ماذا يعني أن تكوني مصورة في شوارع بغداد؟ عن وسيلة لتحقيق الذات والإلتحام بروح المدينة
- ماريا طلال

- قبل 9 ساعات
- 4 دقيقة قراءة

من الشغف إلى امتهان التصوير
قبل أن تصبح مصورة، كانت حنين (27 عاماً) من بغداد، تُطيل النظر إلى أبسط التفاصيل التي لا يهتم بها معظم الناس. ولم تكن تفهم سر هذا الانجذاب، إلى أن وجدت وسيلة لتحتفظ بهذه التفاصيل. كان والدها يحب توثيق اللحظات العائلية عبر كاميرا “كومباكت”، لكن بعد وفاته، وهي في الثامنة عشرة من عمرها، قررت الابتعاد عنها.
بعد سنوات، وخلال رحلة مدرسية، قادها سؤال طُرح أمامها "شنو تحتاج الصورة حتى تكون جميلة؟" إلى شراء كاميرتها الأولى عام 2017، والبدء بتعلم التصوير بجدية، في وقت لم يكن مألوفاً أن تحمل فتاة كاميرا في الشارع، وسط نظرات متوجسة وغياب شبه تام للدعم.
وبالتوازي، بدأت حكاية طيبة صادق ( 29 عاماً) من بغداد أيضا. منذ طفولتها، كانت تحلم بأن تكون ممثلة أمام أضواء الكاميرا، لتصطدم بالواقع الصعب الذي يمنع النساء من التمثيل. ولكن والدتها أرادت تعويضها عن حلمها الضائع، فاشترت لها كاميرا، مؤمنة بأن طرق التعبير قد تتغير، لكنها تقود إلى الطريق ذاته.
بدأت طيبة بتصوير عائلتها وأصدقائها خلال حياتهم العادية. وعند الغروب، كانت تصعد إلى سطح البيت لتلتقط منظر الشمس وهي تغيب أو صورة نخلة وحيدة أو طيوراً عابرة، دون معرفة تقنية التصوير وأساسيات استعمال الكاميرا الميكانيكية، مثل فتحة العدسة أو سرعة الغالق، لكنها كانت تتدرب على توثيق المشاعر من زاوية جمالية.
بعد أشهر قليلة، وبمحض الصدفة، شاهدت الفيلم الوثائقي "Hondros" عن المصور الصحفي الأمريكي كريس هوندروس، الذي غطى حروباً عديدة بينها حرب العراق. " كان الفيلم بمثابة لحظة إدراك بالنسبة لي وفهمت أن المصور قادر على نقل الحقيقة، وأن صورة واحدة يمكن أن توصل إحساساً كاملاً دون كلام، وقد تثير فكرة أو وعياً يقود إلى تغيير حقيقي"، تقول طيبة.
في الأول من تشرين الأول 2019، ومع انطلاق الاحتجاجات في وسط وجنوب العراق، شعرت طيبة أن اللحظة جاءت لتُوثّق بدورها الحقيقة، فالحدث موجود، والأداة متوفرة، بقيت فقط الجرأة. نزلت إلى الميدان، تُصوّر وتنشر على إنستغرام. تلقت دعمًا كبيرا من المتابعين لحسابها. وبعد عام، تلقت عرضاً من وكالة رويترز، ليتحول التصوير إلى مهنة رسمية، وليس مجرد شغف.
خلال محرم 2020، كانت أول مهمة صحفية حقيقية لها خارج مدينتها وتحديداً في كربلاء. هناك، وسط زحام المشاعر والطقوس، شعرت بثقل المسؤولية، خاصة وأن تجربتها الصحفية لم تنضج بعد وقتها، ولكنها لم تستسلم لخوفها. والتقطت صورة حازت على لقب "أفضل صورة اليوم" بوكالة رويترز، التي نشرتها على حساباتها الرسمية على مواقع التواصل، وانتشرت في العديد من الصحف العالمية.
لاحقاً، في 2025، ذهبت إلى جنوب لبنان لتغطية الحرب. هناك، بين الخوف والحذر، أدركت أن تصوير الصراع ليس بحثاً عن الحدث، بل عن الإنسان داخله.
عن نفسها، تقول طيبة بأنها هادئة، خجولة، “صوتها ما ينسمع”. لكنها اكتشفت أن الكلام ليس الوسيلة الوحيدة للتعبير. “ما أحتاج أحچي، الكاميرا تحچي عني”. هكذا أصبحت الصورة لغتها الأقرب، والأصدق.
منصة لتوفير الإرشاد والإحاطة للمصورات
في وقتٍ كانت فيه المصورات يعملن غالباً بشكل فردي، بلا تجمعات داعمة أو مساحات مهنية واضحة، اعتمدت حنين وطيبة على نفسيهما؛ دخلن ورشاً، بحثن، تعلمن ذاتياً، وشققن طريقهن وسط مجال يقلّ فيه الحضور النسائي.
تتمنى حنين أن ترى مزيداً من المصورات العراقيات يدخلن هذا المجال بجدية، لا بوصفه هواية عابرة أو لملئ صفحة على وسائل التواصل الإجتماعي، بل كمسار مهني وفني يتطلب الالتزام والسعي إلى التطور والمشاركة في المعارض والمسابقات.
برأيها، " قيمة الصورة لا يحددها المصور وحده، بل تُختبر في الفضاء العام، وأمام أعين الآخرين". ورغم عملها في مجال التصوير منذ 2017، تشير إلى أن عدد النساء الجادات في هذا المسار المهني ما زال قليلاً، وكثيرات ينسحبن بسبب عدم وعيهن بحجم الجهد الذي يتطلبه هذا الطريق، أو بالفرص التي يمكن أن يفتحها.
كانت تجربة عشتار علي كامل عبيد أيضا فردية وشاقة، ومليئة بالأسئلة. عادت إلى البلاد عام 2022، ووجدت في الصورة وسيلة لتوثيق الواقع بكل تعقيداته. من خلال عملها الميداني واحتكاكها المباشر بالمصورات، بدأت عشتار تُدرك أن المشكلة لم تكن يوماً في نقص الموهبة لدى النساء المصورات، بل في غياب البنية الداعمة، فهن يٌنتجن صورا جيدة، لكنهن يفعلن ذلك من دون ظهور، أو حماية لحقوقهن، أو وصول حقيقي إلى فرص مهنية، فتبقى أعمالهن معزولة أو غير منسوبة إليهن.
لهذا، وفي عام 2024، أسست عشتار، مع شريكتها المؤسسة فرقان، منصة ( Iraqi Female Photographers IFP). وكان الهدف بناء فضاء يُوفر الإرشاد، ويخلق مجتمعاً مهنياً، ليمنح المصورات شرعية طال انتظارها.
ومع تأسيس المنصة، لم تعد المصورات يعملن وحدهن، بل بدأن يعرضن أعمالهن، وينشرنها، ويتقدمن لمنح، ويقدمن أنفسهن بثقة كمصورات. بالتالي، وفرت لهن هذه المنصة ما كان ينقصهن: المساحة، والأمان، والاستمرارية.
صور لا تنسى
عندما تُسأل حنين عن أعز الصور على قلبها، تقول أنها ليست تلك الأجمل فنياً، بل الأكثر إنسانية. واختارت صورتين التقطتهما: الأولى لطفل عراقي وهو يدرس تحت ضوء شمعة أثناء انقطاع الكهرباء، أسمتها Reading under the candle light. أما الثانية، فجاءت بعد سنوات، خلال زيارة أخرى لبيته، حين شاهدته يُطعم أخته المصابة بمتلازمة داون، حيث أصبح الطفل المسؤول الأول عن أخته، بعد وفاة الأب وذهاب الأم إلى العمل. هاتان الصورتان تختزلان بالنسبة لحنين، معنى التصوير الوثائقي: الالتزام، والإنصات، والاقتراب من الإنسان دون استغلال ألمه.

أما أعز صورة لدى طيبة، فهي تلك التي التقطتها عن قرب لنساء غريبات. كانت المرة الأولى التي تجلس فيها مع نساء لا تعرفهن، تستمع إلى ضحكاتهن وحكاياتهن قبل أن ترفع الكاميرا. في تلك اللحظة، لم تكن تتعلّم التصوير فحسب، بل كانت تتعلّم كيف تُحاور الناس الذين ترغب في تصويرهم، وكيف تُنصت إليهم، وكيف تكتشف مدينتها بغداد بلا خوف. قد لا تكون الصورة الأفضل تقنياً، لكنها الأقرب إلى قلبها، لأنها تُمثّل بدايتها الحقيقية.

لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب"
برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)





تعليقات