- علياء فؤاد
- 6 يناير
- 5 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 8 يناير

في شوارع مدينة عدن المزدحمة، لم تعد الأرصفة مجرد مساحات للمارة، بل تحولت الى مسرح مفتوح تُروى فيه فصول من البؤس الإنساني، فمع تصاعد موجات النزوح واستمرار الحرب، تقف المدينة شاهدة على حكايات نساء وأطفال أجبرتهم الظروف على الانزلاق إلى حافة التشرد والتوسل.
تتجسد المعاناة اليومية في وجوه اولئك الأطفال المهمشين، الذين تخلوا عن مقاعد الدراسة باحثين عن لقمة عيش تسد رمقهم، ليتحولوا إلى متسولين ينتظرون إحسان المارة.
في ظل أزمة انسانية حادة وازدياد أعداد النازحين، أصبح التسول مشهداً مألوفاً ومعاناة لايبدو أن نهايتها قريبة.
نازحات يعلن أسرهن عبر التسول ولا يسلمن من الإهانة
تبلغ مساحة مدينة عدن 750 كيلومترا مربعا، وتبعد عن العاصمة صنعاء مسافة حوالي 363 كيلومترًا. بحسب الأستاذة افتخار عبد الحليم الزغير، المديرة العامة للأرقام القياسية بمركز الإحصاء في عدن، يُقدّر عدد سكان المدينة في آخر احصائية لعام 2024، بأكثر من (1.147.000) نسمة، مما يجعلها ثاني أكبر مدينة في اليمن بعد صنعاء.
تشير التقديرات الإنسانية إلى أن نحو 35% من سكان عدن هم نازحون فروا من جحيم الحرب، وجاء في آخر احصائية لمركز الإحصاء، أن عدد النازحين وصل الى 300 ألف شخص. وجد هؤلاء النازحون أنفسهم في مواجهة واقع اقتصادي هش وخدمات عامة شبه منهارة وغياب شبه تام لأي حلول مستدامة.
في حي منطقة الشعب، الواقع على بعد 12 كيلومتراً من مركز مدينة عدن، تبدأ حكاية ناهد محمد عبده التي تبلغ من العمر 34 عاماً، وهي امرأة نازحة من محافظة الحديدة، المحافظة الساحلية الواقعة في الشمال الغربي من عدن وتبعد عنها حوالي 320 كيلومتراً. دفعتها الحرب إلى مغادرة منزلها، واليوم تقف كل صباح على أحد أرصفة عدن مع طفليها، تمد يدها للمارة محاولة أن تحفظ لأبنائها ما تبقى من حياة.
تقول ناهد وهي تمسح دموعها "جئت من الحديدة قبل خمس سنوات بعد أن دُمّر منزلنا بفعل القصف، زوجي كان يعمل خياطاً للأحذية لكنه أُصيب بانزلاق في العمود الفقري ولم يعد قادراً على العمل، وأصبحت أنا من تُعيل الأسرة".
هي تعيش اليوم في خيمة بلا تهوئة في أحد مخيمات النزوح، بينما يخرج ابنها الأكبر البالغ من العمر 15 عاماً، وهو يعاني كذلك من آلام مزمنة في ظهره، يومياً للشارع باحثاً عن أية فرصة عمل.
وتضيف بصوت حزين " إن طفلي الصغير يُضرب أحياناً أثناء التسول ولا نجد ما يكفي حتى لشراء كيس دقيق كامل، فنحن نشتري السكر والدقيق بالكيلو ولم أتلقى أي دعم حقيقي من أية منظمة".
بحسب إحصائية لصندوق الأمم المتحدة للسكان، فإن "80% من النازحين في اليمن هم من النساء والأطفال" أي أن "نحو رُبع عدد الأسر النازحة تُعيلها نساء" وهن يعشن في ظروف صعبة وقد أجبرن على تحمل العبء الأكبر في العائلة.
في حي شعبي آخر من أحياء مدينة عدن، تسكن مواهب سعيدة أحمد، أم لثمانية أطفال، تتقاسم مع أسرتها غرفة واحدة لا تكاد تتسع لهم. وفي كل صباح، تخرج مع أبنائها للشارع للتسول طلباً للطعام، بينما يجمع زوجها قوارير الماء الفارغة.
تتعرض مواهب لإساءات لفظية من المارة، وتقول بمرارة "نحن نُهان دائماً لكن لا خيار لنا"، فزوجها رغم عمله غير قادر على توفير لقمة العيش لها ولأولادها.
على أحد الأرصفة، تجلس الخالة حسناء أحمد، نازحة في الخمسينيات من العمر، تُعاني من أمراض مزمنة، وترافقها حفيدتها الصغيرة في جولات التسول، بينما تُحاول الحاجة فاطمة محمد، وهي مقعدة على كرسي متحرك أن تحصل على بعض المال لشراء الدواء والطعام رغم حرارة الصيف القاسية.
طفولة مسلوبة في غياب الحماية القانونية
تنص المادة 145 في القانون رقم 45 لسنة 2002 لحماية الطفل، أنه "على الدولة حماية ورعاية الأطفال الأيتام وأطفال الأسر المفككة، والأطفال الذين لا يجدون الرعاية ويعيشون على التسول والقضاء على هذه الظاهرة، ووضع الأطفال المتسولين والمتشردين في دور الرعاية الإجتماعية وتوجيههم إلى أن يكونوا أعضاء صالحين منتجين في المجتمع". ولكن تطبيق هذه المادة يبقى حبرا على ورق.
سلمان علي، طفل يبلغ من العمر 10 سنوات، يرتدي قميصاً باهتا وبنطالا ممزق، اضطر لترك المدرسة وامتهان التسول ليساعد والده المريض. بملامح حزينة يقول "أعطي أمي كل ما أجمعه من الناس حتى تشتري لنا الأكل"، مضيفا بحسرة "كنت أحب المدرسة لكننا لا نقدر على مصاريفها".
شعبان أدهم صبي يبلغ من العمر 11 عاماً، ويُعاني من تأخر في النطق ويُعتقد أن معاناته ناتجة عن سوء التغذية والضغط النفسي المرتبط بالنزوح، يرافق والدته كل صباح بحثاً عن طعام، فلا يتحدث كثيراً لكن ملامحه تسرد الكثير من الألم.
يتعرّض الاطفال المتسولون رغم معاناتهم والعبء الثقيل التي يتحملونه، لمضايقات المارة ونظرة المجتمع السلبية.
أسوان سالم، فتاة تبلغ من العمر 12 عاماً، كانت تدرس في المدرسة، لكنها اضطرت لتركها بسبب عدم قدرة والدها على دفع الرسوم، واليوم تتلقى تعليمها في المسجد. تقول "أخرج لأتسول من أجل ان أساعد في دفع ايجار بيتنا. أحياناً يضايقني الناس بكلامهم وتصرفاتهم، لكنني أحاول أن أدافع عن نفسي".
تُجسّد قصص سلمان وشعبان وأسوان، الواقع المؤلم لغياب الرعاية والحماية القانونية الحقيقية للأطفال، وإجبارهم على الإنقطاع عن الدراسة، وذلك رغم أن المادة81 من قانون حماية الطفل، تنص بشكل واضح على أن "الدولة تكفل مجانية التعليم وفقاً للقوانين النافذة".
يرى الأخصائي النفسي سعيد مثنى زيد، من دار التكافل الاجتماعي، أن"الأطفال المتسولين يعانون من صدمات نفسية وحرمان عاطفي وكذلك من الشعور بالدونية، كما أن الكثير من الأسر ترفض إيداع أطفالها في دور الرعاية، ما يصعب تأهيلهم نفسانيا".
من جانبه، يقول وكيل قطاع الرعاية بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، الأستاذ صالح محمود حسن أن "التسول لم يعد مجرد ظاهرة بل خطرا متناميا يمسُّ النساء والأطفال، ونحن نُنفّذ حالياً خطة وطنية لتوفير مراكز إيواء وتأهيل بالشراكة مع المجتمع المدني والجهات الأمنية".
ظاهرة تتفاقم وإحصائيات غائبة
رغم تفاقم ظاهرة التسول، تُعاني الأجهزة الرسمية من غياب الإحصائيات الدقيقة لتحديد حجمها، حيث أكدت افتخار الزغير، مديرة إدارة الأرقام القياسية في الجهاز المركزي للإحصاء، أن البيانات لا تزال محدودة، لكنها وعدت بإجراء دراسات ميدانية حول الموضوع فور توفر الإمكانات اللازمة.
يُجمع المختصون على أن جذور هذه الأزمة تعود إلى الانهيار الاقتصادي الحاد، حيث يعاني أكثر من 12 مليون طفل في اليمن من الفقر وسوء المعيشة، وفقا لتقارير صادرة من الأمم المتحدة، كما أن ضعف التمويل وعدم كفاية البرامج الإنسانية يعمق من هذه المعاناة.
ترى الأستاذة إشراق علي أحمد، رئيسة مؤسسة تاج عدن للمرأة والطفل، أن "التسول ظاهرة دخيلة على عدن، سببها الفقر والنزوح وغياب التعليم والتفكك الأسري، والدولة غائبة بشكل شبه كامل عن المشهد".
من جانبها، تؤكد الأستاذة شادية السباعي، رئيسة جمعية شذى عدن، أن "التسول في مديرية البريقة يشهد تصاعداً لافتاً في أعداد الأطفال المتسولين الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و15 عاما، معظمهم من الأيتام والنازحين، وأطفال خارج نطاق التعليم". وقد ذكّرت في هذا الصدد، بتنفيذ الجمعية لبرامج توعوية وتمكينية للأمهات والأطفال "لكنها توقفت بسبب غياب التمويل".
لكن رغم كل هذه القتامة، لا يخلو المشهد من بصيص أمل، حيث يحكي الأستاذ سعيد مثنى زيد عن توأمين من محافظة إب، نزحا إلى عدن قبل ست سنوات وقد تخلى عنهما ذويهما، ولكن الشرطة أنقذتهما من بناية مهجورة وتم نقلهما إلى دار الرعاية، أحدهما اليوم مصمم بارع والآخر متفوق في دراسته ويمارس الكاراتيه، وما يزالان يعيشان في دار التكافل الاجتماعي.
في النهاية، فإن الأرصفة في عدن أصبحت صفحات مفتوحة لحكايات موجعة كتبها الفقر والنزوح والإهمال. إن إنقاذ ناهد، وسلمان، وأسوان، وغيرهم من براثن الضياع مسؤولية وطنية، يُنتظر من الحكومة ومنظمات المجتمع المدني والجهات الدولية، أن تنسق فيما بينها لاجتثاث هذه الظاهرة من جذورها.
"نحن نُهان دائماً لكن لا خيار لنا."





