"إلا أبچيها وتجي تتوسل"... كيف يرقص العراقيون على إيقاع "التعنيف الرمزي" للنساء؟
- تمارة عماد

- قبل 3 أيام
- 4 دقيقة قراءة

في زحمة سير خانقة وسط بغداد، يصدح صوت جهوري من سيارة مجاورة. الإيقاع راقص ومبهج، يغري الرؤوس بالتمايل، لكن الكلمات التي تُصاحب هذا النغم تحمل وعيداً لا يمت للحب بصلة "إلا أبچيها وتجي تتوسل.. إلا أموتها عليّا من القهر". للحظة، يبدو المشهد سريالياً: شباب يرقصون بحماسة على وقع كلمات تتوعد بكسر كرامة امرأة وإذلالها.
خلف الأنغام الشجية للأغنية العراقية، وتحديداً في العقود الثلاثة الأخيرة، يختبئ خطاب ممنهج يعيد إنتاج علاقة قوة وتسلط يمارسها الرجل على المرأة. هذا الخطاب لا يكتفي بعكس الواقع، بل يستخدم الموسيقى كأداة ثقافية لتكريس "السلطة الذكورية"، محولاً الحبيب في الأغنية من شريك عاطفي إلى قاضٍ، وحاكم، وجلاد في آن واحد.
نحاول في هذا المقال تفكيك أركان هذا الخطاب، الذي يُعزّز فكرة تسلّط الرجل وتأديب المرأة، لفهم كيف تتسرب هذه السموم السمعية إلى الوعي الجمعي لتُكرّس العنف الرمزي ضد النساء.
التحول في اللغة كنتاج "لعسكرة المجتمع"
يرى الناقد والأكاديمي أحمد الظفيري أن هذا الانحدار في القاموس العاطفي لم يحدث فجأة، بل هو نتاج مسار طويل من "عسكرة" المجتمع العراقي. ويشرح كيف تحولت اللغة من "الوجد والشوق" إلى "التهديد والهيمنة"، مُرجعاً جذور ذلك إلى حقبة الحصار في التسعينيات.
يقول الظفيري: "لقد أدى الحصار والحروب إلى تراجع المؤسسات الثقافية والرقابة الفنية، ما فسح المجال أمام (التعبير الغريزي) ليحُلّ محل التعبير الجمالي. لكن الانفجار الحقيقي حدث بعد 2003، حين تضافر غياب لجان فحص النصوص مع صعود (ديكتاتورية المشاهدات) في السوق المفتوحة، حيث باتت مفردات "الصدمة والعنف" هي العملة الرابحة لجذب الانتباه".
لعل أخطر ما في الأغنية الرومانسية هو قدرتها على تغليف الخضوع بغلاف الغزل. وفي الكثير من الأغاني التي صاغتها حناجر كبار المطربين العراقيين، يتم استدعاء مفردات السلطة والحكم لوصف العلاقة العاطفية.
حين تغنى الكلمات بـ( يا حضرة السلطاني)، أو حين يصف الرجل نفسه بـ "الآمر الناهي"، فإننا نغادر مساحة الشراكة العاطفية إلى هيكلية هرمية صارمة.
إذا كانت مرحلة "السلطنة" تمثل الوجه الناعم للذكورية، فإن موجة الأغاني التي ازدهرت منذ تسعينيات القرن الماضي وتمتد إلى اليوم، تمثل الوجه الخشن والسادي. هنا، ننتقل من "الغزل الفوقي" إلى "التأديب الصريح".
عبارات مثل "إلا أبچيها"، "إلا أذلها"، "أخليها تعض أصبع ندم"، و"كذابة أنتي"، ليست مجرد تعبير عن قلب مكسور، بل هي سلسلة "انتقام". يلاحظ المتابع لتطور الأغنية العراقية انزياحاً خطيراً نحو التطبيع مع العنف اللفظي والنفسي. وفي هذه السردية، المرأة دائماً هي "الخائنة"، "اللّعوب"، و"الناكرة للجميل"، بينما الرجل هو الضحية التي تملك حق العقاب.
المطرب "ابن بيئته"... والجمهور شريك
في تحليله للعلاقة الجدلية بين الفنان والجمهور، يرفض الظفيري تحميل طرف واحد المسؤولية، معتبراً أن الأغنية "مرآة لواقع مشحون"، فالحياة اليومية في العراق، التي شهدت تراجعاً في سيادة القانون وارتفاعاً في منسوب العنف، ولّدت قناعة جمعية بأن "القوة هي وسيلة البقاء".
ويضيف: "المطربون الجدد هم أبناء هذه البيئات المتوترة، حيث أنهم لم يتلقوا تهذيباً موسيقياً، لذا فهم يعيدون إنتاج عنف الشارع داخل الاستوديو. والجمهور بدوره، وإن كان ينشد الفرح، فإنه يستجيب لا شعوريا لسردية القوة، حيث يُسوّق للعنف اللفظي على أنه (رجولة) و(سيطرة مستحقة)، ليصبح مع الوقت جزءاً من المقبول ثقافياً".
تكمن الخطورة هنا في أن هذه الأغاني تُسمع في الأعراس، وفي السيارات، وفي المقاهي، ويرددها الأطفال والمراهقون. وتُصبح فكرة "إذلال الحبيبة" مرادفة لـ "الكرامة الذكورية". والرجل الذي لا "يؤدب" حبيبته التي أخطأت، يُنظر إليه (وفق منطق هذه الأغاني) على أنه ضعيف الشخصية.
عند تفكيك بنية الأغاني التي تتناول موضوع "الخيانة"، نجد تفاوتاً جندرياً واضحًا. حين يخون الرجل، غالباً ما تلتمس الأغنية له الأعذار، أو تُصورّه كـ "طير حر" لا يكفيه غصن واحد، أو يتم لوم المرأة الأخرى (خرابة البيوت). أما حين يٌشتبه بخيانة المرأة، فإن الحكم يصدر فورياً وقاطعاً: الطرد، التشهير، والوصم الأخلاقي الذي لا يُمحى.
تتردد كلمات مثل "غدارة" و"بياعة" بكثافة مفرطة، مما يُعزّز صورة نمطية للمرأة ككائن ماكر لا يُؤتمن. هذه الشيطنة المستمرة لها في الفن الشعبي والرومانسي تمنح المجتمع رخصة أخلاقية لمراقبتها والتضييق عليها، بذريعة أن طبيعتها تميل للغدر ما لم يتم ضبطها.
الترويج للعنف اللفظي والجسدي
لا يتوقف الضرر الناتج عن هذه الأغاني عند حدود المس من الذوق العام، بل يتعداه ليمنح الجمهور "كتالوجاً" لممارسة العنف. ترى سارة جاسم، المدافعة عن حقوق النساء، أن المسافة بين "الشتيمة الموسيقية" والتعنيف الجسدي قد تلاشت تماماً.
من خلال رصدها لقصص النساء المعنفات، لاحظت هذه الأخيرة تقاطعاً مرعباً بين لغة المعتدين وقاموس الأغاني الرائجة، حيث تقول: "عبارات مثل (أكسر خشمها) و(أخليها تجي تتوسل) لم تبقَ مجرد مبالغات فنية، بل تحولت إلى تبرير إجتماعي للعقاب. حين تُصبح هذه المفردات مألوفة للأذن، يتراجع معيار الصدمة، وتتحول الكلمة العنيفة بمرور الوقت إلى فعل عنيف، وكأن الضرب امتداد طبيعي لهذه "الفحولة الغنائية".
وتشير جاسم إلى ما تسميه "ثقافة الحب العنيف"، حيث يتم تصوير التملك على أنه غيرة، والضغط النفسي على أنه اهتمام. الأخطر في هذا الخطاب هو شيطنة كلمة "لا"، واعتبار رفض المرأة "جرحاً للكرامة" يستوجب الانتقام لا التفهم.
هذا الربط ليس نظرياً، بل تم حقيقة تجسيده في الواقع. تستحضر جاسم مآسي واقعية كقضية الشابة "مريم" (2021) التي رُش وجهها بماء النار، ومحاولة قتل طالبة جامعة البصرة (2023). الجريمتان وقعتا لأن الضحيتين قالتا لا؛ وهو الرفض الذي تحاربه الأغاني بشعار "إلي ..ما تصير لغيري". وتضيف "الأغنية التي تصف المرأة بـ(الكذابة والبياعة) لا ترفه عن الجمهور، بل تضعه في حالة تأهب وريبة، وتجعل المرأة متهمة حتى تثبت براءتها. ومواجهة هذا الخطاب لا تكون بالمنع البوليسي، بل بانتزاع التصفيق عنه، وبناء وعي يدرك فيه الرجل أن كلمة (لا) هي حق إنساني، وليست إعلان حرب".
"تجميل القبح"... لماذا نرقص على إهانتنا؟
عن المفارقة المتمثلة في الرقص البهيج على كلمات مُهينة، يُقدّم الظفيري تفسيراً نفسياً وفنياً لافتاً، واصفاً ما يحدث بعمليات "تجميل لغوي".
يرى الناقد أن "الإيقاع الصاخب والسريع يعمل كأداة تخدير؛ فهو يطغى على الكلمات ويُحرّك الغريزة، ما يجعل المتلقي منشغلاً بالرقص كحالة (تعويض نفسي) واحتجاج جسدي ضد الكبت والألم، تماماً كما كان يفعل المحتجون في ساحات التظاهر". ويختم الظفيري حديثه قائلاً: "شركات الإنتاج والملحنون يمارسون خدعة ذكية؛ يستخدمون اللحن كقناع يخفي بشاعة النص، فيبتلع الجمهور السم في العسل، ويستهلك خطاباً يمس من كرامته دون أن يشعر بالمهانة".
إن الموسيقى ليست بريئة، والأغنية العراقية، بتاريخها ومقاماتها الشجية، تستحق خطاباً يرتقي بالعلاقات الإنسانية بدلاً من سحقها. مسؤولية الفنانين وكتاب الأغاني اليوم هي إعادة الاعتبار لمفاهيم الشراكة، والاحترام، والندية في الحب. ومسؤوليتنا كجمهور نسائي هي أن نتوقف عن التصفيق لمن يهيننا، وأن نمتنع عن الرقص على جراحنا.
آن الأوان لأن تتغير الاسطوانة، لتصبح الأغنية مساحة للبوح والجمال، لا ساحة لتصفية الحسابات وإعلان الحروب الذكورية، فالحب الذي يحتاج إلى إذلال لكي يستمر، ليس حباً.. بل هو مجرد تسلّط يختبئ خلف الأنغام.
"شركات الإنتاج والملحنون يمارسون خدعة ذكية؛ يستخدمون اللحن كقناع يخفي بشاعة النص، فيبتلع الجمهور السم في العسل"
لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)






تعليقات