زواج القاصرات في اليمن: تقاليد بالية تعصف بأحلام الفتيات في مواصلة تعليمهن
- أنسام عبدالله وفاطمة أحمد
- قبل 15 دقيقة
- 6 دقيقة قراءة

"أكثر ما حُرمت منه المرأة اليمنية هو التعليم"، بهذه الكلمات تختصر مزنة الحميدي، سيدة في الخمسين من عمرها، معاناة النساء في اليمن.
ما زالت هذه الأخيرة تحن إلى فرصة ضاعت منها بسبب تزويجها مبكرا في سن 13 من عمرها وعدم إكمالها تعليمها، حيث أنجبت طفلها الأول بعد عام واحد فقط من بلوغها البيولوجي. تتحسر مزنة على تلك الأيام، حين كانت في الصفوف الابتدائية وتتذكر معلميها المصريين قبل حوالي نصف قرن.
لاتزال المرأة اليمنية تُعاني إلى اليوم من ظاهرة الزواج المبكر، الذي يعتبر أحد العادات والتقاليد الاجتماعية المتجذرة في المجتمع. وقد أسهمت الحرب وتدهور الوضع الإنساني والصحي في ازدياد هذه الظاهرة، حتى باتت تُمثّل أحد أبرز أشكال العنف الممنهج ضد الفتيات.
يؤدي زواج القاصرات إلى انقطاع البنات عن التعليم في سن مبكرة، حيث تقل فرصهن في الالتحاق بالمدراس أو الاستمرار فيها. وفقاً لتقرير صادر من اليونيسف في يوليو 2021، فإن هناك "أكثر من مليوني طالب وطالبة يوجدون خارج المدرسة"، وهو ضعف العدد مقارنة بعام 2015.
وتشير دراسة أجرتها وزارة التربية والتعليم في عام 2014، الى أن "الفتيات هن أكثرعرضة بنسبة 17% للانقطاع عن التعليم في المرحلة الابتدائية مقارنة بالفتيان"، بينما في المرحلة الإعدادية "ترتفع هذه النسبة إلى 23%"، الأمر الذي يعكس ازدياد الفجوة بين الجنسين فيما يخص التسرب من المدرسة.
ويُعدّ الزواج المبكر السبب الأبرز لانقطاع الفتيات عن التعليم، الأمر الذي زاد من نسبة الأمية في أوساط النساء وقّلل من عدد الملتحقات بالتعليم العالي، في ظل ظروف اقتصادية صعبة بسبب الحرب والجفاف والتغيرات المناخية.
في المجتمعات القبلية يُنظر إلى الزواج المبكر أحياناً كوسيلة لحماية الفتاة أو لتأمين مستقبلها، خاصة مع ضعف الوعي المجتمعي بأهمية تعليم الإناث، الذي يُساهم في استمرار هذه الظاهرة. لكن في الواقع، فإن ذلك يتسبب في التعدي على حق المرأة الأساسي في التعليم.
"لا خيار لنا كفتيات سوى الموافقة والرضوخ"
بدأت ظاهرة تزويج القاصرات في القرية بين أحضان القبيلة ولكن الحرب والظروف الاقتصادية الصعبة، جلبت هذه التقاليد إلى المدن والمراكز الحضارية، مثل عدن وغيرها.
في هذا الصدد تقول رنا (اسم مستعار)، معلمة تعمل في إحدى المدارس بمديرية البريقة في محافظة عدن: "لاحظت أنا وزميلاتي ازدياد عدد المخطوبات من الطالبات في المراحل الأساسية والثانوية، وعدد المتسربات من الصفوف أو اللواتي يذهبن الى صفوف الانتساب أو التعليم المنزلي لانشغالهن ببيوتهن المفتوحة حديثا، سواءا كان ذلك بإردتهن أو بدونها".
لا تزال العديد من الفتيات اليمنيات اللواتي تزوجن في سن مبكرة، يدفعن ثمن هذا القرار القاسي الذي اتخذه الكبار في العائلة، من بينهن فخرية محمود (اسم مستعار)، وهي نازحة من محافظة تعز وتسكن في مديرية البريقة، وهي كذلك أم لطفلين، الكبرى تبلغ من العمر ثماني سنوات والصغرى لم يتجاوز سنها تسعة أشهر، وهي تُعاني هي وزوجها من قسوة الحياة. من أجل كسب لقمة عيشها، تُدير مشروعاً منزلياً قائما على بيع المعجنات، في حين يعمل زوجها في صيد وبيع السمك لمجابهة غلاء الأسعار وارتفاع تكاليف الإيجار ومصاريف المدرسة لطفلتها الكبرى.
تروي فخرية قصتها بمرارة قائلة: "وحده النظر إلى طفلتيّ يخفف عني الأعباء التي نالت من صحتي جراء زواجي المبكر وولادتي الأخيرة الصعبة، والتي استغرقت أربع ساعات في عملية قيصرية حطمتني مادياً وصحياً"، مضيفة "عندما تزوجت كان عمري 15 سنة، لكن كتبوا لي في عقد الزواج حينها بأن لدي 19 سنة. كان أخي هو من أرغمني على هذا الزواج مثلي مثل أخواتي البنات اللواتي زوجهن أبي وهن قاصرات قبل وفاته".
من جهتها، تتحدث نسرين (اسم مستعار)، وهي أم لطفلة في عامها الثالث وطفل لا يتعدى عمره التسعة أشهر، عن قصتها المؤلمة حول زواجها بعمر ال16 سنة، وتقول "زوجتني عائلتي بعد نزوحنا إلى عدن بسبب الحرب. في محافظتنا، الحديدة، كان والدي رجلا فقيرا وعائلتي كثيرة العدد، ولا نملك كمصدر دخل سوى المساعدات الإنسانية، كما أن الزواج المبكر يُعدّ هناك من العادات والتقاليد التي نشأنا عليها، ولا خيار لنا كفتيات سوى الموافقة والرضوخ لقرار الذكور دون أي اعتراض".
52% من الفتيات اليمنيات يتزوجن قبل سن 18عاماً
يشير تقرير دراسة أجرتها هيومن رايتس ووتش تحت عنوان "على اليمن وضع نهاية لزواج الأطفال"، أن "نحو 52% من الفتيات اليمنيات يتزوجن قبل سن 18عاماً، و14% منهن قبل سن 15 عاماً، أما نسبة الفتيات المتزوجات من الفئة العمرية بين 20 الى 24 عاماً، فتبلغ 37%".
تقول منظمة هيومن رايتس ووتش في دراستها " أن الضرر الذي تتعرض له الفتيات اللواتي تقوم عائلاتهن بإجبارهن على الزواج، في بعض الحالات في سن صغيرة تصل إلى ثماني سنوات، شديد وطويل الأمد، لأنه يعني أنهن فقدن السيطرة على حياتهن، بما في ذلك القدرة على تقرير ما إذا كن يرغبن في إنجاب أطفال أم لا ومتى يكون ذلك".
وبسبب انتشار الظاهرة وخطورتها على الفتيات، دعا مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة اليمن في سبتمبر 2013 لإنهاء الزواج المبكر والقسري.
كذلك أشار المجلس الأعلى للأمومة والطفولة في تقرير نشرته منظمة الإنسانية الجديدة في 2007، أن وزارة الصحة اليمنية تقدرعدد النساء اللواتي يمتن يومياً أثناء الولادة بثماني نساء، ومن بين 100 الف ولادة حية (طبيعية) تموت 366 امرأة، ويتفاقم الوضع بسبب ارتفاع معدل الخصوبة في اليمن وهو أحد أعلى المعدلات في العالم، بمتوسط سبعة أطفال لكل امرأة. ويعتبر المختصون أن الزواج المبكر هو أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع معدل وفيات الأمهات.
مشاريع قوانين معطلة للحد من الزواج المبكر
رغم المحاولات المتكررة لتحديد سن قانوني للزواج في اليمن، إلا أن هذه الجهود غالباً ما تُواجه بمعارضة من بعض القوى التقليدية والدينية. في عام 2014، تم تقديم مشروع قانون يحدد سن الزواج بـ 18 عاماً، لكن لم يتم إقراره حتى الآن، حيث أن المعمول به حاليا، هي المادة 15 من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1990، والتي تنص على "أنه لا يصح تزويج الصغير ذكراً كان أو أنثى دون بلوغه خمسة عشرة سنة".
تضمّن مشروع القانون الذي تم طرحه من جانب وزير الشؤون القانونية اليمني في 2014، اقتراحات جذرية لحل مشكلة الزواج المبكر، فمثلا جاء في الفقرة (ج) من المادة 46، أنه "على المسؤول عن تحرير عقد الزواج التأكد من سن الرجل والمرأة على حد سواء. أما المادة 242 الفقرة (أ) فتنص، على عقوبات جنائية بالسجن لفترات تتراوح بين شهرين وسنة واحدة وغرامة تصل الى 400 ألف ريال، ما يعادل (1860 دولاراً وقت إقرار القانون) لأي شخص غير مختص يقوم بتحرير عقد زواج وهو على معرفة بأن أحد الطرفين على الأقل دون سن ال18، ويواجه أي من الشهود أو الموقعين على عقد الزواج، بمن في ذلك الآباء والاوصياء، الذين يعرفون أن أحد الطرفين على الأقل هو دون سن ال18، عقوبة السجن من شهر الى ثلاثة أشهر وغرامة مالية تتراوح ما بين 100 ألف و250 ألف ريال (460 الى 1160 دولاراً وقت إقرار القانون).
وبالرغم من أن اليمن وقّع على إتفاقيات دولية مثل إتفاقية حقوق الطفل واتفاقية سيداو، التي تمنع بشكل صريح زواج الأطفال، وتُلزم الدولة باتخاذ تدابير قضائية لاستئصال هذه الممارسة، إلا أن الواقع يعكس غير ذلك.
ترى الناشطة النسوية والحقوقية، الرميصاء يعقوب أنه "يجب رفع سن الزواج لضمان حماية الطفلات وضمان تنمية سليمة لهن، ولكن للأسف لا يتم تطبيق القوانين حالياً".
زواج القاصرات في اليمن ليس ظاهرة جديدة بل هو نتاج بيئة قبلية راسخة في الأرياف، حيث تتغلب العادات والتقاليد على الحقوق الأساسية للفتيات، إلا أن تفاقم الظاهرة في الوقت الراهن يعود إلى عوامل إضافية أبرزها الفقر، وضعف مستوى التعليم، وغياب القوانين الرادعة.
وتشير الحقوقية رميصاء إلى أنه "رغم أن غياب مجلس النواب يمنع حالياً إصدار قانون يحدد سناً قانونية للزواج، إلا أنه لا يزال بإمكاننا إحداث فرق من خلال حملات توعية جادة ومستدامة تركز على حماية الطفولة، وتمكين الفتيات على الأقل من خلال التعليم كخطوة أساسية لبناء جيل واعٍ وقادر على التغيير".
وتضيف "يجري حالياً إعداد خطة لمشروع الحماية الاجتماعية لعدن، وخطة وطنية عامة ومناقشة موضوع سن الزواج، حيث أن سن ال15 سنة غير مناسب للزواج كون الفتاة في هذا العمر لم يكتمل نموها الجسدي أو النفسي، مما يُشكّل خطراً على صحتها وعائقا أمام قدرتها على تحمل مسؤولية أسرة".
تداعيات جسدية ونفسية حادة
تواجه الفتيات المتزوجات في سن مبكرة مخاطر صحية جسيمة أثناء الحمل والولادة ومضاعفاتها، مثل النزيف والالتهابات وتسمم الحمل، نظراً لعدم اكتمال نمو أجسادهن، مما يؤدي إلى الوفاة، إضافة إلى التأثير النفسي، حيث أن العديد من الفتيات يواجهن اضطرابات نفسية نتيجة زواجهن المبكر كالاكتئاب والقلق، بسبب الضغوط والمسؤوليات التي تُلقى على عاتقهن في سن صغيرة.
في هذا الصدد، تُفسّر الأستاذة رانيا خالد، رئيسة منصة المرأة المستقلة، وأستاذ مساعد في قسم علم الاجتماع في جامعة عدن ومختصة في تدريب الدعم النفسي، أن "زواج القاصرات صار مشكلة تؤرق المجتمع اليمني بشكل عام وعدن بشكل خاص، لما يترتب عليه من سلبيات كثيرة"، مشيرة إلى أن " الفتاة تتعرض للأمراض النفسية والعضوية في حالة الحمل المبكر، كما أن الأم الطفلة التي تُصبح لديها أطفال، تجد نفسها غير ناضجة لتربية الأولاد مستقبلاً. كذلك، فإن عدم اكتمال الوضع الواعي لعقلها وعدم فهمها لمهام الأم والزوجة، يتسبّب في ازدياد التوترات مع الزوج، وقد حصلت مشاكل كبيرة وكثيرة من هذا القبيل".
يتسبّب الزواج المبكر أيضا في انقطاع الفتيات عن التعليم، مما يحد من فرصهن في الحصول على وظائف مستقبلية، وتعاني الزوجات القاصرات من الفقر والاعتماد على الآخرين بصورة كبيرة، وهو ما يعد من مؤشرات الأضرار الاجتماعية التي تعانيها القاصرة، من قبيل تعزيز دائرة الفقر وتهميش المرأة وإقصائها من العمل والحياة العامة، وهو ما ينعكس سلبا على المجتمع برمته. لذلك تعتبر الأستاذة رنا، أن "ازدياد ظاهرة الزواج المبكر، يستدعي حقاً تدخلاً قانونياً لتمكين الفتاة من إكمال تعليمها، على الأقل في المرحلة الأساسية".
غالبا ما تعيش الفتيات اللواتي تزوجن في سن مبكرة حياة زوجية صعبة، لذلك بات من الضروري الحد من هذه الظاهرة عبر سن قوانين ملائمة تمنع هذا النوع من الزواج والحرص على تطبيقها.
كذلك من المهم إنشاء مراكز تخصصية لمعالجة تبعات مشكلة زواج القاصرات نفسياً وجسدياً وتحسين المستوى المعيشي لبعض القاصرات اللواتي لم يكملن تعليمهن من خلال دعمهن لانشاء مشاريع صغيرة مثل الطبخ والخياطة والتطريز، مما يساهم في التخفيف من معاناتهن ويساعدهن على مجابهة الحياة بشكل أفضل.
"لا خيار لنا كفتيات سوى الموافقة والرضوخ لقرار الذكور دون أي اعتراض."






تعليقات