انتشار الأوبئة في صفوف نازحي مأرب والحلم المؤجل بالحصول على الرعاية الصحية
- أمل خالد
- قبل يومين
- 5 دقيقة قراءة

في ظهيرة حارقة بمخيم السويداء للنازحين بمحافظة مأرب، لا شيء يخفف الحرّ سوى ظلال الخيمة المهترئة، ولا أحد يقاوم المرض سوى أم تُكافح خلف ستارة قماش رقيقة.
هناك تجلس أم يوسف، فوق بطانية بالية، تحاول أن تُبرّد جبين ابنتها الصغيرة بقطعة قماش مبللة، فمنذ أيام تعاني الطفلة من حرارة لا تنخفض ووجع لا يهدأ. تذهب الأم كل يوم تقريباً إلى الوحدة الصحية القريبة، لتعود بمغذيات وأحياناً بحقنة دواء، لكن المرض لا ينتهي.
بصوت واهن، تقول أم يوسف وهي أم لأربعة أطفال أصيبوا جميعاً بحمى الضنك، وكانت ابنتها آخر من أصابتها العدوى، " لم أعد أعرف ماذا أفعل، أرى أطفالي وهم على مشارف الموت أمام عيني ولا أستطيع تقديم يد العون لهم".
قصة أم يوسف ليست حالة منفردة، بل تعكس واقع أكثر من مليوني نازح في مأرب يعيشون في ظروف صعبة، وفقاً لاحصائيات مكتب تنسيق الشؤون الانسانية (اوتشا OCHA) لعام 2024، نصف هؤلاء النازحين على الأقل، يعيشون في مخيمات غير رسمية، بلا خدمات صحية أو تعليمية أو بيئية.
الموت في المخيمات لا يحتاج إلى طائرات ولا مدافع، فيكفي أن تشرب كوب ماء ملوث أو أن تلسعك بعوضة محمّلة بفيروس حتى تنتهي حياتك.
تنتشر الحمى كالنار في الهشيم، لا تستثني صغيراً ولا كبيراً وتتنوع الأمراض بين حمى الضنك والكوليرا والملاريا، والإنفلونزا الفيروسية... وتتداخل الأعراض.
إصابات بالآلاف
تقع محافظة مأرب في شمال شرق العاصمة صنعاء، وتبعد عنها مسافة تُقدّر بحوالي 173 كيلومتراً، وتُعدّ واحدة من أكبر المحافظات استقبالاً للنازحين في اليمن.
يتدهور الوضع الصحي في محافظة مأرب مع ارتفاع درجات الحرارة، وازدياد الكثافة السكانية داخل المخيمات التي أصبحت تضم أعداداً ضخمة من النازحين.
تقول أم يوسف "الحر والرطوبة والبعوض وقلة النظافة، كل شيء يتكاتف علينا"، بينما تنظر نحو صفيح الماء بجوار الخيمة، وقد غطت سطحه طبقة خضراء من الطحالب.
من جهته، يُوضّح مدير مكتب الصحة في محافظة مأرب، الدكتور أحمد العبادي، أنه "بعد الحرب، أصبح الوضع الصحي في مأرب كارثياً، فقبلها كان أي مريض يستطيع خلال ساعة ونصف أن يسافر إلى صنعاء ليتعالج ويعود، أما اليوم فمأرب لا تملك مستشفيات أو عيادات كافية ولا حتى أدوية"، وكان البنية التحتية للمدينة بسيطة للغاية "فقد كان عدد سكانها قبل النزوح 53 ألف نسمة، أما اليوم فالسكان الأصليون لا يتجاوزون 13%، والباقي نازحون".
ويضيف "رغم حملات التطعيم، منذ بداية العام وحتى منتصف مايو 2025، سجّلنا 164 حالة إصابة بالكوليرا، لكن الوافدين بأعدادهم الكبيرة ينقلون المرض، 99% من الحالات تأتي من مناطق أخرى منعت فيها اللقاحات".
أما الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، فقد سجلت بين يناير وأغسطس 2024 أكثر من 55 ألف حالة اشتباه بالإصابة بأوبئة، مثل الكوليرا، الحصبة، حمى الضنك والدفتيريا، بينها 90 حالة مؤكدة و19 وفاة. الكوليرا كانت الأكثر انتشاراً بنحو 54.456 حالة، فيما سُجلت 32 حالة مؤكدة بحمى الضنك، منها 71 في مخيم الحصون.
منذ عام 2014 يعيش اليمن في حالة حرب مستمرة، خلفت وراءها أزمة إنسانية كبيرة. تشير بيانات الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في ديسمبر 2024، الى أن الحرب دفعت "أكثر من ٤.٨ ملايين شخص إلى النزوح، يشكل النساء والأطفال 80% منهم، ويواجهون أوضاعاً قاسية ونقصاً حاداً في المأوى والغذاء والمياه النظيفة، وفي حين لا يستطيع 73% من النازحين الوصول إلى الرعاية الصحية".
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (اوتشا) فإن "4.5 ملايين يمني لا يزالون نازحين في أنحاء البلاد، الكثير منهم تعرّض لعمليات نزوح متعددة على مدى عدّة سنوات".
أزمة الأدوية تزيد المعاناة
قبل شهور قليلة، كانت أم يوسف شاهدة على وفاة بنت جارتها التي كانت تعاني من نفس أعراض ابنتها: وجع في البطن، حرارة مرتفعة، اسهال"، وقيل لأهلها وقتها أن ابنتهم تُعاني من أعراض الكوليرا. لذلك فهي خائفة على ابنتها من أن تلقى نفس المصير، خاصة وأنها لا تستطيع نقلها إلى مستشفى أهلية بسبب عدم وجود مواصلات وتوفر إمكانيات مادية.
تفتقر معظم مخيمات مأرب لمرافق صحية متقدمة، وتعتمد على نقاط إسعاف أو عيادات متنقلة تموّلها منظمات إنسانية، إلا أنّ تراجع التمويل الدولي والتحولات في أولويات العمل الإنساني أدى إلى انسحاب العديد منها مؤخراً.
وفي بعض الأحيان، لا يتوفر حتى ميزان حراري، وتُقاس حرارة الأطفال بلمس الجبهة ثم تُقدَّم لهم أدوية خفيفة قد لا تتناسب مع طبيعة العدوى. في هذا الصدد، تقول أم يوسف "يعطونا فقط بنادول ومغذيات، وأحياناً نرجع إلى الخيمة بعد ساعات من الانتظار بدون أي علاج لأن الطبيب ليس موجوداً أو نفذت الأدوية".
حول نقص الكوادر الصحية وعدم كفاية الدعم الصحي، يُفسّر مدير مكتب الصحة في محافظة مأرب أن "الكوادر الصحية جاءت من محافظات أخرى بحثاً عن مصدر الرزق، لكن مع توقف الدعم، هناك 500 عنصرا منهم يمكن أن يغادروا في أي لحظة، حيث كانوا يشتغلون ضمن 30 فريقاً توقفوا عن العمل، و35 موقعًا صحياً توقف الدعم عنها، وكان في كل منها 8 أشخاص من أطباء وممرضين وقابلات".
واضاف "أما الأدوية التي تصل، فهي لا تكفي إلا لـ 600 الى 800 نسمة، بينما الواقع أن لدينا أكثر من 3 ملايين شخص، نحاول قدر الإمكان تقديم ما نستطيع من المساعدة لهم".
الجوع والفقر أهم العوائق لمواجهة المرض
في زاوية من خيمة نجاة المعروفة بأم عبدة، وهي أم لثلاثة أطفال، تتكوّم عبوات أدوية فارغة، وعلى أحد الجوانب أُلصقت وصفة طبية من مركز صحي كُتب فيها بخط اليد "اشتباه حمى الضنك، راحة تامة، متابعة السوائل، وسوء تغذية "، لكن في الواقع لا شيء من هذا متاح في هذه الخيمة.
تقف نجاة وهي تحتضن رضيعها الصغير الذي يعاني من سوء تغذية حاد، وتقول "ولدي هلال أصبح عمره عاما، وعند رؤيته يظن الناس أنه مولود جديد بسبب ضعف بنيته، وهو لا يستطيع حتى البكاء، وعندما أخذه للمستشفى يخبرني الأطباء بأنه مصاب بسوء التغذية الحاد وقد أعطوني مغذيات وحليب، وأعلموني كذلك بأنه بحاجة لرعاية خاصة لأنه مصاب أيضاً بحمى الضنك".
تؤكد الدكتورة سماح الحدرمي، الطبيبة في قسم سوء التغذية بمستشفى كرى، على خطورة مشكلة سوء التغذية في المخيمات، وتُشير إلى تفاقمها قائلة: "تأتي إلينا حالات عديدة، ونُسجّل شهرياً ما يصل إلى 700 حالة، منها نحو 70 حالة مصابة بسوء التغذية الحاد الوخيم، و100 حالة متوسطة، بينما نحو 400 إلى 500 حالة يتم علاجها في بدايات الإصابة".
من جانبه، يُبينّ الدكتور أمين الكرابي، طبيب طوارئ في مستشفى الشهيد، أن "مأرب تواجه موجة تفشٍ جديدة لحمى الضنك، حيث سجلنا ارتفاعاً ملحوظاً في الإصابات في مخيمات مثل الجفينة، السويداء، الميل، والرويك"، مضيفا أن عدم إسعاف المريض مبكراً قد يتسبب في تطور المرض إلى الحمى النزفية".
ويشير كذلك إلى انتشار الإسهالات المائية، حيث تم تسجيل أكثر من 2112 حالة اشتباه بالكوليرا في مستشفى الشهيد عام 2024، وكان الفقر هو العائق الأكبر أمام الإسعاف المبكر، " إذ لا يملك الناس حتى أجرة المواصلات"، على حد قوله.
ويؤكد تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادر في فبراير 2024، بعنوان "قياس الفقر متعدد الأبعاد في اليمن"، أن 82.7% من سكان اليمن يعانون من فقر متعدد الأبعاد، أي بمعدل أكثر من 8 أشخاص من كل 10.
من جانبها، أشارت المنظمة الدولية للهجرة إلى افتتاح مركز لعلاج الإسهال في مخيم الجفينة، استفاد منه أكثر من 1500 نازح. في المقابل، تعاني المخيمات الأخرى، البالغ عددها 208 مخيمات، من ضعف الخدمات الصحية وغياب الوحدات الطبية، ما يساهم في تفشي الأمراض في ظل الاكتظاظ ونقص المياه وانتشار البعوض.
تنص المادة 55 من الدستور اليمني، أن "الرعاية الصحية حق لجميع المواطنين، وتكفل الدولة هذا الحق بإنشاء مختلف المستشفيات والمؤسسات الصحية والتوسع فيها، ويُنظّم القانون مهنة الطب والتوسع في الخدمات الصحية المجانية ونشر الوعي الصحي بين المواطنين". لكن بالمقارنة مع ازدياد أرقام المرضى والضحايا في محافظة مأرب، يظهر أن ما جاء في هذه المادة ليس سوى حبر على الورق.
في المخيمات أصبح الحصول على الرعاية الصحية حلماً يتمناه الآلاف من المرضى. هناك انهيار حياة الناس لا يحتاج إلى وباء عالمي، يكفي فقط يومٌ مشمس وريح رملية لتنقل الوباء إلى الخيام.
" نحن لا نطلب سوى أن نعيش بسلام، نريد طبيباً يكون موجودا، ودواءً لا يُشترى بالدين، وماءً لا يحمل المرض. ونحتاج إلى عيادات حقيقية داخل المخيمات، لذلك نرجو أن تعود المنظمات الإنسانية لتساعدنا، ولا تتركنا فريسة للوباء والفقر"، يقول بأسف أحد النازحين في مأرب، حيث يواجه الحياة في ظروف لا تحتمل.
« الموت في المخيمات لا يحتاج إلى طائرات ولا مدافع، فيكفي أن تشرب ماءً ملوثاً أو أن تلسعك بعوضة محمّلة بمرض. »






تعليقات