top of page
Screenshot 2023-11-22 at 11.56.45 AM.png

تحقيق سهى كامل، ماريا طلال ومريم عبد الواحد 


لم يكن رسول نور علي، 28 عاماً، يتوقع أن يفقد جواميسه لتواجه الموت واحدة تلوى الأخرى بسبب جفاف هور الحويزة. اليوم لم يتبقّ له سوى 28 جاموسة من مجموع 48 كان يمتلكها.

يعيش رسول في بيت من القصب، في آخر منازل قرية «أبو خصاف» التابعة لهور الحويزة جنوبي العراق ويعمل في صيد الأسماك وتربية الجواميس، التي يعتمد عليها في إنتاج الحليب والجبن العربي والقيمر الذي يُصنع من حليب الجاموس والأبقار.

يعود الشاب بذاكرته إلى أيام الوفرة قائلا: " في عام 2021،كنت أبيع يومياً ما لا يقل عن 50 ليتراً من الحليب، بسعر 3000 دينار عراقي للتر، وأجني 150 ألف دينار عراقي (أي ما يعادل 100 دولار أميركي) يومياً فقط من بيع الحليب، أما زوجتي وأمي وإخوتي فكانوا يصنعون الجبن العربي من حليب الجواميس، ونبيع يومياً ما لا يقل عن 4 إلى 5 كيلو من الجبن العربي بـسعر 9000 دينار عراقي (ما يعادل 8 دولار أميركي).

يصف رسول الحياة في هور الحويزة قبل الجفاف:

اعتدنا أن نترك الجواميس لتسبح في مياه الهور وترعى من أعشابه، بينما نذهب نحن لصيد الأسماك، كانت مياه الهور مليئة بسمك البني والسبطي والغريب، وكنا نبيع 4 كيلو سمك بني بسعر 30 ألف دينار عراقي (20 دولار أميركي) وكيلو السبطي بـ6 آلاف دينار عراقي، ونجني يومياً ما لا يقل عن 500 ألف دينار عراقي (مايعادل 330 دولار أميركي) فقط من صيد وبيع السمك..

ولكن مع نهاية عام 2021، تغيّرت حياة الشاب تدريجياً، حيث لاحظ خلال الصيف أن منسوب مياه هور الحويزة بدأ يتناقص، والجواميس أصبحت عاجزة عن السباحة للبحث عن الأعشاب نتيجة للجفاف، ثم تحوّل مجرى الهور إلى مستنقع طيني، لذلك كان يتركها ترعى حول البيت لربما تحظى بالمياه من البٍرك المائية المنتشرة في الحقول القريبة من الهور، لتصل إلى منطقة حقل الحلفاية النفطي الذي لايبعد عن منزله أكثر من 300 متر.

الهور في سنة 2021
الهور في سنة 2021

ولكن في ليلة من ليالي تشرين الأول/ أكتوبر 2022، لاحظ أن عدة جواميس فقدت نشاطها، وأضحت عاجزة عن الحركة، نتيجة شرب مياه ملوثة، " هذا ما عرفته لاحقاً من الطبيب البيطري الذي أحضرته خصيصاً من البصرة لإنقاذ حياة الجواميس، والذي أخبرني أنها شربت مياه مخلوطة بالنفط وانتشر السم في دمها، لذلك فإنها ستموت قريباً ولا جدوى من العلاج"، يقول رسول بحسرة.

 ومع بداية عام 2023، فقد الشاب 11 جاموسة، ثم تسعة في منتصف العام 2024، ليتبقى لديه حاليا 28 جاموسة فقط. يصف هذا الوضع البائس بالقول:  "توقفت عن بيع الحليب والجبن، لأن الجاموس لا يدّر الحليب إذا كان جائعاً، والجبن يحتاج كميات كبيرة منه، كما توقفت عن الصيد أيضاً، ولتأمين قوت عائلتي اليومي حاليا، أبيع كل فترة جاموسة بمبلغ مليون دينار عراقي (ما يعادل 600 دولار أميركي تقريباً). وإذا ما استمر الجفاف سأكون مجبراً على بيعها جميعها ومغادرة هور الحويزة إلى حياة المدينة التي لا أعرف عنها شيئاً".

يشرح هذا التحقيق كيف جف حول الحويزة في جنوب العراق نتيجة الأنشطة النفطية في المنطقة والتغيرات المناخية وتأثير ذلك على صحة السكان ومورد رزقهم، أمام تخاذل السلطات المحلية في إيجاد الحلول.  


تظاهرات متكررة للسكان للمطالبة بالماء


لم يكن رسول، الأهواري الوحيد الذي لاحظ نقص المياه وجفاف الهور، بل أيضاً عشرات العائلات الأخرى، التي خرجت  في مظاهرة كبيرة للمطالبة بالمياه. " مع بداية العام 2022، يروي رسول،  نظّمنا مظاهرة حاشدة ضمت أكثر من 2000 شخص من سكان هور الحويزة، سرنا على الأقدام إلى أمام مبنى محافظة ميسان، وطالبنا المحافظة ومديرية الموارد المائية بفتح الإطلاقات المائية لهور الحويزة والتي تصلنا من نهر المشرح، الذي قطعوا مياهه عن الهور. وبعد عدة ساعات، أعادوا فتح مياه النهر لمدة لا تتجاوز 3 ساعات ثم قطعوها مجدداً". ويضيف " تتالت المظاهرات إثر ذلك وحملت جميعها عنوان المطالبة بالماء، فنحن نريد فقط عودة مياه نهر المشرح إلى هور الحويزة، للحفاظ على أرزاقنا وجواميسنا ولتعود الأسماك لمجرى الهور، لأنها المصدر الوحيد لبقائنا على قيد الحياة، كما أننا نعيش في بيوت من القصب، وليس لدينا نظام استحمام داخل المنازل، لذلك فنحن نستحم في مياه الهور ونغسل ملابسنا فيها أيضاً. لكن للأسف، لم نتلق ردا حتى الآن على مطالبنا".

يعيش سكان الأهوار في جزر صغيرة طبيعية، ويستخدمون نوعا من الزوارق يسمى "المشروف" في تنقلهم وترحالهم، وتشير الدراسات والبحوث التاريخية إلى أن الأهوار هي المكان الذي ظهرت فيه ملامح السومريين وحضارتهم، كما توضح ذلك النقوش الأثرية المكتشفة لحضارة سومر المائية الشهيرة .وتتميز بتنوّع الحياة البرية والمائية فيها، كما أنها تمثل خزّانا مائيا كبيرا للمياه العذبة التي يمكن أن يستفاد من مياهها للشرب، ويطلق عليها "الأهوار" أي المناطق المنخفضة التي تغطيها المياه في جميع فصول العام.

وفي 17 تموز/ يوليو 2016، ضمت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) الأهوار الواقعة في جنوب العراق إلى قائمة التراث العالمي.

تشكّل الأهوار في الجنوب العراقي الحوض الطبيعي لنهري دجلة والفرات وتوابعهما، تكوّنت منذ آلاف السنين من تغذية هذين النهرين، أهمها أهوار الجبايش والحمّار والحويزة، ومجموعة من المسطحات المائية المتصلة ببعضها، موزعّة على محافظات البصرة وذي قار و ميسان، على أرض تزيد مساحتها عن 3 ملايين دونم جنوبي العراق.

وينقسم هور الحويزة  بين محافظتي البصرة وميسان داخل العراق، وخارجه بين العراق وإيران، وتصل مساحته القصوى إلى 3000 كم2 تقريباً، تزيد وتنخفض بحسب نسبة المياه. ويقع تحديداً، شرقي نهر دجلة، ونهر السويب جنوبا (أحد أنهار العراق الصغيرة ومن الروافد المهمة المغذية لشط العرب)، ويأخذ مياهه من نهر المشرح والكحلاء ونهر الكرخة (ينبع من الأراضي الإيرانية)، ويُفرغ مياهه في نهر دجلة ثانية.


الأنشطة النفطية ساهمت في الجفاف 


يعود تاريخ استكشاف النفط في هور الحويزة إلى العام 1975، عندما أجرت الشركة الفرنسية  Compagnie Générale de Géophysique (التي أصبح اسمها Viridien في 2024) مسوحاتها داخل الهور، وحفرت بئر الحويزة 1، وعملت على استخراج النفط لمدة 10 أعوام، ثم توقف نشاطها في العراق بسبب الحروب التي خاضتها البلاد. 

بعد سقوط نظام الرئيس السابق صدام حسين في العام 2003، بدأت شركات النفط المحلية والأجنبية بتوسيع عملها النفطي في مناطق جنوب العراق، على رأسها شركة  بتروجاينا الصينية  التي عملت بالتعاون مع نفط ميسان وهي إحدى تشكيلات وزارة النفط العراقية، على إنشاء حقل "الحلفاية" النفطي الذي بدأ العمل عام 2009 ويحتوي على أكثر من 300 بئر نفطي وثلاث منشآت معالجة مركزية للنفط الخام، ويقع  بين بيوت السكان الأصليين،  على بعد 300 متر من مجرى مياه هور الحويزة في محافظة ميسان. 

في العام 2011، طرحت شركة نفط ميسان، مجموعة من المناقصات (عروض تنافسية)  ضمن ما يعرف بجولات التراخيص الحكومية لتطوير نفط وغاز العراق، وذلك لجلب المزيد من الشركات المحلية والأجنبية للاستكشاف والتطوير في مناطق جنوب العراق. 


يتغذى هور الحويزة على 3 أنهار رئيسية هي الكرخة والمشرح والكحلاء. ومنذ أكثر من عقدين انخفضت كمية الإمدادات المائية الواصلة إلى العراق من نهر الكرخة، الذي يبدأ مجراه من منطقة الأحواز في إيران ويصب في هور الحويزة، بعد أن أنشأت إيران سد الكرخة على نهر الكرخة  في إقليم خوزستان جنوب غرب إيران وبدأ العمل عام 2001، بسعة تخزينية ب 5 مليار متر مكعب وقدرة إنتاج كهربائي تصل إلى 520 ميغاواط، مما أدى إلى انخفاض الإمدادات المائية من الجانب الإيراني للنهر إلى هور الحويزة، فاعتمد الهور على الأنهار التي تنبع من الجانب العراقي وهي المشرح والكحلاء.

لكن مع منتصف العام 2021، بدأ سكان الهور بملاحظة انخفاض منسوب المياه الواردة من نهر المشرح الذي يتفرع من الجانب الأيسر لنهر دجلة، في ناحية المشرح التي تبعد حوالي 25 كيلومتر عن مركز مدينة العمارة في محافظة ميسان جنوب العراق ويصب في هور الحويزة.

يقول الناشط البيئي، مرتضى الجنوبي، "منتصف العام 2021، انخفض منسوب مياه نهر المشرح، فتواصلنا مع مديرية الموارد المائية في محافظة ميسان، وطالبنا بفتح مياه النهر لتصل إلى شط هور الحويزة، لكن دون استجابة من طرفها"، مضيفا " في البداية لم يتم قطع الإطلاقات بشكل كامل، وكانت كميات المياه التي تصل قليلة لأجزاء بسيطة من القرى والأرياف، ثم انخفضت الكميات تباعاً، مما أدى إلى جفاف مساحات واسعة من الهور".


نهر المشرح
نهر المشرح

أما نهر الكحلاء، الذي يتفرع من نهر دجلة ويصب في هور الحويزة، فقد انخفضت مياهه تدريجياً أيضاً، حيث يقول الناشط البيئي، مصطفى هاشم، ابن قرية أبو خصاف في هور الحويزة، التي لا تبعد أكثر من 300 متر عن حقل الحلفاية النفطي، " حصل تجاوز على الحصة المائية لسكان القرى التي تعتمد على مياه نهر الكحلاء،  منها قرى أبو خصاف والدبن والمويلحة، من عدة جهات، في مقدمتها شركة "بتروجاينا النفطية الصينية" المستثمرة لحقل الحلفاية النفطي، والتي أنشأت في العام 2016 محطة ضخ مائية اسمها (جي أر اس) على النهر لسحب مياهه إلى حقلها النفطي، وتحتوي على 6 توربينات و5 أنابيب، يضخ كل منها حوالي 500 متر مكعب من المياه في الساعة، ليكون المجموع الكلي للمحطة 24 ألف متر مكعب في الساعة. هذه الأنابيب الـ5 تغذي حقل الحلفاية النفطي، حيث يحتاج كل برميل نفط واحد إلى 3 براميل مياه، إضافة إلى إنشاء 3 محطات لحفر الآبار حول حقل الحلفاية لاستخراج المياه الجوفية، واستخدامها في إنتاج النفط.

ويوضح هاشم، أن الحكومة العراقية أعطت الشركة الصينية رخصة استغلال حقل الحلفاية النفطي، ما منحها الحق بإنشاء محطات الضخ على الأنهار الواقعة ضمن الرقعة الجغرافية للحقل، ومنها نهر الكحلاء  الذي يمر وسطه، بالإضافة إلى حفر الآبار الجوفية في نفس المنطقة. 

وأدى سحب المياه السطحية لنهر الكحلاء والمياه الجوفية عن طريقة حفر الآبار، إلى خسارة السكان الأصليين لحصتهم المائية من النهر والتي كانوا يستخدمونها في الزراعة والشرب، ما انجرت عنه  هجرة 200 عائلة من سكان تلك القرى إلى مراكز المدن بالبصرة والعمارة والناصرية والكحلاء. وكل هذه الأسباب مجتمعة أدت إلى جفاف هور الحويزة.

في الثامن من فبراير/شباط 2023، كشف وزير النفط، حيّان عبد الغني عن الرقع الاستكشافية والشركات الفائزة بجولة التراخيص الخامسة،  والتي تتضمن تطوير حقل الحويزة النفطي في محافظة البصرة، وتمت إحالته إلى شركة  جيو جيد الصينية. وفي 22 كانون الثاني/ يناير 2025 أعلنت نفط ميسان عن مناقصة لحفر المزيد من الآبار في هور الحويزة.

وفي هذا السياق، يؤكد هاشم، أن هور الحويزة  أصبح رسمياً تحت تصرّف شركة «جيو جيد» النفطية الصينية، التي تعمل حالياً على استكشاف منابع النفط داخل الهور عن طريق المسح الزلزالي لعمق الهور ومناطق جريان مياهه سابقاً، لفترة مدتها 3 سنوات ، " لذلك نأمل أن يصل صوتنا إلى الحكومة ونتمكّن من وقف عملها قبل انتهاء المدة." 


الحكومة تنفي نيتها تجفيف الأهوار


جاء الإعلان الحكومي عن تطوير حقل الحويزة النفطي بمثابة صاعقة نزلت على سكان الهور الذين كانوا لازالوا يأملون في عودة المياه إليه، وأصبحوا يعتقدون بأن هناك خطة حكومية متعمّدة لتجفيف كامل هور الحويزة وتحويله إلى حقل نفطي بحلول العام 2026.

ينفي استشاري رئيس الحكومة العراقية، ورئيس قسم علوم البيئة في جامعة الكرخ، ابراهيم سوداني، وجود أية خطة حكومية لتجفيف الأهوار بشكل عام وهور الحويزة خصوصاً، ويُبيّن أنه " على العكس تماماً، فالحكومات التي أعقبت سقوط النظام العراقي في العام 2003، هدمت السدادة الترابية التي كانت تحجز مياه الأنهار عن هور الحويزة على الحدود العراقية الإيرانية. ولكن المشكلة التي واجهت العراق، هو أنه بلد نفطي، يعتمد بشكل كلي في اقتصاده على وارداته من النفط والغاز، وأكثر المناطق الواعدة نفطياً موجودة في الجنوب وقريبة من الأهوار"، مضيفا " الأكيد أن الحكومة العراقية عندما أطلقت جولات التراخيص لتطوير النفط والغاز مع بداية عام 2011، لم تكن على دراية بالأثر البيئي لذلك، وتم توقيع العقود مع الشركات المطورة دون الإشارة إلى الشروط الآمنة للبيئة. لكن " في جولات التراخيص التالية، ألزمت الحكومة جميع الشركات المحلية الأجنبية بشروط حماية البيئة. وحتى شعلات الغاز في السماء،  قللت عددها بنسبة 17%، وهي تعمل وفق خطة تفرض أنه بحلول العام 2080، لن يكون هنالك أي شعلات غازية تبعث غاز الميثان في سماء العراق"، يؤكد السوداني.

 ولكن ألا يمكن استدامة الأهوار وتطوير الصناعات النفطية في نفس الوقت؟ "نعم، ذلك ممكن، يجيب السوداني، "والحكومة الحالية بدأت تهتم بقضايا الاستدامة والحفاظ على البيئة، وألزمت الشركات المحلية والأجنبية بطرق ومقاييس العمل الصديقة للبيئة". وذلك خاصة، بعد توقيع العراق لاتفاقية باريس في العام 2021، حيث التزمت الحكومات العراقية بتخفيف الانبعاثات الغازية، وضبط عمل حقول النفط، والحفاظ على بيئة الأراضي الرطبة في المنطقة الجنوبية.

وحول جفاف الأهوار، يفسّر الخبير البيئي، بأن" 60 بالمئة من مساحة الأهوار تحوّلت إلى صحراء، ولا يمكننا الآن أن نستعيد أهوار السبعينات ولا أهوار التسعينات ولا حتى أهوار 2004 أو 2005، لأن العراق عملياً يعاني من نقص المياه وتأثير التغير المناخي، ولا يستطيع أن يُزوّد أكثر من 30 إلى 35 بالمئة من مناطق الأهوار بالمياه."

 

الهجرة المناخية، قدر لا مفر منه 


تشتهر الأهوار بشجيرات القصب التي تنمو في الماء، فيتم قصها وتقشيرها وتنعيمها، وتحويلها إلى "باري" (حصيرة من القصب) أو بساط أو فراش أو حتى سقف لكوخ صغير. هذه الشجيرات اختفت مع اختفاء المياه. 

حسن نور، شاب عراقي من سكان هور الحويزة، لم يعرف منذ ولادته مهنة سوى صناعة "الباري" أو باللهجة الجنوبية "البواري"، إلى أن أجبره الجفاف على مغادرة أرضه ودياره. يقول: " اضطررت إلى مغادرة المنطقة مع أختي منذ نحو 5 أشهر، بعد أن أصبحنا غير قادرين على صناعة الباري، الذي كان يمثل مصدر رزقنا الأساسي". يبتسم نصف ابتسامة ويضيف: " في السابق كنا نفخر بقصب هور الحويزة، ونقول للضيوف القصب سيحاصركم من كل الاتجاهات، اليوم حاصرنا الجفاف وأرغمنا على مغادرة أرضنا وخسارة أرزاقنا".

انتقل حسن الذي لم يتجاوز الـ25 من عمره، كغيره من عائلات هور الحويزة إلى قضاء الكحلان، " لم أكن من أوائل العائلات التي غادرت، بقيت متمسكاً بأرضي إلى أن خسرت كل شي، حتى بيتي أصبح غير صالح للسكن، لأن الماء هو عنوان الحياة."

يعمل حالياً كعامل يومي بأجر زهيد لا يوّفر له أبسط متطلبات حياته اليومية، وأكثر ما يحزنه أنه تحوّل من شخص منتج إلى عامل أجير، حسب تعبيره، يقول: " في السابق كنا نفخر بمنتجاتنا ونحكي للزبون عن مراحل صناعة الباري، وارتباطها بهوية الأهوار وأصالة هذا المنتج المصنوع يدوياً، وكان عملنا يكفينا لدرجة أننا لم نفكر يوماً بتغييره، لكن اليوم شغلي غير مستقر ويعتمد على الطلب، فأعمل يوما وأجلس أياما في البيت عاطلا، هذه هي حالتي بعد الهجرة والجفاف".


تعدد الأمراض بسبب التلوث النفطي


شقيقة حسن، حياة، البالغة من العمر 27 عاما، وجدت نفسها في مواجهة خطر آخر، عدا قطع مورد رزقها واضطرارها للهجرةـ،  فنشاط حقل الحلفاية النفطي الذي لا يبعد أكثر من 300 متر عن بيتها في هور الحويزة، تسبّب بمرضها، لتبدأ رحلة علاج طويلة لاتزال متواصلة منذ عامين.

تحكي حياة قصتها قائلة: " منذ نحو عامين، بدأت أشعر بضيق في التنفس وصعوبة في الكلام، زرت العيادات القريبة من منطقتنا. أعطاني الأطباء بعض الأدوية، ووصّفوا حالتي بأنها بسبب تلوّث الهواء،  ثم بدأت تظهر على جسدي كتل سوداء ناعمة، وخلال مراحل العلاج، اكتشفت أنني أعاني من تضخم في الغدة الدرقية". بعد انتقال حياة مع أخيها إلى قضاء الكحلان، زارت عدة مستشفيات ومختبرات لتتابع علاجها، وتبيّن خلال رحلة العلاج أنها مصابة بورم الغدة الدرقية الحميد.

تُبيّن حياة أنها ليست المريضة الوحيدة بهذا الورم في منطقة هور الحويزة، بل ظهرت أعراض هذا المرض أيضاً  لدى جارتها وابنتها، وكذلك لدى السكان الذين يقيمون في البيوت القريبة من بيتها، حيث أن معظمهم أصيبوا بنفس المرض. 

يربط الدكتور محمد سعيد ناجي، اخصائي أمراض الجهاز التنفسي والأمراض الصدرية في مدينة ميسان، بين تلوث البيئة وعمل الغدة الدرقية، حيث يشير إلى أنه " توجد مؤشرات علمية على أن بعض المواد الكيميائية الموجودة في مناطق بيئية تحتوي على نشاط صناعي أو نفطي، يمكن أن تؤثر على وظائف الغدة الدرقية لأنها حسّاسة جداً للمواد الكيميائية، مما ينعكس على إنتاج هرمونات (تي 3 و تي 4). ومن هذه المواد الكيميائية نذكر: الهيدروكربونات العطرية المتعددة التي تنتج من احتراق النفط والغاز، والتي قد توجد في الماء أو التربة، مركبات الفلور، الكلور، البروم التي تتراكم في الجسم وتؤثر على توازن الغدة، المعادن الثقيلة مثل الزئبق والرصاص والكادميوم، والتي قد تكون موجودة في التربة أو الماء أيضاً، ولها انعكاس على نشاط الغدة الدرقية".

ويؤكد الدكتور ناجي أن قلة الخدمات الصحية في محافظة ميسان، وغياب الفحوصات الطبية الدورية التي تكشف الأمراض المبكرة، تساهم في زيادة اختلالات عمل الغدة الدرقية وظهور أمراض مثل: قصور الغدة الدرقية (Hypothyroidism) وتضخم الغدة الدرقية (Goiter).

ويفسّر أيضا أن " التعرض للمواد الكيميائية في المناطق التي تحتوي على نشاط صناعي أو نفطي أو معامل بتروكيمياويات، يمكن أن يكون له تأثيرات خطيرة ومزمنة على الرئتين، هذه المواد قد تكون على شكل غازات، أبخرة، جسيمات معلقة، أو سوائل تتبخر، وتسبب ضيقا في التنفس والتهابات وتهيجات حادة في مجرى الجهاز التنفسي، سعال مزّمن أو احتقان حاد في الحلق والأنف وصوت صفير عند التنفس. وتحدث هذه الأعراض غالباً بسبب استنشاق غاز ثاني أوكيسد الكربون والأمونيا والأبخرة النفطية مثل البنزين والتولوين، كما أن التعرض الطويل والمباشر لهذه المواد يزيد من خطر الإصابة بسرطان الرئة، خصوصًا إذا اقترن بالتدخين".


حقل "الحلفاية" الأكثر تأثيراً على الأهواريين


يقول الناشط البيئي، مرتضى الجنوبي أن حقل الحلفاية من أكثر الحقول تأثيراً سلبياً على حياة الناس في الأهوار، لأنه يقع ضمن المناطق السكنية للأهواريين، ويحتوي على 6 شعلات غازية مشتعلة بشكل دائم في سماء الأهوار، كما يترك الحقل مخلّفاته النفطية في أرض الهور، وتُرمى المواد الكيميائية (الرواسب الزيتية، المخلّفات الغازية والسائلة والصلبة)،  بالقرب من بيوت الأهالي. حيث تقوم شركة بيتروجاينا  أيضا، بحسب ما أخبرنا به، بتجميع أطنان من المواد الكيميائية في حوض مساحته  20 متر مكعب، وتغطيته بنايلون وتركه، في حين يظل الباقي في أرض الهور. 


التنقيب النفطي داخل هور الحويزة
التنقيب النفطي داخل هور الحويزة

ورداً على التجاوزات التي تقوم بها شركة بتروجاينا الصينية، يجيب المستشار الحكومي، ابراهيم السوداني أن " كل الشركات النفطية العاملة في جنوب العراق بما فيها شركة بتروجاينا الصينية، وقّعت على تعهد بعدم طمر أي مادة كيميائية سواء خطيرة أو غير خطيرة، وذلك منذ بداية جولة التراخيص الأولى وتم التشديد على ذلك في جولات التراخيص الثانية والثالثة.  وتوجد حاليا 16 شركة سواء من القطاع الحكومي وهيئة البحث العلمي، أو من القطاع الأهلي، متخصصة في إدارة مخلّفات النفط، تعمل على إعادة تدوير المخلفات النفطية في الأهوار بشكل عام.


التغير المناخي يزيد من تعقيد الوضع


لا يمكن اعتبار أن النشاط النفطي في الأهوار الجنوبية، هو السبب الوحيد وراء جفاف الأهوار، بل هناك أسباب أخرى  متعلقة أساسا بتأثر العراق بالتغير المناخي.

يعرّف السوداني، الأهوار ب" الأراضي الرطبة" أي المستنقعات التي تتراوح أعماقها بين 20 سنتمتر الى متر ونصف،  بينما يصل عمق هور الحويزة إلى 3 أمتار، و"بهذه الحالة نتحدث عن المياه الضحلة، (شالووتر) أو الأهوار"، وهي تاريخياً تتقلص في موسم الجفاف وبعض أجزاء منها يتعرض للجفاف، وفي موسم الفيضان تتوسع وتُغمر بالمياه. هذه العملية ديناميكية، أى أن هذا هو النظام البيئي الطبيعي للأهوار، لكن بعد ظهور التغير المناخي، قلّت مناسيب المياه القادمة من تركيا ومن أعالي نهر دجلة والفرات، وبذات الوقت، كثرت نسب التبخّر وقل التساقط المطري، مما سبّب الزيادة في الجفاف. " وقد شهدنا قمة التطرف المناخي في العام 2017، السنة التي وصلت بها درجة حرارة الأهوار لـ 54 درجة مئوية، واعتبرت الأكثر جفافاً في تاريخ العراق" حسب السوداني.

وعن تأثر الأهوار بانخفاض كمية الأمطار، يُبيّن المستشار الحكومي أن ما أثّر على الأراضي الرطبة، هو أن "الخط المطري العراقي انخفض مع نهاية التسعينات، إلى ما دون 1000 ملم مكعب في السنة، كان هذا الخط يبدأ من شمال مدينة ديالى مروراً بجنوب صلاح الدين، لكن بسبب التغيرات المناخية زحف إلى نصف كركوك، بالتالي أكثر من 50 بالمئة من مناطق غرب العراق التي تعتمد على الزراعة الديمية أي السقاية بالمطر كالموصل والجزيرة، انخفضت كمية الأمطار فيها إلى أقل من 200 ملم بالسنة، كما أن الكميات الجديدة لا تكفي لسقاية الأعشاب، فجف الكثير منها، وتحوّل إلى بؤر للعواصف الغبارية".

ونتيجة لذلك، غيّرت الطيور المهاجرة طريقها. في هذا الصدد، يٌذكّر السوداني بأن هور الحويزة عُرف منذ آلاف السنين، بأنه منطقة تفريخ بيض الطيور المهاجرة من الشمال البارد إلى الجنوب الدافئ،  التي تمر به وتسوّي أعشاشها وتضع بيوضها داخل قصب البردي والنباتات المائية، ممضية فترة في المنطقة الرطبة تتغذى وترتاح، قبل أن تواصل مسيرتها باتجاه أفريقيا. لكن العراق خسر هذه الطيور، نتيجة انحراف خطها وانتقالها إلى الجانب الإيراني من هور الحويزة.

تأثرت الثروة السمكية العراقية كذلك بالتغير المناخي، حسب الخبير البيئي، " فمع نهاية الثمانينات، خسر العراق تقريباً 90 بالمئة من أسماكه المحلية، بسبب تملّح المياه وارتفاع درجات الحرارة، لأن ملوحة مياه الأهوار تعتمد على كمية المياه التي تصلها من أعالي دجلة والفرات، خاصة مناطق البصرة والعمارة والناصرية، وتخضع لظاهرة المد والجزر. ومع انخفاض مناسيب مياه النهرين، بدأ يصعد اللسان الملحي للمياه، وتزداد ملوحته إلى الدرجة التي تعجز فيها الأسماك عن الحياة داخلها". ويضيف " توجد أنواع من السمك العراقي اختفت تماماً من هور الحويزة، مثل البني والقطان و الحمري. في المقابل، هناك أسماك جديدة وصلت إلى مياه الهور منها "الكارب" الذي أدخلته وزارة الزراعة عام 1974 لدعم الإنتاج الزراعي، و"البلطي" الذي يستزرع في سوريا ووجد طريقه للنهر. وقد سيطر هذان النوعان من الأسماك على مياه الهور لأنهما أكثر شراسة ومقاومة للملوحة، إضافة إلى سمك الجريّ الآسيوي المفترس المقاوم لملوحة المياه، الذي يأكل صغار الأسماك ويتحمل الظروف القاسية، و"الخشني" الذي يتغذى على الطحالب الملتصقة بالطين.


جزء من هور الحويزة اليوم
جزء من هور الحويزة اليوم

قانون غير مفعّل


وضع العراق مجموعة من القوانين المتعلقة بحماية البيئة، في مقدمتها قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 الصادر عام 2009، الذي تنص المادة 9 منه على " إلزام الجهات التي ينتج عن نشاطها تلوث بيئي، أن توفر وسائل معالجة التلوث باستخدام التقنيات النظيفة بيئياً، وتوفير أجهزة قياس ومراقبة التلوث"، كما أن المادة 33 منه تخوّل لوزير البيئة " إنذار أي منشأة أو معمل أو جهة أو مصدر ملوث للبيئة، لإزالة العامل المؤثر خلال 10 أيام من تاريخ التبليغ والإنذار، وفي حال عدم الامتثال، فيحق للوزير إيقاف العمل أو الغلق المؤقت مدة لا تزيد عن 30 يوما قابلة للتمديد حتى إزالة المخالفة".

يقول المحامي علي الجبوري، المختص في قضايا البيئة، أن " قانون حماية وتحسين البيئة غير مفعّل ولا يطبق على أرض الواقع، وحتى في حال خالفت الشركات الصناعية مواده، لا يستطيع المواطن محاسبتها، لأن القانون أرجع سلطة اتخاذ وتقييم الضرر للوزير وليس للمواطن، ولم نشهد إلى حد الآن أي وزير أو وزارة من بينها وزارة البيئة، حركت أية دعوى قضائية ضد أي منشأة صناعية حكومية أو أجنبية يضر عملها بالبيئة".

أغفل القانون كذلك تعويض السكان المتضررين من عمل الشركات الصناعية، حيث لم يحدد، حسب الحبوري، مبالغ مالية معينة كتعويض للسكان الذين يتضررون صحياً واقتصادياً نتيجة  نشاط حقول النفط القريبة من منازلهم، لذلك لا يتقدم المواطن عادة بأية شكوى. وحتى وإن قام بذلك، فإن الشكاوى غالباً ما لا تُقبل، لأنه في المحاكم البدائية، إذا لم ينص القانون صراحة على تعويض مالي واضح، يعود القرار إلى القاضي الذي يطالب بإثبات الضرر بشكل مباشر، ما يجعل الدعاوي أكثر تعقيداً وغير مجدية.

كذلك وبموجب القانون العراقي، لا يحق لأي جهة ناشطة أو قانونية، رفع دعوى قضائية ضد أي شركة صناعية يلوّث نشاطها البيئة، إلا إذا امتلكت الصفة، " لذلك لا يمكننا كمحامين رفع مثل هذا الدعاوى، والجهة الوحيدة التي تستطيع إقامة الدعوى دون الحاجة إلى الصفة هو الإدعاء العام لأنه ممثل عن المجتمع ككل"، يُبيّن المحامي، مضيفا " لابد من القيام بتظاهرات وتحركات شعبية للضغط على  الإدعاء العام من أجل تحريك الدعاوي ضد الشركات الصناعية التي يثبت أن نشاطها يضر بالبيئة". 

ويوضح الجبوري أيضا، أن تطوير حقل الحويزة النفطي يتعارض مع اتفاقية  «رامسر» للأراضي الرطبة، التي وقع عليها العراق عام 2007،  وجرى تسجيل هور الحويزة ضمنها من أجل الحفاظ عليه والاستمرار بتغذيته بالمياه. بالتالي، فإن تحويل الهور إلى حقل نفطي يتعارض مع نص الاتفاقية التي تهدف إلى الاستعمال الحكيم لجميع الأراضي الرطبة من خلال الإجراءات المحلية والوطنية والتعاون الدولي. وتؤكّد الإتفاقية أن الأراضي الرطبة لها فوائدها التي لا تحصى ومنها توفير إمدادات المياه العذبة والمواد الغذائية والتنوع البيولوجي والسيطرة على الفيضانات وتغذية المياه الجوفية والتخفيف من آثار التغير المناخي. 

ويختم المحامي علي الجبوري حديثه بالقول، إن تجفيف أجزاء من هور الحويزة لأغراض نفطية يعد انتهاكاً لاتفاقية التراث العالمي (اليونيسكو) التي أدرجت أهوار العراق بما فيها هور الحويزة على لائحة التراث العالمي عام 2016.

تواصلت معدّات التحقيق مع شركة PetroChina  عن طريق  ايميل حقل الحلفاية، للحصول على معلومات بشأن الاتهامات الموجهة من قبل السكان والناشطين بالتسبب في التلوث والجفاف في هور الحويزةــ، ولكن لم يرد أي جواب منها لغاية نشر هذا التحقيق.

حاولت معدات التحقيق أيضا التواصل مع جيوجيد الصينية لكن لم يكن هناك ايميل رسمي على موقع الشركة وتعذّر التواصل معها بطرق أخرى.

من جهته، وجّه النائب جاسم عطوان الموسوي، رئيس لجنة العمل والمجتمع المدني النيابية، بتاريخ 21-4-2025  خطابًا إلى شركة نفط ميسان، طالبها فيه بتوضيح "طبيعة الأعمال الجارية داخل وفي محيط هور الحويزة"، وكيف تم السماح "بدخول آليات الاستكشاف" إلى المنطقة المحمية بموجب اتفاقية رامسر، والمسجلة كممتلك تراث عالمي لدى منظمة اليونسكو منذ عام 2016. ولكنه لم يتحصل على رد إلى حد نشر هذا التحقيق.

في المقابل، جاء في مراسلة سابقة كان تقدم بها النائب الموسوي إلى محافظة ميسان بتاريخ 16 -4-2025 أن وزراة البيئة خاطبت شركة نفط ميسان بشأن وجود حقل الحويزة، الذي تم تكليف شركة جيوجيد الصينية بتطويره، ضمن "ممتلك مُصنّف ضمن التراث العالمي وهو ما يتعارض مع التزامات العراق الدولية" وأنه تم عقد اجتماع بين الوزارة والمعنيين بالحقل بتاريخ 24-12-2024 لغرض تزويد الوزارة بكافة المعلومات والخرائط الخاصة بمساحة الحقل وتوزيع المنشآت فيه، إلا أن الإجابة لم ترد إلى حدود تاريخ آخر كتاب ورد من وزارة البيئة في 2-2-2025 على محافظة ميسان.    



تم انتاج هذا المقال ضمن مشروع أصوات نساء بلا حدود العراق، مبادرة من منظمة المساعدات الإنسانية والصحافة (AHJ)وبدعم من وزارة اوروبا والشؤون الخارجية.جميع حقوق النشر محفوظة لمنظمة AHJ لا يجوز استخدام هذا المحتوى أو إعادة نشره دون إذن خطي مسبق من المنظمة.

 
 
 

تحقيق زينة مؤيد، صبا كريم وغادة خلف


يتسبب مصفى الدورة الحكومي، الواقع جنوب بغداد، في تلوث هوائي خانق يعاني منه السكان المحليون، الذين بدأوا منذ سنوات التسعينات، يشكون من الأمراض التنفسية مثل الربو والسعال المزمن، وتزايدت حالات الإصابة بالسرطان في صفوفهم في العقود الأخيرة.

في حي الصحة، أحد الأحياء السكنية في منطقة الدورة والذي يبعد حوالي 15 كيلومترًا عن المصفى، يقول أحمد أبو دافين، أحد سكان المنطقة،

أشتري باستمرار الكمامات لوالدتي المسنة التي تعاني من مرض في القلب خوفًا على صحتها من الهواء الملوث، مضيفا " العديد من سكان الدورة، يعانون من أمراض تنفسية مزمنة، ويخشون من تأثير التلوث على أطفالهم.

يُبيّن أحمد أنه يضطر لطلاء منزله باستمرار بسبب تراكم الانبعاثات السوداء على الجدران، وعلى السيارات التي " تبقى مغطاة بطبقة من الكربون المحترق حتى بعد غسلها". كل هذه العوامل تجعله يفكر جديًا في الانتقال إلى منطقة أخرى بعيدة عن المصفى، لكن حاله كحال العديد من السكان  في المنطقة، فهو لا يستطيع الرحيل  بسبب ارتفاع أسعار العقارات في أماكن أخرى من بغداد. لذلك يبقى ويتحمل عواقب الانبعاثات. 

رغم شكاوى السكان المستمرة من تأثير التلوث الناجم عن مصفى الدورة، لم تُتخذ إلى حد الآن إجراءات فعالة من قبل الحكومة لتخفيف معاناتهم، ما يُفاقم مشاكلهم الصحية والبيئية في ظل تزايد التلوث وانبعاثاته السامة.


مصفى الدورة "ليس صديقاً للبيئة"


تأسس مصفى الدورة عام 1955، وكان في حينها بعيدًا عن المناطق السكنية. لكن مع التوسع العمراني، أصبحت هذه المناطق تحيط به، مما أدى إلى تعرض السكان لانبعاثاته الضارة. 


يعد مصفى الدورة من أقدم المصافي النفطية الكبيرة في العراق. ومنذ تأسيسه، شكّل مصدرًا رئيسيًا للطاقة حيث يبلغ إنتاجه اليومي حاليا 140,000برميل يوميًا. تعود بداية مشكلة التلوث الناتج عنه إلى عقود مضت، حيث يقوم المصفى بمعالجة النفط الثقيل، مما يؤدي إلى إطلاق كميات كبيرة من الانبعاثات السامة في الهواء. 

مع مرور الوقت، أصبحت هذه الانبعاثات مصدرًا رئيسيًا للتلوث في منطقة الدورة والمناطق المجاورة لها. وبدأ السكان في المنطقة يشعرون بتدهور الوضع البيئي والصحي تدريجيًا، حيث تتسبّب الإنبعاثات في تراكم سحاب أسود يُغطي السماء بشكل مستمر ورائحة قوية تشبه رائحة الكبريت.

يوضح رئيس لجنة الصحة والبيئة النيابية، النائب ماجد شنكالي "أن مصفى الدورة في بغداد لا يُعدّ صديقاً للبيئة"، مشيراً إلى "وجود تلوث ناتج عن الانبعاثات الصادرة عنه"، ويضيف أن "هناك محاولات جادة لتقليل حجم الانبعاثات وصولاً إلى مستوى  الصفر" وأن لجنته " تسعى إلى تشريع قانون بيئي جديد لحماية وتحسين البيئة في العراق".


تداعيات صحية 


تقول الدكتورة إقبال لطيف وهي خبيرة في مجال التلوث البيئي والإشعاعي أن " العديد من المصانع والمصافي النفطية في العراق تسببت بانتشار الإصابات بالسرطان وأمراض القلب وغيرها، وأضرّت بشكل كبير بالأراضي الزراعية بسبب انتشار المواد الكربونية والجزيئات التي تصيب المحاصيل"، مشيرةً إلى أن " الإجراءات التي تتخذها وزارة البيئة والجهات ذات العلاقة لا تتماشى مع حجم المخاطر والتداعيات الحاصلة".

من جهته، يبين الدكتور حيدر معتز،  عميد المعهد الأميركي للدراسات البيولوجية وأبحاث علوم النانو تكنولوجي أن "الحالات التي تم استقبالها في مستشفيات بغداد خلال الأشهر الأخيرة جراء التلوث كثيرة. وكانت تتطلب في الغالب الدخول إلى غرف الطوارئ بعد نوبات اختناق مفاجئة، وبعضها يُغمى عليه في الشارع بسبب استنشاق الأدخنة الثقيلة المنبعثة من المصانع والمصافي ومحطات الطاقة". ويوضح معتز إن


هذه الانبعاثات لا تتسبب فقط في أزمات تنفسية آنية، بل تؤسس لأمراض مزمنة في  القلب والرئتين، تتفاقم مع مرور الوقت، خصوصاً كلما طالت مدة التعرض للهواء الثقيل بالانبعاثات.

يؤكد الناشط البيئي، عمر عبد اللطيف وهو عضو في مرصد العراق الأخضر، وهي منصة مجتمعية بيئية مستقلة تهدف إلى رصد وتوثيق الإنتهاكات البيئية، أن "الثلوت بات ملموساً من قبل المواطنين الذين يعيشون بالقرب من مصفى الدورة، والذين أصبحوا يميزون رائحة خانقة تُعرّف شعبياً بـرائحة الكبريت وتعود هذه الرائحة إلى مجموعة من المواد الكيميائية يبلغ عددها 18 مادة ومنها ثاني أكسيد الكبريت (SO₂) وكبريتيد الهيدروجين (H₂S) والمركبات العضوية المتطايرة (VOCs)، بعضها يُصنّف ضمن المواد الخطرة على صحة الإنسان وقد تسهم في زيادة نسب الإصابة بالأمراض السرطانية على مدى السنوات المقبلة".

ويضيف أن" هذه الروائح تتزايد بشكل ملحوظ خلال فصل الصيف، حين تنشط الرياح الشرقية التي تلعب دورا في حمل الإنبعاثات السامة من المصفى إلى الأحياء السكنية القريبة منه، حتى باتت تُشم بشكل شبه يومي. وللتذكير فإن مصفى الدورة لا يزال يعمل باستخدام النفط الأسود الذي يتكون من هيدروكربونات ثقيلة (سلاسل كربونية طويلة C20 وما فوق)، ويحتوي على نسبة عالية من الكبريت (1% إلى 5% أو أكثر)، مما يؤدي إلى انبعاث ثاني أكسيد الكبريت عند الاحتراق. ويحتوي أيضًا على معادن ثقيلة مثل الفاناديوم والنيكل التي تسبب سمية وأضرارًا بيئية وصحية، إضافة إلى الرماد الناتج عن احتراق الشوائب والذي يساهم في تلوث الهواء وتآكل المعدات.

 ورغم خطورة المصفى، فإنه يصعب إغلاقه بشكل فوري لأسباب اقتصادية واجتماعية، خاصة وأنه يشغّل حوالي 6,864 موظفًا في الملاك الدائم، بالإضافة إلى 483 موظفًا في الملاك المؤقت، ليصل العدد الإجمالي إلى 7,347 موظفًا، حسب المعلومات التي استطعنا الحصول عليها.


محاولات لنقل المصفى


طالبت أوساط شعبية مختلفة طيلة سنوات بنقل المصفى إلى مكان آخر، خاصة بعد الزحف السكاني والتوسع العمراني الذي تشهده بغداد، وذلك تماشيا مع المعايير البيئية الدولية التي تمنع عمل المصافي قرب التجمعات السكنية. فعلى سبيل المثال، أظهرت دراسة علمية نُشرت في 2020 في تكساس أن الأشخاص الذين يعيشون على بُعد أقل من 10 أميال من مصفاة نفط كانوا أكثر عرضة للإصابة بأنواع مختلفة من السرطان مقارنةً بمن يعيشون على بُعد 21-30 ميلاً .

المطالبات بنقل مصفى الدورة  بدأت منذ عام 1988، وقد تم فعلا اختيار موقع بديل في "جرف الصخر" بالقرب من محطة كهرباء المسيب ليحتضن المصفى ويصبح اسمه "مصفى الوسط". وقد تم اختيار هذا الموقع بسبب بعده عن التجمعات السكانية، فقد كانت المنطقة شبه خالية، بالإضافة إلى قربه من البنى التحتية الصناعية، حيث تقع بالقرب منه محطة كهرباء المسيب الحرارية، مما يوفر دعما مباشرا للطاقة، كما أنه يُسهل انطلاقا منه الربط اللوجستي بين بغداد وكربلاء وبابل، مما يجعل عملية إيصال المنتجات النفطية إلى معظم المحافظات الوسطى والجنوبية عبر الطرق البرية أو خطوط الأنابيب يسيرة. بالإضافة إلى ذلك، كان موقع جرف الصخر يُوفّر مساحة واسعة تتيح توسيع المشروع مستقبلاً، وإنشاء وحدات تكرير حديثة بأمان ومرونة دون قيود عمرانية أو سكنية.


وقد بدأت بالفعل الشركات النفطية وشركات التصنيع العسكري بالمباشرة ووضع قواعد الخزانات وتوفير الأنابيب والمعدات للإشراف على التنفيذ، ‏إلا أن حرب الخليج في عام 1991 تسببت بوقف المشروع، والذي لم يُستأنف بعد ذلك،  لأنه في نهاية 2014، تم إخلاء سكان جرف الصخر بالكامل وتحويلها إلى منطقة أمنية مغلقة بعد معارك تحريرها من داعش.

يقول عاصم جهاد، وهو المتحدث السابق لوزارة النفط أن " مصفى الدورة تأسس في الأصل وفقًا للمعايير العالمية وقد بُني في موقع بعيد نسبيًا عن المناطق السكنية في الخمسينات. وكان على مقربة من نهر دجلة، ومحاطا بمساحات خضراء ونخيل وهو ما ساعد سابقًا في تخفيف أثر الانبعاثات من خلال التوازن البيئي الطبيعي"، مضيفاً أن "تقادم المصفى يُعدّ من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى زيادة الانبعاثات، وقد تفاقم هذا الوضع بسبب توقف مشاريع التطوير خلال العقود السابقة نتيجة الحروب والضغوط الاقتصادية".


وعن طبيعة الانبعاثات الصادرة من مصفى الدورة، أوضح أن


الانبعاثات السوداء الكثيفة غالبًا ما تصدر من محطة توليد الكهرباء القريبة من المصفى وهي ناتجة عن احتراق الوقود الثقيل أو الخام، لكن الانبعاثات البيضاء ناتجة عن الأبخرة من عمليات التكرير داخل المصفى، وتُعدّ ذات تأثير بيئي محدود نسبيًا لأنها عبارة عن بخار ماء.


وللتذكير، فإن بخار الماء يُعتبر من الغازات الدفيئة التي تساهم في الإحتباس الحراري. وقد أثبتت دراسات علمية  أنه، ورغم طبيعته "الأنظف"، ليس خاليًا من التأثيرات البيئية، خصوصًا عند تزايد نسبته بشكل غير طبيعي بسبب الأنشطة الصناعية. كما أنه عند انبعاثه من منشآت صناعية، يكون غالبا محمّلًا بآثار كيميائية أو ملوثات بسيطة ناتجة عن العمليات الحرارية.

وبشكل عام، يصطدم مشروع نقل مصفى الدورة خارج العاصمة بعقبات بيئة ومالية ضخمة، حيث تشير تقديرات رسمية  إلى أن كلفة عملية تفكيكه وإعادة بنائه قد تتجاوز 4 مليارات دولار. فضلا عن ذلك، يواجه المشروع، تحديات بيئية تتعلق بالمساحة والتفاصيل الفنية التي يحتاج إليها المصفى، كتوفير بنية تحتية مناسبة تشمل أنابيب نقل النفط الخام والمشتقات، ومصادر مياه وطاقة كافية، وأنظمة تصريف ومعالجة نفايات صناعية، وكلها يجب أن تُدرس بعناية لتقليل أي آثار بيئية ضارة في الموقع الجديد. كذلك، فإن عملية النقل قد تُعرّض المعدات للتلف بسبب قدمها، وبالتالي، فإنها لو تحققت، فقد تستغرق سنوات. 

وللتذكير، فقد قدّم البرلمان لمجلس الوزراء مقترحا يتضمن تفكيك ونقل مستشفى الدورة من بغداد إلى خارج العاصمة. 


ضعف تطبيق القانون


يعاني العراق منذ سنوات طويلة من أزمة التلوث وانتشار الانبعاثات السامة في الهواء، وتفيد تقارير محلية ودولية بأن العاصمة بغداد تُعدّ إحدى أكثر المدن تلوثاً في العالم، مع تأكيدات برلمانية أن 95% من الملوثات في البلاد سببها مؤسسات القطاع العام ، ومنها مصفى الدورة وسط العاصمة.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، سجّلت العاصمة بغداد مستويات غير مسبوقة من تلوث الهواء، حيث بلغت نسبة التلوث نحو 515%، وفقا لتقارير محلية ، إذ أن إحصاءات معدلات جزيئات "بي إم 2.5" الدقيقة في العراق تتجاوز بكثير المعايير التي توصي بها منظمة الصحة العالمية.

 ويحتوي النفط العراقي على نسبة عالية من الكبريت تتراوح بين 2% و3%، وهي تُعد نسبة مرتفعة مقارنة مع النفط الخام في دول أخرى مثل السعودية والكويت، التي تحتوي على نسبة كبريت أقل من 1%. هذه النسبة العالية من الكبريت تساهم في انبعاث غازات سامة مثل ثاني اوكسيد الكاربون  (SO₂)، وأكاسيد النيتروجين (NOx)، والمركبات العضوية المتطايرة (VOCs)، تزيد من تلوث الهواء وتساهم في ظاهرة الاحتباس الحراري. ولا يقتصر تأثير هذا التلوث على البيئة المحلية بل يساهم أيضًا في تغييرات مناخية عالمية، وهو ما يفرض تحديات أكبر على العراق والمنطقة ككل.

 وقد وقُع العراق على اتفاقية باريس للمناخ التي تهدف إلى تقليل الانبعاثات الغازية المسببة للاحتباس الحراري. لكن على الرغم من هذه الالتزامات الدولية، فإن تحقيق الأهداف المرجوة يتطلب إعادة تأهيل المنشآت النفطية والصناعية بما يتوافق مع المعايير البيئية الحديثة، مثل تحديث وحدات إزالة الكبريت وتحسين أنظمة مراقبة الانبعاثات، وهو أمر لم يتحقق بعد بسبب القيود الاقتصادية والتحديات السياسية.

يوضح الخبير النفطي، محمد عجام أن "المصانع العراقية مصممة وفق نماذج تقليدية وبنية تحتية محدودة، ولم تعد قادرة على مواكبة المعايير البيئية الحديثة، لافتقارها لوحدات معالجة متقدمة كوحدات إزالة الكبريت أو معالجة مياه الصرف الصناعي أو أنظمة مراقبة وانبعاثات رقمية  ولا وحدات تكسير عميق  لخفض بقايا الوقود الثقيل. ويضيف أن "الوضع الحالي يتطلب تنفيذ مشاريع جديدة وتمويلا كبيرا لإعادة تأهيل وحدات معالجة المياه الصناعية وتحديثها باستخدام التكنولوجيا المتقدمة، إلى جانب تطبيق أنظمة رقابة عالية الجودة من خلال توفير معدات فحص وكشف متطورة داخل وحدات التصفية للتعامل مع الانبعاثات الكربونية والغازات المتسربة.

ورغم أن قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009  في العراق ينص بشكل صريح على ضرورة التزام المنشآت الصناعية، ومنها المصافي النفطية، بمعايير حماية البيئة ومعالجة النفايات والانبعاثات الضارة، إلا أن الواقع يُظهر غيابًا واضحًا لتطبيق هذه التشريعات، كما أن القانون يفرض عقوبات تصل إلى الحبس وغرامات مالية على الجهات المخالفة، خاصة في حال تسببها بتلويث الهواء أو المياه، إلا أن مصفى الدورة ما يزال يعمل في ظل غياب رقابة فعالة. 


يرى النائب شنكالي، أن فصل وزارة البيئة عن الصحة بموجب قرار عام 2015 ساهم بشكل كبير في تدهور الواقع البيئي خلال السنوات الماضية، فقد تم دمج الوزارتين ثم فُصلهما إدارياً فقطـ، دون تخصيص موازنات مستقلة لكل منهما أو هيكل تنظيمي واضح،  مما أسفر عن عدة مشاكل، منها  إضعاف تنفيذ القوانين البيئية، حيث ارتبطت مهام حماية البيئة بقسم داخل وزارة الصحة، مما صعب تطبيق القوانين البيئية (رقم 37 لسنة 2008 و 27 لسنة 2009). كما أدى وجود نقص في التمويل والتجهيزات لدى وزارة البيئة،  إلى تقليص قدراتها الفنية لبعث مثلا محطات لرصد الهواء. وهذا سمح باستمرار تراكم الانبعاثات الضارة دون معالجة فاعلة. لهذا، شدّد شنكالي على أهمية إقرار قانون بيئي جديد حتى وإن تم ذلك في الدورة البرلمانية المقبلة".

من جانبها، أفادت   وزارة البيئة بأنّ ثمّة "تراجعاً مقبولاً" في نسب تلوّث الهواء بالعاصمة بغداد مقارنة بما كان الأمر عليه في فترات سابقة، ولكن لا تزال أعلى من المعايير العالمية. وبما أن المؤشّرات تبقى متغيّرة وغير ثابتة، دعت إلى تنفيذ معالجات عاجلة لأزمة التلوّث في البلاد. كما أصدرت الحكومة العراقية في نهاية العام الماضي تعليمات لوزارة البيئة بضرورة وقف النشاطات الملوثة، مثل تغيير الوقود المستخدم في الأنشطة الصناعية واستخدام فلاتر للحدّ من الانبعاثات السامة، وذلك وفقا لقرارات مجلس الوزراء رقم 7 لسنة ٢٠٢٤ ورقم (٢٩) لسنة ٢٠٢٥، والتي تهدف إلى تحسين نوعية الهواء في بغداد ومكافحة التلوث البيئي .

وأمام تواصل الواقع البيئي والصحي المتدهور في محيط مصفى الدورة، يبقى المواطنون وحدهم في مواجهة تبعات الانبعاثات اليومية، وسط غياب واضح للإجراءات الفاعلة للحد من الضرر. ورغم القوانين واللوائح البيئية السارية في العراق، إلا أن ضعف تطبيقها، وتراكم الإهمال الإداري، يفاقمان من حجم الكارثة.

وفي إطار سعي معدات التحقيق للحصول على توضيحات رسمية، حاولنا التواصل مع المسؤولين عن إدارة مصفى الدورة، إلا أن محاولاتنا لم تسفر عن أجوبة واضحة. وقد أشار بعض العاملين إلى أن السبب يعود إلى التغير المستمر في إدارة المصفى، مما حال دون وجود شخص مخول يمكنه التصريح لوسائل الإعلام.


تم انتاج هذا المقال ضمن مشروع أصوات نساء بلا حدود العراق، مبادرة من منظمة المساعدات الإنسانية والصحافة (AHJ)وبدعم من وزارة اوروبا والشؤون الخارجية.جميع حقوق النشر محفوظة لمنظمة AHJ لا يجوز استخدام هذا المحتوى أو إعادة نشره دون إذن خطي مسبق من المنظمة.


 
 
 

المنطقة تنتظر معالجات جذرية توقف تلوث المياه والتربة والهواء وتعيد الحياة للحقول الزراعية وسط تأكيدات أن الإغلاق المؤقت لبعض منشآتها لا يمثل حلا.

تحقيق سعاد عبدالقادر  وإيناس حسن 


تتصاعد أبخرة وأدخنة المصانع من المنطقة الصناعية في كواشي (25 كم شمال مدينة دهوك)، مُشكلةً سحبا من الأدخنة الملوثة التي تمتد إلى قرى وتجمعات سكانية على بعد عدة كيلومترات، حاملةً انبعاثات خطرة، فيما تتسرب المخلفات السائلة للمصانع دون معالجة الى التربة وتختلط بالمياه الجوفية، مهددة مساحات شاسعة من الأراضي ومعها صحة الآلاف من سكان المنطقة ومحيطها. 



في قرية كواشي المحاذية للمنطقة الصناعية، تواجه سهام عمر، ربة بيت تبلغ من العمر 45 عاماً، وهي أم لخمسة أطفال، تحديات يومية بسبب تلوث الهواء، مثل باقي سكان القرية، فبعض أفراد أسرتها يعانون من مشكلات في الجهاز التنفسي بما فيها الربو واحتقان مزمن في الحنجرة . "الأطفال يعانون باستمرار من الأمراض.. أشعر بالعجز حيال ذلك"، تقول بكلمات متقطعة وهي تحتضن أصغرهم الذي أخذته نوبة سعال.


تحاول سهام توفير العلاج لعائلتها، لكن تكاليف الأدوية تثقل كاهلها في ظل محدودية دخل زوجها الذي يعمل صباغا، مما يزيد من ‏شعورها بالعجز. 


تسير سهام مع أطفالها يوميا إلى المدرسة التي تبعد 400 م عن المنطقة الصناعية التي تأسست منذ 20 عاما، وتلاحظ كيف أن أقرانهم يعانون من ذات الأعراض "لم يعد بإمكانهم اللعب كما كنا نفعل في الماضي"، تقول وهي تتذكر بحسرة كيف كانت حياتهم قبل أن يغيّر "التلوث" كل شيء. 

بعد عشرات الشكاوى وسنوات من محنة العيش في محيط من الملوثات نتيجة أنشطة ومخلفات مصافي نفطية بدائية، جاء قرار حكومي في مطلع العام 2025 بايقاف عمل المنشآت غير المرخصة، وهو ما "خفف من معدلات التلوث وانقذ السكان من أثر الروائح الكريهة، وشكل أملا باستعادة حياتهم المفقودة".

يقول (أ.م) أحد سكان كواشي، بنبرة قلقة: "نأمل أن يكون هذا التوقف نهائيا وأن لا تعود تلك المصافي إلى العمل مجددا، فقد توقفت في مرات سابقة لأسابيع وشهور ثم عادت بعد ذلك للعمل وتلويث حياتنا".

يوثق هذا التحقيق، كيف حوّلت المنطقة الصناعية بكواشي حياة السكان في محيط يمتد لأكثر من عشر كيلومترات إلى معاناة لاتنتهي بسبب تلويث الهواء بما يخلفه من أمراض خطرة، وتلويث التربة نتيجة مخلفات الأنشطة الصناعية التي دمرت الأراضي الزراعية وأثرت على الثروة الحيوانية، الى جانب التلوث السمعي والروائح الكريهة التي لا تنقطع عن المنطقة.


إغلاق 12 مصفى غير مرخص


في 14 كانون الثاني 2025، أصدرت إدارة محافظة دهوك قرارا بإغلاق 12 مصفى غير مرخص في المنطقة، كاستجابة لمطالب الأهالي ومنظمات مدنية، بعد تزايد الشكاوى ومع ارتفاع في معدلات بعض الأمراض بما فيها الإصابات السرطانية.

القرار انعكس ايجابيًا على هواء المنطقة، بحسب العديد من السكان المحليين، الذين لم يخفوا قلقهم من عودة عمل تلك المنشآت، خاصة أن أصحابها لم يقوموا بمعالجات تنهي طرح سمومها في الهواء والتربة، ولم يقوموا بتفكيكها أو حتى تغيير نشاطها، مشيرين الى ان الآثار البيئية فيما يتعلق بالتربة والمياه ورائحة المواد الكيميائية ما تزال موجودة.

منذ أن منحت مديرية التنمية الصناعية التصاريح لجعل منطقة كواشي منطقة صناعية في عام 2005، وخصصت لها البلدية مساحة 2200 دونم في قلب منطقة تعرف بأراضيها الزراعية الخصبة، حصل توسع سريع بعد سنوات بافتتاح العديد من المصانع وفي مختلف القطاعات، في وقت توسعت مدينة سميل المجاورة كما مدينة دهوك القريبة، وباتت روائح مخلفات المصانع تختلط بهواء بعض أحياء المدينتين.

ونتيجة غياب التخطيط الصناعي الفعّال والمتابعة من قبل الجهات المعنية، تم توطين صناعات متنوعة، بعضها معروفة بمخلفاتها الملوثة للبيئة، كالمصافي، الى جانب الصناعات الانشائية والأسمنت والحديد، فضلا عن الصناعات الغذائية، وهي مصانع تختلف من حيث نوعية العمل والإنتاج، والطاقة المستخدمة، وحجم الانبعاثات والنفايات التي تطرحها.

خلال عشر سنوات، حوّلت بعض المصانع التي حصلت على تراخيص العمل، نشاطها من إنتاج الإسفلت أو الصناعات الإنشائية إلى إنتاج الكازويل ومواد اخرى في مصافي بدائية قديمة التصميم وبشكل غير قانوني، ليصل عدد هذه المصافي الى ستة واربعين مصفى في غضون ثلاث سنوات، وفقا لمعلومات بلدية سميل. وقد أدى هذا التحول لإطلاق كميات كبيرة من السموم في البيئة، ولم يقتصر الأثر على كواشي فقط، بل امتد ليشمل العديد من القرى والمناطق المجاورة.

مالك أحد المصافي البدائية غير المرخصة التي تم اغلاقها، والذي شدد على عدم ذكر اسمه، قال انه قدم طلباً للحصول على ترخيص لإنشاء مصنع الأسفلت في بداية انشاء المنطقة، وحصل على الترخيص. وكما هو الحال مع مالكي المصافي الأخرى قام لاحقا بتحويل نشاطه إلى إنتاج الكازويل. 

ذلك التحايل على اصل الترخيص الممنوح، استمر لسنوات في ظل ضعف الرقابة، وكان الإنتاج من الكازويل رديء النوعية يجد طريقه للأسواق فيما مخلفات تلك المنشآت تدمر البيئة المحيطة.

شهدت سنوات العمل تلك، فترات توقف قصيرة، وقامت الحكومة المحلية بسحب التراخيص منهم وفرضت غرامات وعقوبات لأكثر من مرة، ووصل الأمر إلى توقيع تعهد بعدم مزاولة تلك الأعمال، دون ان يتوقف العمل فعليًا وبشكل نهائي، حتى قرار الإغلاق الأخير الذي صدر في منتصف كانون الثاني من العام 2025.


ارتفاع مستوى الإصابة بالسرطان 


في قرية باسطكي، المجاورة لكواشي، تعيش حليمة، 48 عامـا، ربة بيت وأم لثلاثة أطفال، أكبرهم في الخامسة ‏عشرة، عانت في العام 2024 من آلام في معدتها. في البداية اعتقدت ‏أنها نتيجة نظام غذائي غير صحي وضغوط الحياة اليومية.

مع مرور الوقت تفاقمت ‏الآلام، واضطرت معها الى زيارة العديد من الأطباء لتشخيص مشكلتها، وبعد أسابيع من خضوعها لفحوصات ‏شاملة وناظور للمعدة، أعلمها الطبيب بأنها ‏مصابة بورم سرطاني في المعدة.

"تجمدت لحظتها.. شعرت كأن الأرض انزلقت من تحت قدمي، وأني محاطة بظلام كثيف.. من يومها تغير كل شيء في حياتي" تقول حليمة التي بدأت رحلة علاج كيمياوي في مستشفى دهوك العام.

تؤكد السيدة، انها الوحيدة في عائلتها التي ‏تعاني من هذا المرض، وانه لا تاريخ وراثي له في عائلتها، وتضيف :"اصابتي لم تكن الأمر مجرد ‏حالة فردية استثنائية، فمع كل زيارة للطبيب، كنت أسمع المزيد عن انتشار السرطان بمعدلات متسارعة في المدينة".

وفقاً لناشطين مدنيين، تزامنت زيادة حالات الإصابة المسجلة بالأمراض التنفسية والجلدية والسرطانية في المنطقة، مع ارتفاع معدلات التلوث الناتج عن تزايد المنشآت في المنطقة الصناعية، مما أثار القلق بشأن صحة السكان وجودة حياتهم.

في وقت أظهرت احصاءات رسمية (وان لم تكن شاملة كون العديد من المرضى يطلبون العلاج في دول أخرى) زيادة في اعداد الاصابات السرطانية في دهوك، بعد العام 2014 وفي السنوات اللاحقة، عدا 2020 و2021 حين شهدت البلاد ازمة كورونا التي منعت الكثير من المرضى من مراجعة المستشفيات لتشخيص امراضهم خوفا من الفيروس. 


المصدر: الجهاز المركزي للإحصاء في العراق
المصدر: الجهاز المركزي للإحصاء في العراق

تظهر أرقام الجهاز المركزي للإحصاء في العراق خلال الفترة من 2013 الى 2024، ارتفاعا في دهوك لحالات الاصابة من 486 في عام 2013 إلى 1217 حالة نهاية عام 2024، وهي زيادة تزامنت مع ارتفاع مستويات التلوث البيئي الناتجة عن الانبعاثات الصناعية لنحو 50 مصفى معظمها بدائية ومخالفة للتعليمات والضوابط البيئية.


وأظهرت النتائج المستخلصة من تحقيق استقصائي للصحفي صلاح بابان، نشر على منصة "نيريج" عبر تحليل بيانات عينة من 50 مصاباً بالسرطان في إقليم كردستان أن 96% من هؤلاء الأفراد يعيشون بالقرب من حقول ومصافٍ نفطية. 


خارطة تظهر فيها قرية كواشي بجانب المنطقة الصناعية
خارطة تظهر فيها قرية كواشي بجانب المنطقة الصناعية

التركيب الصناعي لمنطقة كواشي


وفقا لاحصائيات بلدية سميل، فإن منطقة كواشي الصناعية تشمل ما يقارب الـ 200 مصنعاً تعمل في مجالات الصناعات الإنشائية التي توفر المواد اللازمة للبناء، والصناعات الغذائية والبلاستيكية والمعدنية والخشبية والكيميائية والورقية والنسيجية. كما تضم المنطقة الصناعات المتخصصة في تكرير النفط، والصناعات الكهربائية، وصناعات الدباغة، فضلا عن الصناعات شبه الفلزية التي تتعامل مع المعادن غير الحديدية.

يظهر هذا التوزيع لتوطين الصناعات في المنطقة، ضعف التخطيط الصناعي وعدم مراعاة الشروط البيئية اللازمة، فغالبا ما يتم إنشاء المصانع دون تقييم شامل للآثار البيئية المحتملة.

وتلزم القوانين والتشريعات البيئية مراعاة المسافة بين المناطق الصناعية والتجمعات السكنية. في هذا الصدد، يشير الدكتور إبراهيم خشمان، تدريسي في جامعة دهوك في مجال التنمية الصناعية، إلى أن مستويات التلوث الصناعي في المنطقة الصناعية بكواشي تتحدد وفق النظام التصنيفي الصادر في تعليمات المحددات البيئية لإنشاء المشاريع ومراقبة سلامة تنفيذها رقم 3 لسنة 2011 والتي حددت بموجبها المتطلبات البيئية لتحديد الصناعات موقعيا حسب درجة تلوثها.

ويضيف، كما أن كل صنف من الصناعات يخضع لمحددات موقعية وفقاً للتصنيف الصادر من دائرة صحة وتحسين البيئة التابعة لوزارة الصحة في الحكومة العراقية، والتي تُستخدم كمصدر رئيسي لتحديد درجات التلوث الصناعي التي يتم تقسيمها الى:


  1. الصنف (أ): الصناعات المسببة لدرجة كبيرة من التلوث.

  2. الصنف (ب): الصناعات المتوسطة التلوث.

  3. الصنف (ج): الصناعات قليلة التلوث.

ووفقا للشروط والضوابط البيئية التي تحدد التوطن الصناعي في العراق، تُحدّد المسافات المطلوبة بين أماكن وجود الصناعات وبين المناطق السكنيةـ حيث تتطلب الصناعات المدرجة ضمن الفئة (أ) ومن بينها المصافي ومكبات طمر النفايات، أن تكون على بعد لا يقل عن 15 كيلومترا من المناطق السكنية خارج حدود البلدية. أما بالنسبة للصناعات ضمن الفئة (ب)، فتتراوح المسافة المطلوبة ما بين 3 كيلومترات إلى 500 متر حسب نوع النشاط ودرجة الانبعاثات والتلوث. وبالنسبة للصناعات من الفئة (ج)، فإن المسافة تتحدد وفقا لنوع النشاط، وتتراوح بين 250 و500 متر.

وحسب" خشمان"،  تصنف الصناعات الإنشائية والنفطية ضمن الصنف (أ) ، حيث تضم منطقة كواشي 36 مصنعاً ضمن هذا الصنف، مثل وحدات صناعة الأسمنت والأسفلت. وتتضمن المنطقة أيضا 34 مصنعاً ضمن الفئة (ب) الملوثة. في حين أن غالبية المصانع تقع ضمن الفئة (ج) قليلة التلوث.


ومع توزع كل تلك المنشآت عالية التلوث، ونتيجة الأثر البيئي الكبير لها، يلاحظ في خارطة التوزيع الجغرافي، أن منطقة كواشي من أكثر المناطق الصناعية تلوثا في قضاء سميل، ويّشار إليها باللون الأحمر.


المصدر : رئاسة بلدية سميل
المصدر : رئاسة بلدية سميل

التلوث السمعي مشكلة أخرى


في المنطقة الصناعية في كواشي، لا تنقطع أصوات حركة الصهاريج والشاحنات التي تمر على مدار الساعة، فتُسبّب الازعاج المستمر للمتساكنين. وتتداخل أصواتها مع أصوات مولدات الكهرباء ما يجعل من الصعب التركيز أو الاسترخاء.

ويشكو العديد من السكان من ذلك، مشيرين الى انهم بسببها يواجهون اضطرابات في النوم، وضعفا في القدرة على التركيز.

هذا الضجيج لا يؤثر فقط على الصحة النفسية، بل يعيق أيضا الحياة الاجتماعية، حيث يجد الناس صعوبة في التفاعل مع بعضهم البعض أو الاستمتاع بلحظات هادئة في منازلهم. 

في قرية كواشي، يعيش "محمد يونس"، البالغ من العمر 38 عاما، مع عائلته في بيت صغير قريب من الشارع الرئيسي. يقول: " منذ سنوات، أصبحت أصوات الصهاريج وسيارات الشحن التي لا تهدأ ليل نهار، جزأً من روتين حياتنا اليومية.. ومع الوقت تحولت بالنسبة لي إلى كابوس تشعرني بإرهاق دائم". ويتابع وهو يبتسم: "أستيقظ كل صباح وكأن هنالك معركة في الجوار". 


صورة  توضح قرب المنطقة الصناعية  والمصافي من المناطق السكنية.
صورة  توضح قرب المنطقة الصناعية  والمصافي من المناطق السكنية.

تدمير التربة والثروة الحيوانية


تذكر الباحثة "زيان سليمان" تدريسية في جامعة دهوك، أن الوحدات الصناعية في منطقة كواشي تشترك في إطلاق العديد من الملوثات الخطرة على التربة والمياه، مثل المذيبات والأملاح والزيوت.

وتوضح :"تترك الصناعات الإنشائية ملوثات عديدة تشمل الـ(فلوريدات، فورمالديهايد، هكسان، فينول، وتولوين)، بالإضافة إلى المياه الملوثة بمخلفات الأسمنت بأنواعه، فيما تساهم التسربات والانسكابات الناتجة عن الصناعات النفطية في تفاقم الوضع، ومن هنا تتعرض التربة لمخاطر جسيمة".

وتضيف الباحثة أن النشاط الصناعي المتزايد يمارس دوراً كبيراً في زيادة المخلفات بأنواعها بما في ذلك الخطرة، مما يحمل تأثيرا جسيما على صحة الإنسان بشكل خاص، وعلى الهواء والتربة والنبات والحيوان بشكل عام، منبهة الى ان صناعة تكرير النفط والصناعات الكيميائية والمعدنية كلها تنتج مخلفات خطرة غالبا ما يتم التخلص منها بطمرها في باطن الأرض.

وتحذر سليمان:"تؤدي عملية الطمر تلك الى إلحاق ضرر كبير بالبيئة، حيث يتم ذلك دون معالجة فعّالة ميكانيكياً أو كيميائياً داخل المصنع".


خلصت دراسة للباحثين روناك عبد العزيز ومصطفى اسماعيل، من كلية الهندسة الزراعية في جامعة دهوك صدرت في العام 2022، إلى أن التسريبات الملوثة لمصافي النفط البدائية والمصانع قد وصلت إلى المياه الجوفية في بعض القرى الواقعة أسفل منطقة كواشي الصناعية.

تحتوي المياه العادمة لمصافي النفط البدائية أيضا على مجموعة واسعة من المركبات العضوية الأليفاتية، وهي مركبات عضوية بسيطة تتكون من سلاسل كربونية مستقيمة أو متفرعة توجد عادة في مشتقات النفط، الى جانب المركبات العطرية وهي مركبات كيميائية اكثر تعقيدا تحتوي على حلقات بنزين مثل البنزين والتولوين وتعتبر أكثر سمية وقد تكون مسرطنة.

وتؤدي المركبات التي تحتوي على سلاسل كربونية (الأليفاتية) إلى مشكلات في التنفس، وتسمم الكبد والكلى. أما المركبات العطرية فقد تسبب التسمم المزمن وتزيد من خطر الإصابة بالسرطان، خاصة سرطان الدم، كما قد تؤثر هذه المواد على الجهاز العصبي والدم، مما يجعل التعرض المستمر لها يشكل تهديدا للصحة العامة.




صور توضح الأثر البيئي الذي تخلفه مخلفات المصافي والمصانع على التربة في المنطقة
صور توضح الأثر البيئي الذي تخلفه مخلفات المصافي والمصانع على التربة في المنطقة

ويوضّح الباحث فرهاد علي هاشم في دراسة منشورة بمجلة جامعة زاخو تناولت تأثير التلوث والتسرب الناجم عن مصافي النفط في ‏منطقتي نزاركي وكواشي في دهوك، أن انسكاب النفط يؤدي إلى انخفاض درجة حموضة التربة، وزيادة نسبة ‏النيتروجين الكلي، ونسبة الكربون العضوي الكلي، بالإضافة إلى ارتفاع تركيزات الرصاص والحديد في ‏المنطقة الملوثة.

وتؤكد الدراسة على تزايد خطر المعادن الثقيلة مع مرور الوقت نتيجة انسكاب النفط الخام، خاصة عند ‏وقوعه بالقرب من الأراضي الزراعية.

أثر مصادر التلوث تلك، لا يتوقف على البشر والتربة وإنما يتعدى ذلك إلى الحيوانات أيضا وهذا ما يؤكده الباحث "عبدالعزيز اسماعيل"، مبينا في دراسة أكاديمية، ان الإنبعاثات والتسربات الخطرة التي لا تتم معالجتها سريعا وبشكل يومي وفق المتطلبات البيئية، تتسبب في تلوث بيئة رعي الأغنام.



ويقول ان مجاري رئيسية للمخلفات السائلة للمصانع تنشأ وتنحدر إلى "سهل سليفاني ومنطقة دوبان" الشهيرة بانتاج القمح ورعي الأغنام، وان تلك المخلفات تصل في النهاية إلى سد الموصل.

توثق الدراسة تأثيراً ملحوظاً على موطن ونشاط 15,000 رأس من الأغنام، إذ أن ندرة الموارد المائية في هذه السهول، خاصة في فصل الصيف، تُجبر الأغنام على شرب هذه الملوثات الخطرة، مما ينقلها عبر سلسلة الغذاء إلى الإنسان. 

وبحسب الباحث، فان الدراسة حققت في العديد من الحالات الصحية المباشرة، كتعرض الأغنام للإغماء بسبب التأثيرات السلبية للملوثات الثقيلة، ونفوق عدد كبير منها.

تؤثر الملوثات أيضاً على معدل تكاثر الأغنام، حيث تحدث حالات إجهاض تصل الى 100 حالة سنويا خلال فترة الحمل، الى جانب تعرض الأغنام لأمراض مختلفة كالصرع والتهاب العيون وتدهور الرؤية، مشيرا الى تشخيص اصابة نحو 50 رأس من الغنم في قرية واحدة بإلتهابات في العيون.


مركز فرز النفايات يُفاقم الوضع 


كل يوم يبدأ (س.ع) (34 عاما) صباحه على صخب الآلات ومزيج روائح أكوام النفايات والمواد الكيميائية، فهو يعمل لساعات في معمل لفرز النفايات بالقرب من كواشي، ويفرض عليه عمله التعامل المباشر مع مختلف أنواع النفايات.

هو أحد سكنة القرية، ورغم صعوبة الوضع هناك وتهديد الملوثات، لكنه مضطر للاستمرار في عمله وفي السكن قرب مصادر الخطر تلك، يقول: "الانتقال الى مكان آخر وعمل آخر، صعب جدا... لا أحد يريد شراء بيتي، ثم أين سأجد مكاناً يضم عائلتي وبسعر رخيص؟".

في معمل فرز النفايات، تتم معالجة ما بين 300 إلى 500 طن من النفايات المنزلية والصناعية يومياً. وتحدث هذه العمليات تلوثا في المياه والتربة نتيجة صرف المخلفات المتبقية الى الأرض، علاوة على إطلاق غازات دفيئة مثل الميثان وكبريتيد الهيدروجين.

تم إنشاء ثلاث قنوات لصرف مخلفات هذه النفايات الصناعية، واحدة تتجه نحو الطريق الدولي الرابط بين زاخو وتركيا، واثنتان تشكلان قنطرة رئيسية تصل إلى مياه سد الموصل، الذي يبعد 25 كيلومترا.

تأثرت عشرات القرى بهذه النفايات، بما في ذلك ( كواشي، مقبلة، مارينا، باتيل، باستكى، كيرراش، كردير، ملا حسن، ميسيريك، سايدزار، وقرية كريكاور) التي تقع على جانبي هذه القناة، وتغطي منطقة الرعي الرئيسية. يعتمد معظم السكان في هذه القرى على تربية الأغنام ورعيها مما يزيد من المخاوف بشأن تأثيرها على الصحة.

ووفقا لمصدر حكومي طلب عدم كشف اسمه، تقدم أهالي قرية مارينا، التي تبعد 7 كيلومترات عن المنطقة الصناعية، بشكوى إلى الجهات المعنية بسبب تلوث المياه الجوفية في قريتهم. بناء على ذلك، تم تشكيل لجنة مختصة أظهرت متابعتها أن الملوثات الناتجة عن مكب فرز النفايات تتجه عبر مسار معين نحو أراضي القرية.

لمعالجة المشكلة، تولت شركة أجنبية، حفر بئر لطمر المخلفات ومنع وصولها إلى القرية، كحل مؤقت ومن دون علم الجهات الحكومية. ومع ذلك، تفاقم الوضع بسبب تشكل مياه راكدة واختلاط ملوثاتها بالمياه الجوفية. لاحقا، تم تحويل هذه المياه من راكدة إلى جارية لتخفيف حدة المشكلة. 


صورة لمعمل فرز النفايات في منطقة كواشي الصناعية 
صورة لمعمل فرز النفايات في منطقة كواشي الصناعية 


الخسائر الاقتصادية


يؤثر التلوث الناجم عن المناطق الصناعية بشكل كبير على قيمة العقارات في المناطق المحيطة، سواء كانت مباني سكنية أو أراضي زراعية، حيث ينخفض الطلب على العقارات في تلك المنطقة نتيجة المخاوف من التلوث الناتج عن هذه الصناعات، سواء كان ذلك من انبعاثات الغازات الضارة أو المواد الكيميائية، وفقا لفهمي كيكاني، صاحب مكتب لبيع وشراء العقارات. 

يقول "كيكاني" ان القيمة السوقية للعقار تنخفض هنا، والمساكن عموماً تُباع بأقل من نصف قيمتها الأصلية، فالمنزل الذي يُقيّم ب 60 ألف دولار، لا يباع إلا بنصف هذا المبلغ، كذلك الحال بالنسبة للأراضي الزراعية المجاورة للمناطق الصناعية، والتي يكون الاستثمار فيها ضعيفا جدا خاصة مع وجود تحذيرات حول سلامة تربتها، وهو ما يشكل خسارة مالية كبيرة.

وفق ذلك، وعلى الرغم من المخاطر، تضطر الكثير من العوائل على البقاء في كواشي لعدم قدرتها على بيع  بيوتها والانتقال إلى مكان آخر.


منظمات مجتمع مدني على الخط


وفقا لاحصائيات دائرة المنظمات يضم إقليم كردستان أكثر من 400 منظمة معنية بالشأن البيئي، تعمل جميعها تحت شعار حماية البيئة. ورغم هذا العدد الكبير، يبقى الحراك المجتمعي عموماً غائباً عن جهود التصدي للتدهور البيئي.

يقول هكار ريكانى، المؤسس والمدير لمنظمة (YAKDAR) لحماية البيئة في دهوك، إن "المواطنين يعانون بشكل حقيقي من الآثار الصحية والبيئية التي تسببها بعض المنشآت الصناعية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار ما يحدث أمراً طبيعياً".

وأشار ريكانى إلى أن "الصمت المحيط بهذه القضية يعود إلى أن الناس يصمتون عن المشكلة، والسلطات لا تبادر بأخذ أية خطوات فعلية لإغلاق تلك المصانع والمصافي الملوثة بشكل تام"، معربا عن اعتقاده بأن بعض شخصيات المجتمع المحلي يمتلكون حصصا في تلك المصانع، بينما تستفيد السلطات من الضرائب المفروضة عليها "ما يخلق شبكة مصالح تُبقي الوضع كما هو عليه".

وتطرق ريكاني إلى الصعوبات التي تواجهها المنظمة في جمع البيانات البيئية الدقيقة، موضحا أنه "لا توجد حتى الآن دراسات علمية متخصصة كافية حول منطقة كواشي، لكن من خلال ازدياد حالات الإصابة ببعض الأمراض كالسرطان، بحسب شهادات أقارب الضحايا، نستطيع أن نستدل على مدى التأثير السلبي لهذه المصانع على صحة السكان".

يسترسل ريكاني: "تلقيت شخصياً العديد من الشكاوى من سكان المناطق المحيطة بكواشي، سواء عبر المنصات الإلكترونية أو خلال الفعاليات التي أقمناها، غالبية الشكاوى تدور حول الروائح الكريهة المنبعثة من المصانع، خاصة خلال ساعات الليل حيث تعمل المصانع بوتيرة اعلى وتزداد حدة الروائح".

ويؤكد أن أصحاب تلك المصانع على "علم تام بحجم الضرر الذي تسببه بعض نشاطاتهم الصناعية سواء على العاملين أو على السكان المحيطين، ومع ذلك لا يتخذون أية إجراءات للحماية".

في اطار عملها، قامت منظمة YAKDAR بعدة مبادرات للحد من تأثير التلوث، شملت زراعة الأشجار في المناطق المجاورة لكواشي، وحملات توعية لحث المواطنين على الابتعاد عن المناطق الملوثة، وهي تخطط، بحسب مسؤوليها، وبالتواصل مع الجهات الحكومية، لإدامة الضغط من أجل استمرار إغلاق تلك المصانع، وايجاد حلول مشتركة لتخفيف باقي مصادر التلوث.

يرى الناشط البيئي دلشاد محمد (35 عاما) ان الوعي البيئي مهم جدا للحفاظ على بيئة نظيفة لكن ذلك وحده غير كافي، مضيفا: "في السنوات الأخيرة بدأ الكثير من الأهالي بإدراك المخاطر البيئية نتيجة تزايد الاصابات السرطانية، لكن لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به لتحويل الوعي الى جهود مثمرة لمحاربة مصادر التلوث".

يؤكد بدوره الناشط البيئي "بختيار زيباري" ذلك، ويقول انه وزملاءه بذلوا جهدا كبيرا للتوعية بمخاطر التلوث، بما فيه انتاج فيديوهات وتقديم ورشات توعوية للعاملين في المصانع والمصافي لتثقيفهم بكيفية حماية أنفسهم من التلوث في بيئة عمل خطرة.


عقدة تنفيذ القرارات


باشرت مديرية البيئة في دهوك أعمالها كجهة رقابية تهدف إلى حماية البيئة والحفاظ على الموارد الطبيعية في العام 2011، بالتزامن مع تزايد التحديات البيئية نتيجة ارتفاع حجم النشاطات الصناعية ومع التوسع العمراني.

يقول دلشاد عبدالرحمن، مدير البيئة في محافظة دهوك، انهم يدركون حجم المخاطر البيئية المتراكمة وما تسببه المصانع ومصافي النفط غير المرخصة من تلوث، مبينا أن المديرية "تراقب بشكل دائم عمل هذه المصانع وتوجه إنذارات للمخالفين تتبعها غرامات مالية قد تصل إلى عشرة ملايين دينار".

لكن ذلك وحده غير كافي، خاصة ان المديرية جهة رقابية لا تملك صلاحية إغلاق أي مصنع، حيث أن هذه الصلاحيات تعود للجهات التنفيذية في المحافظة.

يضيف دلشاد:

منذ سنوات ونحن نطالب الحكومة المحلية بالتدخل وإغلاق هذه المصافي، خاصة وأنها غير مجازة رسمياً من مديرية البيئة، فقد أقيمت حين لم تكن مديرية البيئة موجودة، واستمرت في عملها من خلال التحايل على القانون.

ويوضح:"حصلت هذه المصافي على إجازة من دائرة التنمية الصناعية لتباشر أعمالها كمصانع للأسفلت، إلا أنها حولت نشاطها فيما بعد إلى تكرير النفط، واستمرت في العمل هكذا لسنوات عديدة قبل ان يأتي القرار الأخير باغلاقها".

يرى محمد طاهر بريفكاني، المدير السابق لمديرية البيئة في دهوك، ان التلوث في المنطقة بدأ فعلياً منذ إنشاء المنطقة الصناعية في كواشي، وتحديداً بعد ظهور مصافٍ غير قانونية بُنيت على أراضٍ غير مخصصة لهذا الغرض، ما أدى إلى تلوث الهواء والماء والتربة بشكل خطير.

ويوضح :"تلك الأراضي كانت مخصصة لمعامل انتاج الاسفلت أو البلوك، ولم تكن مسجلة لدى الدوائر الرسمية كمصافي، فعملت خارج الأطر القانونية وتسببت في انبعاث الغازات السامة وتسرب المخلفات إلى المياه الجوفية".

ويذكر بريفكاني أن دائرته كانت قد فرضت غرامات وصلت إلى 8 ملايين دينار عراقي على بعض المصافي، استنادًا إلى قانون حماية وتحسين البيئة لعام 2008، الذي ينص على فرض غرامات مالية على الأفراد أو المؤسسات التي تسبب تلوثًا للبيئة أو تتسبب في الإضرار بالتوازن الطبيعي.

وذات القانون يسمح بـ إغلاق المنشآت التي تساهم في التلوث البيئي أو التي لا تلتزم بالمعايير البيئية، مع تحميل الملوثين مسؤولية إزالة التلوث الناتج عن أنشطتهم. لكن تطبيق القانون كما يقول "كان صعباً بسبب ارتباط بعض أصحاب المصافي بجهات سياسية نافذة، مما حال دون اتخاذ خطوات حازمة".

ويحذر المدير السابق لبيئة دهوك، من استمرار اهمال الملف البيئي: "لا تزال البيئة تُعامل كأولوية ثانوية في العراق رغم الدلائل الرسمية على ارتفاع معدلات الإصابة بأمراض خطيرة في المناطق القريبة من مصادر التلوث".

ويذكر بريفكاني بأن إقليم كردستان ملزم باتفاقية باريس للمناخ التي صادق عليها العراق في نوفمبر 2021 والتي تفرض على الأطراف الموقعة عليها وضع سياسات وإجراءات ملموسة للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة ومن التلوث بجميع أشكاله.


هل ستبقى مغلقة؟


نسخة من الكتاب الخاص بعملية إغلاق المصافي غير المرخصة
نسخة من الكتاب الخاص بعملية إغلاق المصافي غير المرخصة

من مجموع 13 مصفى، في المنطقة الصناعية بكواشي، تم خلال النصف الأول من العام 2025 اغلاق 12 منها كونها غير مرخصة، وبقي مصفى واحد يعمل، حسب تصريحات مديرية البيئة في دهوك، كونه مرخصا ويعمل بتكنولوجيا نظيفة وملتزم بالمعايير البيئية والقانونية.

على الرغم من ذلك، تساور الشكوك الكثير من الناشطين البيئيين والأهالي بشأن امكانية الاستمرار بتطبيق الإجراءات والالتزام بالاغلاق الحاصل. يعلق الناشط البيئي، بختيار زيباري :"هذه الإجراءات غالبا ما تكون مؤقتة"، مذكرا باغلاقات سابقة ولمرات عديدة، لم تصمد طويلا وعادت للعمل بعد فترة.

زيباري يؤكد ان إغلاق المنشآت الصناعية غير المرخصة خاصة الملوثة للبيئة يجب أن يكون مسؤولية اجتماعية يتصدى لها الجميع "وجزءاً من استراتيجية حكومية شاملة للتخفيف من الأضرار البيئية، وليس مجرد إجراء عابر"، داعيا الحكومة الى الاستثمار في بدائل أنظف وأكثر استدامة "كي لا يصبح التلوث مهددا لحياة الجميع".


تم انتاج هذا المقال ضمن مشروع أصوات نساء بلا حدود العراق، مبادرة من منظمة المساعدات الإنسانية والصحافة (AHJ)وبدعم من وزارة اوروبا والشؤون الخارجية.جميع حقوق النشر محفوظة لمنظمة AHJ لا يجوز استخدام هذا المحتوى أو إعادة نشره دون إذن خطي مسبق من المنظمة.

 
 
 

Thanks for submitting!

Follow Us !

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter

Thanks for submitting!

فتيات ضحايا لهيمنة العادات بمستقبل مجهول.png
bottom of page