top of page
Screenshot 2023-11-22 at 11.56.45 AM.png

للوهلة الأولى، يبدو اسم “أم علي” ملتصقاً بامرأة قد تكون تجاوزت سن الأربعين، إلا أنه لقب لفتاة في السادسة عشرة من عمرها. أم علي التي تسكن محافظة النجف تزوجت في سن الثانية عشرة وأنجبت طفلها الأول "علي" وهي في الرابعة عشرة لرجل يكبرها بعشرين عاما. 


تروي رحلة زواجها بحسرة: " كنت في السادس ابتدائي حين بلغت. ذهبت لأمي باكية لأنني أنزف وكنت أظن أن خطباً ما أصابني، ولم أدرك حينها أنها لعنة الحيض قد حلّت بي ". حاولت أمها إخفاء أمر بلوغها عن والدها، إلا أن تغيراتها الجسمانية فضحت الأمر ولم يبق هذا السر لوقت طويل، فبعد شهرين من بلوغها اكتشف والدها الأمر وقرر تزويجها لأحد العاملين معه في محل الدهين الخاص به الدهين هو حلوى عراقية مشهورة في المناطق التي تتسم بسمات دينية. 

" زوجني أبي مقابل مهر قدره خمسة ملايين دينار عراقي ولم أرَ فلساً واحداً من المبلغ، وقال لي حينها أن المرأة حالما تبلغ يجب أن تُستر في منزل زوجها قبل أن تجلب العار للعائلة"، تتذكر أم علي بألم. هكذا تحولت طفلة في الثانية عشرة من اللعب في ساحة المدرسة مع صديقاتها إلى مسؤولة عن بيت وزوج وطفل. 

أم علي ليست حالة فردية أو نادرة، فحسب بيانات نشرتها اليونسيف تبلغ نسبة زواج القاصرات في العراق 28% ، إلا أن تقارير أخرى تُشكّك في هذه النسبة خاصة وأن  22% من زيجات القاصرات دون سن الرابعة عشرة تجري خارج المحاكم وتكون غير مسجلة، كما أن مجلس القضاء الأعلى ينشر إحصائيات شهرية لعدد حالات الزواج والطلاق بشكل عام، دون إعطاء مزيد من التفاصيل فيما يتعلق بالفئات العمرية.


ثغرات قانونية يتم استغلالها لتزويج البنات الصغيرات


 حدّدت المادة السابعة من قانون الأحول الشخصية العراقي بشكل واضح سن الزواج الرسمي وهو الثامنة عشر مع وجود بعض الاستثناءات، حيث يجوز للقاضي أن يأذن بزواج من بلغت الخامسة عشرة من العمر إذا تحقق من أهليتها البدنية والعقلية، وبموافقة وليّها الشرعي. تُستغلّ هذه الثغرة في العادة لتزويج القاصرات ما بين سن الخامسة عشر والسابعة عشر، لكن لا يجوز بأي شكل من الأشكال تزويج من هي دون الخامسة عشر، إذ يُعتبر الزواج باطلاً وفقاً للقانون.

على الرغم من ذلك، يوضح القاضي المتقاعد رحيم العكيلي أن قانون الأحوال الشخصية لا يُتيح للمحاكم تسجيل عقد الزواج لمن هي دون الخامسة عشرة، إلا أنه يُفسح المجال غير القانوني لإيقاع زواج من هن دون الخامسة عشرة خارج المحكمة، فتقضي المحاكم لاحقا بتصديق تلك الزيجات بحكم، لأن القانون لا يُجرّمها وإنما يُجرّم عدم تسجيلها فقط عبر تسليط عقوبة بسيطة غير رادعة وهي غرامة مالية. ويشير إلى أن تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 1 لسنة 2025 وسّع من إطار انتشار زيجات القاصرات خارج المحكمة لأنه فعليا ألغى اشتراط تسجيل الزواج بالمحاكم وألغى تجريمه خارج المحاكم. 


تبارك ، 16 سنة، من بابل حُجزت للزواج من ابن عمها حين كانت تبلغ ثماني  سنوات وتزوجته حين بلغت الثانية عشرة من عمرها. ليلة زواجها الأولى كانت كابوساً ظلّ يُطاردها حتى هذه اللحظة. "جمعونا أنا وابن عمي في غرفة واحدة، توترتُ وخفتُ كثيراً، حينها قال لي أنه أصبح زوجي وأنه، من الآن وصاعدا، يجب أن أطيع كل أوامره. طلب مني أن أخلع ثيابي وحين رفضت انهال علي بالضرب فبدأتُ بالصراخ. وفي لحظات صراخي، بدأ الجميع بالزغردة في الخارج "، تتذكر تبارك بحسرة، رافضة أن تسمي ما حصل زواجاً وإنما " اغتصابًا". 


الفقه الجعفري كمرجع


في آذار 2014، طرح وزير العدل العراقي الأسبق، حسن الشمري مشروع “المدونة الجعفرية”، وهو قانون يهدف إلى تقنين الأحوال الشخصية على أساس الفقه الجعفري. تضمّن النص المقترح مادة تُجيز زواج الفتاة في سن التاسعة، باعتباره “سنّ البلوغ الشرعي”.

منذ ذلك الوقت، تحوّلت المدونة إلى مرجع غير رسمي يُستند إليه في المكاتب الشرعية داخل النجف وكربلاء وبابل والديوانية، خصوصًا بعد عام 2017، مع تصاعد نفوذ الأحزاب الدينية في هذه المناطق.


بدأت بعض المكاتب تُبرم عقود شرعية خارج إشراف المحاكم، وتُبرّر ذلك بأن الفقه الجعفري يُجيزها إذا بلغت البنت التسع سنوات شرعاً.  ومع مرور الوقت، تزايدت العقود غير المسجّلة رسميًا، وصار البعض يصفها بأنها “زواج منقطع” أو “زواج متعة”، لتخفيف وقع الكلمة وإخفاء طبيعتها. بهذا الشكل، تحوّلت المدونة الجعفرية من مشروع قانون مجمّد إلى سوق اجتماعي فعلي تُدار فيه زيجات الطفلات تحت غطاء ديني، في ظل غياب تام للرقابة الحكومية. ورغم أن المدونة الجعفرية لم تُقرّ رسميًا حتى اليوم، ولم تُنشر في “الوقائع العراقية” لتصبح قانونًا نافذًا، إلا أن المحاكم الشرعية في محافظات الوسط والجنوب تتعامل معها وكأنها قائمة فعلاً.  وعادة  ما يستند القضاة إلى المادة 41 من الدستور العراقي، التي تمنح المواطنين حرية الإلتزام بأحوالهم الشخصية وفق مذاهبهم، لتمرير عقود زواج تُبرم على أساس الفقه الجعفري، خصوصًا عندما تكون المرأة تحت السن القانوني. 


رغدة التي بلغت عامها الثامن عشر والتي تسكن في منطقة نائية في كربلاء، تزوجت وانفصلت ثلاث مرات بسبب والدها، حيث تقول" كنت أبلغ  من العمر 14 سنة في زيجتي الاولى وانفصلت  بعد شهرين، أما زيجتي الثانية فكانت في الخامسة عشرة واستمرت ثلاثة أشهر. في حين، كانت زيجتي الثالثة في السابعة عشرة وانفصلت بعد شهر واحد. كل الزيجات حصلت وانتهت دون علمي وموافقتي وكان أبي هو من يقف وراء تنظيمها"، مضيفة "كل أزواجي كانوا أكبر مني سناً. زوجي الأول كان عمره ستون عامًا، والثاني 53 عامًا والثالث كان صديقا لوالدي ولا أدري كم كان عمره لكنه كان أكبرهم". لم تدرك رغدة أن كل تلك الزيجات كانت "زواج متعة" مقابل مبالغ مالية تحت غطاء المهر أخذها جميعها والدها، بينما تحوّلت هي إلى سلعة عائلية تُباع وتُشترى متى ما وجد هذا الأخير شخصاً يدفع مبلغا مجزيا. 


انعكاسات نفسية كبيرة


تقول فاطمة المرنيسي، الباحثة المغربية في علم الاجتماع أن "المجتمع الذكوري لا يخاف من جسد المرأة، بل من عقلها". وترى أن كل ما يُفرض على النساء من قيود وطقوس ليس لحمايتهن، بل لضمان استمرار السيطرة عليهن.  في كتابها "ما وراء الحجاب"، تكتب المرنيسي أن "المرأة التي تُسلب إرادتها قبل أن تعيها، تتحول من إنسان إلى رمز شرف يُدار من قبل الآخرين"، وتعتبر أن أخطر ما تواجهه الأنثى في المجتمعات العربية هو أن "تُختزل في جسدٍ بلا صوت". بالنسبة لها، الزواج المبكر هو أخطر أشكال هذا الاختزال، لأنه يمحو وعي الطفلة قبل أن يتكوّن، ويحوّلها إلى كيان تابع يعيش في نظام يقدّس الطاعة ويخاف من السؤال. وتضيف "كل أنثى تُربّى على الصمت، تكبر وهي مقتنعة أن الطاعة فضيلة، وأن حريتها خطيئة".

 هذا ما يؤكده أيضا، المختص العراقي في علم النفس، الأستاذ زياد الصوفي، الذي يعتبر أن زواج القاصرات  يحرم المرأة من طفولتها لأنها تضيع بين فكرتين: هل أنا زوجة أم طفلة؟  هذا التساؤل يؤثّر على مساحة هويتها الخاصة. ويضيف " أن المراحل النمائية للأفراد هي مراحل تصقل وتبني شخصية الانسان ومهاراته العاطفية والعقلية، فالبنت الصغيرة التي يتم تزويجها لا تزال في مرحلة التعلم والتجربة، لذا فهي  تقفز المراحل النمائية (الطفولة والمراهقة) حين تتزوج قبل الثامنة عشر، ما يسبب مشكلة في قدراتها الذهنية على إدارة عواطفها والدفاع عن نفسها في ظل غياب أية آليات لذلك ". وقد يؤدي زواج القاصرات لحالات اكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة والانفصال الإجتماعي لأن الزوجة غير مدركة للواقع، خاصة أن الجيل الحالي يختلف من ناحية التنشئة الاجتماعية، "فهو معتمد على العائلة أكثر من الأجيال السابقة، ما يتسبب في تأخره باكتساب المهارات الاجتماعية". 

ورغم كل التحذيرات التي يطلقها الأخصائيون وممثلو المنظمات الدولية، ما زال زواج القاصرات يتصاعد في العراق. ولم يعد مجرد عادة اجتماعية، بل تحول إلى سوق صريح تُبرم فيه عقود زواج شرعي، وتُعامل فيه الطفلات كسلع تُشترى وتُباع، في بلد ما زال يخلط بين الدين والقانون.



«تحوّل زواج القاصرات من ممارسة اجتماعية إلى سوق تُدار فيه أجساد الطفلات تحت غطاء ديني وقانوني.»

لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)


 
 

"في كل صباح، وفي تمام الساعة الثامنة كنتُ أركب الدراجة خلف أبي متمسكة به وكأنه الشخص الوحيد الذي يمكنه إصالي إلى روضة الأطفال بأمان، رغم أن وسيلة النقل لم تكن آمنة بما يكفي كالسيارة، كما كان من الممكن أن أسقط في أية لحظة نظرا لصغر سني. رغم ذلك، شكّلت هذه الدراجة كل ذكرياتي الجميلة، خاصة مع جهاز الـ(ام بي 3) الذي يحتوي على أغنية (يا عشكنة)، حيث كنت أرى أنني ملكة كل صباح"


  تتذكر مريم، 23 سنة، شغفها بالدراجة، مضيفة " عندما بلغت التاسعة من عمري، طلبت من والدي أن يشتري لي دراجة وبالفعل استجاب لرغبتي، لكن بشرط أن لا أخرج بها إلا بوجوده أو برفقة أحد أفراد العائلة. "كانت رغبتي هي الذهاب إلى المدرسة بمفردي على الدراجة، إلا أن أمي اعترضت لأننا نعيش في حي العبيدي أطراف بغداد، فأثار ذلك غضبي، حيث لم أفهم ما الفائدة من الدراجة إذا لم يكن بمقدوري استخدامها متى ما رغبت". 

ذات مرة سرقت مريم الدراجة دون علم أمها وذهبت بها إلى المدرسة، إلا أن جميع الفتيات الصغيرات كن ينظرن إليها بطريقة غريبة، وكأنها مختلفة عنهن، فعادت باكية إلى البيت. وكنتيجة لفعلتها، بيعت الدراجة كعقوبة لها.

لا تزال مريم ترى دراجتها كحلم سُرق منها وتشعر أنها لم تكن مجرد وسيلة نقل، بل إحساسا بالحرية تم تقييده وتقنينه منذ الصغر. مازالت تتذكر ألوان الدراجة وكيف كانت تزينها وتغسلها بشكل يومي وحلمها بأن تخوض بها سباقات عالمية مستقبلية وتكون "خارقة"، لكن هذه الرغبة لم تتحقق بسبب طبيعة المجتمع المحافظ وتحولت الى حسرة لم تتخطاها إلى اليوم. 

بين عجلات الدراجة وتقاليد المجتمع، وُلدت حملة عقدية جديدة التي جعلت من الحركة فعل مقاومة، ومن التوازن على الطريق طريقًا نحو المساواة.


الدراجة كرمز تحرر الجسد في الفضاء العام


يؤكد الباحث في الشؤون الاستراتيجية عمر عبد الجبار أن انتشار ركوب الدراجة من قبل الفتيات ظاهرة تصاعدت بشكل ملحوظ خلال وبعد مظاهرات أكتوبر 2019، كجزء من ترسيم الجسد كرسالة سياسية، ليُصبح  ركوب الدراجة فعلا يُجسّد كسر القيد الإجتماعي والثقافة من خلال لباس عملي وحركة حرّة وقرار ذاتي. 

بهذا المعنى، " تُصبح الدراجة “لغة” سياسية تُسائل معايير “اللائق” و”المسموح” ولا تنتهي بانسحابها من الساحات بل ينتقل تأثيرها إلى الحياة اليومية من خلال ممارسات  تُحوِّل مطالب تشرین (الكرامة، الأمان، الخدمات) إلى سلوك مدني مستدام، وتُبقي ذاكرة الحركة حيّة عبر طقسٍ اجتماعي متكرر يُسهّل انضمام أخريات إليه كنوع من المقاومة الثقافية الناعمة ومحاولة لإعادة امتلاك الفضاء العام الذي كانت تُسيطرُ عليه الثقافة الذكورية التقليدية."مضيفا أنه "حتى على صعيد الحركة الاحتجاجية، فإن وجود النساء قبل تشرين كان وجودا محدودا وشكليا وخجولا، كما أن فكرة التظاهر والتعبير عن الرأي وخلق التغيير السياسي كانت محتكرة بطريقة أو بأخرى من قبل الرجال. إلا أن صعود جيل جديد منفتح على العالم وقادر على الوصول الكامل للأنترنت وامتلاك الأدوات الكافية للمقارنة والتحليل، غيّر قواعد اللعبة، حيث أن مظاهرات تشرين فتحت الساحات وأعادت للجيل الشاب إحساس "الأحقية" بالشارع".

 هذا الانتقال الثقافي غيّر مسار اللعبة برمتها، فتحول النقاش من " هل يجوز أن تركب المرأة الدراجة" إلى " كيف نوفر طريقا آمنة للقيادة"، ما يدُلّ على أن الدراجة تُشكّل هنا رمزاً لثلاثة حقوق أساسية ومتداخلة وهي حرية الحركة، الحق في الأمان في الفضاء العام، والمساواة بين الجنسين. إلى جانب كل ذلك، شكّلت هذه الحركة انتقالاً حقيقياً وغير مسبوق في شكل الاحتجاج من احتجاج صاخب (مظاهرات، ثورات، غضب وفوضى) إلى سياسة يومية تُراكم تغيرًا ثقافيًا مرئيًا.

تبيّن، حسب دراسات دولية، أنه كلما زادت قابلية رؤية الشابات على الطرقات خلال فعاليات مُنظّمة، كلما تمدّدت مساحة المواطنة وتقلّصت وصاية الأعراف على حركة النساء، حتى مع استمرار التضييق الأمني.


إستعادة الحلم القديم


"شعرتُ بأني حرة للمرة الأولى وأنا أقود دراجتي في مهرجان (عندي حلم، عندي بايسكل) في بغداد ، لم يكن الأمر عادياً، كنت أحس أنني موجودة وفاعلة في الواقع"، تقول أسيل غسان التي كبرت وترعرعت في ذي قار وكانت من الفتيات القلائل اللاتي يملكن دراجات هوائية في محافظتها عندما كانت طفلة، إلا أن الدراجة اختفت من حياتها مع ظهور أولى علامات البلوغ، فالأعمام كانوا يعتبرون أن سمعة العشيرة قد تتأثر سلبيا بصورة "بنية تسوق بايسكل". انتقلت أسيل إلى بغداد بعد أن أكملت دراستها الإعدادية ودرست في كلية التربية الرياضية وأصبحت مدرّسة رياضة وصارت تقوم بكل ما في وسعها لتشجيع الطالبات اللواتي تدرّسهن على ركوب الدراجات الهوائية. " بعضهن يتمنين ذلك، لكن العادات والتقاليد لا تسمح بهذا"، تقول بأسف.

 بعد انتقالها إلى بغداد، بحثت أسيل عن فرصة للعودة إلى حلمها القديم، وتلك الفتاة اليافعة التي كانت تسابق السيارات بدراجتها البسيطة، حتى وجدت حملة أسبوعية لركوب الدراجات الهوائية وأخذ جولات في مناطق بغداد أطلقتها مؤسسة برج بابل وانضمت اليها.

عن هذه التجربة تروي: " لا زلت أذكر حين انطلقنا إلى شارع المتنبي بدراجاتنا، مثل خلية نحل متماسكة وتشجعنا أكثر من خلال التغطية الاعلامية من القنوات العراقية على أمل أن تُصبح هذه الظاهرة عادية ومقبولة من الجميع “. 

تعتقد أسيل أن الضغوط الإجتماعية تلعب دورا أساسيا في تشكيل ما هو "معيب" حتى وإن كان طبيعيا وأن هذا الثقل على كاهل النساء يجب أن تتم إزالته والتخلص من الإرث الذي يُعيقهن عن تحقيق ذواتهن. 


التألق في التظاهرات الرياضية العالمية


" كبرتُ بعيداً عن هذه الأرض التي تغنى بها الشعراء وتناقل عنها التاريخ صورة مبهجة ورائعة مليئة بالتراث والثقافة والفن، إلا أنني صُدمت بأنها أرض العدم حين عدتُ اليها"، تقول آية سرمد، الحاصلة على بطولة العرب للدراجات الهوائية لعام 2025 تمثيلاً لدولة العراق، فقد اكتشفت أن الدعم الرياضي شبه معدوم من الحكومة للنوادي الرياضية النسائية وأن هيمنة الرجال على قطاع الرياضة بصورة عامة وعلى رياضة الدراجات بصورة خاصة، أمر معلن وصريح ولا يحتاج للجدال. وتضيف " كبرتُ في النمسا حيث الجميع متساوون وحيث الرياضة تشكل جزأً مهماً من تنشئة أي فرد. وهناك تعلمت رياضة كرة القدم وصرت لاعبة محترفة ". لظروف خاصة، عادت آية مع عائلتها إلى العراق عام 2018 ورغبت بشدة أن تُكمل مسيرتها الرياضية إلا أنها فوجئت بعدد النساء الضئيل في هذا المجال. من حسن حظها أن والدها كان مدربا رياضيا للدراجات الهوائية في فئة ذوي الإعاقة.

ذات يوم، طلب منه أحد المدربين أن يجمع له عددا من النساء لتدريبهن على الدراجات الهوائية، فلم يتردد لحظة في طرح اسمها واسم أختها.

 هكذا تعلمت آية الدراجات الهوائية بشكل احترافي خلال أيام محدودة واستمرت بعد ذلك بالتدريب لمدة عامين حتى شاركت مؤخرا في بطولة العرب للدراجات الهوائية وفازت على كل من لبنان، الأردن، سوريا، قطر، البحرين، والإمارات العربية المتحدة.

 كان الجميع يظن أنها لن تفوز لأنها عراقية، باعتبار الصورة النمطية المأخوذة على ضعف قدرات اللاعبات العراقيات وضعف تدريبهن واستعداداتهن اللوجستية، إلا أن هذا النجاح، جاء مثل "قنبلة الموسم " كما تسميها، مضيفة "لا يهمني رأي الناس، فقد تعوّدت التعرض لمضايقات كثيرة عندما أقود دراجتي في شوارع بغداد، حيث أواجه الكثير من النقد والمضايقات لأنني فتاة، إلا أن كل ذلك لن يوقفني لأنني أعرف نفسي ولأن عائلتي تدعمني بشدة". 

تؤمن آية أن من يعتقد أن للنساء أدوار إجتماعية محددة، عليه أن يُعيد النظر في تفكيره، "فأنا حصلت على ميدالية ذهبية في الثامن عشر من عمري، في الوقت الذي لا يزال فيه الكثير من اللاعبين الشباب يخطون خطواتهم الأولى في مشوارهم الرياضي".


«لم تكن الدراجة مجرد وسيلة نقل، بل إحساسًا بالحرية تم تقييده وتقنينه منذ الصغر.»

لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)


 
 

"نحن بنظرهم آلات تنتج أطفالاً، وفي أوقات الخلافات، يستغني عنا الرجال بسهولة ويطلبون منا أن نتنازل عن أولادنا، وكأننا نتنازل عن بنطال قديم"

هكذا لخّصت حنان علي (35 عاما) معاناتها، وهي امرأة مطلقة تواجه ضغوطاً كبيرة للتخلي عن أطفالها، وتصف حالتها بشعور عميق بالصدمة النفسية والقهر، جراء المعاملة المهينة من طرف زوجها السابق، بعد أن أصبح يُمارس عليها الضغوطات لانتزاع الأبناء منها. 

حنان ليست وحدها في هذه الوضعية، فالآلاف من الأمهات اليمنيات يُجبرن على التخلي عن أطفالهن للحصول على الطلاق، في مجتمع ما يزال يُقيّد حق الحضانة بالعادات والأعراف القبلية ويُتغافل عن تنفيذ القوانين، لتجد الأمهات أنفسهن في صراع قاسٍ وطويل لاستعادة حق بسيط وطبيعي، مما يترك أثراً نفسياً عميقاً ومدمّراً على الأم والطفل على حد سواء.  


قوانين واضحة وتطبيق غائب


سوسن محمد (20 عاماً) وجدت نفسها بعد طلاق موجع، محرومة من طفلتها ذات الثلاث سنوات، والتي اختُطفت منها فجأة على يد الأب. لجأت للقضاء في محاولة لاستعادة ابنتها، لكن النفوذ والسطوة العائلية أطالا أمد النزاع لسنوات، حتى صدر حكم قضائي بإعادة الحضانة للأم، بعد أن دفعت سوسن خمس سنوات من الانتظار والألم. عاشت عذابا مريراً سبّب لها ألماً نفسياً شديداً وصل إلى حد الصدمة بفقدان طفلتها لسنوات قضتها خائفة على مستقبل هذه الأخيرة في بيئة غير آمنة.

​على المستوى القانوني، ينص قانون الأحوال الشخصية اليمني رقم 20 لعام 1992، بوضوح على أولوية الأم في الحضانة، فالمادة (141) تؤكد أن "الأم هي الأولى بحضانة ولدها بشرط ثبوت أهليتها لذلك، وإذا أسقطت حقها فلا يسقط إلا إذا قبل الولد غيرها وإلا أجبرت؛ لأن الحق هو حق للصغير، ولا يجوز لزوجها الآخر منعها حين لا يوجد غيرها، ولا يمنع سوء خلقها من حقها في الحضانة حتى يبلغ الصغير الخامسة من عمره".

ويُحدد القانون مدة الحضانة التي تستمر حتى يبلغ الذكر تسعة سنوات والأنثى 12 سنة، ما لم يقدر القاضي خلافه لمصلحة المحضون. ويعتبر القانون "الحضانة حقاً للصغير"، هدفها "حفظه وتربيته ووقايته، مما يضره بما لا يتعارض مع حق وليه"، وكونه حقاً للطفل فلا يجوز التنازل عنه. لكن هذا الحق يسقط عن الأم "إذا تزوجت من رجل أجنبي عن المحضون"، ما لم تر المحكمة خلاف ذلك لمصلحة المحضون. ويشدد القانون على أن الحضانة تعود لمن سقطت عنه متى زال سبب سقوطها، مؤكداً على أن مصلحة الطفل هي المعيار الأسمى. 

​في المقابل، تدعم الصكوك الدولية هذا المبدأ، حيث تؤكد إتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، التي صادقت عليها اليمن مع تحفظات، على مبدأ المساواة والمسؤولية المشتركة في رعاية الأطفال، فرغم عدم تناولها للحضانة بشكل تفصيلي، إلا أن روحها وموادها، خاصة المادة (5) التي تدعو الدول الأطراف إلى "اتخاذ جميع التدابير المناسبة لتغيير الأنماط الاجتماعية والثقافية لسلوك الرجل والمرأة بهدف تحقيق القضاء على التحيزات والممارسات العرفية وغيرها القائمة على فكرة دونية أو تفوق أي من الجنسين"، تؤكد على ضرورة تقاسم المسؤولية بين الرجل والمرأة في تنشئة الأطفال وتطورهم.


 وتشدد الاتفاقية على "أن تكون مصلحة الأطفال هي الاعتبار الأساسي في جميع الحالات"، وهو ما يجب أن يُترجم في التشريعات الوطنية، كما تمنح الدول الأطراف المرأة حقاً متساوياً لحق الرجل فيما يتعلق بجنسية أطفالها، مؤكدة على ضرورة القضاء على التمييز ضد المرأة في جميع المجالات، ومنها مجال العلاقات الأسرية.

إن وجود التحفظات اليمنية على بعض مواد الاتفاقية التي تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، لا يُقلّل من الالتزام بتطبيق المبادئ العامة التي تضمن مصلحة الطفل والقضاء على التمييز غير المبرر. 


حق ضائع بين سلطة القبيلة والوضع الإقتصادي الخانق


​على أرض الواقع، يُواجه هذا الإطار القانوني صعوبات كبيرة لتطبيقه، تتمثل في سيادة العادات والتقاليد القبلية التي تحول دون تنفيذ التشريعات القانونية. 

تقول المحامية والناشطة الحقوقية، تهاني الصراري أن " الأعراف القبلية هي التي تُحدّد مصير الأطفال، ويتم سلب حق الأم في الحضانة بالقوة أو التهديد، خاصة في المناطق الريفية، وأحيانًا دون حكم قضائي". وتوضّح أن بعض الأمهات يُجبرن على التنازل عن أطفالهن تحت ضغوط نفسية ومجتمعية، أو كشرط للحصول على الطلاق، "وهي ممارسة تُناقض صراحة المبدأ القانوني بأن الحضانة حق للطفل لا يجوز التنازل عنه". 

من جهتها،  تؤكد المحامية هبة زين، أن العادات القبلية تبقى هي السائدة، و"غالباً ما تُجبر الأم على توقيع تنازل ضمن صلح قبلي لإرضاء العائلة، مما يتركها في حالة من الضعف والاستسلام".

​إلى جانب الصراع القانوني والقبلي، يلعب العامل الاقتصادي دورًا مفصليا في حرمان الأمهات من أطفالهن. في هذا الصدد، يُبيّن الخبير الاقتصادي، ماجد الداعري، أن الفقر يجعل هذه القضايا "أكثر قسوة". ويضيف "أن الأسرة اليمنية غالباً ما تكون عاجزة عن تحمّل عبء أطفال ابنتها المطلقة، خاصة إذا امتنع الزوج عن النفقة". 

وفي ظل الأوضاع الاقتصادية الخانقة، قد يُحرم الطفل من أمه فقط لأن الأسرة لا تستطيع دعمهما مادياً، ليصبح العجز الاقتصادي أداة ضغط أخرى بيد الأب لانتزاع حضانة الأطفال، وهو ما يخلق معاناة مضاعفة للأم المطلقة التي تجد نفسها بين خيار البقاء بجانب أطفالها في فقر مدقع أو التخلي عنهم لضمان استقرارهم المادي ولو بشكل غير مباشر. 

تشير المستشارة الأسرية، هبة الله صلاح، إلى الآثار النفسية لهذه الضغوط، مؤكدة أن الأم التي تُجبر على التنازل عن أطفالها "تعيش صدمة نفسية مضاعفة"، بفقدان الشريك والأبناء الذين هم "قطعة من الروح"، ما يخلق لديها شعوراً بالذنب والعجز وعدم القيمة. 

وتزداد المعاناة بسبب البطء والتعقيد في الإجراءات القضائية، حيث تطول دعاوى الحضانة وتتكرر التأجيلات الإدارية، مما يحوّل معركة الحضانة إلى كابوس نفسي ومادي للأم. وتضيف المحامية هبة زين، أن المشكلة لا تنتهي عند صدور الحكم، فـ "حتى لو كسبت الأم الحكم، قد يمتنع الأب أو أسرته عن تسليم الأطفال بلا رادع حقيقي"، مشيرة إلى أن القانون يحتاج إلى أحكام رادعة وعقوبات صارمة ضد من يمتنع عن التنفيذ، لضمان فعالية الأحكام القضائية.  

لكن الضحية الأكبر في هذا الصراع يبقى الطفل نفسه، حيث تؤكد أخصائية علم الاجتماع، مروة أحمد قاسم سرحان أن حرمانه من حضن أمه يُخلّف آثارًا نفسية عميقة يصعب محوها، مشيرة إلى أن الأم هي الأمان، والبدائل مهما كانت "لا تعوّض دفء الأمومة". هذه الآثار تشمل تدني التحصيل الدراسي، ومشاكل في الثقة والقلق، والاضطرابات السلوكية، وقد يمتد الأثر إلى بناء علاقاته المستقبلية. 

فقدان الأم في سن مبكرة أو الفصل القسري عنها يسبب للطفل شعوراً بالهجر وعدم الأمان، مما يؤدي إلى خلل في بناء شخصيته السوية وثقته بنفسه وبالعالم المحيط. وفي ظل غياب التوعية المجتمعية الكافية بأهمية دور الأم، خاصة في السنوات الأولى من عمر الطفل، يصبح القانون عاجزاً عن حماية مصلحة المحضون الفضلى التي ينادي بها. 

لذلك ولمواجهة هذا الواقع المرير، تُطالب محاميات وخبيرات بحقوق المرأة بتعديلات ضرورية في النصوص القانونية لحماية الأمهات الحاضنات وضمان حقوق أطفالهن. تشمل هذه المطالب وضع نص صريح لتوفير مسكن للأم الحاضنة وأطفالها من أجل توفير الاستقرار، وتطبيق عقوبات واضحة وصارمة على الآباء الذين يمتنعون عن تنفيذ أحكام الحضانة أو النفقة لردعهم، واعتبار دعاوى النفقة والحضانة من القضايا العاجلة أمام القضاء لتقليل مدة النزاع، بالإضافة إلى ضرورة وضع برامج دعم ومساعدات إنسانية للمطلقات الفقيرات وتمويل دعاوى الحضانة. من المهم كذلك تنظيم حملات توعية مجتمعية وإدراج مادة تثقيفية عن حقوق الطفل في المناهج الدراسية، لتغيير النمط الثقافي والقبلي السائد.

يبقى الطريق طويلاً لتنفيذ النصوص القانونية ومواجهة سلطة العادات والتقاليد. في الأثناء، تستمر الأمهات في صراعهن من أجل الحفاظ على حقهن الأساسي في الحضانة وتحقيق مصلحة الطفل الفضلى. 




"الأعراف القبلية هي التي تُحدّد مصير الأطفال، ويتم سلب حق الأم في الحضانة بالقوة أو التهديد."




 
 

Thanks for submitting!

صحافة_من_أجل_حقوق_الانسان#

bottom of page