"وجه جديد مقابل صوتك" : بطاقات انتخابية تُباع في مراكز التجميل
- روان سالم

- 18 سبتمبر
- 4 دقيقة قراءة

"لطالما أخبرني زوجي بأنني لم اعد جميلة كالسابق وإنني لن أعود لشكلي القديم يوما، زوجي الذي يعمل حمالا في الشورجة أحد الأسواق الكبيرة في بغداد كان سببا في تحطيم ما تبقى من تصالحي مع نفسي"
تتحسر أم أحمد البالغة من العمر 35 سنة والتي تسكن في منطقة الفضل ببغداد مع زوجها وخمسة أطفال، مضيفة " لكن جارتي أخبرتني أن هناك مراكز تجميل تُجري عمليات تجميلية بشكل مجاني مقابل بطاقات انتخابية، لم أفهم حينها المقصود لكنني ذهبت للمركز في منطقة "زيونة" في بغداد وتحدثت إلى موظفة الإستقبال التي أخبرتني أنني لو جمعت لها 40 بطاقة انتخابية سيُجرون لي عملية نحت بشكل مجاني. لطالما رغبت بتغيير شكل جسدي الذي ترهل بسبب الولادات المتكررة لكنني لم أستطع جمع العدد المطلوب من البطاقات وانتهى الحلم".
أم أحمد ليست الحالة الأولى التي تم إغراؤها بعمليات التجميل المجانية مقابل جمع البطاقات الإنتخابية، فالواضح أن هذا الأسلوب تم اعتماده من قبل مرشحين عدة بالإتفاق مع عدة مراكز في بغداد. وقد تم بالفعل نشر تسريب صوتي على مواقع التواصل الاجتماعي في يوليو الماضي لصاحبة مركز تطلب من النساء جمع البطاقات الانتخابية مقابل إجراءات تجميلية مجانا.
تنوعت أساليب جمع الأصوات خلال جميع الانتخابات التي حدثت في العراق من 2003 ولحد الآن مثل الوعود بتوزيع قطع أراضي, استحصال درجات وظيفية للناخبين شراء الذمم بمقابل مالي , الإقناع من خلال العزائم والموائد الكبيرة, استغلال النفس الطائفي ، وهاهي اليوم آخر الصيحات في هذا المجال، وهي استغلال رغبة النساء الفقيرات، خاصة في المناطق النائية، في الاستجابة لمعايير جمال فرضت عليهن من قبل المجتمع.
استغلال حاجيات النساء
تروي أم نادية حكاية ابنتها بأسف: "ابنتي نادية البالغة من العمر 18 عامًا عانت كل فترة مراهقتها من السمنة وتعرضت لشتى أنواع التنمر حتى قررت أن تواجه هذه المشكلة وخسرت 35 كيلو في وقت قصير، إلا أن هذه الخسارة في الوزن عرضتها لضمور في عضلات الوجه، لذلك نصحنا الأطباء بإجراء تجميلي لها وهو حقن الفلر، لكن زوجي بالكاد يكسب ما يكفي لسد الرمق فهو يعمل بقالا وعائلتنا مكونة من أربعة أطفال وأنا ربة منزل". رفضت نادية أن تسجل أوراقها الأولية للإلتحاق بالجامعة قبل أن تحل مشكلتها، فلن تذهب إلى هناك "بوجه متهدل" كما تقول، مما أجبر والدتها على أخذها لمركز تجميل معروف في منطقة الدورة ببغداد يدعي أنه يقدم خدمات مجانية للعوائل المتعففة والتي هي بحاجة فعلية للإجراء التجميلي. إلا أن أم نادية صُدمت حين سألتها موظفة الإستقبال عن بطاقتها الانتخابية ورقم هاتفها كمقابل للإجراء التجميلي. " أجبتها بحسن نية أنني لا أملك بطاقة مُحدّثة، فقالت لي مستنكرة: "لماذا أتيت إذا؟ خرجت من المركز أجر ابنتي خلفي وهي تتحسر على حلمها الذي لن يتحقق بالحصول على وجه جميل".
ترى الناشطة النسوية، بنين الياس أن النساء لا يملكن ثقافة انتخابية وأن عمليات التجميل أصبحت سلعة رائجة وموضة بالعراق، بالإضافة إلى أن
" الإعلام السياسي قدم لنا الوجوه المنفوخة كنماذج للجمال، بل حتى إعلام الدولة الرسمي يُفضّل هذه الوجوه ويعتبرها شكلا عصريا. كما أن الأحزاب تفهم تطلعات النساء وتحاول استغلال ذلك".
وتؤكد أن خمس بطاقات كافية للحصول على الوجه الموعود، كما أن بعضهن قد يلجأن إلى سرقة بطاقات العائلة للوصول للعدد المطلوب من المركز .
من ناحية أخرى، فإن المرشحات يستخدمن أساليب ترويج تافهة لاستقطاب النساء، خاصة في المناطق الشعبية.
هكذا تُصبح العملية الإنتخابية رهينة تلاعبات الأحزاب وعمليات بيع وشراء الأصوات الانتخابية واستغلال حاجات النساء، خاصة من الطبقات الفقيرة. وكل ذلك يُهدد العملية الديمقراطية برمتها.
المفوضية تنفي إمكانية التلاعب بالأصوات
رغم التوجه إلى شراء البطاقات وأصوات الناخبين، إلا أنها "آلية معدومة الجدوى"، حسب مراقب الانتخابات، الدكتور عمر الحياني، الذي يُفسّر أنه " دون وجود الناخب لا يمكن استخدامها من قبل أي طرف آخر غير صاحب البطاقة".
ويُبيّن أن عملية شراء الأصوات، تتم بأوجه عدة منها: استبدال البطاقات الإنتخابية بإجراءات تجميلية أو مقابل مادي. يتم بعد ذلك أخذ البطاقة ورقم هاتف حاملها والتواصل معه يوم الإنتخابات وانتظاره أمام المركز الانتخابي وتسليم البطاقة له لغرض الإدلاء بصوته للمرشح المطلوب". ويضيف أنه لا يوجد أي ضمان للحزب أو المرشح بأن حامل البطاقة سيُصوّت له وأن الطريقة الوحيدة للتأكد من ذلك كانت من خلال تصوير ورقة الانتخاب، إلا أن المفوضية العليا للانتخابات منعت منعا تاما إدخال الهواتف، كما أن ما تُروّج له الأحزاب حول قدرتها على الوصول لقواعد البيانات الإنتخابية ومعرفة الأشخاص الذين صوّتوا لها، ليست سوى أكاذيب لإخافة الناس، بدليل أن هناك مرشحا في الدورة الانتخابية السابقة لعام 2021 صرف 5 ملايين دولار على شراء الأصوات، ومع ذلك لم يأخذ مقعدا واحدا في البرلمان.
يستهجن دكتور عمر عملية استبدال البطاقات الإنتخابية بإجراءات تجميلية ويُوضّح أن هذه المراكز " ستستخدم حتما مواد رديئة الجودة أو تالفة للحقن، لأن الأحزاب ستشتري البطاقات منها بأسعار منخفضة، مما يمكن أن يُعرّض حياة الحريفات للخطر".
ويعتقد العديد من الملاحظين أن أغلب عمليات البيع والشراء تتم من خلال مراكز غير مرخصة من قبل وزارة الصحة، حيث أن هناك أكثر من 900 مركز غير مجاز في عموم العراق، أغلبها في بغداد مقابل وجود 100 مركز مرخص فقط.
من جهته، يؤكد مصدر خاص من مفوضية الإنتخابات أن " عملية التزوير ستكون شبه مستحيلة في الإنتخابات القادمة لهذا العام لأن الناخب سيمر بعدة مراحل تحقق قبل الوصول الى صندوق الاقتراع، ومنها التحقق من بصمة اليد ومطابقة الوجه ومن بعدها التثبّت من معلومات البطاقة الانتخابية مع حاملها". ويرى أنه من المستحيل التلاعب بالأجهزة وأن تعرض أي جهاز للعطل سيتم اسبتداله بعملية معقدة للغاية ولا يمكن الإدلاء بأي صوت خلال فترة تعطل الأجهزة تلافيا لأي تلاعب محتمل. " وحتى لو افترضنا أن جميع الأجهزة ستتعرض للتلف أو العطل، ففي كل مركز انتخابي هناك جهاز كبير مرتبط بالأجهزة الصغيرة يسمى( في في دي ) ستنتقل إليه جميع البيانات والمعلومات. وبعد إكمال عملية الإنتخاب، ستظهر المعلومات على شكل تقارير لكل مرشح وعدد المصوتين له. ومن بعدها ستبدأ عملية العد والفرز اليدوي. وإن تعارضت نتائج الفرز اليدوي مع نتائج الأجهزة، فسيتم وضع شريط أحمر عليها، ثم ستُجرى عملية التحقق منها ويتم اعتماد النتائج النهائية من جهاز "البي كوز".
ويضيف أن عملية شراء البطاقات ما هي إلا رغبة بتقليل عدد المصوتين، وبالتالي تقليل العتبة الإنتخابية (نائب لكل 100 ألف نسمة)، مما يسمح للأحزاب المهيمنة باستبعاد المعارضة والسماح لمؤيديها فقط بالتصويت لضمان استمرارية فوزهم وتفوقهم.
من جانبها، تؤكد المفوضية العليا للإنتخابات بأن عملية بيع وشراء البطاقات ستُعرّض صاحبها إلى عقوبات رادعة منها استبعاد المرشح أو الحزب.
لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)






تعليقات