top of page
Screenshot 2023-11-22 at 11.56.45 AM.png

على الرغم من أن المادة 41 من الدستور اليمني تنص على  أن "المواطنين جميعهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة"، والمادة 31 تقر بأن "النساء شقائق الرجال"، لكن لا تزال النساء في اليمن يواجهن تمييزاً قانونيا ًومؤسسياً يُقصيهن من مراكز صنع القرار ويهمّش دورهن الأكاديمي والقيادي.


الدستور في ظاهره يؤكد على مبدأ المساواة، إلا أنه يفتقر إلى نص صريح يُجرّم التمييز القائم على أساس النوع الاجتماعي، ما يُبقي الباب مفتوحاً أمام ممارسات إقصائية تُفرغ هذه المبادئ من مضمونها.

في المقابل، تميّز دستور جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بنصوص أكثر تقدما ًووضوحًا؛ إذ نصت المادة 27 على أن "المرأة تتمتع بحقوق متساوية مع الرجل في جميع مجالات الحياة"، فيما ألزمت المادة 31 الدولة بإزالة القيود التي تعيق تطور المرأة، وضمنت المادة 32 حقها في العمل والتعليم وتقلد المناصب، إضافة إلى المساواة في الأجر.

غياب مصطلح "عدم التمييز" في الدستور الحالي يمثل ثغرة قانونية، تعيق تمكين المرأة، خاصة في ظل وجود مواد تمييزية في قوانين الأحوال الشخصية والعقوبات، رغم التزامات اليمن باتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المراة (سيداو) والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

يهدف هذا التقرير إلى تحليل التمييز القانوني والمؤسسي بين الجنسين في اليمن واقتراح حلول تضمن العدالة والمساواة أمام القانون.


تحولات في مشاركة النساء في صنع القرار قبل الوحدة وبعدها


خلال فترة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية من عام 1978 الى عام 1989 المعروفة بمرحلة ما قبل الوحدة، لم تكن المرأة في اليمن غائبة عن المشهد القيادي. ففي الجنوب، برزت أسماء نسائية في مواقع غير مسبوقة: أول نائبة وزير، أول عميدة كلية، أول قاضية، وأول إعلامية تظهر في التلفزيون والإذاعة الرسمية، في سياق دستوري وقانوني تقدّمي دعم حضورها. لتعزيز حقوق المرأة، وقّعت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية على اتفاقية سيداو عام 1984، مما منح النساء أدوات قانونية للدفاع عن حقوقهن في المحافل الرسمية والمدنية. لكن مع قيام الوحدة في عام 1990، وبالتحديد بعد حرب صيف عام 1994، شهدت المرأة في جنوب اليمن تراجعاً كبيراً في حضورها السياسي، إذ ألغيت كثير من التشريعات التقدمية، وتم استبدالها بقوانين محافظة، مما نتج عنه إقصاء ممنهج للنساء من مراكز صنع القرار، وتراجُع تمثيلهن في المؤسسات التشريعية والتنفيذية. على سبيل المثال، جرى استبدال قانون الأسرة الجنوبي الذي كان يضمن المساواة في الحقوق والواجبات، بقانون الأحوال الشخصية الموحّد الذي رسّخ الهيمنة الذكورية في قضايا الزواج، والولاية، وحضانة الأطفال، كما تراجع الالتزام بتعيين النساء في المناصب القيادية، وغابت السياسات التي كانت تُلزم المؤسسات بتمثيل النساء في مواقع القرار.



تظل نسبة مشاركة المرأة في مراكز صنع القرار ضعيفة، حيث لم تتجاوز 4.1% . من المناصب الوزارية منذ الوحدة 1990، مع تراجع كبير في وجودهن في هرم السلطة. 

في تقرير لموقع (منصتي 30)، تشير رئيسة اللجنة الوطنية للمرأة في اليمن، الدكتورة شفيقة سعيد إلى "تمثيل النساء بـ 5% في هيئة التشاور و20% في مجلس القضاء الأعلى، مع بعض التعيينات المحدودة في الوزارات". 



     المخطط يمثل مقارنة مع نسبة تمثيل النساء والرجال في عام 2014 الى عام 2022 (مصدر: تقرير وضع المرأة في اليمن لعام 2022م-1444ه).


ترى الناشطة الحقوقية البارزة وعضو سابق في مجلس الشورى اليمني، الأستاذة نور باعباد "أن الوحدة لم تحقق العدالة في مشاركة النساء في الحياة السياسية، بل عزّزت مكانة أصحاب النفوذ، إضافة إلى ثقافة الولاء والمحاصصة والبنية القبلية، مما أدى إلى تراجع دور المرأة وتهميشها".

تعتبر باعباد "ان تخصيص 30% من مقاعد مؤتمر الحوار الوطني للنساء، كان خطوة مهمة في سبيل الاعتراف بحقهن في المشاركة السياسية". وقد شكّل هذا المؤتمر الذي أُطلق عام 2013 واستمر الى يناير 2014، كجزء من العملية الانتقالية عقب الثورة الشعبية منصة جامعة، حيث جمعت القوى السياسية والاجتماعية من مختلف الأحزاب السياسية والنساء والشباب ومنظمات المجتمع المدني، بهدف وضع أسس لدستور جديد وبناء دولة مدنية حديثة. 

لكن هذه الخطوة، رغم رمزيتها، لم تتحول إلى التزام دائم أو سياسات ملزمة؛ لذلك، تدعو نور باعباد إلى "تشكيل تنظيم نسوي موحد"، يضغط من أجل تمثيل النساء في مواقع صنع القرار على أساس الكفاءة والاستحقاق، بدلًا من الاعتماد على معادلات التسوية السياسية.


"احتلال تشريعي"


تصف الأستاذة نادرة عبد القدوس، رئيسة اللجنة الإعلامية  في المجلس الانتقالي، التغيير الشامل للقوانين بعد الوحدة بأنه "احتلال تشريعي"، مؤكدة على الانحسار الكبير لدور المرأة في الحياة العامة، فبعد أن كانت المرأة اليمنية أديبة، صحفية، وذات وعي مجتمعي فاعل، أصبح وجودها اليوم محصورا في مهن محددة مثل التعليم، المحاماة، الصحافة، الاستشارة، ولا يوجد لها دور فعال في الحكومة الجديدة. هذا التدهور واضح بشكل صارخ، خاصة مع وجود قوانين لم تُفعَّل بعد، مما يُبرز تراجع وضع المرأة مقارنة بالفترة السابقة التي شهدت فيها حضوراً قوياً في المناصب القيادية.

 تؤكد الناشطة الحقوقية الأستاذة مها عوض، مديرة مؤسسة وجود للأمن الإنساني، أن الدستور اليمني، رغم نصّه على عدم التمييز "يفتقر إلى مادة صريحة تُجَرِّم التمييز ضد المرأة، مما أدى إلى تراجع واضح في حقوقها". وتوضح أن هذا "النقص القانوني، مثل عدم إلزامية نظام الحصص (الكوتا) الذي كان يجب أن يُفرض بالقانون، أعاق تقدم المرأة".

كذلك تُبيّن عوض أن المادة 41 من الدستور ورغم تأكيدها على المساواة، تُحال في تطبيق حقوق المرأة إلى المادة 31 التي تُقَيِّدها بما "توجبه الشريعة"، وهذا يُستخدم لتبرير قوانين تمييزية ضد النساء ويفتح الباب أمام الفقه التقليدي بدلاً من تحقيق مساواة حقيقية، معربة عن أملها في تحسين وضع المرأة بوجود دولة حقيقية تضمن تطبيق القانون بإنصاف.

وحول أسباب تراجع دور المرأة في اليمن، تؤكد الأستاذة نور قايد، القيادية الحزبية من محافظة أبين، أن ضعف اهتمام صنّاع القرار بمسألة حقوق النساء، وغياب تفعيل القوانين، وضعف دور الأحزاب هي عوامل رئيسية وراء هذا التراجع. 

في سياق متصل، تُشير الأستاذة إشراق قائد، المديرة السابقة في مستشفى المصافي بعدن، إلى أن النظام التقدمي الذي كان سائداً في جنوب اليمن قبل الوحدة "وفّر للمرأة فرصاً متساوية للمشاركة في الحياة العامة مع الرجل"، على النقيض تماماً "أدت مرحلة ما بعد الوحدة إلى تهميش النساء بسبب غياب القانون وسيطرة الفكر القبلي".  


من الطليعة إلى التهميش: مسيرة الأكاديميات اليمنيات بين عهدين


في عهد جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، شكلت جامعة عدن منذ تأسيسها عام 1970 نموذجاً تقدمياً لتأهيل الكوادر الوطنية، حيث أُدرجت النساء ضمن مشروع الدولة الاشتراكية لبناء مجتمع عادل ومتساوٍ، وتم تمكينهن من الإستفادة من التعليم العالي والوصول إلى مراكز القرار الأكاديمي.

لكن بعد الوحدة عام 1990، بدأت ملامح التراجع تظهر، فقد واجهت الأكاديميات بيئة يغلب عليها الطابع المحافظ، وتضاءلت فرصهن في الترقّي الوظيفي والمشاركة في صنع القرار الجامعي. على سبيل المثال، عندما تأسس أول مركز للدراسات النسوية في جامعة صنعاء سنة 1993، على يد الدكتورة رؤوفة حسن السيد، أول امرأة يمنية تحصل على دكتوراه في الإعلام، تعرض للكثير من المضايقات وتم غلقه لاحقًا بفعل حملة تحريض من التيار الديني المحافظ.

منذ ذلك الحين، باتت الأكاديميات يعانين من تهميش ممنهج، تمثيل ضعيف في مجالس الجامعات، عوائق معيشية وإدارية، وتقييد للفرص المهنية. ورغم وجود تجارب واعدة في مناطق مثل حضرموت، إلا أن المرأة الأكاديمية في اليمن لا تزال تصطدم بجدران صلبة من التمييز المؤسسي والاجتماعي.

تؤكد القيادية البارزة في مجال الاكاديمية البروفيسورة رخسانه إسماعيل، مديرة مركز لعلوم والتكنولوجيا واستاذة البتروكيماويات في كلية العلوم، والمديرة السابقة لمركز المرأة، أن وصول النساء لمراكز صنع القرار بعد الوحدة "كان محدودا"، رغم وجود أربع قيادات نسائية في المجلس الجامعي في جامعة عدن. وتشير إلى أن "الوزارات السيادية لا تُمنح للنساء، بل يقتصر دورهن على الوزارات الهامشية بسبب النظرة الذكورية والثقافة المجتمعية".

رغم أن القانون لا يمنع وصولهن إلى مراكز القرار، إلا أن الأعذار لعدم تمكينهن من ذلك تُبنى على مفاهيم ثقافية تقليدية مثل رفض المرأة الإقامة في الفنادق أو العمل في بيئة فاسدة. ترى البروفيسورة رخسانه "أن النقابات ضعيفة وغير قادرة على الدفاع عن حقوق النساء". لذلك، تواجه بصفتها امرأة صعوبات في المجلس الجامعي نتيجة لجرأتها في قول الحقيقة، مما أدى إلى تهميشها. 

 

"النساء بعد الحرب تحملن أعباء أكبر"


تُسلّط رينا هيثم، مسؤولة الجندر في منظمة أوكسفام، الضوء على التحولات في أدوار المرأة اليمنية قبل وبعد الحرب، مستندة إلى دراسة لـ أوكسفام "تُبيّن أن النساء تحملن أعباء إنتاجية واجتماعية أكبر من ذي قبل".

وتؤكد هيثم أنه رغم مشاركة النساء المتزايدة في سوق الشغل، إلا أنهن ما زلن يواجهن قيوداً جمة بسبب العادات والتقاليد والعنف القائم على النوع الاجتماعي، خاصة في ظل الآثار الناجمة عن الحرب في اليمن وتاثيرها على حياة المرأة. وتوضح "أن فرص النساء في صنع القرار كانت أفضل بشكل ملحوظ قبل عام 1990، حيث كان هناك إيمان راسخ بقدراتهن". وتوجه رسالة الى السلطة تقول فيها "أعطونا الفرصة وسنبدع، لأننا خُلقنا متساوين في الفرص".

لا يعود تهميش النساء اليمنيات إلى غياب تشريعات واضحة فقط، بل إلى منظومة متقاطعة من النصوص الدستورية الفضفاضة، والأعراف الاجتماعية الذكورية، وآليات المحاصصة السياسية. وتُقصى المرأة عادة ليس لأنها عاجزة، بل لأن القوانين تُفسّر ضدها، والعادات تُستخدم كسلاح لإبعادها، كما أن المناصب تُمنح بالولاء لا بالكفاءة. 

ينضاف إلى كل ذلك أن قانون المساواة مُعطّل ليس بسبب قانون واحد، بل بسبب مزيج من نصوص دستورية وقوانين تمييزية (خاصة في قانون الأحوال الشخصية) وتفسيرات الدينية المتشددة بالإضافة إلى أعراف قبلية تتعارض مع المساواة وذلك بسبب ضعف سيادة القانون نتيجة الصراعات المستمرة في اليمن. وهناك فجوة من حيث المرجعية الفكرية في النصوص القانونية. بين دستور جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية لعام 1978، ودستور الجمهورية اليمنية لعام 1991، نشهد انتقالا من إطار قانوني يفرض مساواة مطلقة الى إطار يكرس تمييزاً ضد النساء مبرر دينياً وتغييب مصطلح "المرأة" كمواطنة مستقلة ذات حقوق، أي أنه قبل الوحدة كانت الدولة تدعم دور المرأة ومشاركتها، على عكس ما حصل ويحصل بعد ذلك.

بالتالي، تبرز الحاجة اليوم إلى ضرورة تعديل الدستور اليمني ليشمل مواد صريحة تمنع التمييز ضد المرأة وتعزز من حقوقها كمواطنة مستقلة. كما يجب إعادة فرض نظام الكوتا لدعم مشاركة المرأة في مواقع صنع القرار، بما يضمن تمثيلها بنسبة 30%  في البرلمان كمرحلة انتقالية نحو مشاركة متكافئة. الى جانب ذالك، من الضروري تنفيذ حملات توعوية للتغلب على الأعراف الاجتماعية التي تعيق تقدم المرأة، وتعزيز مفهوم المساواة بين الجنسين، مع تشجيع التنسيق بين المنظمات النسوية لتعزيز قوتها وقدرتها على المطالبة بحقوق النساء وتحقيق العدالة الجندرية.








 
 

في ظل التحولات الرقمية المتسارعة عالميًا، أصبح العمل عن بُعد خيارًا أساسيًا في العديد من بلدان العالم، لا سيما بعد جائحة COVID-19 التي دفعت الشركات إلى اعتماد أنماط مرنة للعمل، ففي أسواق التوظيف الحديثة، هناك مئات الوظائف المتاحة عن بُعد حاليًا  في العراق في مجالات متنوّعة تشمل  تطوير البرمجيات، الخدمات المالية وغيرها، حيث تُوجد أكثر من 2,000 فرصة وظيفية عن بُعد في صناعات تقنية مختلفة بحسب أحدث بيانات الوظائف الرقمية.


ورغم هذه الفرص الرقمية المتنامية، لا يزال العمل عن بُعد في العراق متأخرا جدًا مقارنة بما تعيشه أسواق عالمية أخرى، إذ تُشير منصة لينكدين الرقمية  إلى وجود أربع وظائف عن بُعد فقط حاليا موجهة للعراقيين ضمن أحدث الإعلانات المُحدَّثة وهو رقم صغير جدًا يعكس محدودية الثقافة المؤسسية في تبني هذا النموذج محليًا.

في سياق يُعاني فيه سوق العمل العراقي من تحديات متعددة، من تفشي البطالة بين الشباب إلى ضعف التشريعات الداعمة لبيئة العمل المرن، تبرز فجوة واضحة بين الإمكانات الرقمية المتاحة عالميًا وبين ما هو مُطبَّق فعليًا على أرض الواقع هنا. 

يحاول هذا المقال تسليط الضوء على أسباب ضعف انتشار العمل عن بُعد في العراق، وتأثير ذلك على فرص الشباب في سوق العمل، والإمكانات التي يمكن لهذا النموذج أن يقدّمها إذا اُعتمد بشكل واسع ومستدام.


واقع العمل عن بُعد في العراق بين الطموح والواقع


في العراق، لا يزال نموذج العمل التقليدي هو السائد في معظم مؤسسات القطاعين العام والخاص، حيث يُنظر إلى الحضور الجسدي بوصفه معيارًا أساسيًا للالتزام والإنتاجية. هذا التصور، إلى جانب تحديات البنية التحتية الرقمية وضعف ثقافة الإدارة المرنة، جعل من العمل عن بُعد خيارًا استثنائيًا أكثر منه ممارسة اعتيادية. وبينما تتجه اقتصادات العالم نحو أنماط عمل هجينة أو رقمية بالكامل، ما زال كثير من الشباب العراقيين يصطدمون بواقع مهني محدود الخيارات.

ورغم ذلك، ظهرت خلال السنوات الأخيرة قصص فردية تعكس إمكانات كامنة لم تُستثمر بعد. أحمد، شاب في منتصف العشرينيات من عمره، تخرّج من كلية الهندسة ولم يجد فرصة عمل محلية تتناسب مع تخصصه. بعد أشهر من البحث، تعلّم مهارات البرمجة ذاتيًا عبر الإنترنت، وبدأ العمل بشكل حر مع شركات خارج البلاد. اليوم، يعمل من منزله ويتقاضى أجرًا يفوق ما كان يمكن أن يحصل عليه في وظيفة محلية تقليدية. تجربة أحمد ليست حالة معزولة، لكنها لا تزال محدودة وتعتمد على الجهد الفردي أكثر من كونها نتيجة منظومة داعمة.

وفي تجربة أخرى، تتحدث زهراء، خريجة قسم الترجمة، عن معاناتها في التنقل اليومي لساعات طويلة داخل المدينة مقابل راتب متواضع. بعد أن خاضت تجربة العمل عن بُعد مع منصة دولية للترجمة، اكتشفت أن بإمكانها تحقيق دخل أفضل مع مرونة زمنية تُتيح لها متابعة دراساتها العليا. تقول إن أكبر تحدٍ واجهته هو إقناع عائلتها ومحيطها بأن “العمل من المنزل” هو عمل حقيقي وليس نشاطًا جانبيًا.

ففي أحد برامج التدريب المهني في العراق، أظهرت متابعة للخريجين أن 18% منهم حصلوا على وظائف عبر الإنترنت أو عن بُعد بعد التدريب. البرنامج نفسه أظهر أن 84٪ من المشاركين زاد دخلهم بعد اكتساب مهارات رقمية مرتبطة بالعمل الرقمي. 

تكشف هذه القصص والارقام جانبًا إنسانيًا من القضية، فالمشكلة لا تتعلق فقط بغياب الفرص، بل بثقافة مؤسسية ومجتمعية لم تتأقلم بعد مع التحول الرقمي. كثير من أصحاب العمل لا يزالون يربطون الإنتاجية بالرقابة المباشرة، ويخشون فقدان السيطرة الإدارية في حال اعتماد نماذج مرنة. في المقابل، يفتقر عدد كبير من الشباب إلى الإرشاد والتدريب الذي يؤهلهم لدخول سوق العمل الرقمي بثقة.

هكذا يقف العمل عن بُعد في العراق عند مفترق طرق: بين جيل شاب يمتلك المهارات والطموح، ومنظومة عمل لم تُحدّث أدواتها بعد. وبين هذين الطرفين تتسع فجوة، قد تتحول إلى فرصة حقيقية إذا ما أُعيد النظر في مفاهيم العمل والإنتاجية في المرحلة المقبلة.


لماذا يتأخر تبنّي هذا النموذج الجديد؟


يلعب عامل البنية التحتية دورا كبيرا في عدم تحوّل العمل عن بُعد في العراق إلى خيار مؤسسي، فضعف خدمة الإنترنت في بعض المناطق، والإنقطاع المتكرر للكهرباء ، يضعان تحديات عملية أمام أي نموذج يعتمد كليًا على الاتصال الرقمي المستقر. صحيح، أن المدن الكبرى شهدت تحسنًا نسبيًا في خدمات الإنترنت، لكن ذلك لم يتحول بعد إلى قاعدة وطنية تُتيح تكافؤ الفرص بين المحافظات. وهنا تتجلى فجوة رقمية واضحة بين من يملك أدوات العمل عن بُعد ومن يفتقدها.

كذلك، فإن غياب أطر تنظيمية واضحة يُساهم في تفاقم المشكل، حيث لا تزال معظم العقود في سوق العمل العراقي مبنية على مفهوم الدوام الحضوري وساعات العمل الثابتة، دون وجود سياسات تُنظّم العمل المرن أو تُحدّد حقوق وواجبات العامل عن بُعد. هذا الغموض القانوني يجعل كثيرًا من الشركات تتردد في تبني النموذج، خشية التعقيدات الإدارية أو المساءلات المحتملة.

تواصل الثقافة الإدارية التقليدية يقف بدوره عائقا أمام انتشار العمل عن بعد، فالكثير من المدراء يربطون الانضباط بالإشراف المباشر، ويعتبرون الحضور الفعلي دليلًا على الجدية. هذا التصور يتطلب تحولًا في فلسفة الإدارة نفسها: من إدارة قائمة على التحكم في وقت العمل إلى إدارة قائمة على النتائج. وفي المقابل، يحتاج الموظفون أيضًا إلى تطوير مهارات الانضباط الذاتي وإدارة الوقت والتواصل الرقمي الفعّال.

لكن، مقابل كل هذه التحديات، تبرز فرص حقيقية يمكن البناء عليها. فالعراق يمتلك شريحة شبابية واسعة اذا يمثل الشباب 60% من سكان العراق، نسبة كبيرة منها تجيد استخدام التكنولوجيا ووسائل التواصل والمنصات الرقمية. كما أن انتشار العمل الحر عبر المنصات العالمية أثبت أن الكفاءات العراقية قادرة على المنافسة عندما تتوفر لها البيئة المناسبة. ولو تبنّت الشركات المحلية نموذجًا هجينًا — يجمع بين الحضور الجزئي والعمل عن بُعد-  فقد يشكل ذلك خطوة انتقالية واقعية، بدل القفز المباشر إلى التحول الكامل.

كذلك يمكن للجامعات ومراكز التدريب أن تلعب دورًا محوريًا عبر إدراج مهارات العمل الرقمي ضمن مناهجها، مثل إدارة المشاريع عن بُعد، الأمن السيبراني الأساسي، وأدوات التعاون الافتراضي، لأن المسألة لتتعلق بإعداد جيل يفهم طبيعة الاقتصاد الرقمي ومتطلباته.

بهذا المعنى، لا يبدو العمل عن بُعد ترفا أو موضة عابرة، بل استجابة طبيعية لتحولات اقتصادية عالمية. غير أن الإنتقال من تجارب فردية إلى سياسة عمل معتمدة، يتطلب إعادة تفكير جماعية  تبدأ من المؤسسة، وتمر بالتشريع، في محاولة لتغيير نظرة المجتمع إلى مفهوم “مكان العمل” نفسه.

يقول الخبير الاقتصادي مظهر محمد صالح إن الاقتصاد العراقي يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط، التي تشكل نحو 96٪ من الإيرادات الحكومية، ما يجعل تنويع الاقتصاد عبر القطاعات الرقمية والتكنولوجية ضرورة لتقليل المخاطر الاقتصادية وخلق فرص عمل جديدة.  وفي النهاية، لا تبدو قضية العمل عن بُعد في العراق مجرد مسألة تقنية مرتبطة بسرعة الإنترنت أو توفر الحواسيب، بل هي اختبار حقيقي لقدرة سوق العمل على مواكبة التحولات العالمية. فبين نموذج تقليدي يزداد صعوبة في استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين والتي تبلغ تقريباً 200 الف خريج سنوياً، واقتصاد رقمي يفتح أبوابه عبر الحدود، يقف الشباب العراقي أمام خيارين: الانتظار داخل منظومة بطيئة التغيير، أو البحث عن فرص تتجاوزها.


لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب"

برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)


 
 

عندما اختارت الأستاذة الجامعية سارة جواد - اسم مستعار لعدم رغبتها في إثارة الموضوع مجددًا بعد الحملة الشعواء التي تعرضت لها على وسائل التواصل الإجتماعي - أن تخرج في بث مباشر في قنوات تلفزيونة وصفحات إخبارية، لتتحدث عن استحقاقات مالية تخص آلاف التدريسيين، لم تكن تدرك أن معركتها لن تكون مع أصحاب القرار، بل مع شريط التعليقات أسفل الشاشة. هناك، تحول الترند من قضية رواتب تمس لقمة عيش المئات من الأساتذة إلى محاكمة علنية لـحجابها ومكياجها، ونبرة صوتها. 


المفارقة المؤلمة لم تكن في تعليقات الرجال فحسب، بل في هجوم "زميلات المهنة" اللواتي تركن لب القضية -وهن متضررات منها أيضا- ليتفرغن لجلد زميلتهن التي تجرأت على الكلام. 

تطرح هذه الواقعة تساؤلا أعمق من مجرد تنمر عابر: لماذا تتحول النساء في الفضاء الرقمي العراقي إلى حارسات للمعايير الأخلاقية المحافظة، عبر ممارسة الرقابة على بنات جنسهن نيابة عن نظام أبوي يسعى لإقصائهن من الشأن العام؟



تحوّل التنمر من سلوك انفعالي إلى أداة تأديبية ممنهجة


لم تكن الأستاذة الجامعية سارة جواد غريبة عن "ساحات الهجوم الرقمي، فهي التي خبرت خوارزميات "إكس" (تويتر سابقاً) لسنوات، واعتادت أن تدخل في معارك الرأي السياسية والفكرية. كانت تُدرك أن لـلتغريد خارج السرب كلفة، لكنها كانت كلفة سياسية بالأساس تُدفع من رصيد النقاش. إلا أن المعركة الأخيرة كانت مختلفة في جوهرها وأدواتها، فحين خرجت تُطالب بحقها العادل في الراتب والكرامة المهنية، لم يأتِ الرد من خلال مناقشة الأرقام أو القوانين، بل جاء من خلال تجاهل تام للمحتوى لصالح المظهر العام.

"في السابق، كان خصومي الرقميون يهاجمون أفكاري أو انتماءاتي السياسية، وكنت أقبل ذلك كجزء من ضريبة الاشتباك العام. لكن هذه المرة، وبمجرد أن طالبت بحقي وحق زملائي، شعرت بـهجوم شرس ضدي. فجأة، لم يعد أحد يسمع صوتي، بل كانوا يراقبون حركة شفاهي، نوع ثيابي، وتفاصيل وجهي. تحولت قضية الرواتب -التي تمس لقمة عيش آلاف الموظفين- إلى محاكمة أخلاقية لشخصي من أناس لا يعرفونني"، تتحسر الأستاذة، مضيفة "ما آلمني ليس جهلهم، بل استخدام التنمر على شكلي كعقوبة لي لأنني تجرأت على مغادرة دور "الضحية الصامتة" إلى دور "المطالبة الشرسة". لقد أرادوا إخباري بوضوح أنني مهما بلغتِ من العلم والمكانة، سأبقى في نظرهم مجرد "شكل" يقررون مدى مطابقته لمعاييرهم الأخلاقية".

هكذا، يتحول التنمر من سلوك انفعالي إلى أداة تأديبية ممنهجة. والهدف ليس النقد، بل الردع. عندما يُختزل خطاب امرأة أكاديمية في "لون أحمر شفاهها" أو "طريقة حجابها"، فإن المجتمع الأبوي يُمارس عملية إسكات للنساء لمنعهن من إبداء الرأي. بالتالي، هي رسالة مبطنة لهن حتى يُدركن أن الفضاء العام ليس ملكاً لهن، وأنهن إذا قررن اقتحامه، فيجب أن يتحملن محاولات نهش كرامتهن وتشويه صورهن. هذه الآلية تعمل على تحويل انتباه الجمهور من عدالة القضية (الرواتب) إلى أهلية المرأة للحديث عنها، بناءً على معايير أخلاقية وضعها النظام العام للمجتمع.

المفارقة في تجربة هذه الأستاذة تكمن في أن الجمهور نفسه الذي يُمارس هذا التسقيط، يضم في صفوفه متضررين فعليين من أزمة الرواتب، لكنهم فضلوا التنمر على الإنحياز لمصلحتهم المشتركة، وهو ما يعكس نجاح النظام الأبوي في تدجين الضحايا ليُصبحوا حراساً لجلاديهم.

ترى الباحثة في علم النفس الاجتماعي، نور الهدى إبراهيم، أن ما نشهده في الفضاء الرقمي العراقي ليس مجرد خلافات نسائية عابرة، بل هو تجسيد لآلية دفاعية معقدة تُعرف "بـالعنف الأفقي"، حيث تؤكّد "أن الهجوم الذي تُمارسه النساء ضد قريناتهن في الفضاء العام هو نوع من التموضع الدفاعي داخل النظام الأبوي. في مجتمع يربط أمان المرأة بمدى انصياعها للمعايير الجماعية، تُصبح ممارسة الرقابة على مظهر الآخرين وسيلة لـ تأكيد الولاء "للسيستم الاجتماعي"، مضيفة أن "المرأة التي تُهاجم مثيلتها بسبب مكياجها أو مظهرها أثناء مطالبتها بحقوقها، إنما تحاول لاشعورياً استرداد شعور زائف بالسيطرة، فهي تُخبر المجتمع المحيط أنها شريكة في حراسة القيم، وبذلك تشتري أمانها الشخصي عبر التضحية بقرينتها."

وتُبيّن الباحثة أن هذا السلوك يُحوّل الضحية إلى أداة بيد النظام الذي يضطهدها، بالتالي، فقد نجحت البنية الأبوية في العراق في تدجين وعي الكثير من النساء، لدرجة جعلتهن يتبنين عين الأب في تقييم ذواتهن والآخرين. "إن تحول النقاش من (عدالة المطلب المالي) إلى (أخلاقية المظهر) هو استراتيجية إلهاء نفسية، فمواجهة النظام السياسي أو المؤسساتي تتطلب كلفة عالية، بينما يمنح رجم المرأة إلكترونياً شعوراً فورياً ومجانياً بالاستعلاء الأخلاقي والشرعية الاجتماعية."

 


العنف الرقمي كـأداة ضغط للانسحاب من الفضاء العام


ا يمكن فصل قسوة التعليقات التي واجهتها الأستاذة الجامعية عن البنية العميقة للعنف ضد النساء في العراق إذ تؤكد دراسة حديثة لشبكة "إنسم" (INSM) للحقوق الرقمية أن العنف الميسر بالتكنولوجيا ليس ظاهرة تقنية معزولة، بل هو امتداد رقمي بنيوي لأشكال القمع التي تمارس ضد النساء في المجالين الخاص والعام.

وترى الدراسة أن استهداف النساء العاملات في الشأن العام والصحفيات والأكاديميات عبر "التصيد والتحريض الإلكتروني" يهدف بالدرجة الأولى إلى إسكات أصواتهن وتقويض مشاركتهن في الحياة العامة. هذا النوع من العنف يُشكّل ما يمكن وصفه بـالجدار الجديد الذي يُشيّد أمام المرأة العراقية لمنعها من ممارسة حقوقها الأساسية في التعبير والعمل.

المفارقة في هذا الجدار أنه يعتمد على خوارزميات ومنصات تواصل تُضاعف حجم الضرر وتجعله عابراً للحدود الجغرافية والاجتماعية، حيث يتحول المحتوى الرقمي المسيء إلى أثر دائم يصعب محوه، مما يفاقم من "الوصم الاجتماعي" الذي يدفع الكثير من الكفاءات النسوية إلى الانسحاب من الفضاء الرقمي والعام لتجنب كلفة الظهور الباهظة.

إن الكلفة الحقيقية لهذه الظاهرة لا تُقاس بحجم الأذى النفسي الذي تعرّضت له صاحبة القصة فحسب، بل في الأثر الدائم الذي يتركه هذا العنف الرقمي، إذ تُدرك كل امرأة تراقب المشهد من بعيد أن ثمن المطالبة بالحقوق هو وضع حياتها الخاصة تحت مجهر أناس مجهولين ينشطون من خلف الشاشة، ومستعدين كل الوقت لتشويه صورتها، وهو ما يدفع العديد من النساء المتميزات إلى هجرة الشأن العام، تاركات الساحة لنمط واحد من الخطاب لا يُزعج النظام الاجتماعي والصورة النمطية للمرأة.

لكن السؤال الذي يظل معلقاً إلى متى ستظل النساء يمارسن دور الحارسات لزنزانة المجتمع الأبوي، وهل سيأتي اليوم الذي يصبح فيه المحتوى الفكري للمرأة العراقية أهم من مظهرها العام في نظر قريناتها قبل خصومها؟



لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب"

برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)


 
 

Thanks for submitting!

صحافة_من_أجل_حقوق_الانسان#

bottom of page