top of page

لاجئات قادمات من بلدان القرن الأفريقي: بين الهروب من آثار التغيرات المناخية ومواجهة النقص في الخدمات في مخيم الخرز بلحج

ree

على بعد 130 كم شمال غرب محافظة عدن عاصمة جنوب اليمن وتحديدا في مخيم خرز للاجئين في لحج، التقينا سعاد، سيدة أثيوبية في أواخر الأربعينيات، ترتدي ثيابها التقليدية القطنية ذات الألوان الزاهية وتتكلم لغتها الأصلية بالإضافة إلى اللغة العربية المكسرة قليلا.


بدأت قصتها مع الهجرة واللجوء في نهاية 1996 قادمة من إثيوبيا على متن قارب صغير. وبعد رحلة طويلة قادتها الى الصومال أولا ثم اليمن مخيم البساتين/ عدن لتستقر أخيرا في مخيم خرز / لحج. 

عند سؤالها عن حرارة الجو في المخيم، قالت "أنا معتادة على الحر منذ الصغر، حيث أن الحرارة في موطني أكثر بكثير من المخيم." وأضافت " لا زلت إلى الآن أتذكر الحرب والجوع ونقص الغذاء، تلك الأسباب التي كانت ولا زالت محفزا رئيسيا لأكثرية النساء للنزوح من إفريقيا، وعلى وجه التحديد أثيوبيا والصومال". ويعتبر هذان البلدان من أكثر دول القرن الإفريقي مساحة وسكانا.  وقد شهدت هذه المنطقة خلال السنوات الأخيرة موجة جفاف حادة نتيجة للتغيرات المناخية، زادت من آثارها الكارثية الأزمات السياسية والاقتصادية العميقة التي تعاني منها، مما يعوق قدرتها على الاستجابة للتحديات التي تفرضها التغيرات المناخية الحادة. 


اليمن بلد النزوح الأول للقادمين من أثيوبيا والصومال


رغم أن مساهمة القارة السمراء في كمية الانبعاثات المسببة للاحترار البيئي لا تتجاوز 4% من الإجمالي العالمي، فإنها تُصنّف ضمن الأكثر تضررا من تبعات تغير المناخ. وتجدر الإشارة إلى أن تغير المناخ في إفريقيا دفع بحوالي 8 ملايين شخص نحو النزوح الداخلي والهجرة، ففي عام 2024 سُجّلت 7.8 مليون حالة نزوح بسبب الكوارث في إفريقيا بزيادة بمقدار 1.8 مليون مقارنة بحالات النزوح في سنة 2023، حيث بلغت 6 مليون حالة حسب إحصائيات الأمم المتحدة. ومن عام 2008 الى عام 2022، زاد عدد النازحين بسبب تغير المناخ بنسبة 41% عن الفترة السابقة. وتقدر الأمم المتحدة أن 80% من النازحين بسبب تغير المناخ هم من النساء. 


شهدت اليمن خلال الربع الأول من 2023، زيادة ملحوظة في أعداد المهاجرين القادمين من منطقة القرن الإفريقي نتيجة لتداخل حالات عدم الاستقرار الداخلي في المنطقة مع الظروف المناخية القاسية. وارتفع إجمالي عدد المهاجرين إلى 41,453 مهاجر، إذ بلغت نسبة المهاجرين الأثيوبيين 78 % مقابل 22 % من الصومال. وكشف تقرير منظمة الهجرة الدولية عبر مصفوفة تتبع النزوح DTM عن ارتفاع عدد المهاجرين الأفارقة إلى اليمن خلال العام 2023، حيث وصل إلى أكثر من 97 ألف مهاجر أفريقي خلال العام نفسه. 

وفي أغسطس2024، وقد تتبعت مصفوفة تتبع النزوح في اليمن التابعة لمنظمة الهجرة الدولية 1,631 مهاجرا دخلوا اليمن، وسجّلت زيادة قدرها 21 % عن العدد الإجمالي الُمبلغ عنه في الشهر السابق (يوليو) والذي وصل إلى 1,345 مهاجرا. وعادًة ما تكون لحج بمثابة نقطة دخول للمهاجرين القادمين عبر جيبوتي، في حين تعد شبوة بمثابة نقطة دخول للمهاجرين القادمين عبر الصومال.

ويعتبر اليمن وجهة رئيسية للاجئين من القرن الإفريقي بسبب قربه الجغرافي وتوفر طرق هجرة بحرية مثل خليج عدن. ويأتي معظم المهاجرين من الصومال و إثيوبيا، حيث يصلون إلى مناطق مثل عدن و مخيم خرز في لحج بحثًا عن الاستقرار بعيدا عن الحرب والجوع ونقص الغذاء. 


من جهة أخرى، فإن اليمن هي الدولة الوحيدة في منطقة شبه الجزيرة العربية التي وقعت على اتفاقية عام 1951 و الخاصة بوضع اللاجئ وبروتوكول عام 1967 التابع لها. وقد عبرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في كثير من المناسبات عن شكرها للحكومة اليمنية على حسن استقبال وإيواء اللاجئين، وفي ذات الوقت دعت المجتمع الإقليمي والدولي إلى الوقوف إلى جانبها من أجل مساعدتها على تنفيذ التزاماتها الدولية.


"تقدر الأمم المتحدة أن 80% من النازحين بسبب تغير المناخ هم من النساء."



نقص الخدمات في مخيم الخزر يُعقّد أوضاع اللاجئات


يُعدُّ مخيم الخرز من أكبر مخيمات اللاجئين في اليمن. تم إنشاؤه عام 1998، حيث تولت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تسيير أموره بشكل رئيسي إلى وقت قريب، ثم سلمته إلى جمعية "الوصول الإنساني" في بداية 2025. وحسب الأستاذ عبدالله الوحيشي، المسؤول الأول في مخيم الخرز حاليا، فإنه بهذا التسليم، تكون المفوضية العليا قد تخلصت من عبء كبير. 

ويبلغ عدد الذكور في المخيم 5334 لاجئ، أما الإناث فيصل عددهن إلى 5627 امرأة. ويعاني المخيم من مشاكل عدة مثل انقطاع الكهرباء ونقص المياه وقلة الخدمات الصحية وتفشي الأمراض، وصعوبة الوصول إلى فرص العمل، إضافة إلى نقص الدعم من المنظمات العالمية المشغلة له منذ تأسيسه.  

وحسب الوحيشي، فإن المتضرر الأول من هذه الظروف الصعبة هم النساء والأطفال، حيث يتكوّن المخيم من وحدات سكنية في شكل بلوكات اسمنتية متقاربة مسقوفة بقطع خشبية بدون أي اعتبارات للخصوصية ومتناثرة على طول مساحة كبيرة ومترامية الأطراف تتخللها خيام قماشية وبناءات من صفيح الزنك مع شبكة صرف صحي عشوائية.


تقول سعاد: "الفرار من الجوع والجفاف والتصحر الذي ضرب أكثر قرى بلادي هو ما دفعني إلى النزوح وزاد على ذلك اشتعال الحرب الأهلية وتزايد القتال على نقاط الماء والغذاء. وأصبح اللجوء أحد الخيارات الحتمية للبقاء على قيد الحياة لي ولكل المقربين لي آنذاك." وتضيف "واجهت وعائلتي نقصا في مياه الشرب أكثر من مرة طول فترة حياتي واضطررت لجلبه من نقاط عامة وأحيانا من مناطق بعيدة". ولازالت إلى الآن تعيش نفس المعاناة، حيث أن مشروع المياه في مخيم خرز لا يخدم بالشكل الكافي جميع اللاجئين، كما أن المنطقة بأكملها تفتقر لمشروع مياه حكومي يستجيب لحاجيات جميع السكان.


وتواجه اللاجئات في المخيم العديد من التحديات الأخرى، وأبرزها العنف والفقر وقلة فرص العمل، حيث حدّثتنا سعاد عن سوء معاملة زوجها لفظيا وجسديا لها وتهديدها بالطلاق وتركها وأولادها لأنه عاطل عن العمل ويمر بضغوطات نفسية حاله كحال أغلب اللاجئين الرجال. بدورها، أخبرتنا صديقة سعاد أن الكثير من الأسر في المخيم دفعت بأطفالها إلى التسول، كما أن بعض النساء يذهبن قسرا للعمل كعاملات منزليات في البيوت نتيجة الفقر وسوء الحالة المعيشية وارتفاع الأسعار، إضافة إلى نقص الدعم من المنظمات والجهات المانحة.

في هذا الصدد، تقول الأستاذة ندى السيد حسن وهي أستاذة العلوم البيئية بكلية العلوم جامعة عدن أن " التصحّر الذي حصل للأراضي الزراعية في بلدان القرن الإفريقي وتفشي الأمراض بسبب التغيرات المناخية، بالإضافة إلى الصراعات والحروب، أثّر على وضعية اللاجئات من خلال إجبارهن على الهجرة وما يعنيه ذلك من انتشار العنف والاعتداءات عليهن خلال الرحلة أولا ثم عند الوصول إلى البلد المضيف، ليصبح من الصعب عليهن أن يشعرن بنوع من الاستقرار".


مخاطر رحلات الهجرة وأثرها على النساء


يواجه اللاجئون القادمون من القرن الإفريقي خصوصا النساء تحديات جسيمة قد تصل إلى فقدان حياتهن، فالكثير منهن يحاولن الهجرة عبر البحر الأحمر وخليج عدن وأخريات يصلن عبر البحر العربي، حيث يتعرضن لحوادث غرق بسبب القوارب المتهالكة، أو لمخاطر الموت في الطريق أثناء محاولة الوصول إلى شمال اليمن أو السعودية. وقد تم تسجيل العديد من حالات الوفاة أو الفقدان بسبب هجمات المهربين. ففي أغسطس 2024 ، انقلب قارب يقل 25 مهاجرا إثيوبيا ويمنيين قبالة سواحل محافظة تعز، مما أسفر عن وفاة 13 شخص وفقدان    14 آخرين. وهناك العديد من هذه الحوادث التي توثق حجم معاناة المهاجرين غير الشرعيين، ناهيك عن نصيب النساء فيها.


تنظر سعاد لطفلها متنهدة وتقول: " لولا الظروف المناخية ونقص الماء والغذاء ونشوب الحرب، لما اضطررت إلى تحمل مشاق رحلة الهجرة إلى الصومال أولا ومن ثم التوجه بقارب مزدحم بالرجال والنساء إلى اليمن في رحلة هجرة غير شرعية عبر البحر ليلا".  وتواصل وهي تستذكر صعوبة الرحلة " بعض النساء يمتن وأخريات يتعرضن للعنف والاغتصاب، إضافة إلى الجوع والعطش والمرض"، مضيفة " لا زلت إلى اليوم أسمع قصص الوافدات الجدد، فمنهن من تعرضن للإجهاض وأخريات واجهن الابتزاز المالي أو التحرش الجنسي من قبل المهربين، إلى جانب مخاطر الاحتجاز في الدول التي يعبرن من خلالها، مثل جيبوتي والصومال، حيث يتم استغلالهن من قبل عصابات الاتجار بالبشر، ويُجبر البعض منهن على العمل القسري، بينما يتم احتجاز أخريات للمطالبة بفدية من عائلاتهن". 

ورغم كل ما واجهته من صعوبات للوصول، فإنها غير نادمة لأنها قامت بالرحلة. وهي لا تُنكر أنها تُواجه ظروفا صعبة في المخيم، خاصة أمام نقص الاحتياجات الأساسية، إلا أن كل ذلك لا يساوي حجم المأساة التي كانت تعيشها في قريتها في إثيوبيا. فهناك، كان عليها أن تتحمل رحلة البحث عن الحطب والماء في أرض جرداء قاحلة وسط واقع الحرب والجماعات الإرهابية.

"سعاد" هي أحد نماذج المرأة الإفريقية التي شردتها الحرب الأهلية المنجرّة عن تغير المناخ لتجعلها تواجه مصيرًا بائسا تتقاسمه مع آلاف النساء في مخيمات اللجوء. لذلك، فإن الاستمرار في تجاهل الترابط الخفي بين التغيرات المناخية والصراعات وما ينجر عنها من هجرات لن يترك فقط دولًا محطمة، بل سيُدمّر حياة أشخاص مثل سعاد، التي لم تطلب أكثر من أن تعيش بكرامة مع أبسط مقومات الحياة في مخيمات اللجوء. ولكنها قوبلت بنقص الدعم من الجهات الرسمية من حكومة ومنظمات دولية وتقليص للمساعدات الإنسانية ونقص في توفير الحماية المجتمعية والقانونية.



"لولا الظروف المناخية ونقص الماء والغذاء ونشوب الحرب، لما اضطررت إلى تحمل مشاق رحلة الهجرة عبر البحر ليلاً."



لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)

تعليقات


Thanks for submitting!

Follow Us !

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter

Thanks for submitting!

فتيات ضحايا لهيمنة العادات بمستقبل مجهول.png
bottom of page