المزارعة اليمنية في تعز في مواجهة المتغيرات المناخية والجفاف
- جيهان عبد الحكيم وآلاء حافظ
- 8 سبتمبر 2025
- 5 دقيقة قراءة

جيهان عبد الحكيم وآلاء حافظ
" بشكل عام، تأخر الإنتاج الزراعي هذا العام بسبب التغيرات المناخية التي أدّت إلى تأخر نزول الأمطار وتغير موسم هطولها، وذلك بدوره أّثّر على توقيت ري المحاصيل الموسمية مثل الذرة. وقد صادف أن توقفنا فترة عن الإنتاج لأننا لم نكن نعلم مواعيد هطول الأمطار، كما كنا معتادين في السابق. وحين نحاول أن نعالج الأمر بحلول بديلة مثل الاعتماد على السقي من خزان ماء احتياطي، نواجه معضلة عدم كفاية هذا المخزون للمزروعات؛ وبالتالي لا نجد كمية الإنتاج المتوقعة، بالإضافة الى موت بعض المحاصيل"، تقول بأسف، هند فؤاد، مزارعة من صبر، مديرية المسراخ- في محافظة تعز. وتضيف:" في السابق، كان موسم الأمطار يبدأ في مارس- أبريل، حيث يقوم المزارعون بتجهيز أراضيهم الزراعية عبر حرثها ويبقون في انتظار المطر لتدشين موسم بذر البذور، لكن التساقطات أصبحت تتوقف وهم في طور العمل ولا تهطل مرة أخرى وهنا تكون الخسارة الفادحة".
تهدد التأثيرات المناخية قطاع الزراعة في اليمن من خلال ارتفاع معدلات الجفاف ومحدودية الموارد المائية، وهو ما انعكس سلبًا على القطاع الذي يُمثّل مصدرًا أساسيًا لتلبية احتياجات ثلثي السكان، ليشكّل ضغطً إضافيًا عليهم، إلى جانب النزاعات السياسية والحروب المستمرة في البلاد منذ عشر سنوات.
ساهم هذا الوضع في مفاقمة معاناة المرأة اليمنية المزارعة بشكل خاص، كونها تمثل ٪٩٥من القوى العاملة في الزراعة في المناطق الريفية، كما ورد في أبحاث البنك الدولي.
ووفقًا لتقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن UNDP, ، فقد تأثرت البلاد في السنوات الأخيرة بشكل متزايد بالتبعات السلبية للتغير المناخي، الذي أدى إلى انخفاض هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، مما تسبب في موجات جفاف متصاعدة أثرت سلبًا على طبيعة الزراعة، خاصة في المناطق المرتفعة كمديرية صبر الموادم، ومنطقة وادي الضباب تحديدًا في محافظة تعز.
إمدادات مائية محدودة و مستنزفة
تبلغ المساحة الإجمالية للأراضي الصالحة للزراعة في تعز 64.000 هكتار، بينما تصل المساحة المزروعة فعليًا إلى 59.000 هكتار، أما عدد المزارعين والمزارعات فيبلغ 190.000 مزارع، حسب إدارة الإحصاء بمكتب الزراعة والري بتعز.
وتُوضّح داليا محمد، ناشطة مجتمعية مهتمة بشؤون المزارعين، أن أغلب الفلاحين في منطقة وادي الضباب – غرب مدينة تعز يزرعون العديد من الخضروات ومنها الكوسا والبامية والبيبار وكذلك بعض الفواكه كالمانجو والموز والذرة أيضا. ولكن كمية المحاصيل أصبحت أقل من السابق لعدة أسباب منها الحرب وارتفاع أسعار المشتقات النفطية، والحصار المسلح على المنطقة من قبل أطراف النزاع على مدى سنوات. ينضاف إلى ذلك تناقص أنواع البذور المقاومة للتغيرات المناخية وعوامل التعرية مثل نوعية من بذور الطماطم المورّدة، إلا أنه بعد الحرب، لم يتم توفيرها للمزارعين، فأصبحوا يشترون شتلات غير مقاومة لهذه الأخطار، فيُغامرون بخسارة محاصيلهم.
ويعمق هذا الوضع معاناة النساء المزارعات، اللواتي يضطررن إلى النزوح أو التهجير القسري بسبب فقدان مصدر عيشهن
خاصة مع تواصل ارتفاع درجة الحرارة وتوقف إمدادات المياه في المنطقة نتيجة وقوعها تحت الحصار منذ عام 2018 من قبل أحد الأطراف المتنازعة في الحرب الدائرة في اليمن.ويؤكد تقرير مشترك للبنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة FAO، أن ارتفاع درجات الحرارة بأكثر من درجتين مئويتين مقارنة بمتوسط التسعينات، جعل بعض المحاصيل مثل الكراث والنعناع والكزبرة، والتي تُروى كل خمسة عشر يومًا، بحاجة للري كل ثلاثة أيام، مما يضاعف من استهلاك المياه وعبء التكاليف على المزارعين، وخاصة النساء اللواتي لا يمتلكن موارد مستقرة.
تُبيّن المزارعة نبيهة جسار، 36عامًا، أن ارتفاع درجات الحرارة وشح مياه الأمطار تسببت في تدهور موسم الزراعة وتغيرها في غير أوانها، حيث تقول:
هذا الوضع انعكس على جودة المحاصيل التي أصبحت لا تُعوّض قيمة الخسائر التي بُذلت في توفير مصادر مياه بديلة كالآبار المستأجرة.
من جهة أخرى، فإن السحب الجائر للمياه تسبب في استنزاف مياه الحوض الاحتياطي للمدينة بشكل عام، وخروج ما يقارب 20 بئرًا عن الخدمة حتى اليوم، بحسب تقديرات غير رسمية صادرة عن ناشطين في مجال المياه في تعز.
وتشير الأستاذة ابتسام سيف، مديرة إدارة الإحصاء بمكتب الزراعة والري بتعز، إلى أن الموارد المائية المتاحة عدا الأمطار، تنحصر في المياه الجوفية والمياه السطحية وهذه الموارد تُعاني من تدهور حاد.
حلول غير مستدامة
يرى الصحفي البيئي محمد الوجيه أن " تغيّر أنماط هطول الأمطار والجفاف المتكرر والغير معتاد بسبب الاحتباس الحراري، أديا إلى تراجع إنتاجية بعض المحاصيل الأساسية في تعز مثل الحبوب والبقوليات، مما تسبّب في خسائر كبيرة في الإنتاج الزراعي. ولتلافي ذلك، لجأ بعض المزارعين إلى زراعة شجرة القات، كونها أكثر مقاومة للجفاف". ويتابع: " منطقة الربيعي شمال وادي الضباب، كانت تُنتج الكثير من الخضروات والبقوليات، والآن بدأ القات ينتشر فيها بشكل مهول. وكذلك الحال في منطقة قاع المسراخ ووادي بن خولان ومديريات أخرى مثل الخيامي والنشمة في الحجرية."
لجوء المزارعين إلى هذا الحل، جاء نتيجة تخاذل الجهات الحكومية تجاه التدهور الحاصل في المحاصيل الزراعية نتيجة الجفاف والشح المائي. ومع أن شجرة القات، هي شجرة معمرة وتقاوم التغيرات المناخية، فإنها لا يمكن أن تستبدل الحاجة إلى زراعة أنواع أخرى من النباتات والخضروات لسد حاجيات السكان.
ورغم خطورة هذا التحول، لم يصدر أي تفسير رسمي واضح من الجهات الحكومية بشأن أسباب غياب استجابة حقيقية لمعالجة تدهور المحاصيل في هذه المناطق. من جانبه، يٌبيّن المهندس الزراعي سعيد الأسودي أن " تعز هي من أكثر المناطق تأثرًا بالتغيرات المناخية، خاصة في الأرياف المرتفعة، لكن غياب رؤية وطنية للتصرف في المياه، وعدم وجود شبكات مائية تعاونية، يجعل السكان عرضة لتدهور مزارعهم." وهو ما تؤكده أيضا المهندسة رُبى، الباحثة في "مبادرة يمن أخضر" بقولها: " نحتاج إلى شبكة حصاد مياه، وتأهيل الآبار، وتدريب النساء على تقنيات الزراعة الحديثة".
أما رانيا عبدالله، الصحفية في مجال البيئة، فتوضّح أن
كثيرا من النساء المزارعات في تعز يخبرننا أنهن توقفن عن الزراعة لأن تكلفة تشغيل البئر أكبر من قيمة المحصول نفسه. هذه كارثة صامتة، ويجب أن ننقل صوتهن للجهات المانحة بشكل مباشر.
وفي ظل اعتماد معظم الآبار في ريف تعز على مضخات تعمل بالديزل، أصبحت كلفة تشغيلها باهظة بشكل لا يمكن تحمله، حيث تقول المزارعة نبيهة جسار من وادي الضباب: " ندفع على كل ساعة لتشغيل البئر، وفي آخر النهار عندما نقارن ما دفعناه مقابل ري المزروعات، نجد أننا دفعنا أموالا طائلة، وكأننا نشتري الماء بالذهب".
لذلك، تُطالب منظمات بيئية كـ"يمن أخضر" بضرورة تخصيص كميات مدعومة من الوقود لأغراض الري الزراعي، أو توفير بدائل لمساعدة المزارعات في توفير المياه لأراضيهن.
دعم حكومي ومنظماتي غير كاف
يحظى القطاع الزراعي باهتمام نسبي من قبل بعض المنظمات الدولية، بالتنسيق مع مكتب الزراعة في تعز، مثل الصندوق الاجتماعي للتنمية، والذي يعمل على تقديم الدعم المالي والفني للمجتمعات والأفراد المحرومين، وبعض المنظمات الدولية مثل الفاو ومرسي كور وأوكسفام، ويكون ذلك إما عبر التنسيق مع المكاتب الحكومية أو بشكل مستقل مباشرة من طرف المنظمة مع المستفيدين.
ولكن وفقًا لعبدالسلام القدسي، مدير إدارة البن بمكتب الزراعة والري بمحافظة تعز، فإن حجم الاستجابة لا يزال محدودًا مقارنة بحجم الضرر، حيث لا توجد تدخلات استراتيجية طويلة الأمد حتى الآن، مثل إنشاء سدود صغيرة أو شبكات حصاد مياه.
وتتمثل أغلبية المشاريع التي تقوم بها المنظمات في توفير منظومات طاقة شمسية لآبار قائمة أصلًا أو توزيع بذور موسمية، وهي تدخلات تُعد غير استراتيجية في مواجهة التغيرات المناخية المتفاقمة.
ومع استمرار غياب حلول فعلية ومستدامة، يُتوقّعُ أن تتوقف العديد من المزارعات كليا عن الزراعة، رغم امتلاك الأرض والخبرة.
بالتالي، ولمواجهة هذا الواقع، لا بد من تنسيق فعّال بين الجهات الحكومية المعنية – كوزارة الزراعة، والهيئة العامة للموارد المائية، والسلطة المحلية في تعز – مع الجهات الدولية، لضمان تسهيل وصول المزارعين إلى مصادر مياه بديلة، مثل حفر أو تأهيل الآبار، وتخصيص مخزون من المشتقات النفطية لتشغيل المضخات، في ظل عجز الطاقة الشمسية وحدها عن تغطية الاحتياجات.
كذلك، فإن توفير حلول طويلة الأمد، وليس فقط موسمية، هو مفتاح استعادة التوازن الزراعي في تعز، خصوصًا في ظل الظروف المناخية القاسية والنزاعات السياسية المستمرة.
لقد تم انتاج هذا المقال ضمن مشروع اصوات نساء بلا حدود، مبادرة من منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ)، وبدعم من مركز الازمات التابع لوزارة اوروبا والشؤون الخارجية






تعليقات