إقصاء القيادات النسائية من مراكز صنع القرار وتهميش الأكاديميات في اليمن
- د.اشجان الفضلي وسعيدة الشيبة
- قبل يومين
- 6 دقيقة قراءة

على الرغم من أن المادة 41 من الدستور اليمني تنص على أن "المواطنين جميعهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة"، والمادة 31 تقر بأن "النساء شقائق الرجال"، لكن لا تزال النساء في اليمن يواجهن تمييزاً قانونيا ًومؤسسياً يُقصيهن من مراكز صنع القرار ويهمّش دورهن الأكاديمي والقيادي.
الدستور في ظاهره يؤكد على مبدأ المساواة، إلا أنه يفتقر إلى نص صريح يُجرّم التمييز القائم على أساس النوع الاجتماعي، ما يُبقي الباب مفتوحاً أمام ممارسات إقصائية تُفرغ هذه المبادئ من مضمونها.
في المقابل، تميّز دستور جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بنصوص أكثر تقدما ًووضوحًا؛ إذ نصت المادة 27 على أن "المرأة تتمتع بحقوق متساوية مع الرجل في جميع مجالات الحياة"، فيما ألزمت المادة 31 الدولة بإزالة القيود التي تعيق تطور المرأة، وضمنت المادة 32 حقها في العمل والتعليم وتقلد المناصب، إضافة إلى المساواة في الأجر.
غياب مصطلح "عدم التمييز" في الدستور الحالي يمثل ثغرة قانونية، تعيق تمكين المرأة، خاصة في ظل وجود مواد تمييزية في قوانين الأحوال الشخصية والعقوبات، رغم التزامات اليمن باتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المراة (سيداو) والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
يهدف هذا التقرير إلى تحليل التمييز القانوني والمؤسسي بين الجنسين في اليمن واقتراح حلول تضمن العدالة والمساواة أمام القانون.
تحولات في مشاركة النساء في صنع القرار قبل الوحدة وبعدها
خلال فترة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية من عام 1978 الى عام 1989 المعروفة بمرحلة ما قبل الوحدة، لم تكن المرأة في اليمن غائبة عن المشهد القيادي. ففي الجنوب، برزت أسماء نسائية في مواقع غير مسبوقة: أول نائبة وزير، أول عميدة كلية، أول قاضية، وأول إعلامية تظهر في التلفزيون والإذاعة الرسمية، في سياق دستوري وقانوني تقدّمي دعم حضورها. لتعزيز حقوق المرأة، وقّعت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية على اتفاقية سيداو عام 1984، مما منح النساء أدوات قانونية للدفاع عن حقوقهن في المحافل الرسمية والمدنية. لكن مع قيام الوحدة في عام 1990، وبالتحديد بعد حرب صيف عام 1994، شهدت المرأة في جنوب اليمن تراجعاً كبيراً في حضورها السياسي، إذ ألغيت كثير من التشريعات التقدمية، وتم استبدالها بقوانين محافظة، مما نتج عنه إقصاء ممنهج للنساء من مراكز صنع القرار، وتراجُع تمثيلهن في المؤسسات التشريعية والتنفيذية. على سبيل المثال، جرى استبدال قانون الأسرة الجنوبي الذي كان يضمن المساواة في الحقوق والواجبات، بقانون الأحوال الشخصية الموحّد الذي رسّخ الهيمنة الذكورية في قضايا الزواج، والولاية، وحضانة الأطفال، كما تراجع الالتزام بتعيين النساء في المناصب القيادية، وغابت السياسات التي كانت تُلزم المؤسسات بتمثيل النساء في مواقع القرار.

تظل نسبة مشاركة المرأة في مراكز صنع القرار ضعيفة، حيث لم تتجاوز 4.1% . من المناصب الوزارية منذ الوحدة 1990، مع تراجع كبير في وجودهن في هرم السلطة.
في تقرير لموقع (منصتي 30)، تشير رئيسة اللجنة الوطنية للمرأة في اليمن، الدكتورة شفيقة سعيد إلى "تمثيل النساء بـ 5% في هيئة التشاور و20% في مجلس القضاء الأعلى، مع بعض التعيينات المحدودة في الوزارات".

المخطط يمثل مقارنة مع نسبة تمثيل النساء والرجال في عام 2014 الى عام 2022 (مصدر: تقرير وضع المرأة في اليمن لعام 2022م-1444ه).
ترى الناشطة الحقوقية البارزة وعضو سابق في مجلس الشورى اليمني، الأستاذة نور باعباد "أن الوحدة لم تحقق العدالة في مشاركة النساء في الحياة السياسية، بل عزّزت مكانة أصحاب النفوذ، إضافة إلى ثقافة الولاء والمحاصصة والبنية القبلية، مما أدى إلى تراجع دور المرأة وتهميشها".
تعتبر باعباد "ان تخصيص 30% من مقاعد مؤتمر الحوار الوطني للنساء، كان خطوة مهمة في سبيل الاعتراف بحقهن في المشاركة السياسية". وقد شكّل هذا المؤتمر الذي أُطلق عام 2013 واستمر الى يناير 2014، كجزء من العملية الانتقالية عقب الثورة الشعبية منصة جامعة، حيث جمعت القوى السياسية والاجتماعية من مختلف الأحزاب السياسية والنساء والشباب ومنظمات المجتمع المدني، بهدف وضع أسس لدستور جديد وبناء دولة مدنية حديثة.
لكن هذه الخطوة، رغم رمزيتها، لم تتحول إلى التزام دائم أو سياسات ملزمة؛ لذلك، تدعو نور باعباد إلى "تشكيل تنظيم نسوي موحد"، يضغط من أجل تمثيل النساء في مواقع صنع القرار على أساس الكفاءة والاستحقاق، بدلًا من الاعتماد على معادلات التسوية السياسية.
"احتلال تشريعي"
تصف الأستاذة نادرة عبد القدوس، رئيسة اللجنة الإعلامية في المجلس الانتقالي، التغيير الشامل للقوانين بعد الوحدة بأنه "احتلال تشريعي"، مؤكدة على الانحسار الكبير لدور المرأة في الحياة العامة، فبعد أن كانت المرأة اليمنية أديبة، صحفية، وذات وعي مجتمعي فاعل، أصبح وجودها اليوم محصورا في مهن محددة مثل التعليم، المحاماة، الصحافة، الاستشارة، ولا يوجد لها دور فعال في الحكومة الجديدة. هذا التدهور واضح بشكل صارخ، خاصة مع وجود قوانين لم تُفعَّل بعد، مما يُبرز تراجع وضع المرأة مقارنة بالفترة السابقة التي شهدت فيها حضوراً قوياً في المناصب القيادية.
تؤكد الناشطة الحقوقية الأستاذة مها عوض، مديرة مؤسسة وجود للأمن الإنساني، أن الدستور اليمني، رغم نصّه على عدم التمييز "يفتقر إلى مادة صريحة تُجَرِّم التمييز ضد المرأة، مما أدى إلى تراجع واضح في حقوقها". وتوضح أن هذا "النقص القانوني، مثل عدم إلزامية نظام الحصص (الكوتا) الذي كان يجب أن يُفرض بالقانون، أعاق تقدم المرأة".
كذلك تُبيّن عوض أن المادة 41 من الدستور ورغم تأكيدها على المساواة، تُحال في تطبيق حقوق المرأة إلى المادة 31 التي تُقَيِّدها بما "توجبه الشريعة"، وهذا يُستخدم لتبرير قوانين تمييزية ضد النساء ويفتح الباب أمام الفقه التقليدي بدلاً من تحقيق مساواة حقيقية، معربة عن أملها في تحسين وضع المرأة بوجود دولة حقيقية تضمن تطبيق القانون بإنصاف.
وحول أسباب تراجع دور المرأة في اليمن، تؤكد الأستاذة نور قايد، القيادية الحزبية من محافظة أبين، أن ضعف اهتمام صنّاع القرار بمسألة حقوق النساء، وغياب تفعيل القوانين، وضعف دور الأحزاب هي عوامل رئيسية وراء هذا التراجع.
في سياق متصل، تُشير الأستاذة إشراق قائد، المديرة السابقة في مستشفى المصافي بعدن، إلى أن النظام التقدمي الذي كان سائداً في جنوب اليمن قبل الوحدة "وفّر للمرأة فرصاً متساوية للمشاركة في الحياة العامة مع الرجل"، على النقيض تماماً "أدت مرحلة ما بعد الوحدة إلى تهميش النساء بسبب غياب القانون وسيطرة الفكر القبلي".
من الطليعة إلى التهميش: مسيرة الأكاديميات اليمنيات بين عهدين
في عهد جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، شكلت جامعة عدن منذ تأسيسها عام 1970 نموذجاً تقدمياً لتأهيل الكوادر الوطنية، حيث أُدرجت النساء ضمن مشروع الدولة الاشتراكية لبناء مجتمع عادل ومتساوٍ، وتم تمكينهن من الإستفادة من التعليم العالي والوصول إلى مراكز القرار الأكاديمي.
لكن بعد الوحدة عام 1990، بدأت ملامح التراجع تظهر، فقد واجهت الأكاديميات بيئة يغلب عليها الطابع المحافظ، وتضاءلت فرصهن في الترقّي الوظيفي والمشاركة في صنع القرار الجامعي. على سبيل المثال، عندما تأسس أول مركز للدراسات النسوية في جامعة صنعاء سنة 1993، على يد الدكتورة رؤوفة حسن السيد، أول امرأة يمنية تحصل على دكتوراه في الإعلام، تعرض للكثير من المضايقات وتم غلقه لاحقًا بفعل حملة تحريض من التيار الديني المحافظ.
منذ ذلك الحين، باتت الأكاديميات يعانين من تهميش ممنهج، تمثيل ضعيف في مجالس الجامعات، عوائق معيشية وإدارية، وتقييد للفرص المهنية. ورغم وجود تجارب واعدة في مناطق مثل حضرموت، إلا أن المرأة الأكاديمية في اليمن لا تزال تصطدم بجدران صلبة من التمييز المؤسسي والاجتماعي.
تؤكد القيادية البارزة في مجال الاكاديمية البروفيسورة رخسانه إسماعيل، مديرة مركز لعلوم والتكنولوجيا واستاذة البتروكيماويات في كلية العلوم، والمديرة السابقة لمركز المرأة، أن وصول النساء لمراكز صنع القرار بعد الوحدة "كان محدودا"، رغم وجود أربع قيادات نسائية في المجلس الجامعي في جامعة عدن. وتشير إلى أن "الوزارات السيادية لا تُمنح للنساء، بل يقتصر دورهن على الوزارات الهامشية بسبب النظرة الذكورية والثقافة المجتمعية".
رغم أن القانون لا يمنع وصولهن إلى مراكز القرار، إلا أن الأعذار لعدم تمكينهن من ذلك تُبنى على مفاهيم ثقافية تقليدية مثل رفض المرأة الإقامة في الفنادق أو العمل في بيئة فاسدة. ترى البروفيسورة رخسانه "أن النقابات ضعيفة وغير قادرة على الدفاع عن حقوق النساء". لذلك، تواجه بصفتها امرأة صعوبات في المجلس الجامعي نتيجة لجرأتها في قول الحقيقة، مما أدى إلى تهميشها.
"النساء بعد الحرب تحملن أعباء أكبر"
تُسلّط رينا هيثم، مسؤولة الجندر في منظمة أوكسفام، الضوء على التحولات في أدوار المرأة اليمنية قبل وبعد الحرب، مستندة إلى دراسة لـ أوكسفام "تُبيّن أن النساء تحملن أعباء إنتاجية واجتماعية أكبر من ذي قبل".
وتؤكد هيثم أنه رغم مشاركة النساء المتزايدة في سوق الشغل، إلا أنهن ما زلن يواجهن قيوداً جمة بسبب العادات والتقاليد والعنف القائم على النوع الاجتماعي، خاصة في ظل الآثار الناجمة عن الحرب في اليمن وتاثيرها على حياة المرأة. وتوضح "أن فرص النساء في صنع القرار كانت أفضل بشكل ملحوظ قبل عام 1990، حيث كان هناك إيمان راسخ بقدراتهن". وتوجه رسالة الى السلطة تقول فيها "أعطونا الفرصة وسنبدع، لأننا خُلقنا متساوين في الفرص".
لا يعود تهميش النساء اليمنيات إلى غياب تشريعات واضحة فقط، بل إلى منظومة متقاطعة من النصوص الدستورية الفضفاضة، والأعراف الاجتماعية الذكورية، وآليات المحاصصة السياسية. وتُقصى المرأة عادة ليس لأنها عاجزة، بل لأن القوانين تُفسّر ضدها، والعادات تُستخدم كسلاح لإبعادها، كما أن المناصب تُمنح بالولاء لا بالكفاءة.
ينضاف إلى كل ذلك أن قانون المساواة مُعطّل ليس بسبب قانون واحد، بل بسبب مزيج من نصوص دستورية وقوانين تمييزية (خاصة في قانون الأحوال الشخصية) وتفسيرات الدينية المتشددة بالإضافة إلى أعراف قبلية تتعارض مع المساواة وذلك بسبب ضعف سيادة القانون نتيجة الصراعات المستمرة في اليمن. وهناك فجوة من حيث المرجعية الفكرية في النصوص القانونية. بين دستور جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية لعام 1978، ودستور الجمهورية اليمنية لعام 1991، نشهد انتقالا من إطار قانوني يفرض مساواة مطلقة الى إطار يكرس تمييزاً ضد النساء مبرر دينياً وتغييب مصطلح "المرأة" كمواطنة مستقلة ذات حقوق، أي أنه قبل الوحدة كانت الدولة تدعم دور المرأة ومشاركتها، على عكس ما حصل ويحصل بعد ذلك.
بالتالي، تبرز الحاجة اليوم إلى ضرورة تعديل الدستور اليمني ليشمل مواد صريحة تمنع التمييز ضد المرأة وتعزز من حقوقها كمواطنة مستقلة. كما يجب إعادة فرض نظام الكوتا لدعم مشاركة المرأة في مواقع صنع القرار، بما يضمن تمثيلها بنسبة 30% في البرلمان كمرحلة انتقالية نحو مشاركة متكافئة. الى جانب ذالك، من الضروري تنفيذ حملات توعوية للتغلب على الأعراف الاجتماعية التي تعيق تقدم المرأة، وتعزيز مفهوم المساواة بين الجنسين، مع تشجيع التنسيق بين المنظمات النسوية لتعزيز قوتها وقدرتها على المطالبة بحقوق النساء وتحقيق العدالة الجندرية.





تعليقات