top of page

في شبوة باليمن... أزمة تسجيل المواليد تترك أطفالًا بلا هوية


يواجه عدد كبير من الأطفال في محافظة شبوة، الواقعة في جنوب شرقي اليمن، خطر التهميش والحرمان من الحقوق الأساسية بسبب عدم امتلاكهم لشهادات ميلاد، تلك الوثيقة القانونية البسيطة التي تعد أول اعتراف رسمي من الدولة بوجود الطفل. 


تعد شبوة ثالث أكبر محافظة من حيث المساحة، رغم من أنها من أقل المحافظات كثافة سكانية في اليمن، ويُقدّر عدد سكانها بقرابة 600 ألف نسمة.

غياب هذه الوثيقة لا يعني فقط صعوبة الالتحاق بالمدرسة أو الحصول على الرعاية الصحية أو الحماية القانونية، بل هو نفي للوجود القانوني للطفل نفسه، وهو ما يجعله عرضة للإقصاء، والاستغلال، ولانتهاك حقوقه على أكثر من مستوى. 


الحرمان من الحقوق الأساسية


ينص قانون حقوق الطفل اليمني رقم 45 لسنة 2002 في المادة السابعة "لكل طفل الحق في أن يكون له اسم يُميّزه، وأن يُسجّل عند ولادته في سجل المواليد، وله الحق في الحصول على الجنسية وفقاً لأحكام القانون". كما تلتزم الجمهورية اليمنية بما جاء في اتفاقية حقوق الطفل الدولية التي صادقت عليها عام 1991، والتي تنص في مادتها السابعة على أن "يسجّل الطفل بعد ولادته فورًا، ويكون له الحق منذ ولادته في اسم، والحق في اكتساب جنسية، وبقدر المستطاع في معرفة والديه وتلقي رعايتهما".

رغم هذا الإطار القانوني الواضح، يواجه التطبيق تحديات كبيرة على أرض الواقع. بحسب الملازم أول ناصر محسن لصور، مدير إدارة السجل المدني بمحافظة شبوة "بلغ عدد الأطفال المسجلين في الإدارة العامة حتى نهاية عام 2024 نحو 8354 طفلاً، بينما بلغ في مديريات المحافظة الأخرى 24142 طفلاً".  أما خلال عام 2023 "فقد كان الرقم أقل بكثير، 5321 طفلا في الإدارة العامة و17262 طفلاً في المديريات الأخرى". هذه الأرقام تكشف أن التسجيل لا يزال محدوداً مقارنة بعدد المواليد المتوقع، وتعكس حجم الفجوة في التغطية المدنية.  

خلف هذه الأرقام، تظهر حكايات إنسانية مؤثرة. رشيد رشاد، فتى يرتدي سروالاً أبيض وفانيلا زرقاء، حافي القدمين، في الثانية عشرة من عمره، لم تسجل ولادته رسميا، ولم يجد من يثبت له اسمه أو عمره.  

حرمه غياب هذه الوثيقة من مواصلة التعليم، واتجه للعمل في بيع قناني الماء الفارغة في ظروف شاقة، يقول "الناس يتعاملون معي كأنّني غير موجود، كوني من طبقة "الأخدام" وهناك تمييز واضح بيني وبين زملائي العاديين في المدرسة". 

في المجتمع اليمني تُستعمل كلمة "الأخدام" لتسمية شريحة اجتماعية تم تهميشها تاريخياً من قبل المجتمع والسلطة. وتعتبر تسمية عنصرية من قبل الكثير من الحقوقيين والباحثين الاجتماعيين.

أما سيمي، التي تبلغ من العمر اثنتي عشرة عاماً، فقد أُبعدت من أحد المراكز التعليمية لأنها لا تملك أية وثيقة تُثبت هويتها. ورغم أنها كانت مجتهدة في دراستها، إلا أن الإدارة اضطرت إلى فصلها من المدرسة بعد مراجعة بياناتها، حيث أدى اختلاف اسمها ( كونه اسم غير مألوف) إلى صعوبة استخراج شهادة ميلاد لها، كما أوضحت والدتها، غادة قائد صالح، التي تسكن في بيت عشوائي كغيره من البيوت في حارة "المظلل" في أحد أحياء مدينة عتق، عاصمة المحافظة. ولم تفكر الأم في تغيير اسم ابنتها لتتمكن من الحصول على شهادة ميلاد مثل إخوتها، واستسلمت للأمر الواقع. 

 ذات الأمر ينطبق على غسان الذي جاء نازحاً الى شبوة مع والديه واخوته الأربعة وهو في السابعة من عمره. رُفض تسجيله في امتحانات المرحلة الأساسية رغم انتظامه في الدراسة، لأنه لم يكن يمتلك شهادة ميلاد. لذلك اضطر الى ترك المدرسة واتجه إلى العمل ليساعد أسرته، مع تفاقم مرض والده. وبقي هاجس استكمال تعليمه حلماً بعيد المنال. هكذا أخبرتنا والدته أشواق عبده أحمد، وهي تنظر وتشير بيديها الى منزلهم المتواضع، المكون من غرفة صغيرة في منطقة "الوادي" بمدينة عتق.  



معضلة التسجيل في المدارس

 

يعزو المسؤولون والمختصون غياب شهادات الميلاد للأطفال إلى عدة أسباب متداخلة، فالكثير من الأسر في محافظة شبوة، خصوصاً في المجتمعات المهمشة والنازحة، إذ يُقدَّر عدد النازحين فيها بحوالي 25 ألفاً، لا تمتلك الوثائق الأساسية كالبطاقات الشخصية، مما يعقّد عملية تسجيل المواليد. كما أن ضعف الوعي بأهمية شهادة الميلاد، إلى جانب التعقيدات الإدارية، يدفع بعض أولياء الأمور إلى تأجيل أو تجاهل إجراءات التسجيل.

في هذا الصدد، يقترح الأستاذ ناصر لصور "تطوير نظام إلكتروني يربط شهادات الميلاد بإشعارات الولادة الصادرة عن المستشفيات" أو "عن طريق عقال الحارات (وجهاء الأحياء الذين يمثلون المجتمع المحلي ويعرفون سكانه) في حالات الولادة المنزلية، الأمر الذي من شأنه تبسيط الإجراءات وتقليل الفاقد من الأطفال غير المسجلين".

المشكلة لا تقف عند التسجيل المدني، بل تمتد إلى المنظومة التعليمية، فوفقاً للائحة المدرسية الصادرة عن وزارة التربية والتعليم لعام 2025 في المحافظات المحررة، وتحديداً في المادة 80 من الباب الثالث، يُشترط، لقبول الطفل في الصف الأول من التعليم الأساسي، أن "يقدم شهادة ميلاد أو شهادة صحية معتمدة".  

ومع ذلك، يُقر مديرو المدارس بأن هذا الشرط لا يُطبق دائماً بشكل صارم، حيث يُوضّح الأستاذ صالح الجفري، مدير مدرسة 30 نوفمبر- بنين في عتق، عاصمة محافظة شبوة، "أن بعض المدارس تقبل صورة معدّلة من شهادة الميلاد أو حتى بطاقة التطعيم، ولكن ذلك يفتح الباب أمام التلاعب أو الإدخال غير الدقيق للمعلومات". ويضيف "أن هناك مدارس أخرى، ومراعاة للظروف الاقتصادية للأسر، تقبل الطالب دون أي وثيقة، وهو ما يُربك سجلات المدرسة لاحقاً".

من جهتها، تؤكد الأستاذة ذكرى فرج، مديرة مدرسة أروى الأساسية - بنات في عتق، أن "غياب الوثائق يؤدي إلى مشكلات أكبر، خاصة حين تبدأ الطالبة بكتابة اسمها بطريقة تختلف عما سُجّلت به أول مرة في المدرسة، في ظل عدم وجود وثيقة رسمية تُثبت الاسم". ويظهر هذا الخلل في مرحلة الامتحانات الوزارية كل عام أو في الوثائق اللاحقة، مما يربك العملية التربوية ويُضعف من انتظام القيد التربوي. 

توضح الاستاذة ذكرى أن "بعض أولياء الأمور يقدمون، عند تسجيل بناتهم في الصف الأول، بطاقة التطعيم التي تحتوي على الإسم الثلاثي ويتم تعبئة استمارة القبول حسب أقوال الأم وليس بناء على وثيقة رسمية،  لهذا في آخر سنتين اعتمدنا التسجيل بحسب بطاقة الأب"،  مضيفة " طالبنا من وزارة التربية إصدار تعميم بعدم قبول أي طالب بمدرسة حكومية أو أهلية إلا بشهادة ميلاد".

غياب شهادة الميلاد قد يترك الأطفال عرضة لمخاطر أكبر بكثير من مجرد الحرمان من التعليم. في هذا الصدد، يشرح الأستاذ صالح الخضر محمد عوض، أخصائي اجتماعي ومشرف مشروع إدارة الحالة في مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل لمديرية عتق وجردان وعرماء، أن الأطفال غير المسجلين قانونياً "كثيرًا ما يُجبرون على ترك المدرسة، وينتهي بهم المطاف في الشوارع وعرضة للتسول والعمالة". ويضيف "أن الأحوال المدنية تفرض رسوما على شهادة الميلاد ، في حين أن البعض لا يمتلك تلك الرسوم، كما أن وجود سماسرة يجعل ثمنها يصل إلى ما يعادل 7 إلى 10 دولارا." وأمام عدم قدرة ولي الأمر على استخراج شهادة الميلاد، يضطر إلى إحضار بطاقة التطعيم بدلاً عنها لتسجيل الطفل في المدرسة، لكن بعض مدراء المدارس يرفضون ذلك.

ويشير الأستاذ صالح إلى أن عدم وجود شهادات ميلاد وهوية، يؤدي الى تعرض الأطفال إلى "الإستغلال والإتجار، ويتم توظيفهم في أعمال غير قانونية، كما يتم توجيههم إلى ممارسات غير أخلاقية، وتعاطي وترويج المخدرات والشبو والدعارة. وقد يُزجّ بهم في السجون مع البالغين لعدم وجود إثبات رسمي لأعمارهم".

ويُبيّن أن محافظة شبوة تفتقر إلى نظام تسنين طبي رسمي، أو إلى سجون خاصةً بالأحداث، مما يجعل هؤلاء الأطفال ضحايا محتملين لانتهاكات قانونية وجسدية ونفسية. لهذا فهو يُحمّل المسؤولية في كل ذلك إلى "إدارات المدارس ووزارة التربية وإدارة الأحوال المدنية وإلى السلطة المحلية"، مشدّدا على ضرورة أن تتضافر جميع الجهود  ليكون لأي طفل الحق في امتلاك شهادة ميلاد او بطاقة شخصية أو جواز سفر دون وجود عراقيل". 


جهود المنظمات والمجتمع المدني 


في مواجهة هذا الواقع، برزت مبادرات مدنية تُحاول إيجاد حلول لهذا المشكل، على غرار مبادرة "هوية" التي أطلقتها منظمة مدرسة السلام (YPS) بدعم من برنامج "جسور"، والتي سعت إلى توثيق أطفال الفئات المهمشة، وتعزيز وعيهم القانوني، وتمكينهم من الحصول على أوراقهم الثبوتية. 

يشير الأستاذ محمود لحول، مشرف المبادرة، الى أن "التحدي الأكبر كان غياب الوثائق الأساسية لدى الأهل أنفسهم، مما جعل من الصعب استكمال معاملات الأبناء". ومع ذلك، يؤكد أن بناء الثقة مع الأسر، والتواصل المباشر، قد ساعد في تسهيل تسجيل عدد من الأطفال.

على المستوى الوطني، كانت منظمة اليونيسف حاضرة في دعم هذه الجهود، حيث يقول كمال الوزيزة، مسؤول الإعلام والمناصرة في مكتب اليونيسف - اليمن، أنه، وبحسب المسح العنقودي لعام 2023ـ "لا تتجاوز نسبة تسجيل الأطفال دون الخامسة 29.4%". ومع ذلك، فإن "المنظمة دعمت تسجيل 162.500 طفل في عام 2024 وحده، وزودت مصلحة الأحوال المدنية بمليون شهادة ميلاد رسمية لضمان استمرارية التسجيل في معظم المحافظات". كما تركز اليونيسف على تسهيل تسجيل الأطفال الأكبر سناً، خاصةً في المجتمعات التي فاتتها فرصة التسجيل، لضمان حصولهم على التعليم والرعاية الصحية دون تمييز.

يُجمع العاملون في الأحوال المدنية والتعليم والخدمة الاجتماعية على أن أي حل فعلي يجب أن يكون متكاملاً، يجمع بين تبسيط الإجراءات، ورفع الوعي، وتقديم تسهيلات للأسر غير القادرة، إلى جانب تدخلات ميدانية نشطة من قبل الجهات الرسمية والمدنية. التسجيل الإلكتروني سيساعد، لكنّه لن ينجح ما لم تقترن به حملات توعوية منتظمة تُخاطب الناس بلغتهم، وتشرح لهم أثر غياب الوثيقة على مستقبل أطفالهم، كما أن على المدارس أن تلعب دوراً أكبر في الكشف المبكر عن الأطفال غير المسجلين، والتعاون مع الجهات المعنية لحل المشكلة قبل أن تتفاقم. ويمكن أن يكون لضباط الإرتباط الاجتماعي،  في المدارس دور جوهري في هذا الإطار، ويُقصد بضابط الارتباط الاجتماعي الشخص المعيَّن في الجهة أو المرفق الذي يُقدم الخدمة للطفل، حيث يتولى التنسيق واستقبال الحالات المُحالة من قبل الأخصائي الاجتماعي أو مسؤول إدارة الحالة في مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل، ومتابعة ربطها بالخدمات المناسبة.


شهادة الميلاد ليست مجرد وثيقة إدارية، بل تمثل أول اعتراف رسمي بالإنسان وبداية وجوده القانوني، ومدخله نحو التعليم والحماية والصحة والكرامة. إن معالجة هذه القضية ليست ترفاً، بل ضرورة قانونية وإنسانية، ومؤشرا أساسيا على جدية الدولة والمجتمع في حماية أطفالها.








تعليقات


Thanks for submitting!

Follow Us !

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter

Thanks for submitting!

bottom of page