أمهات بلا حضانة: صراع المرأة اليمنية من أجل الحفاظ على حق أساسي
- سعيدة عبد الغني آمال محمد
- 26 يناير
- 5 دقيقة قراءة

"نحن بنظرهم آلات تنتج أطفالاً، وفي أوقات الخلافات، يستغني عنا الرجال بسهولة ويطلبون منا أن نتنازل عن أولادنا، وكأننا نتنازل عن بنطال قديم"
هكذا لخّصت حنان علي (35 عاما) معاناتها، وهي امرأة مطلقة تواجه ضغوطاً كبيرة للتخلي عن أطفالها، وتصف حالتها بشعور عميق بالصدمة النفسية والقهر، جراء المعاملة المهينة من طرف زوجها السابق، بعد أن أصبح يُمارس عليها الضغوطات لانتزاع الأبناء منها.
حنان ليست وحدها في هذه الوضعية، فالآلاف من الأمهات اليمنيات يُجبرن على التخلي عن أطفالهن للحصول على الطلاق، في مجتمع ما يزال يُقيّد حق الحضانة بالعادات والأعراف القبلية ويُتغافل عن تنفيذ القوانين، لتجد الأمهات أنفسهن في صراع قاسٍ وطويل لاستعادة حق بسيط وطبيعي، مما يترك أثراً نفسياً عميقاً ومدمّراً على الأم والطفل على حد سواء.
قوانين واضحة وتطبيق غائب
سوسن محمد (20 عاماً) وجدت نفسها بعد طلاق موجع، محرومة من طفلتها ذات الثلاث سنوات، والتي اختُطفت منها فجأة على يد الأب. لجأت للقضاء في محاولة لاستعادة ابنتها، لكن النفوذ والسطوة العائلية أطالا أمد النزاع لسنوات، حتى صدر حكم قضائي بإعادة الحضانة للأم، بعد أن دفعت سوسن خمس سنوات من الانتظار والألم. عاشت عذابا مريراً سبّب لها ألماً نفسياً شديداً وصل إلى حد الصدمة بفقدان طفلتها لسنوات قضتها خائفة على مستقبل هذه الأخيرة في بيئة غير آمنة.
على المستوى القانوني، ينص قانون الأحوال الشخصية اليمني رقم 20 لعام 1992، بوضوح على أولوية الأم في الحضانة، فالمادة (141) تؤكد أن "الأم هي الأولى بحضانة ولدها بشرط ثبوت أهليتها لذلك، وإذا أسقطت حقها فلا يسقط إلا إذا قبل الولد غيرها وإلا أجبرت؛ لأن الحق هو حق للصغير، ولا يجوز لزوجها الآخر منعها حين لا يوجد غيرها، ولا يمنع سوء خلقها من حقها في الحضانة حتى يبلغ الصغير الخامسة من عمره".
ويُحدد القانون مدة الحضانة التي تستمر حتى يبلغ الذكر تسعة سنوات والأنثى 12 سنة، ما لم يقدر القاضي خلافه لمصلحة المحضون. ويعتبر القانون "الحضانة حقاً للصغير"، هدفها "حفظه وتربيته ووقايته، مما يضره بما لا يتعارض مع حق وليه"، وكونه حقاً للطفل فلا يجوز التنازل عنه. لكن هذا الحق يسقط عن الأم "إذا تزوجت من رجل أجنبي عن المحضون"، ما لم تر المحكمة خلاف ذلك لمصلحة المحضون. ويشدد القانون على أن الحضانة تعود لمن سقطت عنه متى زال سبب سقوطها، مؤكداً على أن مصلحة الطفل هي المعيار الأسمى.
في المقابل، تدعم الصكوك الدولية هذا المبدأ، حيث تؤكد إتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، التي صادقت عليها اليمن مع تحفظات، على مبدأ المساواة والمسؤولية المشتركة في رعاية الأطفال، فرغم عدم تناولها للحضانة بشكل تفصيلي، إلا أن روحها وموادها، خاصة المادة (5) التي تدعو الدول الأطراف إلى "اتخاذ جميع التدابير المناسبة لتغيير الأنماط الاجتماعية والثقافية لسلوك الرجل والمرأة بهدف تحقيق القضاء على التحيزات والممارسات العرفية وغيرها القائمة على فكرة دونية أو تفوق أي من الجنسين"، تؤكد على ضرورة تقاسم المسؤولية بين الرجل والمرأة في تنشئة الأطفال وتطورهم.
وتشدد الاتفاقية على "أن تكون مصلحة الأطفال هي الاعتبار الأساسي في جميع الحالات"، وهو ما يجب أن يُترجم في التشريعات الوطنية، كما تمنح الدول الأطراف المرأة حقاً متساوياً لحق الرجل فيما يتعلق بجنسية أطفالها، مؤكدة على ضرورة القضاء على التمييز ضد المرأة في جميع المجالات، ومنها مجال العلاقات الأسرية.
إن وجود التحفظات اليمنية على بعض مواد الاتفاقية التي تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، لا يُقلّل من الالتزام بتطبيق المبادئ العامة التي تضمن مصلحة الطفل والقضاء على التمييز غير المبرر.
حق ضائع بين سلطة القبيلة والوضع الإقتصادي الخانق
على أرض الواقع، يُواجه هذا الإطار القانوني صعوبات كبيرة لتطبيقه، تتمثل في سيادة العادات والتقاليد القبلية التي تحول دون تنفيذ التشريعات القانونية.
تقول المحامية والناشطة الحقوقية، تهاني الصراري أن " الأعراف القبلية هي التي تُحدّد مصير الأطفال، ويتم سلب حق الأم في الحضانة بالقوة أو التهديد، خاصة في المناطق الريفية، وأحيانًا دون حكم قضائي". وتوضّح أن بعض الأمهات يُجبرن على التنازل عن أطفالهن تحت ضغوط نفسية ومجتمعية، أو كشرط للحصول على الطلاق، "وهي ممارسة تُناقض صراحة المبدأ القانوني بأن الحضانة حق للطفل لا يجوز التنازل عنه".
من جهتها، تؤكد المحامية هبة زين، أن العادات القبلية تبقى هي السائدة، و"غالباً ما تُجبر الأم على توقيع تنازل ضمن صلح قبلي لإرضاء العائلة، مما يتركها في حالة من الضعف والاستسلام".
إلى جانب الصراع القانوني والقبلي، يلعب العامل الاقتصادي دورًا مفصليا في حرمان الأمهات من أطفالهن. في هذا الصدد، يُبيّن الخبير الاقتصادي، ماجد الداعري، أن الفقر يجعل هذه القضايا "أكثر قسوة". ويضيف "أن الأسرة اليمنية غالباً ما تكون عاجزة عن تحمّل عبء أطفال ابنتها المطلقة، خاصة إذا امتنع الزوج عن النفقة".
وفي ظل الأوضاع الاقتصادية الخانقة، قد يُحرم الطفل من أمه فقط لأن الأسرة لا تستطيع دعمهما مادياً، ليصبح العجز الاقتصادي أداة ضغط أخرى بيد الأب لانتزاع حضانة الأطفال، وهو ما يخلق معاناة مضاعفة للأم المطلقة التي تجد نفسها بين خيار البقاء بجانب أطفالها في فقر مدقع أو التخلي عنهم لضمان استقرارهم المادي ولو بشكل غير مباشر.
تشير المستشارة الأسرية، هبة الله صلاح، إلى الآثار النفسية لهذه الضغوط، مؤكدة أن الأم التي تُجبر على التنازل عن أطفالها "تعيش صدمة نفسية مضاعفة"، بفقدان الشريك والأبناء الذين هم "قطعة من الروح"، ما يخلق لديها شعوراً بالذنب والعجز وعدم القيمة.
وتزداد المعاناة بسبب البطء والتعقيد في الإجراءات القضائية، حيث تطول دعاوى الحضانة وتتكرر التأجيلات الإدارية، مما يحوّل معركة الحضانة إلى كابوس نفسي ومادي للأم. وتضيف المحامية هبة زين، أن المشكلة لا تنتهي عند صدور الحكم، فـ "حتى لو كسبت الأم الحكم، قد يمتنع الأب أو أسرته عن تسليم الأطفال بلا رادع حقيقي"، مشيرة إلى أن القانون يحتاج إلى أحكام رادعة وعقوبات صارمة ضد من يمتنع عن التنفيذ، لضمان فعالية الأحكام القضائية.
لكن الضحية الأكبر في هذا الصراع يبقى الطفل نفسه، حيث تؤكد أخصائية علم الاجتماع، مروة أحمد قاسم سرحان أن حرمانه من حضن أمه يُخلّف آثارًا نفسية عميقة يصعب محوها، مشيرة إلى أن الأم هي الأمان، والبدائل مهما كانت "لا تعوّض دفء الأمومة". هذه الآثار تشمل تدني التحصيل الدراسي، ومشاكل في الثقة والقلق، والاضطرابات السلوكية، وقد يمتد الأثر إلى بناء علاقاته المستقبلية.
فقدان الأم في سن مبكرة أو الفصل القسري عنها يسبب للطفل شعوراً بالهجر وعدم الأمان، مما يؤدي إلى خلل في بناء شخصيته السوية وثقته بنفسه وبالعالم المحيط. وفي ظل غياب التوعية المجتمعية الكافية بأهمية دور الأم، خاصة في السنوات الأولى من عمر الطفل، يصبح القانون عاجزاً عن حماية مصلحة المحضون الفضلى التي ينادي بها.
لذلك ولمواجهة هذا الواقع المرير، تُطالب محاميات وخبيرات بحقوق المرأة بتعديلات ضرورية في النصوص القانونية لحماية الأمهات الحاضنات وضمان حقوق أطفالهن. تشمل هذه المطالب وضع نص صريح لتوفير مسكن للأم الحاضنة وأطفالها من أجل توفير الاستقرار، وتطبيق عقوبات واضحة وصارمة على الآباء الذين يمتنعون عن تنفيذ أحكام الحضانة أو النفقة لردعهم، واعتبار دعاوى النفقة والحضانة من القضايا العاجلة أمام القضاء لتقليل مدة النزاع، بالإضافة إلى ضرورة وضع برامج دعم ومساعدات إنسانية للمطلقات الفقيرات وتمويل دعاوى الحضانة. من المهم كذلك تنظيم حملات توعية مجتمعية وإدراج مادة تثقيفية عن حقوق الطفل في المناهج الدراسية، لتغيير النمط الثقافي والقبلي السائد.
يبقى الطريق طويلاً لتنفيذ النصوص القانونية ومواجهة سلطة العادات والتقاليد. في الأثناء، تستمر الأمهات في صراعهن من أجل الحفاظ على حقهن الأساسي في الحضانة وتحقيق مصلحة الطفل الفضلى.
"الأعراف القبلية هي التي تُحدّد مصير الأطفال، ويتم سلب حق الأم في الحضانة بالقوة أو التهديد."









تعليقات