المتعاقدات في المرافق الحكومية، ضحايا الإقتصاد المنهار وتخاذل السلطة
- أفراح قائد لبنى الخضر
- قبل 12 دقيقة
- 4 دقيقة قراءة

تُواجه النساء واقعاً قاسياً في بلد يُصنّف ضمن أفقر دول العالم، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة، فقد أدت الحرب وتعثر جهود السلام إلى انهيار اقتصادي حاد، وتوقف عملية تصدير النفط الخام، مما تسبب في انهيار العملة الوطنية وضعف البنية التحتية، وانعكس ذلك بشكل مباشر على صرف رواتب الموظفين الحكوميين، الذين يُقدّر عددهم بنحو 1.2 مليون شخص، وفق تقرير نشر في (المصدر اونلاين) سنة 2022.
يزداد الأمر سوءاً بالنسبة لشريحة واسعة من العاملين بنظام التعاقد في القطاع الحكومي، حيث تعمل أعداد كبيرة من النساء برواتب متدنية في ظل ظروف معيشية صعبة دون ضمان وظيفة ثابتة. وتعكس هذه المعاناة واقعاً مؤلماً تعيشه النساء خلف مكاتب المؤسسات الحكومية في ظل استمرار الصراع وانقطاع الرواتب، وهي أبرز تداعيات الحرب في اليمن.
عدالة غائبة ونساء بلا أمان وظيفي
تقول أم تيماء 45 عاماً، وهي إحدى الموظفات المتعاقدات في مكتب التربية والتعليم في مديرية المنصورة في عدن، أن " التعاقد لا يضمن لها أية حقوق وظيفية، حتى المرضية". وتضيف "كل يوم نشعر بعدم الأمان ونتعرض للتهديد الوظيفي والتقليل من شأننا كمعلمات متعاقدات، ونطالب دوماً بالتثبيت في وظيفة رسمية، لكن الوعود الكاذبة جعلتني أرغب بإنهاء التعاقد". وتوضح أن راتبها لا يتجاوز 20 دولاراً في الشهر، بينما يبلغ إيجار منزلها 50 دولاراً. وتشير إلى أن الهدف من التعاقد هو أن يكون بوابة للحصول على وظيفة دائمة ومضمونة، إلا أنها أمضت 14 عاماً كمتعاقدة دون أية إجراءات حقيقية للتوظيف الرسمي.
بدورها، تقول أمل سعيد، 36 عاماً، وهي متعاقدة في مكتب الشهداء والجرحى في دار سعد في عدن منذ 2015، أنها لا تشعر بالأمان الوظيفي، خاصة عند رؤيتها لزملاء متعاقدين سابقين بدؤا العمل قبلها لم يتم توظيفهم حتى اليوم. وتضيف "طالبت بالتوظيف لكن في كل مرة يتم إرجاع طلبي إلى وزارة الخدمة المدنية، التي بدورها لم تقم بأية عملية توظيف رسمي منذ اندلاع الحرب، وعلى الرغم من وجود العديد من العوائق والتحديات إلى جانب الراتب الضئيل، إلا أنني أحب عملي وأتمنى أن يتم تثبيتي في وظيفتي".
في الوقت الذي يجب أن تكون فيه المرافق الحكومية هي الأماكن التي تسودها العدالة والنظام، تحوّل العمل فيها إلى كابوس بالنسبة للعديد من النساء، خاصة في القطاع التربوي.
نسرين صلاح، 35 عاماً، تعمل متعاقدة في مدرسة حكومية، تصف حالتها النفسية بالسيئة جداً والمحبطة، وتقول "راتبي الشهري لا يتجاوز 6 دولارات، ولا يكفي حتى لشراء كيس قمح، ويُصرف لنا كل أربعة أشهر، كما يتم الاستقطاع منه".
للأسف، لا توجد إحصائيات رسمية تُشير إلى عدد العاملات بنظام التعاقد في المرافق والجهات الحكومية، نتيجة الظروف الصعبة التي يمر بها جهاز الإحصاء المركزي في فترة الحرب.
يقول دكتور فيدل سعيد، وكيل مساعد لقطاع علاقات العمل في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، بأن للنساء المتعاقدات الحق في المساواة في الأجر، والحماية، والحق في الإجازة التوليدية. وأوضح بأن الوزارة تعمل على تنفيذ الخطة الوطنية للمرأة اليمنية، التي من ضمن أهدافها الضغط على الجهات المسؤولة لتحسين أوضاع المتعاقدات من خلال التدريب والتمكين.
في السياق ذاته، تؤكّد الدكتورة روزا الخامري، مسؤولة الشؤون القانونية في اللجنة الوطنية للمرأة، "أن قانون العمل اليمني ينص على حماية حقوق المرأة في العمل، إلا أنه لا يُنظّم مسألة المتعاقدات بشكل واضح". وتشير إلى أن العرف الإدراي يمنح المتعاقدين ذوي الخبرة الطويلة أولوية عند وجود التعيينات، وهذا كنوع من الإعتراف وبناء على تزكية المدير من جهة العمل. وتُشدّدّ على ضرورة تعديل تشريعي يضمن أحقية المتعاقدين في التوظيف وفق سنوات الخدمة والخبرات المتراكمة.
أجر متدني لا يتوافق مع متطلبات الحياة
يشير تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تحت عنوان "قياس الفقر متعدد الأبعاد في اليمن"، الذي تم نشره في (مركز اليمن والخليج للدراسات) سنة 2024، إلى أن نسبة الأفراد الذين يعانون من فقر متعدد الأبعاد في اليمن تبلغ 82.7%، أي أن أكثر من ثمانية من كل عشرة أشخاص يُعانون من الفقر، وفي المناطق الريفية ترتفع هذه النسبة الى 89.4%، في مؤشر خطير على عمق الأزمة الإنسانية والإقتصادية في البلاد، حيث أدى ارتفاع نسبة مؤشرات الفقر في اليمن إلى تصنيفها ضمن خمس أفقر دول في العالم، وذلك بحسب تقرير "الفقر في العالم من منظور أوسع" للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الأسكوا) لعام 2024.
توقف إجراءات التوظيف الرسمي وتأخير صرف الرواتب منذ اندلاع الحرب في عام 2015، أثّر سلباً على تراجع فرص العمل، وارتفاع معدلات البطالة، إضافة إلى تدهور الأوضاع المعيشية وانعدام الأمن الغذائي.
في حين أن قانون العمل اليمني يُنظّم الوظائف والأجور، وتنص المادة 55 على أن الحد الأدنى للأجور يجب ألا يقل عن 20 ألف ريال يمني (ما يعادل عشرة دولارات)، وهو الأجر الأدنى للمتعاقدين، إلا أن متطلبات الحياة اليومية باتت تفوق هذا الأجر بكثير، مما يُفاقم المعاناة في ظل اقتصاد منهار وشبح الفقر والحاجة للعمل والعيش.
وأكدت الإسكوا في عام 2024، أن اليمن يمر بإحدى أسوإ الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم، "إذ يحتاج نحو 20 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، بينما يواجه أكثر من 18 مليون شخص نقصاً حاداً في الغذاء، ويتعرّض حوالي 41 ألف شخص لخطر المجاعة المباشرة".
تشير لبنى عبد العزيز، خبيرة اقتصادية، أن تأثير نظام التعاقد في المرافق الحكومية على دور المرأة في الإقتصاد يكون سلبياً في حال غياب الضمانات، مشيرة إلى أن وجودها في سوق العمل يساعدها على تحسين وضعها المادي واستقلالها الإقتصادي، كما يعزز مشاركتها في الناتج المحلي. إلا أن عدم الاستقرار الوظيفي وانخفاض نسبة الأجور، أديا الى فقدان الأمان الوظيفي بالنسبة للنساء المتعاقدات.
من جانبه يوضح موسى الجعدي، ممثل نقابة العمال، أن المتعاقدات ينقسمن إلى نوعين: هناك من يعملن كبديل عن موظفات أساسيات يشتغلن براتب محدد، وهناك متعاقدات عاديات يعملن في المرافق الحكومية. ويضيف " في النقابة، لدينا ست لوائح تؤكد على ضرورة توظيف المتعاقدات، حيث حصلنا على بلاغات احتجاجات من أجل التوظيف، وقمنا بالاستجابة والوقوف إلى جانبهن"، مبيّنا "أن هذه الجهات الحكومية في أمس الحاجة لهن لعدم توفر موظفين، بالإضافة إلى ما يتمتعن به من خبرات، ومع ذلك، ونتيجة للظروف السياسية والإقتصادية، تحصل هؤلاء المتعاقدات على الحد الأدنى من الأجور والذي لا يتماشى مع السياق الاقتصادي الحالي".
وفيما يخص الفرق بين وضعية الموظف الحكومي الذي تم تعيينة رسميا وبين المتعاقد، فان هناك بعض المزايا، من بينها وظيفة دائمة بالإضافة إلى الحصول على ترقيات وظيفية، ولا يمكن إنهاء خدمته إلا بقرار تأديبي ولديه إجازات سنوية ومرضية وغيرها. في المقابل، يُمنح المتعاقد إجازة وفقاً لشروط، ويعيش تحت تهديد خسارة عمله في أي وقت.
وتُعلق هيفاء شوكت، ممثلة المركز العربي الأوربي لحقوق الانسان والقانون الدولي في اليمن، على واقع المرأة العاملة المُتعاقدة في المؤسسات الحكومية بأنه "واقع صعب"، في ظل الأزمة الإقتصادية وغياب الأمان الوظيفي. وتؤكد أن " مرتبات المتعاقدات زهيدة جداً ولا تكفي حتى للمواصلات، كل هذا يؤثر بشكل سلبي عليهن، خاصة وأنه يمكن الاستغناء عنهن في أي لحظة".
هكذا تستمر معاناة النساء المتعاقدات في الجهات الحكومية في ظل غياب غطاء قانوني يحمي حقوقهن، ليصبحن ضحايا الوضع الإقتصادي المتدهور، رغم حاجة سوق العمل لهذه القوى العاملة.
إن انصافهن هو استثمار في ازدهار الوطن، ولا يمكن أن تسير عجلة التنمية إلا بضمان الحقوق، خصوصاً لهؤلاء اللواتي يشكلن ركيزة أساسية للعمل الإدراي والخدمي.
"راتبي الشهري لا يتجاوز 6 دولارات، ولا يكفي حتى لشراء كيس قمح، ويُصرف لنا كل أربعة أشهر، كما يتم الاستقطاع منه."






تعليقات