top of page

تمرد على عجلتين: شابات بغداد يتحررن عبر سياقة الدراجات

"في كل صباح، وفي تمام الساعة الثامنة كنتُ أركب الدراجة خلف أبي متمسكة به وكأنه الشخص الوحيد الذي يمكنه إصالي إلى روضة الأطفال بأمان، رغم أن وسيلة النقل لم تكن آمنة بما يكفي كالسيارة، كما كان من الممكن أن أسقط في أية لحظة نظرا لصغر سني. رغم ذلك، شكّلت هذه الدراجة كل ذكرياتي الجميلة، خاصة مع جهاز الـ(ام بي 3) الذي يحتوي على أغنية (يا عشكنة)، حيث كنت أرى أنني ملكة كل صباح"


  تتذكر مريم، 23 سنة، شغفها بالدراجة، مضيفة " عندما بلغت التاسعة من عمري، طلبت من والدي أن يشتري لي دراجة وبالفعل استجاب لرغبتي، لكن بشرط أن لا أخرج بها إلا بوجوده أو برفقة أحد أفراد العائلة. "كانت رغبتي هي الذهاب إلى المدرسة بمفردي على الدراجة، إلا أن أمي اعترضت لأننا نعيش في حي العبيدي أطراف بغداد، فأثار ذلك غضبي، حيث لم أفهم ما الفائدة من الدراجة إذا لم يكن بمقدوري استخدامها متى ما رغبت". 

ذات مرة سرقت مريم الدراجة دون علم أمها وذهبت بها إلى المدرسة، إلا أن جميع الفتيات الصغيرات كن ينظرن إليها بطريقة غريبة، وكأنها مختلفة عنهن، فعادت باكية إلى البيت. وكنتيجة لفعلتها، بيعت الدراجة كعقوبة لها.

لا تزال مريم ترى دراجتها كحلم سُرق منها وتشعر أنها لم تكن مجرد وسيلة نقل، بل إحساسا بالحرية تم تقييده وتقنينه منذ الصغر. مازالت تتذكر ألوان الدراجة وكيف كانت تزينها وتغسلها بشكل يومي وحلمها بأن تخوض بها سباقات عالمية مستقبلية وتكون "خارقة"، لكن هذه الرغبة لم تتحقق بسبب طبيعة المجتمع المحافظ وتحولت الى حسرة لم تتخطاها إلى اليوم. 

بين عجلات الدراجة وتقاليد المجتمع، وُلدت حملة عقدية جديدة التي جعلت من الحركة فعل مقاومة، ومن التوازن على الطريق طريقًا نحو المساواة.


الدراجة كرمز تحرر الجسد في الفضاء العام


يؤكد الباحث في الشؤون الاستراتيجية عمر عبد الجبار أن انتشار ركوب الدراجة من قبل الفتيات ظاهرة تصاعدت بشكل ملحوظ خلال وبعد مظاهرات أكتوبر 2019، كجزء من ترسيم الجسد كرسالة سياسية، ليُصبح  ركوب الدراجة فعلا يُجسّد كسر القيد الإجتماعي والثقافة من خلال لباس عملي وحركة حرّة وقرار ذاتي. 

بهذا المعنى، " تُصبح الدراجة “لغة” سياسية تُسائل معايير “اللائق” و”المسموح” ولا تنتهي بانسحابها من الساحات بل ينتقل تأثيرها إلى الحياة اليومية من خلال ممارسات  تُحوِّل مطالب تشرین (الكرامة، الأمان، الخدمات) إلى سلوك مدني مستدام، وتُبقي ذاكرة الحركة حيّة عبر طقسٍ اجتماعي متكرر يُسهّل انضمام أخريات إليه كنوع من المقاومة الثقافية الناعمة ومحاولة لإعادة امتلاك الفضاء العام الذي كانت تُسيطرُ عليه الثقافة الذكورية التقليدية."مضيفا أنه "حتى على صعيد الحركة الاحتجاجية، فإن وجود النساء قبل تشرين كان وجودا محدودا وشكليا وخجولا، كما أن فكرة التظاهر والتعبير عن الرأي وخلق التغيير السياسي كانت محتكرة بطريقة أو بأخرى من قبل الرجال. إلا أن صعود جيل جديد منفتح على العالم وقادر على الوصول الكامل للأنترنت وامتلاك الأدوات الكافية للمقارنة والتحليل، غيّر قواعد اللعبة، حيث أن مظاهرات تشرين فتحت الساحات وأعادت للجيل الشاب إحساس "الأحقية" بالشارع".

 هذا الانتقال الثقافي غيّر مسار اللعبة برمتها، فتحول النقاش من " هل يجوز أن تركب المرأة الدراجة" إلى " كيف نوفر طريقا آمنة للقيادة"، ما يدُلّ على أن الدراجة تُشكّل هنا رمزاً لثلاثة حقوق أساسية ومتداخلة وهي حرية الحركة، الحق في الأمان في الفضاء العام، والمساواة بين الجنسين. إلى جانب كل ذلك، شكّلت هذه الحركة انتقالاً حقيقياً وغير مسبوق في شكل الاحتجاج من احتجاج صاخب (مظاهرات، ثورات، غضب وفوضى) إلى سياسة يومية تُراكم تغيرًا ثقافيًا مرئيًا.

تبيّن، حسب دراسات دولية، أنه كلما زادت قابلية رؤية الشابات على الطرقات خلال فعاليات مُنظّمة، كلما تمدّدت مساحة المواطنة وتقلّصت وصاية الأعراف على حركة النساء، حتى مع استمرار التضييق الأمني.


إستعادة الحلم القديم


"شعرتُ بأني حرة للمرة الأولى وأنا أقود دراجتي في مهرجان (عندي حلم، عندي بايسكل) في بغداد ، لم يكن الأمر عادياً، كنت أحس أنني موجودة وفاعلة في الواقع"، تقول أسيل غسان التي كبرت وترعرعت في ذي قار وكانت من الفتيات القلائل اللاتي يملكن دراجات هوائية في محافظتها عندما كانت طفلة، إلا أن الدراجة اختفت من حياتها مع ظهور أولى علامات البلوغ، فالأعمام كانوا يعتبرون أن سمعة العشيرة قد تتأثر سلبيا بصورة "بنية تسوق بايسكل". انتقلت أسيل إلى بغداد بعد أن أكملت دراستها الإعدادية ودرست في كلية التربية الرياضية وأصبحت مدرّسة رياضة وصارت تقوم بكل ما في وسعها لتشجيع الطالبات اللواتي تدرّسهن على ركوب الدراجات الهوائية. " بعضهن يتمنين ذلك، لكن العادات والتقاليد لا تسمح بهذا"، تقول بأسف.

 بعد انتقالها إلى بغداد، بحثت أسيل عن فرصة للعودة إلى حلمها القديم، وتلك الفتاة اليافعة التي كانت تسابق السيارات بدراجتها البسيطة، حتى وجدت حملة أسبوعية لركوب الدراجات الهوائية وأخذ جولات في مناطق بغداد أطلقتها مؤسسة برج بابل وانضمت اليها.

عن هذه التجربة تروي: " لا زلت أذكر حين انطلقنا إلى شارع المتنبي بدراجاتنا، مثل خلية نحل متماسكة وتشجعنا أكثر من خلال التغطية الاعلامية من القنوات العراقية على أمل أن تُصبح هذه الظاهرة عادية ومقبولة من الجميع “. 

تعتقد أسيل أن الضغوط الإجتماعية تلعب دورا أساسيا في تشكيل ما هو "معيب" حتى وإن كان طبيعيا وأن هذا الثقل على كاهل النساء يجب أن تتم إزالته والتخلص من الإرث الذي يُعيقهن عن تحقيق ذواتهن. 


التألق في التظاهرات الرياضية العالمية


" كبرتُ بعيداً عن هذه الأرض التي تغنى بها الشعراء وتناقل عنها التاريخ صورة مبهجة ورائعة مليئة بالتراث والثقافة والفن، إلا أنني صُدمت بأنها أرض العدم حين عدتُ اليها"، تقول آية سرمد، الحاصلة على بطولة العرب للدراجات الهوائية لعام 2025 تمثيلاً لدولة العراق، فقد اكتشفت أن الدعم الرياضي شبه معدوم من الحكومة للنوادي الرياضية النسائية وأن هيمنة الرجال على قطاع الرياضة بصورة عامة وعلى رياضة الدراجات بصورة خاصة، أمر معلن وصريح ولا يحتاج للجدال. وتضيف " كبرتُ في النمسا حيث الجميع متساوون وحيث الرياضة تشكل جزأً مهماً من تنشئة أي فرد. وهناك تعلمت رياضة كرة القدم وصرت لاعبة محترفة ". لظروف خاصة، عادت آية مع عائلتها إلى العراق عام 2018 ورغبت بشدة أن تُكمل مسيرتها الرياضية إلا أنها فوجئت بعدد النساء الضئيل في هذا المجال. من حسن حظها أن والدها كان مدربا رياضيا للدراجات الهوائية في فئة ذوي الإعاقة.

ذات يوم، طلب منه أحد المدربين أن يجمع له عددا من النساء لتدريبهن على الدراجات الهوائية، فلم يتردد لحظة في طرح اسمها واسم أختها.

 هكذا تعلمت آية الدراجات الهوائية بشكل احترافي خلال أيام محدودة واستمرت بعد ذلك بالتدريب لمدة عامين حتى شاركت مؤخرا في بطولة العرب للدراجات الهوائية وفازت على كل من لبنان، الأردن، سوريا، قطر، البحرين، والإمارات العربية المتحدة.

 كان الجميع يظن أنها لن تفوز لأنها عراقية، باعتبار الصورة النمطية المأخوذة على ضعف قدرات اللاعبات العراقيات وضعف تدريبهن واستعداداتهن اللوجستية، إلا أن هذا النجاح، جاء مثل "قنبلة الموسم " كما تسميها، مضيفة "لا يهمني رأي الناس، فقد تعوّدت التعرض لمضايقات كثيرة عندما أقود دراجتي في شوارع بغداد، حيث أواجه الكثير من النقد والمضايقات لأنني فتاة، إلا أن كل ذلك لن يوقفني لأنني أعرف نفسي ولأن عائلتي تدعمني بشدة". 

تؤمن آية أن من يعتقد أن للنساء أدوار إجتماعية محددة، عليه أن يُعيد النظر في تفكيره، "فأنا حصلت على ميدالية ذهبية في الثامن عشر من عمري، في الوقت الذي لا يزال فيه الكثير من اللاعبين الشباب يخطون خطواتهم الأولى في مشوارهم الرياضي".


«لم تكن الدراجة مجرد وسيلة نقل، بل إحساسًا بالحرية تم تقييده وتقنينه منذ الصغر.»

لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)


تعليقات


Thanks for submitting!

Follow Us !

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter

Thanks for submitting!

bottom of page