top of page
Screenshot 2023-11-22 at 11.56.45 AM.png

في ظهيرة حارقة بمخيم السويداء للنازحين بمحافظة مأرب، لا شيء يخفف الحرّ سوى ظلال الخيمة المهترئة، ولا أحد يقاوم المرض سوى أم تُكافح خلف ستارة قماش رقيقة.


هناك تجلس أم يوسف، فوق بطانية بالية، تحاول أن تُبرّد جبين ابنتها الصغيرة بقطعة قماش مبللة، فمنذ أيام تعاني الطفلة من حرارة لا تنخفض ووجع لا يهدأ. تذهب الأم كل يوم تقريباً إلى الوحدة الصحية القريبة، لتعود بمغذيات وأحياناً بحقنة دواء، لكن المرض لا ينتهي.

بصوت واهن، تقول أم يوسف وهي أم لأربعة أطفال أصيبوا جميعاً بحمى الضنك، وكانت ابنتها آخر من أصابتها العدوى، " لم أعد أعرف ماذا أفعل، أرى أطفالي وهم على مشارف الموت أمام عيني ولا أستطيع تقديم يد العون لهم".  

قصة أم يوسف ليست حالة منفردة، بل تعكس واقع أكثر من مليوني نازح في مأرب يعيشون في ظروف صعبة، وفقاً لاحصائيات مكتب تنسيق الشؤون الانسانية (اوتشا OCHA) لعام 2024، نصف هؤلاء النازحين على الأقل، يعيشون في مخيمات غير رسمية، بلا خدمات صحية أو تعليمية أو بيئية.

الموت في المخيمات لا يحتاج إلى طائرات ولا مدافع، فيكفي أن تشرب كوب ماء ملوث أو أن تلسعك بعوضة محمّلة بفيروس حتى تنتهي حياتك.  

تنتشر الحمى كالنار في الهشيم، لا تستثني صغيراً ولا كبيراً وتتنوع الأمراض بين حمى الضنك والكوليرا والملاريا، والإنفلونزا الفيروسية... وتتداخل الأعراض.



إصابات بالآلاف


تقع محافظة مأرب في شمال شرق العاصمة صنعاء، وتبعد عنها مسافة تُقدّر بحوالي 173 كيلومتراً، وتُعدّ واحدة من أكبر المحافظات استقبالاً للنازحين في اليمن. 

يتدهور الوضع الصحي في محافظة مأرب مع ارتفاع درجات الحرارة، وازدياد الكثافة السكانية داخل  المخيمات التي أصبحت تضم أعداداً ضخمة من النازحين. 

تقول أم يوسف "الحر والرطوبة والبعوض وقلة النظافة، كل شيء يتكاتف علينا"، بينما تنظر نحو صفيح الماء بجوار الخيمة، وقد غطت سطحه طبقة خضراء من الطحالب.

 من جهته، يُوضّح مدير مكتب الصحة في محافظة مأرب، الدكتور أحمد العبادي، أنه "بعد الحرب، أصبح الوضع الصحي في مأرب كارثياً، فقبلها كان أي مريض يستطيع خلال ساعة ونصف أن يسافر إلى صنعاء ليتعالج ويعود، أما اليوم فمأرب لا تملك مستشفيات أو عيادات كافية ولا حتى أدوية"، وكان البنية التحتية للمدينة بسيطة للغاية "فقد كان عدد سكانها قبل النزوح 53 ألف نسمة، أما اليوم فالسكان الأصليون لا يتجاوزون 13%، والباقي نازحون".

ويضيف "رغم حملات التطعيم، منذ بداية العام وحتى منتصف مايو 2025، سجّلنا 164 حالة إصابة بالكوليرا، لكن الوافدين بأعدادهم الكبيرة ينقلون المرض، 99% من الحالات تأتي من مناطق أخرى منعت فيها اللقاحات".

أما الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، فقد سجلت بين يناير وأغسطس 2024 أكثر من 55 ألف حالة اشتباه بالإصابة بأوبئة، مثل الكوليرا، الحصبة، حمى الضنك والدفتيريا، بينها 90 حالة مؤكدة و19 وفاة. الكوليرا كانت الأكثر انتشاراً بنحو 54.456 حالة، فيما سُجلت 32 حالة مؤكدة بحمى الضنك، منها 71 في مخيم الحصون.

منذ عام 2014 يعيش اليمن في حالة حرب مستمرة، خلفت وراءها أزمة إنسانية كبيرة. تشير بيانات الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في ديسمبر 2024، الى أن الحرب دفعت "أكثر من  ٤.٨ ملايين شخص إلى النزوح، يشكل النساء والأطفال 80% منهم، ويواجهون أوضاعاً قاسية ونقصاً حاداً في المأوى والغذاء والمياه النظيفة، وفي حين لا يستطيع 73% من النازحين الوصول إلى الرعاية الصحية".

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (اوتشا) فإن "4.5 ملايين يمني لا يزالون نازحين في أنحاء البلاد، الكثير منهم تعرّض لعمليات نزوح متعددة على مدى عدّة سنوات".


أزمة الأدوية تزيد المعاناة


 قبل شهور قليلة، كانت أم يوسف شاهدة على وفاة بنت جارتها التي كانت تعاني من نفس أعراض ابنتها: وجع في البطن، حرارة مرتفعة، اسهال"، وقيل لأهلها وقتها أن ابنتهم تُعاني من أعراض الكوليرا. لذلك فهي خائفة على ابنتها من أن تلقى نفس المصير، خاصة وأنها لا تستطيع نقلها إلى مستشفى أهلية بسبب عدم وجود مواصلات وتوفر إمكانيات مادية.


تفتقر معظم مخيمات مأرب لمرافق صحية متقدمة، وتعتمد على نقاط إسعاف أو عيادات متنقلة تموّلها منظمات إنسانية، إلا أنّ تراجع التمويل الدولي والتحولات في أولويات العمل الإنساني أدى إلى انسحاب العديد منها مؤخراً.

 وفي بعض الأحيان، لا يتوفر حتى ميزان حراري، وتُقاس حرارة الأطفال بلمس الجبهة ثم تُقدَّم لهم أدوية خفيفة قد لا تتناسب مع طبيعة العدوى. في هذا الصدد، تقول أم يوسف "يعطونا فقط بنادول ومغذيات، وأحياناً نرجع إلى الخيمة بعد ساعات من الانتظار بدون أي علاج لأن الطبيب ليس موجوداً أو نفذت الأدوية". 


حول نقص الكوادر الصحية وعدم كفاية الدعم الصحي، يُفسّر مدير مكتب الصحة في محافظة مأرب أن "الكوادر الصحية جاءت من محافظات أخرى بحثاً عن مصدر الرزق، لكن مع توقف الدعم، هناك 500 عنصرا منهم يمكن أن يغادروا في أي لحظة، حيث كانوا يشتغلون ضمن 30 فريقاً توقفوا عن العمل، و35 موقعًا صحياً توقف الدعم عنها، وكان في كل منها 8 أشخاص من أطباء وممرضين وقابلات". 

واضاف "أما الأدوية التي تصل، فهي لا تكفي إلا لـ 600 الى 800 نسمة، بينما الواقع أن لدينا أكثر من 3 ملايين شخص، نحاول قدر الإمكان تقديم ما نستطيع من المساعدة لهم".


الجوع والفقر أهم العوائق لمواجهة المرض


في زاوية من خيمة نجاة المعروفة بأم عبدة، وهي أم لثلاثة أطفال، تتكوّم عبوات أدوية فارغة، وعلى أحد الجوانب أُلصقت وصفة طبية من مركز صحي كُتب فيها بخط اليد "اشتباه حمى الضنك، راحة تامة، متابعة السوائل، وسوء تغذية "، لكن في الواقع لا شيء من هذا متاح في هذه الخيمة. 

تقف نجاة وهي تحتضن رضيعها الصغير الذي يعاني من سوء تغذية حاد، وتقول "ولدي هلال أصبح عمره عاما، وعند رؤيته يظن الناس أنه مولود جديد بسبب ضعف بنيته، وهو لا يستطيع حتى البكاء، وعندما أخذه للمستشفى يخبرني الأطباء بأنه مصاب بسوء التغذية الحاد وقد أعطوني مغذيات وحليب، وأعلموني كذلك بأنه بحاجة لرعاية خاصة لأنه مصاب أيضاً بحمى الضنك". 

تؤكد الدكتورة سماح الحدرمي، الطبيبة في قسم سوء التغذية بمستشفى كرى، على خطورة مشكلة سوء التغذية في المخيمات، وتُشير إلى تفاقمها قائلة: "تأتي إلينا حالات عديدة، ونُسجّل شهرياً ما يصل إلى 700 حالة، منها نحو 70 حالة مصابة بسوء التغذية الحاد الوخيم، و100 حالة متوسطة، بينما نحو 400 إلى 500 حالة يتم علاجها في بدايات الإصابة".

من جانبه، يُبينّ الدكتور أمين الكرابي، طبيب طوارئ في مستشفى الشهيد، أن "مأرب تواجه موجة تفشٍ جديدة  لحمى الضنك، حيث سجلنا ارتفاعاً ملحوظاً في الإصابات في مخيمات مثل الجفينة، السويداء، الميل، والرويك"، مضيفا أن عدم إسعاف المريض مبكراً قد يتسبب في تطور المرض إلى الحمى النزفية".

ويشير كذلك إلى انتشار الإسهالات المائية، حيث تم تسجيل أكثر من 2112 حالة اشتباه بالكوليرا في مستشفى الشهيد عام 2024، وكان الفقر هو العائق الأكبر أمام الإسعاف المبكر، " إذ لا يملك الناس حتى أجرة المواصلات"، على حد قوله.

ويؤكد تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادر في فبراير 2024، بعنوان "قياس الفقر متعدد الأبعاد في اليمن"، أن 82.7% من سكان اليمن يعانون من فقر متعدد الأبعاد، أي بمعدل أكثر من 8 أشخاص من كل 10.

من جانبها، أشارت المنظمة الدولية للهجرة إلى افتتاح مركز لعلاج الإسهال في مخيم الجفينة، استفاد منه أكثر من 1500 نازح. في المقابل، تعاني المخيمات الأخرى، البالغ عددها 208 مخيمات، من ضعف الخدمات الصحية وغياب الوحدات الطبية، ما يساهم في تفشي الأمراض في ظل الاكتظاظ ونقص المياه وانتشار البعوض.


تنص المادة 55 من الدستور اليمني، أن "الرعاية الصحية حق لجميع المواطنين، وتكفل الدولة هذا الحق بإنشاء مختلف المستشفيات والمؤسسات الصحية والتوسع فيها، ويُنظّم القانون مهنة الطب والتوسع في الخدمات الصحية المجانية ونشر الوعي الصحي بين المواطنين". لكن بالمقارنة مع ازدياد أرقام المرضى والضحايا في محافظة مأرب، يظهر أن ما جاء في هذه المادة ليس سوى حبر على الورق. 

في المخيمات أصبح الحصول على الرعاية الصحية حلماً يتمناه الآلاف من المرضى.  هناك انهيار حياة الناس لا يحتاج إلى وباء عالمي، يكفي فقط يومٌ مشمس وريح رملية لتنقل الوباء إلى الخيام.


" نحن لا نطلب سوى أن نعيش بسلام، نريد طبيباً يكون موجودا، ودواءً لا يُشترى بالدين، وماءً لا يحمل المرض. ونحتاج إلى عيادات حقيقية داخل المخيمات، لذلك نرجو أن تعود المنظمات الإنسانية لتساعدنا، ولا تتركنا فريسة للوباء والفقر"، يقول بأسف أحد النازحين في مأرب، حيث يواجه الحياة في ظروف لا تحتمل.




« الموت في المخيمات لا يحتاج إلى طائرات ولا مدافع، فيكفي أن تشرب ماءً ملوثاً أو أن تلسعك بعوضة محمّلة بمرض. »



 
 

في زحمة سير خانقة وسط بغداد، يصدح صوت جهوري من سيارة مجاورة. الإيقاع راقص ومبهج، يغري الرؤوس بالتمايل، لكن الكلمات التي تُصاحب هذا النغم تحمل وعيداً لا يمت للحب بصلة "إلا أبچيها وتجي تتوسل.. إلا أموتها عليّا من القهر". للحظة، يبدو المشهد سريالياً: شباب يرقصون بحماسة على وقع كلمات تتوعد بكسر كرامة امرأة وإذلالها.


خلف الأنغام الشجية للأغنية العراقية، وتحديداً في العقود الثلاثة الأخيرة، يختبئ خطاب ممنهج يعيد إنتاج علاقة قوة وتسلط يمارسها الرجل على المرأة. هذا الخطاب لا يكتفي بعكس الواقع، بل يستخدم الموسيقى كأداة ثقافية لتكريس "السلطة الذكورية"، محولاً الحبيب في الأغنية من شريك عاطفي إلى قاضٍ، وحاكم، وجلاد في آن واحد.


نحاول في هذا المقال تفكيك أركان هذا الخطاب، الذي يُعزّز فكرة تسلّط الرجل وتأديب المرأة، لفهم كيف تتسرب هذه السموم السمعية إلى الوعي الجمعي لتُكرّس العنف الرمزي ضد النساء.


التحول في اللغة كنتاج "لعسكرة المجتمع"


يرى الناقد والأكاديمي أحمد الظفيري أن هذا الانحدار في القاموس العاطفي لم يحدث فجأة، بل هو نتاج مسار طويل من "عسكرة" المجتمع العراقي. ويشرح كيف تحولت اللغة من "الوجد والشوق" إلى "التهديد والهيمنة"، مُرجعاً جذور ذلك إلى حقبة الحصار في التسعينيات.

يقول الظفيري: "لقد أدى الحصار والحروب إلى تراجع المؤسسات الثقافية والرقابة الفنية، ما فسح المجال أمام (التعبير الغريزي) ليحُلّ محل التعبير الجمالي. لكن الانفجار الحقيقي حدث بعد 2003، حين تضافر غياب لجان فحص النصوص مع صعود (ديكتاتورية المشاهدات) في السوق المفتوحة، حيث باتت مفردات "الصدمة والعنف" هي العملة الرابحة لجذب الانتباه".

لعل أخطر ما في الأغنية الرومانسية هو قدرتها على تغليف الخضوع بغلاف الغزل. وفي الكثير من الأغاني التي صاغتها حناجر كبار المطربين العراقيين، يتم استدعاء مفردات السلطة والحكم لوصف العلاقة العاطفية.

حين تغنى الكلمات بـ( يا حضرة السلطاني)، أو حين يصف الرجل نفسه بـ "الآمر الناهي"، فإننا نغادر مساحة الشراكة العاطفية إلى هيكلية هرمية صارمة. 

إذا كانت مرحلة "السلطنة" تمثل الوجه الناعم للذكورية، فإن موجة الأغاني التي ازدهرت منذ تسعينيات القرن الماضي وتمتد إلى اليوم، تمثل الوجه الخشن والسادي. هنا، ننتقل من "الغزل الفوقي" إلى "التأديب الصريح".

عبارات مثل "إلا أبچيها"، "إلا أذلها"، "أخليها تعض أصبع ندم"، و"كذابة أنتي"، ليست مجرد تعبير عن قلب مكسور، بل هي سلسلة "انتقام". يلاحظ المتابع لتطور الأغنية العراقية انزياحاً خطيراً نحو التطبيع مع العنف اللفظي والنفسي. وفي هذه السردية، المرأة دائماً هي "الخائنة"، "اللّعوب"، و"الناكرة للجميل"، بينما الرجل هو الضحية التي تملك حق العقاب.


المطرب "ابن بيئته"... والجمهور شريك


في تحليله للعلاقة الجدلية بين الفنان والجمهور، يرفض الظفيري تحميل طرف واحد المسؤولية، معتبراً أن الأغنية "مرآة لواقع مشحون"، فالحياة اليومية في العراق، التي شهدت تراجعاً في سيادة القانون وارتفاعاً في منسوب العنف، ولّدت قناعة جمعية بأن "القوة هي وسيلة البقاء".

ويضيف: "المطربون الجدد هم أبناء هذه البيئات المتوترة، حيث أنهم لم يتلقوا تهذيباً موسيقياً، لذا فهم يعيدون إنتاج عنف الشارع داخل الاستوديو. والجمهور بدوره، وإن كان ينشد الفرح، فإنه يستجيب لا شعوريا لسردية القوة، حيث يُسوّق للعنف اللفظي على أنه (رجولة) و(سيطرة مستحقة)، ليصبح مع الوقت جزءاً من المقبول ثقافياً".

تكمن الخطورة هنا في أن هذه الأغاني تُسمع في الأعراس، وفي السيارات، وفي المقاهي، ويرددها الأطفال والمراهقون. وتُصبح فكرة "إذلال الحبيبة" مرادفة لـ "الكرامة الذكورية". والرجل الذي لا "يؤدب" حبيبته التي أخطأت، يُنظر إليه (وفق منطق هذه الأغاني) على أنه ضعيف الشخصية.

عند تفكيك بنية الأغاني التي تتناول موضوع "الخيانة"، نجد تفاوتاً جندرياً واضحًا. حين يخون الرجل، غالباً ما تلتمس الأغنية له الأعذار، أو تُصورّه كـ "طير حر" لا يكفيه غصن واحد، أو يتم لوم المرأة الأخرى (خرابة البيوت). أما حين يٌشتبه بخيانة المرأة، فإن الحكم يصدر فورياً وقاطعاً: الطرد، التشهير، والوصم الأخلاقي الذي لا يُمحى.

تتردد كلمات مثل "غدارة" و"بياعة" بكثافة مفرطة، مما يُعزّز صورة نمطية للمرأة ككائن ماكر لا يُؤتمن. هذه الشيطنة المستمرة لها في الفن الشعبي والرومانسي تمنح المجتمع رخصة أخلاقية لمراقبتها والتضييق عليها، بذريعة أن طبيعتها تميل للغدر ما لم يتم ضبطها.


الترويج للعنف اللفظي والجسدي


لا يتوقف الضرر الناتج عن هذه الأغاني عند حدود المس من الذوق العام، بل يتعداه ليمنح الجمهور "كتالوجاً" لممارسة العنف. ترى سارة جاسم، المدافعة عن حقوق النساء، أن المسافة بين "الشتيمة الموسيقية" والتعنيف الجسدي قد تلاشت تماماً.

من خلال رصدها لقصص النساء المعنفات، لاحظت هذه الأخيرة تقاطعاً مرعباً بين لغة المعتدين وقاموس الأغاني الرائجة، حيث تقول: "عبارات مثل (أكسر خشمها) و(أخليها تجي تتوسل) لم تبقَ مجرد مبالغات فنية، بل تحولت إلى تبرير إجتماعي للعقاب. حين تُصبح هذه المفردات مألوفة للأذن، يتراجع معيار الصدمة، وتتحول الكلمة العنيفة بمرور الوقت إلى فعل عنيف، وكأن الضرب امتداد طبيعي لهذه "الفحولة الغنائية".

وتشير جاسم إلى ما تسميه "ثقافة الحب العنيف"، حيث يتم تصوير التملك على أنه غيرة، والضغط النفسي على أنه اهتمام. الأخطر في هذا الخطاب هو شيطنة كلمة "لا"، واعتبار رفض المرأة "جرحاً للكرامة" يستوجب الانتقام لا التفهم.

هذا الربط ليس نظرياً، بل تم حقيقة تجسيده في الواقع. تستحضر جاسم مآسي واقعية كقضية الشابة "مريم" (2021) التي رُش وجهها بماء النار، ومحاولة قتل طالبة جامعة البصرة (2023). الجريمتان وقعتا لأن الضحيتين قالتا لا؛ وهو الرفض الذي تحاربه الأغاني بشعار "إلي ..ما تصير لغيري". وتضيف "الأغنية التي تصف المرأة بـ(الكذابة والبياعة) لا ترفه عن الجمهور، بل تضعه في حالة تأهب وريبة، وتجعل المرأة متهمة حتى تثبت براءتها. ومواجهة هذا الخطاب لا تكون بالمنع البوليسي، بل بانتزاع التصفيق عنه، وبناء وعي يدرك فيه الرجل أن كلمة (لا) هي حق إنساني، وليست إعلان حرب".


"تجميل القبح"... لماذا نرقص على إهانتنا؟


عن المفارقة المتمثلة في الرقص البهيج على كلمات مُهينة، يُقدّم الظفيري تفسيراً نفسياً وفنياً لافتاً، واصفاً ما يحدث بعمليات "تجميل لغوي".

يرى الناقد أن "الإيقاع الصاخب والسريع يعمل كأداة تخدير؛ فهو يطغى على الكلمات ويُحرّك الغريزة، ما يجعل المتلقي منشغلاً بالرقص كحالة (تعويض نفسي) واحتجاج جسدي ضد الكبت والألم، تماماً كما كان يفعل المحتجون في ساحات التظاهر". ويختم الظفيري حديثه قائلاً: "شركات الإنتاج والملحنون يمارسون خدعة ذكية؛ يستخدمون اللحن كقناع يخفي بشاعة النص، فيبتلع الجمهور السم في العسل، ويستهلك خطاباً يمس  من كرامته دون أن يشعر بالمهانة".

إن الموسيقى ليست بريئة، والأغنية العراقية، بتاريخها ومقاماتها الشجية، تستحق خطاباً يرتقي بالعلاقات الإنسانية بدلاً من سحقها. مسؤولية الفنانين وكتاب الأغاني اليوم هي إعادة الاعتبار لمفاهيم الشراكة، والاحترام، والندية في الحب. ومسؤوليتنا كجمهور نسائي هي أن نتوقف عن التصفيق لمن يهيننا، وأن نمتنع عن الرقص على جراحنا.

آن الأوان لأن تتغير الاسطوانة، لتصبح الأغنية مساحة للبوح والجمال، لا ساحة لتصفية الحسابات وإعلان الحروب الذكورية، فالحب الذي يحتاج إلى إذلال لكي يستمر، ليس حباً.. بل هو مجرد تسلّط يختبئ خلف الأنغام.





"شركات الإنتاج والملحنون يمارسون خدعة ذكية؛ يستخدمون اللحن كقناع يخفي بشاعة النص، فيبتلع الجمهور السم في العسل"


لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)


 
 

في أزقة المدن اليمنية، تختبئ الأصوات النسائية خلف الجدران، خشية نظرة المجتمع القاسية لمن تختار الفن مسارًا لحياتها. 


الغناء هنا ليس مجرد موهبة، بل فعل مقاومة نسائية في مواجهة تقاليد صارمة وتهميش مؤسساتي، امتد لعقودٍ في بلد مزقته النزاعات وبنية ثقافية هشّة مع غياب الحماية القانونية للمغنيات. رغم أن العنف ضد النساء في اليمن يأخذ أشكالاً متعددة، إلا أن حدّته تزداد في حالة الفنانات، حيث يُعتبر الفن فعلاً مرفوضًا اجتماعياً. 

 في هذا التحقيق، سنسلط الضوء على حياة المغنيات اليمنيات بين الماضي والحاضر، من خلال استعراض تجاربهن الفردية، وتتبع التحديات التاريخية والإجتماعية والسياسية التي تعرقل الممارسة الحرة للفنون في اليمن. 


دعم أسري محتشم أمام ضغوط اجتماعية كبرى


تختلف مسارات المغنيات اليمنيات وفق البيئات الإجتماعية والدعم الأسري الذي يتلقينه. ومن بين هذه التجارب، تبرز مسيرة رنا السلامي، وهي مغنية للأعراس الشعبية في عدن، تحولت حياتها منذ الطفولة إلى صراع بين الهوية الفردية والقيود الاجتماعية. حاول العنف الأسري كسر إرادتها، لكنها أصرت على إحياء الحفلات سرًا، ولم ترضخ للنظرة النمطية. تقول رنا "كنت أُضرب لخوف الأهل على سمعتي، لكنني آمنت بالفن، ووضعت كل طاقتي فيه"، لذلك "كنت أذهب إلى العمل لأثبت جدارتي، وفرضت عليهم احترام فني وشخصيتي، ليصبحوا درعي الحامي من القيود الإجتماعية التي تنتهك حقي في الممارسة الفنية الحرة". بمرور الوقت، وبعد أن أثبتت سلامي جدارتها، لعبت أسرتها دورًا حاسمًا في دعمها وحمايتها، وأصبحت درعًا يحمي مشروعها الفني.  

تجربة هاجر نعمان، المغنية اليمنية المقيمة في مصر، كانت مختلفة قليلا، فمنذ أن اكتشف والدها موهبتها في السادسة من عمره، شجعها على تطوير قدراتها، لتصبح عائلتها الداعم الأساسي لها في مجتمع ينظر للفن كوصمة عار، خاصة عندما تمارسه النساء. وقد مكنها هذا الدعم من أن تجد طريقها، حيث تقول  "هذا الدعم شكّل هويتي الفنية، وصرت مؤمنة بأن صوتي رسالة حب وسلام للعالم يجمع الناس رغم اختلافاتهم ونزاعاتهم، وهو ما جعلني قادرة على الإستمرار رغم كل الانتقادات والهجومات التي أتعرض لها من المجتمع". هكذا استطاعت هاجر أن تتجاوز الحدود الضيقة لليمن لتصل إلى الساحة العربية الواسعة، خاصة بعد زواجها من الفنان عمر ياسين وانتقالهما للعيش في القاهرة.

ومهما كان الدعم الأسري صادقًا وقويًّاً فإنه لا يكفي لوحده، مادام المجتمع المحيط يفرض قيوده على الفنانات ويجبرهن على خوض تحديات قاسية أو مواجهة ضغوط كبيرة، وهذا ما تُظهره تجربة المغنية وعازفة العود الناشئة فرح قائد، التي لم تجد مكانًا مناسبًا لتنمية موهبتها في مدينة تعز، رغم تميزها في الأنشطة المدرسية ومشاركاتها الفنية المتعددة منذ سنٍّ مبكرة، بل أنها تعرضت للقمع والتنمر اللذين تركا ندوبًا عميقة داخلها، ومع ذلك ظلت متمسكة بحلمها حتى انتقلت إلى عدن والتحقت بمشروع (الفن مهنتي) عام 2023، الذي يهدف لتمكين المغنيات والعازفات لاقتحام سوق العمل عبر تشكيل فرقة نسائية، لتقديم العروض الغنائية الحيّة، إلّا أن فرح وزميلاتها لم يسلمن من هجوم المجتمع وتهديداته التي قيّدت أنشطتهن وحجّمت المساحة الفنية المتاحة لهن. 

هذه النماذج الثلاثة، على اختلافها وتباينها، تؤكد أن التحدي الأكبر بالنسبة لهن كان دائما المجتمع الذي يفرض رقابة مستمرة على النساء، ويُحدّد متى وكيف يجب أن تظهر المرأة، ومتى يجب أن تختفي. هكذا، فإن حضورهن في المشهد الفني يظل مرهونًا بمعركة غير متكافئة مع العادات والتقاليد والسلطة الاجتماعية.


التغيرات السياسية تلقي بظلالها على  المشهد الفني


قراءة السياق التاريخي للغناء في اليمن توضح أن هذه المعاناة ليست طارئة، بل ممتدة عبر عقود. في هذا الصدد، يوضح رفيق العكوري، الخبير الوطني في مجال اتفاقية اليونسكو لعام 2003 الخاصة بصون التراث الثقافي غير المادي، أن القيود المفروضة على الفنانات اليمنيات تمتد جذورها إلى عقود سابقة، حيث "كانت النساء يُجبرن على استخدام أسماء مستعارة ويضطررن للسفر إلى عدن لتسجيل أعمالهن الفنية هربًا من تضييق الخناق عليهن من السلطة السياسية في الشطر الشمالي آنذاك( ما قبل العام 1990).

ويشير العكوري إلى وجود تباين واضح بين الشمال والجنوب قبل الوحدة، "ففي حين ارتبطت فنانات الشمال بالأداء التقليدي المصحوب بالآلات الشعبية، تصدّرت فنانات الجنوب المسارح بدعم الفرق الموسيقية الحديثة". غير أن التحولات السياسية التي رافقت مرحلة ما بعد الوحدة، ولا سيما عقب حرب 1994 "أدت إلى تغير جذري في المشهد الفني مع اشتداد قبضة التيارات الدينية، فقد شهدت البلاد حملة ممنهجة عبر التحريض المجتمعي ضد الفن وممارسيه، ما أسفر عن انهيار تدريجي للبنية المؤسسية الداعمة للفنون وتراجع الحريات الفنية"، لتقتصر الساحة لاحقًا على مواهب محدودة الطابع، توارت عن الأنظار شيئًا فشيئًا"، مضيفا " هذا الامتداد التاريخي يلتقي مع التفسيرات المؤسسية المعاصرة، التي تضع غياب النساء ضمن شبكة من العوامل السياسية والاجتماعية، في ظل الحروب والنزاع المستمر". 


تبرز حكايات الفنانات المنسيات كنافذة لفهم جوانب مهمة من التاريخ الثقافي والاجتماعي لليمن وفهم الدور الذي لعبنه في تشكيل المشهد الفني والهوية الثقافية. في هذا السياق، تُشير مدونة الصوت، فريال مجدي، التي تعمل على توثيق تجارب الفنانات اليمنيات المنسيات، أن دافعها للقيام بهذا المشروع هو "الرغبة في معرفة ما أصابهن وأين اختفت أصواتهن بعد كل تلك النجاحات والإنجازات التي حققنها". وقد أبدت دهشتها من كثرة القيود الاجتماعية التي تعرضن لها، ومن التهميش المؤسسي الذي مررن به. وتساءلت عن أسباب حرمانهن من حقهن في ممارسة الفنون بحرية، قائلة:"لماذا يتم منعهن من أبسط سبل الحياة؟".

وتوضح فريال أن هذه التساؤلات وغيرها دفعتها لإنتاج بودكاست (منكام) من أجل مشاركة حكاياتهن مع الجيل الجديد، ثم شكلت فريق (أصوات وإيقاعات غائبة)، بمشاركة فتيات من مختلف المحافظات لتسليط الضوء على مزيد من قصصهن، وأخيرًا أسست منصة (ضفائر) لتكون "أرشيفًا نسائيا لا يوثق إلا الفن والثقافة".

أمّا شعيب عفيف، رئيس قسم العلاقات العامة في معهد جميل غانم للفنون، فيرى أن غياب النساء عن الوسط الفني لا يمكن فهمه باعتباره معطى عابراً، لأنه "نتاج بنية متشابكة من عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية تُعيد إنتاج أنماط التهميش والإقصاء الجندرية؛ مثل الرقابة الأبوية، الرفض المجتمعي، التنمر الرقمي، غياب التمويل، وضعف المبادرات الرسمية لتعزيز مشاريع الفنانات، كل هذا يسهم في زيادة هشاشة البنية التحتية الثقافية ويعطل تكوين منظومة مستدامة لدعمهن". ومع ذلك، يظل مؤشّر الإقبال المتزايد للشابات على الفنون، دالاً على تحولات جلية أعمق، تسعى من خلالها النساء إلى إعادة التفاوض مع الواقع الثقافي والاجتماعي، وهذا ما لمسه عند إدارته مشروع (الفن مهنتي) عام 2023، حيث تجاوز عدد المتقدمات أكثر من مئة مشاركة من تخصصات علمية وأدبية متعددة.


فنانات بلا حماية قانونية


يزداد واقع الفنانات تعقيدا مع غياب المواد القانونية والدستورية التي تحمي حقوقهن في اليمن، فالمادة 27 من الدستور اليمني تشير إلى أن "الدولة تكفل حرية الفكر والتعبير وتتيح للمواطن المشاركة في الحياة العامة والثقافية"، إلا أن النصوص القانونية لا تقدم حماية واضحة للفنانين ولا توفر أية ضمانات تتيح ممارسة النساء للفنون بحرية وأمان.  

وأمام هذا الفراغ القانوني، لابد من سياسات وتشريعات متخصصة، إلى جانب آليات تنفيذية تضمن تفعيلها على أرض الواقع في الداخل والخارج، أما التشريعات الحالية فهي لا تعود بالنفع على المتضررات ولا توفر لهن الحماية اللازمة.

 ينضاف إلى ذلك، وجود الفنانات في وسط متخم بالمحاباة والمناطقية، إلى جانب التجاهل المؤسسي واللامبالاة الرسمية، حيث واجهت رنا السلامي الكثير من التحديات عندما جربت العمل في دول الخليج العربي ولم يكن يعاديها إلا أبناء وطنها الأم الذين جعلوا الفن يتمحور حول عرض المفاتن وحضور جلسات السمر دون الالتفات لحجم الموهبة أو الرسالة المقدمة. 

وتتفق هاجر نعمان مع رنا في أنهما لم تتلقيا أي دعم لائق من أي جهة حكومية أو مؤسسة ثقافية محلية، مع غياب المعاهد الموسيقية وإلغاء حصصها التعليمية في المدارس من بعد وحدة عام 1990، وإغلاق المسارح وفض (فرقة الإنشاد) التي تخرّجت منها كوادر غنائية كانت سابقة لعصرها، كما أنهما واجهتا الكثير من  الإهمال حتى رغم تعرضهما للعنف الرقمي. 

ولعل هذا ما يدفع الفنانات إلى عدم تسجيل محاضر لأي اعتداء يتعرضن له، وعدم تقديم أي دعاوى للمحاكم أو بلاغات للجهات المختصة. ومن وجهة نظر الباحثة في السياسات العامة، شيماء بنت عثمان، فإن "هناك ضرورة لحمايتهن وتعزيز حرياتهن في ممارسة الفنون"، إلى جانب "تمكينهن من إدراك حقوقهن واللجوء للجهات المختصة عند تعرضهن لأي شكل من أشكال العنف أو تقييد الحريات"، وهذا هو الحال الذي نشهده في الدول المجاورة اليوم بعد عقود من التزمت والانغلاق. من ثم يأتي دور منظمات المجتمع المدني في المناصرة والتأثير، غير أن ذلك، بحسب رأيها "يظل ضرباً من الخيال في الواقع المحلي، حيث تلتزم النساء الصمت مهما لحق بهن من أذى، كما تغيب المرأة عن مراكز صناعة القرار وتشكيل السياسات العليا للدولة، وإن وجدت فإن مشاركتها تبقى غير متوافقة مع تطورات العصر". 



تراجع الحضور الفني في مهنة بلا نقابة


يفتقر المشهد الفني المحلي إلى وجود اتحاد أو نقابة تمثل الفنانين والفنانات، إذ أن هذه الكيانات كانت موجودة بشكل محدود وخجول قبل حرب 2015، إلا أنها تلاشت تمامًا في ظل الأوضاع الراهنة، وزاد من تفاقم المشكلة غياب المنظمات المتخصصة في الدفاع عن حقوق الفنانات.

 عندما توجهنا إلى مكتب الثقافة في عدن، أوضحت الأستاذة منى حداد، مديرة المكتب، أن "الظروف الراهنة أدت إلى تراجع ملحوظ في حضور الفن والثقافة في المجتمع، ولم يعد هناك ذات القبول أو الدعم الذي كان ملموساً في السابق". 

 وأشارت إلى أن الوضع يتدهور يوماً بعد يوم، وأن "تعقيدات الأزمة المحلية باتت تفوق إمكانيات المكتب، سواء فيما يتعلق بحماية الفنانات أو تمويل مشاريعهن". حداد أكدت أن "مكتب الثقافة في عدن يواصل بذل ما في وسعه لدعم المواهب الشابة، من خلال توفير التسهيلات الممكنة لها، وتمكينها من ممارسة فنونها في بيئة آمنة نسبياً"، إضافة إلى "تقديم التوجيه والإرشاد المهني لتطوير مهاراتها وتعزيز حضورها في المشهد الثقافي". 

وقد أكدت الناشطة الثقافية زهـراء علي، على غياب الدور المؤسسي الرسمي في حماية الفنانات وتمكينهن، مبينة الحاجة إلى إيجاد حلول وآليات تكفل لهن مصدر دخل ثابت من الفن، سواء عبر المشاركة في المهرجانات المحلية أو العربية أو الإقليمية التي تمثل الدولة.

وأشارت أيضاً إلى أن منظمات المجتمع المدني يمكن أن تلعب دورًا تكميليًّا من خلال تدريب الفنانات على الظهور الرقمي، بما يسهم في إيجاد توافق بين ما يقدمنه من محتوى فني وبين درجة تقبّل المجتمع لهذا الحضور.

 هكذا، يصبح بناء مؤسسات ثقافية راسخة وسنّ تشريعات خاصة بالمجال الفني ضرورة حتمية لدعم الفن الغنائي النسائي وتمكينه من الانتقال من الهامش إلى المتن، ليصبح جزءًا أصيلًا من هوية الوطن وذاكرته.






"كنت أُضرب لخوف الأهل على سمعتي، لكنني آمنت بالفن، ووضعت كل طاقتي فيه."



 
 

Thanks for submitting!

Follow Us !

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter

Thanks for submitting!

bottom of page