top of page
Screenshot 2023-11-22 at 11.56.45 AM.png

في شوارع مدينة عدن المزدحمة، لم تعد الأرصفة مجرد مساحات للمارة، بل تحولت الى مسرح مفتوح تُروى فيه فصول من البؤس الإنساني، فمع تصاعد موجات النزوح واستمرار الحرب، تقف المدينة شاهدة على حكايات نساء وأطفال أجبرتهم الظروف على الانزلاق إلى حافة التشرد والتوسل. 


تتجسد المعاناة اليومية في وجوه اولئك الأطفال المهمشين، الذين تخلوا عن مقاعد الدراسة باحثين عن لقمة عيش تسد رمقهم، ليتحولوا إلى متسولين ينتظرون إحسان المارة.


في ظل أزمة انسانية حادة وازدياد أعداد النازحين، أصبح التسول مشهداً مألوفاً ومعاناة لايبدو أن نهايتها قريبة. 


نازحات يعلن أسرهن عبر التسول ولا يسلمن من الإهانة


تبلغ مساحة مدينة عدن 750 كيلومترا مربعا، وتبعد عن العاصمة صنعاء مسافة حوالي 363 كيلومترًا. بحسب الأستاذة افتخار عبد الحليم الزغير، المديرة العامة للأرقام القياسية بمركز الإحصاء في عدن، يُقدّر عدد سكان المدينة في آخر احصائية  لعام 2024، بأكثر من (1.147.000) نسمة، مما يجعلها ثاني أكبر مدينة في اليمن بعد صنعاء.

تشير التقديرات الإنسانية إلى أن نحو 35% من سكان عدن هم نازحون فروا من جحيم الحرب، وجاء في آخر احصائية لمركز الإحصاء، أن عدد النازحين وصل الى 300 ألف شخص. وجد هؤلاء النازحون أنفسهم في مواجهة واقع اقتصادي هش وخدمات عامة شبه منهارة وغياب شبه تام لأي حلول مستدامة.  

في حي منطقة الشعب، الواقع على بعد 12 كيلومتراً من مركز مدينة عدن، تبدأ حكاية ناهد محمد عبده التي تبلغ من العمر 34 عاماً، وهي امرأة نازحة من محافظة الحديدة، المحافظة الساحلية الواقعة في الشمال الغربي من عدن وتبعد عنها حوالي 320 كيلومتراً.  دفعتها الحرب إلى مغادرة منزلها، واليوم تقف كل صباح على أحد أرصفة عدن مع طفليها، تمد يدها للمارة محاولة أن تحفظ لأبنائها ما تبقى من حياة.

تقول ناهد وهي تمسح دموعها "جئت من الحديدة قبل خمس سنوات بعد أن دُمّر منزلنا بفعل القصف، زوجي كان يعمل خياطاً للأحذية لكنه أُصيب بانزلاق في العمود الفقري ولم يعد قادراً على العمل، وأصبحت أنا من تُعيل الأسرة". 

 هي تعيش اليوم في خيمة بلا تهوئة في أحد مخيمات النزوح، بينما يخرج ابنها الأكبر البالغ من العمر 15 عاماً، وهو يعاني كذلك من آلام مزمنة في ظهره، يومياً للشارع باحثاً عن أية فرصة عمل.

وتضيف بصوت حزين " إن طفلي الصغير يُضرب أحياناً أثناء التسول ولا نجد ما يكفي حتى لشراء كيس دقيق كامل، فنحن نشتري السكر والدقيق بالكيلو ولم أتلقى أي دعم حقيقي من أية منظمة".

بحسب إحصائية لصندوق الأمم المتحدة للسكان، فإن "80% من النازحين في اليمن هم من النساء والأطفال" أي أن "نحو رُبع عدد الأسر النازحة تُعيلها نساء" وهن يعشن في ظروف صعبة وقد أجبرن على تحمل العبء الأكبر في العائلة.

في حي شعبي آخر من أحياء مدينة عدن، تسكن مواهب سعيدة أحمد، أم لثمانية أطفال، تتقاسم مع أسرتها غرفة واحدة لا تكاد تتسع لهم. وفي كل صباح، تخرج مع أبنائها للشارع للتسول طلباً للطعام، بينما يجمع زوجها  قوارير الماء الفارغة. 

تتعرض مواهب لإساءات لفظية من المارة، وتقول بمرارة "نحن نُهان دائماً لكن لا خيار لنا"، فزوجها رغم عمله غير قادر على توفير لقمة العيش لها ولأولادها.

على أحد الأرصفة، تجلس الخالة حسناء أحمد، نازحة في الخمسينيات من العمر، تُعاني من أمراض مزمنة، وترافقها حفيدتها الصغيرة في جولات التسول، بينما تُحاول الحاجة فاطمة محمد، وهي مقعدة على كرسي متحرك أن تحصل على بعض المال لشراء الدواء والطعام رغم حرارة الصيف القاسية. 



طفولة مسلوبة في غياب الحماية القانونية


تنص المادة 145 في القانون رقم 45 لسنة 2002 لحماية الطفل، أنه "على الدولة حماية ورعاية الأطفال الأيتام وأطفال الأسر المفككة، والأطفال الذين لا يجدون الرعاية ويعيشون على التسول والقضاء على هذه الظاهرة، ووضع الأطفال المتسولين والمتشردين في دور الرعاية الإجتماعية وتوجيههم إلى أن يكونوا أعضاء صالحين منتجين في المجتمع". ولكن تطبيق هذه المادة يبقى حبرا على ورق.

سلمان علي، طفل يبلغ من العمر 10 سنوات، يرتدي قميصاً باهتا وبنطالا ممزق، اضطر لترك المدرسة وامتهان التسول ليساعد والده المريض. بملامح حزينة يقول "أعطي أمي كل ما أجمعه من الناس حتى تشتري لنا الأكل"، مضيفا بحسرة "كنت أحب المدرسة لكننا لا نقدر على مصاريفها". 

شعبان أدهم صبي يبلغ من العمر 11 عاماً، ويُعاني من تأخر في النطق ويُعتقد أن معاناته ناتجة عن سوء التغذية والضغط النفسي المرتبط بالنزوح، يرافق والدته كل صباح بحثاً عن طعام، فلا يتحدث كثيراً لكن ملامحه تسرد الكثير من الألم.

يتعرّض الاطفال المتسولون رغم معاناتهم والعبء الثقيل التي يتحملونه، لمضايقات المارة ونظرة المجتمع السلبية.

أسوان سالم، فتاة تبلغ من العمر 12 عاماً، كانت تدرس في المدرسة، لكنها اضطرت لتركها بسبب عدم قدرة والدها على دفع الرسوم، واليوم تتلقى تعليمها في المسجد. تقول "أخرج لأتسول من أجل ان أساعد في دفع ايجار بيتنا. أحياناً يضايقني الناس بكلامهم وتصرفاتهم، لكنني أحاول أن أدافع عن نفسي".

تُجسّد قصص سلمان وشعبان وأسوان، الواقع المؤلم لغياب الرعاية والحماية القانونية الحقيقية للأطفال، وإجبارهم على الإنقطاع عن الدراسة، وذلك رغم أن المادة81 من قانون حماية الطفل، تنص بشكل واضح  على أن "الدولة تكفل مجانية التعليم وفقاً للقوانين النافذة".

 

يرى الأخصائي النفسي سعيد مثنى زيد، من دار التكافل الاجتماعي، أن"الأطفال المتسولين يعانون من صدمات نفسية وحرمان عاطفي وكذلك من الشعور بالدونية، كما أن الكثير من الأسر ترفض إيداع أطفالها في دور الرعاية، ما يصعب تأهيلهم نفسانيا".

من جانبه، يقول وكيل قطاع الرعاية بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، الأستاذ صالح محمود حسن أن "التسول لم يعد مجرد ظاهرة بل خطرا متناميا يمسُّ النساء والأطفال، ونحن نُنفّذ حالياً خطة وطنية لتوفير مراكز إيواء وتأهيل بالشراكة مع المجتمع المدني والجهات الأمنية".


ظاهرة تتفاقم وإحصائيات غائبة


رغم تفاقم ظاهرة التسول، تُعاني الأجهزة الرسمية من غياب الإحصائيات الدقيقة لتحديد حجمها، حيث أكدت افتخار الزغير، مديرة إدارة الأرقام القياسية  في الجهاز المركزي للإحصاء، أن البيانات لا تزال محدودة، لكنها وعدت بإجراء دراسات ميدانية حول الموضوع فور توفر الإمكانات اللازمة.

يُجمع المختصون على أن جذور هذه الأزمة تعود إلى الانهيار الاقتصادي الحاد، حيث يعاني أكثر من 12 مليون طفل في اليمن من الفقر وسوء المعيشة، وفقا لتقارير صادرة من الأمم المتحدة، كما أن ضعف التمويل وعدم كفاية البرامج الإنسانية يعمق من هذه المعاناة.

ترى الأستاذة إشراق علي أحمد، رئيسة مؤسسة تاج عدن للمرأة والطفل، أن "التسول ظاهرة دخيلة على عدن، سببها الفقر والنزوح وغياب التعليم والتفكك الأسري، والدولة غائبة بشكل شبه كامل عن المشهد".

من جانبها، تؤكد الأستاذة شادية السباعي، رئيسة جمعية شذى عدن، أن "التسول في مديرية البريقة يشهد تصاعداً لافتاً في أعداد الأطفال المتسولين الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و15 عاما، معظمهم من الأيتام والنازحين، وأطفال خارج نطاق التعليم". وقد ذكّرت في هذا الصدد، بتنفيذ الجمعية لبرامج توعوية وتمكينية للأمهات والأطفال "لكنها توقفت بسبب غياب التمويل".

لكن رغم كل هذه القتامة، لا يخلو المشهد من بصيص أمل، حيث يحكي الأستاذ سعيد مثنى زيد عن توأمين من محافظة إب، نزحا إلى عدن قبل ست سنوات وقد تخلى عنهما ذويهما، ولكن الشرطة أنقذتهما من بناية مهجورة وتم نقلهما إلى دار الرعاية، أحدهما اليوم مصمم بارع والآخر متفوق في دراسته ويمارس الكاراتيه، وما يزالان يعيشان في دار التكافل الاجتماعي.

في النهاية، فإن الأرصفة في عدن أصبحت صفحات مفتوحة لحكايات موجعة كتبها الفقر والنزوح والإهمال. إن إنقاذ ناهد، وسلمان، وأسوان، وغيرهم من براثن الضياع مسؤولية وطنية، يُنتظر من الحكومة ومنظمات المجتمع المدني والجهات الدولية، أن تنسق فيما بينها لاجتثاث هذه الظاهرة من جذورها.


"نحن نُهان دائماً لكن لا خيار لنا."




 
 

" كنت أمارس التشافي بدون أن أعرف، لأن الفن هو الفضاء الوحيد الذي يمكنني من أوقف دوامة التفكير والقلق في ذهني وأن أحس بأنني أتنفس"


، تقول  مينا اسعد، مؤسسة نادي "الكولاج"، مضيفة "عام 2007 أتذكر أنني كنت بالصف الثالث ابتدائي، عندما رأيت علامة حمراء على باب بيتنا، ومعناها الإخلاء الفوري، تهجّرنا أنا وعائلتي، وخسرت أقارب لي بسبب العنف الطائفي. في ذلك الوقت، لم أكن أدرك ما يحصل، ولكن عندما كبرت، استرجعت كل هذه الذكريات عن الموت والدم والعنف والموت والفقدان، أثّر ذلك كثيرا على صحتي النفسية". 

لسنوات ارتبط العلاج النفسي بالوصم الاجتماعي، رغم ما مرت به البلاد من صراعات وحروب تركت آثارها على الصغار قبل الكبار، ثم كبر هؤلاء الأطفال  ليحاولوا إيجاد مساحات جديدة ليعبروا عما عاشوه من آلام في سنوات صغرهم، ولكن ليس في عيادات الطب النفسي التقليدي، وإنما في ورشات تحاول تجديد مفهوم الصحة النفسية والعناية الذاتية لتجعله جزءا من الحياة اليومية وتمهّد السبيل للتعافي من  سنوات طويلة من سماع أصوات الانفجارات في البلاد ومشاهدة صور الجثث. 


الشفاء عبر الرسم والكتابة و"الكولاج" 


في بغداد، قرّر فريق من الفنانين الشباب تحويل الألم إلى مساحة للفن والشفاء


، فانبثقت فكرة “منطوي”، وهو مشروع للعلاج بالفن والكتابة. اختار الفريق هذا الاسم لأنهم شعروا أنهم منطوون على ذواتهم، ولأن الورشة اعتمدت على “طيّ الورق” بعد الكتابة، كأداة تعبير وتفريغ فنية. وقد لمسوا بعد ذلك تغييراً في حياتهم الشخصية.

هكذا كانت تجربة مينا أسعد(28 عاماً)، طبيبة شابة وفنانة "كولاج" من بغداد، عانت منذ مراهقتها من اضطراب القلق العام والرهاب الاجتماعي. وعند دخولها كلية الطب، تضاعف القلق مع ضغط الدراسة والتعامل مع المرضى، لكن ومع كل مرة، كانت تلمس فيها الألوان أو الورق، تهدأ دوامة أفكارها وهواجسها.

 في عام 2016، بدأت تجربتها مع فن "الكولاج"، من خلال قصّ الصور والأوراق وإلصاقها وإنتاج أعمال فنية بها. بمرور الأيام، تحول هذا الفعل البسيط إلى وسيلة للتعافي من همومها ودفعتها هذه التجربة إلى تنظيم ورش عن "الكولاج" و"الجورنال"، يقوم فيها المشاركون بالكتابة وقصّ الأوراق والتلوين كوسيلة لقضاء وقت مع الذات وفهمها. 

لاحقاً أسست نادي "الكولاج"، الذي صار فضاءاً صغيرا يجتمع فيه الشباب والفتيات ليمارسوا الفن بهدوء، بعيداً عن ضوضاء السوشال ميديا. وشاركت  عام  2024، عملها " بلاط الذاكرة" المستوحى من كل ما مرت به في معرض أثر.

عين اليقين، فنانة من البصرة في الثانية والعشرين من عمرها، تُنظّم هي أيضا ورشات "للكولاج" ولكنها لا تكتفي بتيسيرها وتمكين المشاركين من رسم اللوحات وتفريغ المشاعر، بل تُحلّل الرسومات لتقرأ ما تخفيه الألوان والخطوط من أحاسيس دفينة. وتمنح المشاركين مساحةً آمنة لمواجهة أنفسهم عبر الورق بدلاً من الكلام، لأنها تؤمن بأن " الفنّ طريقٌ لفهم الذات وليس ترفاً."


أول الطريق نحو إيجاد الذات


في السنوات الأخيرة، تكررت تجارب أخرى لورشات الكولاج، لتشكّل حركةً تشافي فنيةً جديدة تعيد تعريف الصحة النفسية في العراق، وتحوّلها من وصمةٍ إلى موضوعٍ للنقاش العام والممارسة اليومية. لا أحد من منظمي هذه الورشات يدّعي أنه معالجٌ نفسي، لكنهم جميعاً يمهدون الطريق نحو كسر الوصمة حول الصحة النفسية.

في هذا الصدد تفسّر مينا قائلة : " نحن لسنا أطباء نفسيين، ولكننا نوفّر مساحة يكتشف من خلالها الشخص طريقه"، فيما تعتبر عين اليقين أن

" أعظم استثمار يقوم به الإنسان هو في نفسه، لأن البحث عن الشفاء ليس من الكماليات، بل هو ضرورة حياتية".

تتذكر مينا قصص العديد من المشاركين الذين لمسوا تغييرات في حياتهم بعد الورش، لكنها تتوقف عند قصة فتاةٍ شابة جاءت إلى الورشة وهي غاضبة من والدها. طلبت مينا من المشاركين، خلال تمرين بسيطـ، أن يكتبوا رسالةً بعد "الكولاج" لأنفسهم  أو لأحد أفراد العائلة الذين يشعرون بتراكم مشاعر تجاههم. بعد أن كتبت الفتاة الرسالة، انهارت بالبكاء وبعد  أيامٍ عادت لتخبر مينا أنها بدأت بمراجعة طبيبٍ نفسي، وأن الورشة كانت أول خطوةٍ نحو فهم علاقتها بوالدها.

من جهتها، تروي عين اليقين قصة فتاةٍ حضرت إحدى الورشات تحت إصرار أختها التي جلبتها قسرا،  وكانت صامتة كل الوقت وترتدي السواد. "عندما رسمت، كانت لوحتها مزيجاً من الأسود والأحمر كأنها نارٌ تلتهم نفسها". لاحقاً، اكتشفت عين اليقين أن الفتاة فقدت صديقتها في حريق وبقيت تعيش منذ ذلك اليوم إحساسا بالذنب لأنها نجت. في الورشة التالية، أعادت الفتاة رسم نفس المشهد لكنها رسمته وكأنها تراه من بعيد، لا من قلب النار. " عندها أدركت أن التغيير بدأ فعلاً، وأنها انتقلت من موقع الألم إلى موقع المراقبة وهو ما ساعدها لتتعامل مع ما حدث دون الإحساس بأنها مذنبة".


ورشات بمجهودات ذاتية ودون دعم 


رغم النتائج الجيدة التي توفرها ورشات "الكولاج" في تحسين الصحة النفسية للمشاركين، فإنه لا يوجد دعم رسمي لهذه المساحات والفعاليات، إذ تستأجر مينا قاعات لتنظيم الورشات وتدفع ثمنها من رسوم حضور المشتركين، أما عين اليقين فتنظّم ورشاتها في بغداد والبصرة ومدن أخرى بجهودٍ شخصية، من استئجار القاعات إلى إعداد المواد والضيافة. ويحضرها شباب ومراهقون إلى جانب رجال ونساء في الخمسين والستين من عمرهم، يأتون بشغفٍ وتجارب مختلفة. وتقول عين أن التعب يزول عندما ترى وجوه المشاركين وقد صاروا أكثر هدوءاً ووعياً.

لكن فريق "منطوي" كان أكثر حظاً، إذ بعد تصميم منهج أولي لمشروعهم، قدّموا لمنحة “Going Together” التابعة لليونسكو، بالتعاون مع الكاتبة والمدربة السورية الفرنسية مها حسن، المتخصصة بالعلاج عبر الفن والكتابة.

شمل المنهج أربعة محاور: الهوية والذات، الحب والعلاقات، المستقبل، والعلاقة بين الصحة النفسية والجسدية، واحتوى على تمارين كتابية وتفاعلية تُساعد المشاركين على التصالح مع أنفسهم. 

تم تطبيق هذا المنهج من قبل ثلاثين شاباً وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و40 عاماً، أغلبهم في المراهقة أو بداية الجامعة، وهي الفئة الأكثر عرضة للضغوط النفسية.ويعمل فريق "منطوي" حاليا على تحويل المطويات التي أنجزها المشاركون إلى كتيّب رقمي ومطبوع يوثّق تجربة الشباب العراقي مع التصالح مع الذات ودعم الصحة النفسية، كصوتٍ فني جماعي يؤكد أن الجميع يحتاج أن يعبّر ويحكي عما في داخله حتى يُشفى من همومه.  



لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)

 
 


في محافظة أبين، أصيبت حنان عبد الله عام 2024 بالملاريا. بدأت الأعراض بحمى شديدة لم تستجب للأدوية الأولية، مما زرع في

نفسها استغرابًا وقلقًا.


" في البداية، لم يخطر ببالي أن أكون مصابة بهذا المرض، خاصة بعد الاعتقاد السائد بانحساره في اليمن لفترة من الزمن، لكن الفحوصات المخبرية قطعت الشك. لحسن حظي لم أعانِي من مضاعفات خطيرة، لكن آلام المفاصل وفقدان الشهية أتعباني كثيرا"، مضيفة أن "جفاف المياه وركودها، بالإضافة إلى الأمطار الغزيرة، ساهم بشكل كبير في زيادة انتشار المرض" في محيطها. 

في اليمن الذي يواجه أزمة إنسانية حادة بسبب الحرب، يزيد تغير المناخ الوضع سوءًا، فارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط تساقط الأمطار يخلقان بيئة مثالية لتكاثر البعوض، مما يؤدي إلى انتشار الأمراض المنقولة بالنواقل. وتعتبر النساء والأطفال من الفئات الأكثر عرضة للإصابة بهذه الأمراض، خاصة مع هشاشة النظام الصحي القائم. 


تكاثر البيئات الحاضنة للبعوض


تقع عدن على ساحل خليج عدن وتبلغ مساحتها 750 كيلومترًا مربعًا ويبلغ عدد سكانها حوالي 590 ألف نسمة. أما أبين، فتقع جنوب شرق اليمن وتبلغ مساحتها حوالي 21,489 كيلومترًا مربعًا ويبلغ عدد سكانها حوالي 434 ألف نسمة.

تُعاني عدن وأبين من تأثيرات التغيرات المناخية مثل ارتفاع درجات الحرارة، خاصة في الصيف، حيث تتراوح متوسطات درجات الحرارة بين 35 و 40 درجة مئوية، بينما تتراوح بين 18 و 22 درجة مئوية في فصل الشتاء مما يؤثر سلبًا على صحة السكان. كما شهدت عدن فيضانات  مدمرة في  4/6/2020م نتيجة الأمطار الغزيرة، مما أدى إلى تضرر البنية التحتية وخسائر في الأرواح.


يُسرّع ارتفاع درجات الحرارة وتيرة تكاثر البعوض، كما يوفر الظروف المثالية لبقائه على قيد الحياة في مختلف مراحله، وبالتالي زيادة الأعداد القادرة على نقل الأمراض. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لارتفاع الحر أن يقلل من فترة حضانة الفيروسات داخل البعوض، مما يجعله ناقلًا للأمراض بشكل أسرع.

أما بالنسبة لتغير أنماط هطول التساقطات، فإن زيادة الأمطار تؤدي إلى تكوين برك ومستنقعات راكدة توفر بيئات حاضنة مثالية لتكاثر البعوض الذي يضع بيضه في هذه المياه. وفي حين تخلق الفيضانات بركًا مؤقتة، يؤدي الجفاف إلى تجمع المياه في مناطق محدودة، وكلاهما يزيد من فرص تكاثر البعوض. من جهة أخرى، تساهم زيادة الأمطار في نمو النباتات التي توفر الظل والرطوبة المناسبة للبعوض البالغ. كما أن تغير أنماط الرياح يساعد في نقل هذه الحشرات إلى مناطق جديدة لم يكن موجودًا فيها من قبل، مما يزيد من انتشاره.

وبما أن محافظتي عدن وأبين مناطق ساحلية ذات درجات حرارة مرتفعة، فهما تعتبران بيئات حاضنة للعديد من أنواع البعوض، مما يزيد من خطر انتشار الأمراض بين السكان.


خلال عام 2024، ربطت التقارير بين الفيضانات التي شهدتها عدن في سبتمبر وتفشي وباء الملاريا، كما لوحظت زيادة كبيرة في حالات الحُمّيات في محافظة تعز تجاوزت 100%. وفي أبريل من العام نفسه، أشارت الإحصائيات إلى وباء ملاريا واسع النطاق في اليمن، حيث تجاوزت الإصابات 82,000 حالة وبلغت الوفيات  2250 حالة، معظمها في أوساط الأطفال والنساء الحوامل. وفي الشهر نفسه، حذر باحثون  من تأثير تغير المناخ على صحة نواقل الأمراض المعدية، داعين إلى تعزيز الوعي والاستعداد الطبي.

وفيما يتعلق بالوضع في اليمن بشكل عام، أكدت منظمة الصحة العالمية في عام 2016 أن الملاريا مرض متوطن، حيث سُجلت أعداد كبيرة من الحالات المشتبهة والمؤكدة في عام 2015.

في أغسطس 2022، أشارت دراسة نشرت في مجلة "Nature Climate Change" إلى أن تغير المناخ يلعب دورًا محوريًا في زيادة انتشار الأمراض المعدية على مستوى العالم، متوقعة تفاقم 58% من الأمراض بسبب الارتفاع في درجات الحرارة والظواهر المناخية المتطرفة.

وفي سياق متصل، أكدت دراسة أخرى نشرت في مجلة "لانسيت بلانيتري هيلث" في يوليو 2022، التأثير المباشر لتغير المناخ على انتشار البعوض في مناطق مثل سريلانكا، مما يزيد من خطر الإصابة بحمى الضنك. ) .بشكل عام، فإن تغير أنماط هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة يؤثران بشكل مباشر على انتشار البعوض والأمراض التي ينقلها، وهو ما يفسر جزئيًا تفشي الملاريا في اليمن عقب الفيضانات. بالإضافة إلى ذلك، يُشار إلى احتمالية وصول أنواع جديدة من البعوض، مثل "البعوض الأفريقي كنتيجة للتغيرات البيئية، مما يزيد من تعقيد الوضع. 


يشكل البعوض الغازي أنوفيليس ستيفنسي (Anopheles stephensi)، المعروف بقدرته على التكاثر في المناطق الحضرية ومقاومته للمبيدات، تهديدًا متزايدًا فيما يخص تفشي الملاريا. ويساهم التغير المناخي بشكل كبير في انتشاره؛ فارتفاع درجات الحرارة يسرّع دورة حياته ونمو الطفيليات بداخله، بينما تخلق أنماط هطول الأمطار المتغيرة (جفاف يؤدي لتخزين المياه، أو فيضانات تخلق تجمعات مياه) بيئات تكاثر مثالية، مما يوسع نطاقه الجغرافي ويزيد من خطر انتشار الملاريا في مناطق لم تكن مستهدفة سابقًا.

"تؤكد الأخصائية في إدارة المخلفات الإلكترونية والكهربائية، سبأ عمر باوزير، أن الارتفاع الملحوظ في منسوب المياه يعود بشكل مباشر إلى زيادة غزارة الأمطار. وتربط باوزير هذا الأمر بالتغيرات المناخية التي تؤثر على خصائص الطقس في كل دولة. وتشير إلى نقطة بالغة الأهمية وهي عدم قدرة اليمن على مواجهة هذا الارتفاع في منسوب المياه أو الزيادة في الأمطار، خاصة وأن السدود الموجودة حاليًا قد صُممت لاستيعاب كميات محددة من الأمطار بناءً على المعدلات السابقة. 

في أبريل 2024 سجل اليمن أكثر من 82 ألف إصابة بالملاريا و2250 حالة وفاة، كان أغلب ضحاياها من الأطفال والنساء الحوامل، وهي الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع.

التحديات التي تواجه النساء والأطفال في الوصول إلى الرعاية الصحية


في ظل الأوضاع الإنسانية الصعبة باليمن، تواجه النساء والأطفال تحديات متزايدة في الحصول على الرعاية الصحية الأساسية. ويتفاقم هذا الوضع مع انتشار الأمراض المنقولة كالملاريا وحمى الضنك، مستغلة البيئة الصحية المتردية. 


في أول ليلة من رمضان 2020 بعدن، تحولت ليلة نجلاء (44 عامًا) الهادئة إلى كابوس. فبعد تنظيف منزلها وشعورها بوهن بسيط، عجزت فجأة عن الحركة عند محاولة الوقوف. تبعت ذلك حمى شديدة وآلام مبرحة اجتاحت مفاصلها وجسدها. وجاء التشخيص في المستشفى: حميات.

تتذكر نجلاء الأمطار الغزيرة التي سبقت ليلة مرضها والأيام العصيبة من الألم الشديد التي عانتها والتي تركت في ذاكرتها تساؤلات عديدة عن أسباب هذا الوباء المفاجئ.

بدأت رحلة عبد الله علي فرج، التلميذ في الصف الرابع الابتدائي، مع المرض بحمى شديدة. في البداية، شُخصت حالته في المستشفى على أنها حمى الضنك، لكن بعد عودته وتدهور حالته، تبين أنها الملاريا. تلقى عبد الله العلاج اللازم، لكن فترة المرض استمرت أسبوعين كان يعاني فيها من حمى شديدة وآلام في الجسم، مما جعله غير قادر على الوقوف أو اللعب أو حتى تناول الطعام بسهولة. خلال تلك الفترة، كان يشرب عصائر طبيعية ووصفات شعبية مثل عصير العمبا (البابايا) والكيوي. كانت والدته تشعر بقلق بالغ عليه، بينما أحاطه أهله جميعًا بالرعاية والاهتمام.

في ربيع العمر، وبينما كان يفترض أن تكون خطواتها واثقة نحو مقاعد الدراسة، وجدت ابها ميثاق، 14 سنة، جسدها متهالكًا تحت وطأة مرض قاسٍ. " السنة الماضية، فوجئت بألم مُفَتِّت للعظام، سلبني القدرة على المشي، الفحوصات كشفت عن حقيقة مُرَّة: إنها الحميات... أيامٌ طوال قضيتها بعيدا عن المدرسة"، تتحسر المراهقة. وبين نصائح مختلفة تفتقر إلى أساس علمي، وجدت الطفلة عزاءً مؤقتًا في حلاوة البابايا والكيوي. تحسنت ببطء، لكن تجربتها تركت في قلبها ندبة، وفي ذاكرتها صورة مؤلمة عن مرض لم تجد له علاجًا واضحًا وسريعًا.

هذه الحالات ليست حالات فردية، وإنما تفضح غياب استراتيجيات واضحة وفعالة لمكافحة الحميات وتوفير العلاج المناسب للمرضى. 


النزاعات تُفاقم الوضع الوبائي


أكد الدكتور ياسر باهشم، المدير التنفيذي للبرنامج الوطني لمكافحة الملاريا وأمراض النواقل، أن المناطق الساحلية والوديان تُعد الأكثر عرضة للملاريا، حيث تحتل محافظة عدن الصدارة، يليها الساحل الغربي. كما حدد مناطق أخرى تشهد ارتفاعًا في الإصابات مثل مديرية المسيمير في محافظة لحج، والأزرق في محافظة الضالع، ومديريتي خنفر وأحور في محافظة أبين، ووادي جردان في محافظة شبوة.

وأوضح أن حالات الإصابة بالملاريا انخفضت في الفترة من عام 2000 إلى عام 2014، إلا أن الوضع العام للنزاع في اليمن منذ عام 2015 أدى إلى ارتفاع ملحوظ في الإصابات. ويُعزى ذلك إلى نزوح الأفراد من المناطق الموبوءة، بالإضافة إلى تدفق المهاجرين غير الشرعيين من القرن الأفريقي بأعداد كبيرة.

في مقابلة تلفزيونية بُثت بتاريخ 20 أبريل 2025 عبر قناة الجمهورية، أوضح الدكتور مجدي سيف الداعري، مدير الترصد الوبائي في عدن، حجم انتشار الأمراض المنقولة بالنواقل في محافظة عدن، الذي وصل إلى 50 ألف حالة إصابة منذ بداية العام، بالإضافة الى 12 حالة وفاة بسبب حمى الضنك نتيجة التأخر في تلقي العلاج. وأشار إلى أن عام 2024 شهد تسجيل حوالي 150 ألف حالة إصابة بأمراض مختلفة، بينما لا تزال الإحصائيات النهائية لعام 2025 قيد التحديد.



تُظهر بيانات الرصد الوبائي الصادرة عن مركز الأمومة والطفولة في منطقة الكود بمحافظة أبين ارتفاعًا ملحوظًا في حالات حمى الضنك  بين النساء خلال عام 2023، حيث سُجلت 24 حالة مقارنة بـ 6 حالات فقط في عام 2022. والجدير بالذكر أن حمى الضنك هي مرض يُنقل بالبعوض وينتشر في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية من العالم. وتتسبب حمى الضنك الخفيفة في الإصابة بحمى شديدة وظهور أعراض شبيهة بأعراض الإنفلونزا. ويمكن أن يؤدي أحد أشكال حمى الضنك الشديدة -والمعروف باسم حمى الضنك النزفية- إلى نزيف وانخفاض مفاجئ في ضغط الدم (صدمة) والوفاة. ومن أعراضها: الصداع، ألم العضلات أو المفاصل، الغثيان، القيء، ألم خلف العينين، تورم الغدد والطفح الجلدي .

من جهته، أوضح علي مخشم، مدير إدارة التثقيف في البرنامج الوطني لمكافحة الملاريا وأمراض النواقل، الخطر البالغ الذي تمثله الأمراض المنقولة على صحة الأم الحامل. وشدد بشكل خاص على خطورة الإصابة بالملاريا أثناء الحمل، مشيرًا إلى أنها قد تؤدي إلى الإجهاض المبكر وتمثل تهديدًا جسيمًا لصحة الأم والجنين على حد سواء. وأكد أنها قابلة للعلاج إذا ما تم اكتشافها في مراحلها الأولى. وشدد كذلك على ضرورة التزام النساء الحوامل بالتدابير الوقائية المعروفة، مثل استخدام الناموسيات المعالجة بالمبيدات والأدوية الوقائية، كما نصح بضرورة التوجه الفوري إلى الطبيب عند ظهور أي من أعراض الحمى أو الشعور بالضعف الشديد. 


الجهود الحكومية لمكافحة البعوض والوقاية من الأمراض


في ظل هذه التحديات الجسيمة، تبرز أهمية استعراض وتقييم الجهود الحكومية المبذولة لمكافحة البعوض والوقاية من الأمراض في اليمن. في هذا الصدد، أوضح الدكتور ياسر باهشم، المدير التنفيذي للبرنامج الوطني لمكافحة الملاريا وأمراض النواقل، أن البرنامج يمتلك شبكة واسعة من المرافق الصحية المنتشرة في جميع محافظات البلاد، حيث يبلغ عددها 629 مرفقًا. وأشار إلى أن البرنامج الوطني قد تأسس في صنعاء عام 2000م، وتمت إعادة هيكلته وتعزيزه في عام 2020م لمواجهة التحديات المتزايدة.


وفي إطار الجهود الحالية، تحدّث عن تنفيذ حملة توعية نشطة تستهدف المجتمعات المحلية شاركت فيها 400 متطوعة في محافظة عدن وحدها، تولين خلالها مهمة الوصول إلى المنازل وتقديم التوعية اللازمة للأسر، بالإضافة إلى تفتيش البيوت والمناطق المحيطة بها للكشف عن مصادر توالد النواقل المرضية. وقد تم تدشين هذه الحملة الهامة في شهر فبراير من السنة الحالية.

ذكّر الدكتور باهشم كذلك بتوفر علاج خاص ومجاني للنساء الحوامل، مؤكدًا على أن الاكتشاف المبكر للمرض والتشخيص الصحيح يلعبان دورًا حاسمًا في حماية صحة الأم والجنين، بينما التأخر في ذلك قد يؤدي إلى عواقب وخيمة تصل إلى الوفاة.

من جانبها، وفي إطار الجهود المستمرة لمكافحة الأمراض المنقولة بالنواقل في محافظة أبين، أكدت مديرة المركز الأمومة والطفولة في الكود، ومسؤولة الترصد الوبائي في المنطقة د. عيناء كريف، على أهمية تعزيز الوصول إلى الرعاية الصحية وتوفير الأدوية اللازمة للنساء الحوامل. وأشارت إلى أن الوضع الصحي قد تدهور نتيجة لتوقف المنظمات عن الدعم، مما زاد من صعوبة الحصول على العناية الطبية. وأكّدت أيضا على الحاجة الملحة لتنظيم حملات توعية شاملة وتوزيع مواد تعليمية، بالإضافة إلى دعم برامج التدريب للكوادر الصحية. وأوضحت أن المجتمع المحلي يلعب دورًا حيويًا في نشر الوعي وتنظيم حملات رش دورية لمكافحة انتشار الأمراض. ولكن هذه الجهود تتطلب استئناف الدعم الدولي لضمان مستقبل صحي أفضل للنساء والأطفال في المنطقة.



" الاكتشاف المبكر للمرض والتشخيص الصحيح يلعبان دورًا حاسمًا في حماية صحة الأم والجنين، بينما التأخر في ذلك قد يؤدي إلى عواقب وخيمة تصل إلى الوفاة."




 



لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)

 
 

Thanks for submitting!

Follow Us !

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter

Thanks for submitting!

bottom of page