تصاعد زواج القاصرات في وسط العراق: استعباد بمباركة دينية
- روان سالم

- قبل 6 أيام
- 5 دقيقة قراءة

للوهلة الأولى، يبدو اسم “أم علي” ملتصقاً بامرأة قد تكون تجاوزت سن الأربعين، إلا أنه لقب لفتاة في السادسة عشرة من عمرها. أم علي التي تسكن محافظة النجف تزوجت في سن الثانية عشرة وأنجبت طفلها الأول "علي" وهي في الرابعة عشرة لرجل يكبرها بعشرين عاما.
تروي رحلة زواجها بحسرة: " كنت في السادس ابتدائي حين بلغت. ذهبت لأمي باكية لأنني أنزف وكنت أظن أن خطباً ما أصابني، ولم أدرك حينها أنها لعنة الحيض قد حلّت بي ". حاولت أمها إخفاء أمر بلوغها عن والدها، إلا أن تغيراتها الجسمانية فضحت الأمر ولم يبق هذا السر لوقت طويل، فبعد شهرين من بلوغها اكتشف والدها الأمر وقرر تزويجها لأحد العاملين معه في محل الدهين الخاص به الدهين هو حلوى عراقية مشهورة في المناطق التي تتسم بسمات دينية.
" زوجني أبي مقابل مهر قدره خمسة ملايين دينار عراقي ولم أرَ فلساً واحداً من المبلغ، وقال لي حينها أن المرأة حالما تبلغ يجب أن تُستر في منزل زوجها قبل أن تجلب العار للعائلة"، تتذكر أم علي بألم. هكذا تحولت طفلة في الثانية عشرة من اللعب في ساحة المدرسة مع صديقاتها إلى مسؤولة عن بيت وزوج وطفل.
أم علي ليست حالة فردية أو نادرة، فحسب بيانات نشرتها اليونسيف تبلغ نسبة زواج القاصرات في العراق 28% ، إلا أن تقارير أخرى تُشكّك في هذه النسبة خاصة وأن 22% من زيجات القاصرات دون سن الرابعة عشرة تجري خارج المحاكم وتكون غير مسجلة، كما أن مجلس القضاء الأعلى ينشر إحصائيات شهرية لعدد حالات الزواج والطلاق بشكل عام، دون إعطاء مزيد من التفاصيل فيما يتعلق بالفئات العمرية.
ثغرات قانونية يتم استغلالها لتزويج البنات الصغيرات
حدّدت المادة السابعة من قانون الأحول الشخصية العراقي بشكل واضح سن الزواج الرسمي وهو الثامنة عشر مع وجود بعض الاستثناءات، حيث يجوز للقاضي أن يأذن بزواج من بلغت الخامسة عشرة من العمر إذا تحقق من أهليتها البدنية والعقلية، وبموافقة وليّها الشرعي. تُستغلّ هذه الثغرة في العادة لتزويج القاصرات ما بين سن الخامسة عشر والسابعة عشر، لكن لا يجوز بأي شكل من الأشكال تزويج من هي دون الخامسة عشر، إذ يُعتبر الزواج باطلاً وفقاً للقانون.
على الرغم من ذلك، يوضح القاضي المتقاعد رحيم العكيلي أن قانون الأحوال الشخصية لا يُتيح للمحاكم تسجيل عقد الزواج لمن هي دون الخامسة عشرة، إلا أنه يُفسح المجال غير القانوني لإيقاع زواج من هن دون الخامسة عشرة خارج المحكمة، فتقضي المحاكم لاحقا بتصديق تلك الزيجات بحكم، لأن القانون لا يُجرّمها وإنما يُجرّم عدم تسجيلها فقط عبر تسليط عقوبة بسيطة غير رادعة وهي غرامة مالية. ويشير إلى أن تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 1 لسنة 2025 وسّع من إطار انتشار زيجات القاصرات خارج المحكمة لأنه فعليا ألغى اشتراط تسجيل الزواج بالمحاكم وألغى تجريمه خارج المحاكم.
تبارك ، 16 سنة، من بابل حُجزت للزواج من ابن عمها حين كانت تبلغ ثماني سنوات وتزوجته حين بلغت الثانية عشرة من عمرها. ليلة زواجها الأولى كانت كابوساً ظلّ يُطاردها حتى هذه اللحظة. "جمعونا أنا وابن عمي في غرفة واحدة، توترتُ وخفتُ كثيراً، حينها قال لي أنه أصبح زوجي وأنه، من الآن وصاعدا، يجب أن أطيع كل أوامره. طلب مني أن أخلع ثيابي وحين رفضت انهال علي بالضرب فبدأتُ بالصراخ. وفي لحظات صراخي، بدأ الجميع بالزغردة في الخارج "، تتذكر تبارك بحسرة، رافضة أن تسمي ما حصل زواجاً وإنما " اغتصابًا".
الفقه الجعفري كمرجع
في آذار 2014، طرح وزير العدل العراقي الأسبق، حسن الشمري مشروع “المدونة الجعفرية”، وهو قانون يهدف إلى تقنين الأحوال الشخصية على أساس الفقه الجعفري. تضمّن النص المقترح مادة تُجيز زواج الفتاة في سن التاسعة، باعتباره “سنّ البلوغ الشرعي”.
منذ ذلك الوقت، تحوّلت المدونة إلى مرجع غير رسمي يُستند إليه في المكاتب الشرعية داخل النجف وكربلاء وبابل والديوانية، خصوصًا بعد عام 2017، مع تصاعد نفوذ الأحزاب الدينية في هذه المناطق.
بدأت بعض المكاتب تُبرم عقود شرعية خارج إشراف المحاكم، وتُبرّر ذلك بأن الفقه الجعفري يُجيزها إذا بلغت البنت التسع سنوات شرعاً. ومع مرور الوقت، تزايدت العقود غير المسجّلة رسميًا، وصار البعض يصفها بأنها “زواج منقطع” أو “زواج متعة”، لتخفيف وقع الكلمة وإخفاء طبيعتها. بهذا الشكل، تحوّلت المدونة الجعفرية من مشروع قانون مجمّد إلى سوق اجتماعي فعلي تُدار فيه زيجات الطفلات تحت غطاء ديني، في ظل غياب تام للرقابة الحكومية. ورغم أن المدونة الجعفرية لم تُقرّ رسميًا حتى اليوم، ولم تُنشر في “الوقائع العراقية” لتصبح قانونًا نافذًا، إلا أن المحاكم الشرعية في محافظات الوسط والجنوب تتعامل معها وكأنها قائمة فعلاً. وعادة ما يستند القضاة إلى المادة 41 من الدستور العراقي، التي تمنح المواطنين حرية الإلتزام بأحوالهم الشخصية وفق مذاهبهم، لتمرير عقود زواج تُبرم على أساس الفقه الجعفري، خصوصًا عندما تكون المرأة تحت السن القانوني.
رغدة التي بلغت عامها الثامن عشر والتي تسكن في منطقة نائية في كربلاء، تزوجت وانفصلت ثلاث مرات بسبب والدها، حيث تقول" كنت أبلغ من العمر 14 سنة في زيجتي الاولى وانفصلت بعد شهرين، أما زيجتي الثانية فكانت في الخامسة عشرة واستمرت ثلاثة أشهر. في حين، كانت زيجتي الثالثة في السابعة عشرة وانفصلت بعد شهر واحد. كل الزيجات حصلت وانتهت دون علمي وموافقتي وكان أبي هو من يقف وراء تنظيمها"، مضيفة "كل أزواجي كانوا أكبر مني سناً. زوجي الأول كان عمره ستون عامًا، والثاني 53 عامًا والثالث كان صديقا لوالدي ولا أدري كم كان عمره لكنه كان أكبرهم". لم تدرك رغدة أن كل تلك الزيجات كانت "زواج متعة" مقابل مبالغ مالية تحت غطاء المهر أخذها جميعها والدها، بينما تحوّلت هي إلى سلعة عائلية تُباع وتُشترى متى ما وجد هذا الأخير شخصاً يدفع مبلغا مجزيا.
انعكاسات نفسية كبيرة
تقول فاطمة المرنيسي، الباحثة المغربية في علم الاجتماع أن "المجتمع الذكوري لا يخاف من جسد المرأة، بل من عقلها". وترى أن كل ما يُفرض على النساء من قيود وطقوس ليس لحمايتهن، بل لضمان استمرار السيطرة عليهن. في كتابها "ما وراء الحجاب"، تكتب المرنيسي أن "المرأة التي تُسلب إرادتها قبل أن تعيها، تتحول من إنسان إلى رمز شرف يُدار من قبل الآخرين"، وتعتبر أن أخطر ما تواجهه الأنثى في المجتمعات العربية هو أن "تُختزل في جسدٍ بلا صوت". بالنسبة لها، الزواج المبكر هو أخطر أشكال هذا الاختزال، لأنه يمحو وعي الطفلة قبل أن يتكوّن، ويحوّلها إلى كيان تابع يعيش في نظام يقدّس الطاعة ويخاف من السؤال. وتضيف "كل أنثى تُربّى على الصمت، تكبر وهي مقتنعة أن الطاعة فضيلة، وأن حريتها خطيئة".
هذا ما يؤكده أيضا، المختص العراقي في علم النفس، الأستاذ زياد الصوفي، الذي يعتبر أن زواج القاصرات يحرم المرأة من طفولتها لأنها تضيع بين فكرتين: هل أنا زوجة أم طفلة؟ هذا التساؤل يؤثّر على مساحة هويتها الخاصة. ويضيف " أن المراحل النمائية للأفراد هي مراحل تصقل وتبني شخصية الانسان ومهاراته العاطفية والعقلية، فالبنت الصغيرة التي يتم تزويجها لا تزال في مرحلة التعلم والتجربة، لذا فهي تقفز المراحل النمائية (الطفولة والمراهقة) حين تتزوج قبل الثامنة عشر، ما يسبب مشكلة في قدراتها الذهنية على إدارة عواطفها والدفاع عن نفسها في ظل غياب أية آليات لذلك ". وقد يؤدي زواج القاصرات لحالات اكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة والانفصال الإجتماعي لأن الزوجة غير مدركة للواقع، خاصة أن الجيل الحالي يختلف من ناحية التنشئة الاجتماعية، "فهو معتمد على العائلة أكثر من الأجيال السابقة، ما يتسبب في تأخره باكتساب المهارات الاجتماعية".
ورغم كل التحذيرات التي يطلقها الأخصائيون وممثلو المنظمات الدولية، ما زال زواج القاصرات يتصاعد في العراق. ولم يعد مجرد عادة اجتماعية، بل تحول إلى سوق صريح تُبرم فيه عقود زواج شرعي، وتُعامل فيه الطفلات كسلع تُشترى وتُباع، في بلد ما زال يخلط بين الدين والقانون.
«تحوّل زواج القاصرات من ممارسة اجتماعية إلى سوق تُدار فيه أجساد الطفلات تحت غطاء ديني وقانوني.»
لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)






تعليقات