى، لا يبدو العمل عن بُعد ترفا أو موضة عابرة، بل استجابة طبيعية لتحولات اقتصادية عالمية. غير أن الإنتقال من تجارب فردية إلى سياسة عمل معتمدة، يتطلب إعادة تفكير جماعية  تبدأ من المؤسسة، وتمر بالتشريع، في محاولة لتغيير نظرة المجتمع إلى مفهوم “مكان العمل” نفسه.

يقول الخبير الاقتصادي مظهر محمد صالح إن الاقتصاد العراقي يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط، التي تشكل نحو 96٪ من الإيرادات الحكومية، ما يجعل تنويع الاقتصاد عبر القطاعات الرقمية والتكنولوجية ضرورة لتقليل المخاطر الاقتصادية وخلق فرص عمل جديدة.  وفي النهاية، لا تبدو قضية العمل عن بُعد في العراق مجرد مسألة تقنية مرتبطة بسرعة الإنترنت أو توفر الحواسيب، بل هي اختبار حقيقي لقدرة سوق العمل على مواكبة التحولات العالمية. فبين نموذج تقليدي يزداد صعوبة في استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين والتي تبلغ تقريباً 200 الف خريج سنوياً، واقتصاد رقمي يفتح أبوابه عبر الحدود، يقف الشباب العراقي أمام خيارين: الانتظار داخل منظومة بطيئة التغيير، أو البحث عن فرص تتجاوزها.


لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب"

برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)


تعليقات


Thanks for submitting!

Follow Us !

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter

Thanks for submitting!

bottom of page