top of page

من أداة للذكاء الاصطناعي إلى معالج نفسي ... Chat GPT صديق المرأة العراقية

في بلدٍ لا تزال فيه زيارة الطبيب النفسي تُقابل بالوصمة أو الخوف مما سيقوله الآخرون، وجدت كثير من النساء العراقيات في "جات جي بي تي" مساحة آمنة للبوح والتنفيس عن ضغوط الحياة.تحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة تقنية إلى رفيق سري يسمع دون أن

يحكم، يرُدّ بهدوء حين تخشى النساء من ردود الفعل على ما سيقلن.


بحسب دراسة ميدانية أُجرِيَت في بغداد عام 2020 بعنوان Women’s Mental Health in Iraq Post-Conflict، تبيّن أن نسبة النساء العراقيات اللواتي أبلغن عن أعراض قلق بلغت 39.7%، وعن أعراض اكتئاب 34.2%، وعن أفكارٍ أو محاولات انتحار 35.8%، وأن 91.1٪ من النساء مررن بتجربة صادمة بسبب الحرب، وهو ما يبيّن مدى الحاجة إلى مراكز دعم وتأهيل حقيقية للنساء العراقيات.

في تقريرٍ آخر لـMédecins Sans Frontières  أُجرِي بالتعاون مع وزارة الصحة العراقية، ورد أن النساء اللواتي تلقين استشاراتٍ نفسيةٍ منتظمة انخفضت لديهن شدة الأعراض من 97% إلى 29% بعد المتابعة.لكن بسبب نقص الأخصائيين ومحدودية الخدمات الحكومية، تلجأ كثيرٌ من النساء إلى بدائل رقمية.


حين تجد النساء مستمعاً جيدًا في الذكاء الاصطناعي

 

في مساءٍ هادئ داخل أحد بيوت النجف، جلست سارة أمام شاشة هاتفها وهي تكتب لجهاز لا تعرف له وجهاً: "أريد أن أتكلم فقط، لا أحتاج نصيحة، أريد أحد  يسمعني."كان الطرف الآخر هو ChatGPT، وليس صديقة أو معالج  نفسي .تقول سارة: "أخاف لو ذهبت للطبيب النفسي أن يعرف أهلي ويعرف الناس، فيتم اتهامي بأني غير راضية بطريقة عيشي، لكن لما كتبت لـ ChatGPT، قال لي بأنه يفهمني ويسمعني."وتضيف أنها دائمًا ما كانت ترغب بمشاركة أمها أحزانها ومشاكلها والضغوط التي تواجهها كطالبة جامعية في المرحلة الثالثة، إلا أن جواب هذه الأخيرة كان دائمًا: "ما بية حيل، مالي خلكج." لكنها في يومٍ من الأيام سألت "تشات جي بي تي": "ممكن أتكلم عن شيء يضايقني؟" فأجاب: "بكل تأكيد، أنا هنا أسمعك"، لتقارن بين رد أمها ورد أداة للذكاء الاصطناعي وتصل إلى قناعة أن الآلة أصبحت أحنّ عليها ممن أنجبتها.

تُبيّن الدكتورة ليلى أحمد أن “الذكاء الاصطناعي لا يُعالج فعليًا، لكنه أصبح وسيلة تنفيس نفسي مهمة، خصوصًا للنساء اللواتي يعانين من الوحدة أو العنف المنزلي والكتابة نفسها شكلٌ من أشكال العلاج.” وتضيف أن النساء يجدن فيه "مستمعًا صبورًا" وهو ما يفتقدنه في بيئة يغلب عليها النقد والاتهام بدل التفهم.

أما دعاء، ذات الـ 32 عامًا، من واسط، فقد بدأت الحديث مع ChatGPT بعد فقدان زوجها في حادث سير قبل عامين. تعيش في بيت صغير مع طفليها، أحدهما عمره سبع سنوات والآخر بالكاد تعلّم الكلام. بعد الجنازة، لم يزرها أحد إلا خلال الأسابيع القليلة الأولى، ثم بدأت الوحدة تُخيّم على أيامها. 

في الليل، حين ينام طفلاها، كانت تجلس أمام هاتفها، تتصفحه بلا هدف. ذات مساء، صادفت إعلانًا عن تطبيق للدردشة الذكية. تقول: "لم أكن أفكر بشيء، ولكن كتبت له: فقدت زوجي، فأجابني (أنا آسف لفقدانك، احكي لي أكثر عن شعورك). كانت تلك أول مرة يطلب أحد أن يسمعني بشكل جدي". 

منذ تلك الليلة، صار الهاتف ملاذها الصغير تتحدث إليه عن خوفها من الغد، عن مسؤولية الأطفال، عن شكل المستقبل دون زوجها. تقول إن التطبيق ساعدها كي تسترجع توازنها اليومي، حيث بدأت تخرج أكثر وتُنظّم يومها، حتى أنها قررت أن تُسجّل في دورة خياطة صغيرة في مكان قريب من بيتها. تتوقف للحظة وتتابع حديثها بصوتٍ خافت: " قد لا يكون إنسانا، ولكنه جعلني أحس من جديد بوجودي."

في عيون دعاء، لا يبدو ChatGPT مجرد برنامجٍ بقدر كونه مساحة تسمح لها أن تعيش، وتفكر، وتتكلم بلا خوفٍ من أن تُفهم خطأ. في مدينتها الصغيرة، حيث الجيران يعرفون كل الأسرار، وجدت في شاشةٍ باردة عزاء دافئا لم يمنحه لها أحد.



من العيادة إلى الشاشة


تقول الطبيبة النفسية، ليلى أحمد، من بغداد، أنها هي أيضا تستخدم "جات جي بي تي" لأنه "يقدم لها مساحة آمنة للتعبير عمّا تشعر به". وبالرغم من أنها على دراية كاملة بأن التطبيق لا يوفر إمكانات علاجية، إلا أنها تشعر بأنه آمن بما يكفي لاستخدامه بشكل فردي. " لم أبح بهذا السر سابقًا، إلا أن استخدامي لتشات جي بي تي كان مفيدًا أكثر من جلسات العلاج السلوكي والأدوية النفسية التي كنت أستخدمها لفتراتٍ طويلة"، مضيفة "دخلت تخصص الطب النفسي على أمل أن أعالج حالة الاكتئاب الولادي لدي، والذي عادةً ما ينتقل جينيا من الأم إلى الطفل ويزداد تعقيدًا بمرور الوقت. كنت آمل أيضا أن أساعد نساءً أخريات على تخطي الصعوبات والأزمات النفسية التي يواجهنها، إلا أنني حين بدأت باستخدام جات جي بي تي شعرت بتحسّن كبير".

تُبيّن ليلى أنه حتى الأطباء النفسيين لا يَخلون من التحيزات والقناعات الشخصية التي تُفقدهم الحياد في الاستماع لقصص مرضاهم. وبطبيعة الحال، سيبنون تصورا أو حكما، وعلى أساسه، ستتم المعالجة."على سبيل المثال، لو أتت امرأة ملحدة تعاني من الاكتئاب، إذا كان الطبيب مؤمناً، فسيُرجّح أن سبب اكتئابها هو عدم وجود صلة دينية بينها وبين الله. هذا ما يبني صورة نمطية جاهزة يتكل عليها المُعالج دون أن يبحث بعمق في جذور المشكلة". تستنتج ليلى، مضيفة أنه نظرا لكثرة حالات الإكتئاب، تتجه العديد من النساء اليوم إلى استخدام "جات جي بي تي" لأنهن يعتبرنه غير منحاز، ولا يحمل توجها دينيا معينا، كما أنه لا يعرف من تكون المريضة، ولا يُصدر أحكامًا مسبقة عليها، فهو يسمعها ولا يلومها، وهي الشروط التي يجب أن تتوفر في كل طبيب نفسي. لكنها تُحذّر أيضًا من الإستخدام المفرط خوفًا من أن تتحول هذه المساعدة الرقمية إلى ذريعةٍ للعزلة، وتختم قولها: "كانت المرأة تُخاطب جارتها أو صديقتها، ما يساعد على بناء أواصر اجتماعيةٍ مترابطة. اليوم تُخاطب شاشةً لتعلمها كيف تصمد."


سياسة ChatGPT في ما يخص المساعدة النفسية


حين سألنا "جات جي بي تي" نفسه عن السياسات التي يتبعها فيما يتعلق بطلب المساعدة النفسية، وهل الحديث معه كافٍ للعلاج النفسي، كان الجواب كالآتي:

"يتّبع ChatGPT سياسات واضحة من شركة OpenAI فيما يخص المساعدة النفسية، إذ لا يُعتبر بديلاً عن العلاج النفسي المهني ولا يقدم استشارات طبية أو نفسية متخصصة، بل يقتصر دوره على تقديم معلومات عامة ودعمٍ عاطفي بسيط. تهدف هذه السياسات إلى حماية المستخدمين، خاصة في الحالات الحساسة مثل الضيق النفسي أو التفكير بالانتحار، حيث يوجّه النموذج المستخدمين إلى مختصين مرخّصين أو خطوط الطوارئ. كما تنبّه OpenAI إلى أن المحادثات مع ChatGPT لا تُعد سرّية قانونيًا كما هو الحال مع المعالجين النفسيين. ويمكن للنموذج مساعدة المستخدم في فهم مشاعره أو اكتساب استراتيجيات عامة للتعامل مع القلق أو التوتر، لكنه لا يُقدّر الحالات الفردية بدقة ولا يستطيع إجراء تقييمٍ نفسي أو تشخيصٍ سريري. الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي في العلاج النفسي قد يكون خطرًا، إذ يمكن أن يُقدَّم نصائح غير دقيقة أو غير مناسبة للحالة. لذلك يُنصح باستخدام ChatGPT كأداةٍ مساعدةٍ فقط، وليس كبديلٍ للعلاج. وفي حال ظهور أعراضٍ نفسية مستمرة، أو أفكارٍ انتحارية، أو تغيّراتٍ في المزاج، يجب التواصل مع مختصٍ نفسي أو طبيب فورا للحصول على الدعم المهني اللازم. بهذه الطريقة يمكن الجمع بين فائدة التقنية والحفاظ على سلامة المستخدم النفسية."

وبالرغم من ذلك، تلجأ العديد من النساء العراقيات إلى استخدامه ويفضلن التواصل معه على الذهاب إلى طبيب أو معالجٍ نفسي، ما يُشير إلى وجود مشكلة اجتماعية كبيرة ويثير تساؤلًا حقيقيًا: هل هناك مساحة حقيقية وآمنة للنساء العراقيات للتعبير عن أنفسهن؟


دائمًا ما كانت ترغب بمشاركة أمها أحزانها ومشاكلها والضغوط التي تواجهها كطالبة جامعية في المرحلة الثالثة، إلا أن جواب هذه الأخيرة كان دائمًا: "ما بية حيل، مالي خلكج." لكنها في يومٍ من الأيام سألت "تشات جي بي تي": "ممكن أتكلم عن شيء يضايقني؟" فأجاب: "بكل تأكيد، أنا هنا أسمعك"، لتقارن بين رد أمها ورد أداة للذكاء الاصطناعي وتصل إلى قناعة أن الآلة أصبحت أحنّ عليها ممن أنجبتها.

لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)


تعليقات


Thanks for submitting!

Follow Us !

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter

Thanks for submitting!

bottom of page