الغناء النسائي في اليمن: بين القيود الاجتماعية والتهميش المؤسسي
- أنغام عدنان وفاطمة رشاد
- 12 يناير
- 6 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 14 يناير

في أزقة المدن اليمنية، تختبئ الأصوات النسائية خلف الجدران، خشية نظرة المجتمع القاسية لمن تختار الفن مسارًا لحياتها.
الغناء هنا ليس مجرد موهبة، بل فعل مقاومة نسائية في مواجهة تقاليد صارمة وتهميش مؤسساتي، امتد لعقودٍ في بلد مزقته النزاعات وبنية ثقافية هشّة مع غياب الحماية القانونية للمغنيات. رغم أن العنف ضد النساء في اليمن يأخذ أشكالاً متعددة، إلا أن حدّته تزداد في حالة الفنانات، حيث يُعتبر الفن فعلاً مرفوضًا اجتماعياً.
في هذا التحقيق، سنسلط الضوء على حياة المغنيات اليمنيات بين الماضي والحاضر، من خلال استعراض تجاربهن الفردية، وتتبع التحديات التاريخية والإجتماعية والسياسية التي تعرقل الممارسة الحرة للفنون في اليمن.
دعم أسري محتشم أمام ضغوط اجتماعية كبرى
تختلف مسارات المغنيات اليمنيات وفق البيئات الإجتماعية والدعم الأسري الذي يتلقينه. ومن بين هذه التجارب، تبرز مسيرة رنا السلامي، وهي مغنية للأعراس الشعبية في عدن، تحولت حياتها منذ الطفولة إلى صراع بين الهوية الفردية والقيود الاجتماعية. حاول العنف الأسري كسر إرادتها، لكنها أصرت على إحياء الحفلات سرًا، ولم ترضخ للنظرة النمطية. تقول رنا "كنت أُضرب لخوف الأهل على سمعتي، لكنني آمنت بالفن، ووضعت كل طاقتي فيه"، لذلك "كنت أذهب إلى العمل لأثبت جدارتي، وفرضت عليهم احترام فني وشخصيتي، ليصبحوا درعي الحامي من القيود الإجتماعية التي تنتهك حقي في الممارسة الفنية الحرة". بمرور الوقت، وبعد أن أثبتت سلامي جدارتها، لعبت أسرتها دورًا حاسمًا في دعمها وحمايتها، وأصبحت درعًا يحمي مشروعها الفني.
تجربة هاجر نعمان، المغنية اليمنية المقيمة في مصر، كانت مختلفة قليلا، فمنذ أن اكتشف والدها موهبتها في السادسة من عمره، شجعها على تطوير قدراتها، لتصبح عائلتها الداعم الأساسي لها في مجتمع ينظر للفن كوصمة عار، خاصة عندما تمارسه النساء. وقد مكنها هذا الدعم من أن تجد طريقها، حيث تقول "هذا الدعم شكّل هويتي الفنية، وصرت مؤمنة بأن صوتي رسالة حب وسلام للعالم يجمع الناس رغم اختلافاتهم ونزاعاتهم، وهو ما جعلني قادرة على الإستمرار رغم كل الانتقادات والهجومات التي أتعرض لها من المجتمع". هكذا استطاعت هاجر أن تتجاوز الحدود الضيقة لليمن لتصل إلى الساحة العربية الواسعة، خاصة بعد زواجها من الفنان عمر ياسين وانتقالهما للعيش في القاهرة.
ومهما كان الدعم الأسري صادقًا وقويًّاً فإنه لا يكفي لوحده، مادام المجتمع المحيط يفرض قيوده على الفنانات ويجبرهن على خوض تحديات قاسية أو مواجهة ضغوط كبيرة، وهذا ما تُظهره تجربة المغنية وعازفة العود الناشئة فرح قائد، التي لم تجد مكانًا مناسبًا لتنمية موهبتها في مدينة تعز، رغم تميزها في الأنشطة المدرسية ومشاركاتها الفنية المتعددة منذ سنٍّ مبكرة، بل أنها تعرضت للقمع والتنمر اللذين تركا ندوبًا عميقة داخلها، ومع ذلك ظلت متمسكة بحلمها حتى انتقلت إلى عدن والتحقت بمشروع (الفن مهنتي) عام 2023، الذي يهدف لتمكين المغنيات والعازفات لاقتحام سوق العمل عبر تشكيل فرقة نسائية، لتقديم العروض الغنائية الحيّة، إلّا أن فرح وزميلاتها لم يسلمن من هجوم المجتمع وتهديداته التي قيّدت أنشطتهن وحجّمت المساحة الفنية المتاحة لهن.
هذه النماذج الثلاثة، على اختلافها وتباينها، تؤكد أن التحدي الأكبر بالنسبة لهن كان دائما المجتمع الذي يفرض رقابة مستمرة على النساء، ويُحدّد متى وكيف يجب أن تظهر المرأة، ومتى يجب أن تختفي. هكذا، فإن حضورهن في المشهد الفني يظل مرهونًا بمعركة غير متكافئة مع العادات والتقاليد والسلطة الاجتماعية.
التغيرات السياسية تلقي بظلالها على المشهد الفني
قراءة السياق التاريخي للغناء في اليمن توضح أن هذه المعاناة ليست طارئة، بل ممتدة عبر عقود. في هذا الصدد، يوضح رفيق العكوري، الخبير الوطني في مجال اتفاقية اليونسكو لعام 2003 الخاصة بصون التراث الثقافي غير المادي، أن القيود المفروضة على الفنانات اليمنيات تمتد جذورها إلى عقود سابقة، حيث "كانت النساء يُجبرن على استخدام أسماء مستعارة ويضطررن للسفر إلى عدن لتسجيل أعمالهن الفنية هربًا من تضييق الخناق عليهن من السلطة السياسية في الشطر الشمالي آنذاك( ما قبل العام 1990).
ويشير العكوري إلى وجود تباين واضح بين الشمال والجنوب قبل الوحدة، "ففي حين ارتبطت فنانات الشمال بالأداء التقليدي المصحوب بالآلات الشعبية، تصدّرت فنانات الجنوب المسارح بدعم الفرق الموسيقية الحديثة". غير أن التحولات السياسية التي رافقت مرحلة ما بعد الوحدة، ولا سيما عقب حرب 1994 "أدت إلى تغير جذري في المشهد الفني مع اشتداد قبضة التيارات الدينية، فقد شهدت البلاد حملة ممنهجة عبر التحريض المجتمعي ضد الفن وممارسيه، ما أسفر عن انهيار تدريجي للبنية المؤسسية الداعمة للفنون وتراجع الحريات الفنية"، لتقتصر الساحة لاحقًا على مواهب محدودة الطابع، توارت عن الأنظار شيئًا فشيئًا"، مضيفا " هذا الامتداد التاريخي يلتقي مع التفسيرات المؤسسية المعاصرة، التي تضع غياب النساء ضمن شبكة من العوامل السياسية والاجتماعية، في ظل الحروب والنزاع المستمر".
تبرز حكايات الفنانات المنسيات كنافذة لفهم جوانب مهمة من التاريخ الثقافي والاجتماعي لليمن وفهم الدور الذي لعبنه في تشكيل المشهد الفني والهوية الثقافية. في هذا السياق، تُشير مدونة الصوت، فريال مجدي، التي تعمل على توثيق تجارب الفنانات اليمنيات المنسيات، أن دافعها للقيام بهذا المشروع هو "الرغبة في معرفة ما أصابهن وأين اختفت أصواتهن بعد كل تلك النجاحات والإنجازات التي حققنها". وقد أبدت دهشتها من كثرة القيود الاجتماعية التي تعرضن لها، ومن التهميش المؤسسي الذي مررن به. وتساءلت عن أسباب حرمانهن من حقهن في ممارسة الفنون بحرية، قائلة:"لماذا يتم منعهن من أبسط سبل الحياة؟".
وتوضح فريال أن هذه التساؤلات وغيرها دفعتها لإنتاج بودكاست (منكام) من أجل مشاركة حكاياتهن مع الجيل الجديد، ثم شكلت فريق (أصوات وإيقاعات غائبة)، بمشاركة فتيات من مختلف المحافظات لتسليط الضوء على مزيد من قصصهن، وأخيرًا أسست منصة (ضفائر) لتكون "أرشيفًا نسائيا لا يوثق إلا الفن والثقافة".
أمّا شعيب عفيف، رئيس قسم العلاقات العامة في معهد جميل غانم للفنون، فيرى أن غياب النساء عن الوسط الفني لا يمكن فهمه باعتباره معطى عابراً، لأنه "نتاج بنية متشابكة من عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية تُعيد إنتاج أنماط التهميش والإقصاء الجندرية؛ مثل الرقابة الأبوية، الرفض المجتمعي، التنمر الرقمي، غياب التمويل، وضعف المبادرات الرسمية لتعزيز مشاريع الفنانات، كل هذا يسهم في زيادة هشاشة البنية التحتية الثقافية ويعطل تكوين منظومة مستدامة لدعمهن". ومع ذلك، يظل مؤشّر الإقبال المتزايد للشابات على الفنون، دالاً على تحولات جلية أعمق، تسعى من خلالها النساء إلى إعادة التفاوض مع الواقع الثقافي والاجتماعي، وهذا ما لمسه عند إدارته مشروع (الفن مهنتي) عام 2023، حيث تجاوز عدد المتقدمات أكثر من مئة مشاركة من تخصصات علمية وأدبية متعددة.
فنانات بلا حماية قانونية
يزداد واقع الفنانات تعقيدا مع غياب المواد القانونية والدستورية التي تحمي حقوقهن في اليمن، فالمادة 27 من الدستور اليمني تشير إلى أن "الدولة تكفل حرية الفكر والتعبير وتتيح للمواطن المشاركة في الحياة العامة والثقافية"، إلا أن النصوص القانونية لا تقدم حماية واضحة للفنانين ولا توفر أية ضمانات تتيح ممارسة النساء للفنون بحرية وأمان.
وأمام هذا الفراغ القانوني، لابد من سياسات وتشريعات متخصصة، إلى جانب آليات تنفيذية تضمن تفعيلها على أرض الواقع في الداخل والخارج، أما التشريعات الحالية فهي لا تعود بالنفع على المتضررات ولا توفر لهن الحماية اللازمة.
ينضاف إلى ذلك، وجود الفنانات في وسط متخم بالمحاباة والمناطقية، إلى جانب التجاهل المؤسسي واللامبالاة الرسمية، حيث واجهت رنا السلامي الكثير من التحديات عندما جربت العمل في دول الخليج العربي ولم يكن يعاديها إلا أبناء وطنها الأم الذين جعلوا الفن يتمحور حول عرض المفاتن وحضور جلسات السمر دون الالتفات لحجم الموهبة أو الرسالة المقدمة.
وتتفق هاجر نعمان مع رنا في أنهما لم تتلقيا أي دعم لائق من أي جهة حكومية أو مؤسسة ثقافية محلية، مع غياب المعاهد الموسيقية وإلغاء حصصها التعليمية في المدارس من بعد وحدة عام 1990، وإغلاق المسارح وفض (فرقة الإنشاد) التي تخرّجت منها كوادر غنائية كانت سابقة لعصرها، كما أنهما واجهتا الكثير من الإهمال حتى رغم تعرضهما للعنف الرقمي.
ولعل هذا ما يدفع الفنانات إلى عدم تسجيل محاضر لأي اعتداء يتعرضن له، وعدم تقديم أي دعاوى للمحاكم أو بلاغات للجهات المختصة. ومن وجهة نظر الباحثة في السياسات العامة، شيماء بنت عثمان، فإن "هناك ضرورة لحمايتهن وتعزيز حرياتهن في ممارسة الفنون"، إلى جانب "تمكينهن من إدراك حقوقهن واللجوء للجهات المختصة عند تعرضهن لأي شكل من أشكال العنف أو تقييد الحريات"، وهذا هو الحال الذي نشهده في الدول المجاورة اليوم بعد عقود من التزمت والانغلاق. من ثم يأتي دور منظمات المجتمع المدني في المناصرة والتأثير، غير أن ذلك، بحسب رأيها "يظل ضرباً من الخيال في الواقع المحلي، حيث تلتزم النساء الصمت مهما لحق بهن من أذى، كما تغيب المرأة عن مراكز صناعة القرار وتشكيل السياسات العليا للدولة، وإن وجدت فإن مشاركتها تبقى غير متوافقة مع تطورات العصر".
تراجع الحضور الفني في مهنة بلا نقابة
يفتقر المشهد الفني المحلي إلى وجود اتحاد أو نقابة تمثل الفنانين والفنانات، إذ أن هذه الكيانات كانت موجودة بشكل محدود وخجول قبل حرب 2015، إلا أنها تلاشت تمامًا في ظل الأوضاع الراهنة، وزاد من تفاقم المشكلة غياب المنظمات المتخصصة في الدفاع عن حقوق الفنانات.
عندما توجهنا إلى مكتب الثقافة في عدن، أوضحت الأستاذة منى حداد، مديرة المكتب، أن "الظروف الراهنة أدت إلى تراجع ملحوظ في حضور الفن والثقافة في المجتمع، ولم يعد هناك ذات القبول أو الدعم الذي كان ملموساً في السابق".
وأشارت إلى أن الوضع يتدهور يوماً بعد يوم، وأن "تعقيدات الأزمة المحلية باتت تفوق إمكانيات المكتب، سواء فيما يتعلق بحماية الفنانات أو تمويل مشاريعهن". حداد أكدت أن "مكتب الثقافة في عدن يواصل بذل ما في وسعه لدعم المواهب الشابة، من خلال توفير التسهيلات الممكنة لها، وتمكينها من ممارسة فنونها في بيئة آمنة نسبياً"، إضافة إلى "تقديم التوجيه والإرشاد المهني لتطوير مهاراتها وتعزيز حضورها في المشهد الثقافي".
وقد أكدت الناشطة الثقافية زهـراء علي، على غياب الدور المؤسسي الرسمي في حماية الفنانات وتمكينهن، مبينة الحاجة إلى إيجاد حلول وآليات تكفل لهن مصدر دخل ثابت من الفن، سواء عبر المشاركة في المهرجانات المحلية أو العربية أو الإقليمية التي تمثل الدولة.
وأشارت أيضاً إلى أن منظمات المجتمع المدني يمكن أن تلعب دورًا تكميليًّا من خلال تدريب الفنانات على الظهور الرقمي، بما يسهم في إيجاد توافق بين ما يقدمنه من محتوى فني وبين درجة تقبّل المجتمع لهذا الحضور.
هكذا، يصبح بناء مؤسسات ثقافية راسخة وسنّ تشريعات خاصة بالمجال الفني ضرورة حتمية لدعم الفن الغنائي النسائي وتمكينه من الانتقال من الهامش إلى المتن، ليصبح جزءًا أصيلًا من هوية الوطن وذاكرته.
"كنت أُضرب لخوف الأهل على سمعتي، لكنني آمنت بالفن، ووضعت كل طاقتي فيه."






تعليقات