top of page
Screenshot 2023-11-22 at 11.56.45 AM.png

"في كل صباح، وفي تمام الساعة الثامنة كنتُ أركب الدراجة خلف أبي متمسكة به وكأنه الشخص الوحيد الذي يمكنه إصالي إلى روضة الأطفال بأمان، رغم أن وسيلة النقل لم تكن آمنة بما يكفي كالسيارة، كما كان من الممكن أن أسقط في أية لحظة نظرا لصغر سني. رغم ذلك، شكّلت هذه الدراجة كل ذكرياتي الجميلة، خاصة مع جهاز الـ(ام بي 3) الذي يحتوي على أغنية (يا عشكنة)، حيث كنت أرى أنني ملكة كل صباح"


  تتذكر مريم، 23 سنة، شغفها بالدراجة، مضيفة " عندما بلغت التاسعة من عمري، طلبت من والدي أن يشتري لي دراجة وبالفعل استجاب لرغبتي، لكن بشرط أن لا أخرج بها إلا بوجوده أو برفقة أحد أفراد العائلة. "كانت رغبتي هي الذهاب إلى المدرسة بمفردي على الدراجة، إلا أن أمي اعترضت لأننا نعيش في حي العبيدي أطراف بغداد، فأثار ذلك غضبي، حيث لم أفهم ما الفائدة من الدراجة إذا لم يكن بمقدوري استخدامها متى ما رغبت". 

ذات مرة سرقت مريم الدراجة دون علم أمها وذهبت بها إلى المدرسة، إلا أن جميع الفتيات الصغيرات كن ينظرن إليها بطريقة غريبة، وكأنها مختلفة عنهن، فعادت باكية إلى البيت. وكنتيجة لفعلتها، بيعت الدراجة كعقوبة لها.

لا تزال مريم ترى دراجتها كحلم سُرق منها وتشعر أنها لم تكن مجرد وسيلة نقل، بل إحساسا بالحرية تم تقييده وتقنينه منذ الصغر. مازالت تتذكر ألوان الدراجة وكيف كانت تزينها وتغسلها بشكل يومي وحلمها بأن تخوض بها سباقات عالمية مستقبلية وتكون "خارقة"، لكن هذه الرغبة لم تتحقق بسبب طبيعة المجتمع المحافظ وتحولت الى حسرة لم تتخطاها إلى اليوم. 

بين عجلات الدراجة وتقاليد المجتمع، وُلدت حملة عقدية جديدة التي جعلت من الحركة فعل مقاومة، ومن التوازن على الطريق طريقًا نحو المساواة.


الدراجة كرمز تحرر الجسد في الفضاء العام


يؤكد الباحث في الشؤون الاستراتيجية عمر عبد الجبار أن انتشار ركوب الدراجة من قبل الفتيات ظاهرة تصاعدت بشكل ملحوظ خلال وبعد مظاهرات أكتوبر 2019، كجزء من ترسيم الجسد كرسالة سياسية، ليُصبح  ركوب الدراجة فعلا يُجسّد كسر القيد الإجتماعي والثقافة من خلال لباس عملي وحركة حرّة وقرار ذاتي. 

بهذا المعنى، " تُصبح الدراجة “لغة” سياسية تُسائل معايير “اللائق” و”المسموح” ولا تنتهي بانسحابها من الساحات بل ينتقل تأثيرها إلى الحياة اليومية من خلال ممارسات  تُحوِّل مطالب تشرین (الكرامة، الأمان، الخدمات) إلى سلوك مدني مستدام، وتُبقي ذاكرة الحركة حيّة عبر طقسٍ اجتماعي متكرر يُسهّل انضمام أخريات إليه كنوع من المقاومة الثقافية الناعمة ومحاولة لإعادة امتلاك الفضاء العام الذي كانت تُسيطرُ عليه الثقافة الذكورية التقليدية."مضيفا أنه "حتى على صعيد الحركة الاحتجاجية، فإن وجود النساء قبل تشرين كان وجودا محدودا وشكليا وخجولا، كما أن فكرة التظاهر والتعبير عن الرأي وخلق التغيير السياسي كانت محتكرة بطريقة أو بأخرى من قبل الرجال. إلا أن صعود جيل جديد منفتح على العالم وقادر على الوصول الكامل للأنترنت وامتلاك الأدوات الكافية للمقارنة والتحليل، غيّر قواعد اللعبة، حيث أن مظاهرات تشرين فتحت الساحات وأعادت للجيل الشاب إحساس "الأحقية" بالشارع".

 هذا الانتقال الثقافي غيّر مسار اللعبة برمتها، فتحول النقاش من " هل يجوز أن تركب المرأة الدراجة" إلى " كيف نوفر طريقا آمنة للقيادة"، ما يدُلّ على أن الدراجة تُشكّل هنا رمزاً لثلاثة حقوق أساسية ومتداخلة وهي حرية الحركة، الحق في الأمان في الفضاء العام، والمساواة بين الجنسين. إلى جانب كل ذلك، شكّلت هذه الحركة انتقالاً حقيقياً وغير مسبوق في شكل الاحتجاج من احتجاج صاخب (مظاهرات، ثورات، غضب وفوضى) إلى سياسة يومية تُراكم تغيرًا ثقافيًا مرئيًا.

تبيّن، حسب دراسات دولية، أنه كلما زادت قابلية رؤية الشابات على الطرقات خلال فعاليات مُنظّمة، كلما تمدّدت مساحة المواطنة وتقلّصت وصاية الأعراف على حركة النساء، حتى مع استمرار التضييق الأمني.


إستعادة الحلم القديم


"شعرتُ بأني حرة للمرة الأولى وأنا أقود دراجتي في مهرجان (عندي حلم، عندي بايسكل) في بغداد ، لم يكن الأمر عادياً، كنت أحس أنني موجودة وفاعلة في الواقع"، تقول أسيل غسان التي كبرت وترعرعت في ذي قار وكانت من الفتيات القلائل اللاتي يملكن دراجات هوائية في محافظتها عندما كانت طفلة، إلا أن الدراجة اختفت من حياتها مع ظهور أولى علامات البلوغ، فالأعمام كانوا يعتبرون أن سمعة العشيرة قد تتأثر سلبيا بصورة "بنية تسوق بايسكل". انتقلت أسيل إلى بغداد بعد أن أكملت دراستها الإعدادية ودرست في كلية التربية الرياضية وأصبحت مدرّسة رياضة وصارت تقوم بكل ما في وسعها لتشجيع الطالبات اللواتي تدرّسهن على ركوب الدراجات الهوائية. " بعضهن يتمنين ذلك، لكن العادات والتقاليد لا تسمح بهذا"، تقول بأسف.

 بعد انتقالها إلى بغداد، بحثت أسيل عن فرصة للعودة إلى حلمها القديم، وتلك الفتاة اليافعة التي كانت تسابق السيارات بدراجتها البسيطة، حتى وجدت حملة أسبوعية لركوب الدراجات الهوائية وأخذ جولات في مناطق بغداد أطلقتها مؤسسة برج بابل وانضمت اليها.

عن هذه التجربة تروي: " لا زلت أذكر حين انطلقنا إلى شارع المتنبي بدراجاتنا، مثل خلية نحل متماسكة وتشجعنا أكثر من خلال التغطية الاعلامية من القنوات العراقية على أمل أن تُصبح هذه الظاهرة عادية ومقبولة من الجميع “. 

تعتقد أسيل أن الضغوط الإجتماعية تلعب دورا أساسيا في تشكيل ما هو "معيب" حتى وإن كان طبيعيا وأن هذا الثقل على كاهل النساء يجب أن تتم إزالته والتخلص من الإرث الذي يُعيقهن عن تحقيق ذواتهن. 


التألق في التظاهرات الرياضية العالمية


" كبرتُ بعيداً عن هذه الأرض التي تغنى بها الشعراء وتناقل عنها التاريخ صورة مبهجة ورائعة مليئة بالتراث والثقافة والفن، إلا أنني صُدمت بأنها أرض العدم حين عدتُ اليها"، تقول آية سرمد، الحاصلة على بطولة العرب للدراجات الهوائية لعام 2025 تمثيلاً لدولة العراق، فقد اكتشفت أن الدعم الرياضي شبه معدوم من الحكومة للنوادي الرياضية النسائية وأن هيمنة الرجال على قطاع الرياضة بصورة عامة وعلى رياضة الدراجات بصورة خاصة، أمر معلن وصريح ولا يحتاج للجدال. وتضيف " كبرتُ في النمسا حيث الجميع متساوون وحيث الرياضة تشكل جزأً مهماً من تنشئة أي فرد. وهناك تعلمت رياضة كرة القدم وصرت لاعبة محترفة ". لظروف خاصة، عادت آية مع عائلتها إلى العراق عام 2018 ورغبت بشدة أن تُكمل مسيرتها الرياضية إلا أنها فوجئت بعدد النساء الضئيل في هذا المجال. من حسن حظها أن والدها كان مدربا رياضيا للدراجات الهوائية في فئة ذوي الإعاقة.

ذات يوم، طلب منه أحد المدربين أن يجمع له عددا من النساء لتدريبهن على الدراجات الهوائية، فلم يتردد لحظة في طرح اسمها واسم أختها.

 هكذا تعلمت آية الدراجات الهوائية بشكل احترافي خلال أيام محدودة واستمرت بعد ذلك بالتدريب لمدة عامين حتى شاركت مؤخرا في بطولة العرب للدراجات الهوائية وفازت على كل من لبنان، الأردن، سوريا، قطر، البحرين، والإمارات العربية المتحدة.

 كان الجميع يظن أنها لن تفوز لأنها عراقية، باعتبار الصورة النمطية المأخوذة على ضعف قدرات اللاعبات العراقيات وضعف تدريبهن واستعداداتهن اللوجستية، إلا أن هذا النجاح، جاء مثل "قنبلة الموسم " كما تسميها، مضيفة "لا يهمني رأي الناس، فقد تعوّدت التعرض لمضايقات كثيرة عندما أقود دراجتي في شوارع بغداد، حيث أواجه الكثير من النقد والمضايقات لأنني فتاة، إلا أن كل ذلك لن يوقفني لأنني أعرف نفسي ولأن عائلتي تدعمني بشدة". 

تؤمن آية أن من يعتقد أن للنساء أدوار إجتماعية محددة، عليه أن يُعيد النظر في تفكيره، "فأنا حصلت على ميدالية ذهبية في الثامن عشر من عمري، في الوقت الذي لا يزال فيه الكثير من اللاعبين الشباب يخطون خطواتهم الأولى في مشوارهم الرياضي".


«لم تكن الدراجة مجرد وسيلة نقل، بل إحساسًا بالحرية تم تقييده وتقنينه منذ الصغر.»

لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)


 
 

"نحن بنظرهم آلات تنتج أطفالاً، وفي أوقات الخلافات، يستغني عنا الرجال بسهولة ويطلبون منا أن نتنازل عن أولادنا، وكأننا نتنازل عن بنطال قديم"

هكذا لخّصت حنان علي (35 عاما) معاناتها، وهي امرأة مطلقة تواجه ضغوطاً كبيرة للتخلي عن أطفالها، وتصف حالتها بشعور عميق بالصدمة النفسية والقهر، جراء المعاملة المهينة من طرف زوجها السابق، بعد أن أصبح يُمارس عليها الضغوطات لانتزاع الأبناء منها. 

حنان ليست وحدها في هذه الوضعية، فالآلاف من الأمهات اليمنيات يُجبرن على التخلي عن أطفالهن للحصول على الطلاق، في مجتمع ما يزال يُقيّد حق الحضانة بالعادات والأعراف القبلية ويُتغافل عن تنفيذ القوانين، لتجد الأمهات أنفسهن في صراع قاسٍ وطويل لاستعادة حق بسيط وطبيعي، مما يترك أثراً نفسياً عميقاً ومدمّراً على الأم والطفل على حد سواء.  


قوانين واضحة وتطبيق غائب


سوسن محمد (20 عاماً) وجدت نفسها بعد طلاق موجع، محرومة من طفلتها ذات الثلاث سنوات، والتي اختُطفت منها فجأة على يد الأب. لجأت للقضاء في محاولة لاستعادة ابنتها، لكن النفوذ والسطوة العائلية أطالا أمد النزاع لسنوات، حتى صدر حكم قضائي بإعادة الحضانة للأم، بعد أن دفعت سوسن خمس سنوات من الانتظار والألم. عاشت عذابا مريراً سبّب لها ألماً نفسياً شديداً وصل إلى حد الصدمة بفقدان طفلتها لسنوات قضتها خائفة على مستقبل هذه الأخيرة في بيئة غير آمنة.

​على المستوى القانوني، ينص قانون الأحوال الشخصية اليمني رقم 20 لعام 1992، بوضوح على أولوية الأم في الحضانة، فالمادة (141) تؤكد أن "الأم هي الأولى بحضانة ولدها بشرط ثبوت أهليتها لذلك، وإذا أسقطت حقها فلا يسقط إلا إذا قبل الولد غيرها وإلا أجبرت؛ لأن الحق هو حق للصغير، ولا يجوز لزوجها الآخر منعها حين لا يوجد غيرها، ولا يمنع سوء خلقها من حقها في الحضانة حتى يبلغ الصغير الخامسة من عمره".

ويُحدد القانون مدة الحضانة التي تستمر حتى يبلغ الذكر تسعة سنوات والأنثى 12 سنة، ما لم يقدر القاضي خلافه لمصلحة المحضون. ويعتبر القانون "الحضانة حقاً للصغير"، هدفها "حفظه وتربيته ووقايته، مما يضره بما لا يتعارض مع حق وليه"، وكونه حقاً للطفل فلا يجوز التنازل عنه. لكن هذا الحق يسقط عن الأم "إذا تزوجت من رجل أجنبي عن المحضون"، ما لم تر المحكمة خلاف ذلك لمصلحة المحضون. ويشدد القانون على أن الحضانة تعود لمن سقطت عنه متى زال سبب سقوطها، مؤكداً على أن مصلحة الطفل هي المعيار الأسمى. 

​في المقابل، تدعم الصكوك الدولية هذا المبدأ، حيث تؤكد إتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، التي صادقت عليها اليمن مع تحفظات، على مبدأ المساواة والمسؤولية المشتركة في رعاية الأطفال، فرغم عدم تناولها للحضانة بشكل تفصيلي، إلا أن روحها وموادها، خاصة المادة (5) التي تدعو الدول الأطراف إلى "اتخاذ جميع التدابير المناسبة لتغيير الأنماط الاجتماعية والثقافية لسلوك الرجل والمرأة بهدف تحقيق القضاء على التحيزات والممارسات العرفية وغيرها القائمة على فكرة دونية أو تفوق أي من الجنسين"، تؤكد على ضرورة تقاسم المسؤولية بين الرجل والمرأة في تنشئة الأطفال وتطورهم.


 وتشدد الاتفاقية على "أن تكون مصلحة الأطفال هي الاعتبار الأساسي في جميع الحالات"، وهو ما يجب أن يُترجم في التشريعات الوطنية، كما تمنح الدول الأطراف المرأة حقاً متساوياً لحق الرجل فيما يتعلق بجنسية أطفالها، مؤكدة على ضرورة القضاء على التمييز ضد المرأة في جميع المجالات، ومنها مجال العلاقات الأسرية.

إن وجود التحفظات اليمنية على بعض مواد الاتفاقية التي تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، لا يُقلّل من الالتزام بتطبيق المبادئ العامة التي تضمن مصلحة الطفل والقضاء على التمييز غير المبرر. 


حق ضائع بين سلطة القبيلة والوضع الإقتصادي الخانق


​على أرض الواقع، يُواجه هذا الإطار القانوني صعوبات كبيرة لتطبيقه، تتمثل في سيادة العادات والتقاليد القبلية التي تحول دون تنفيذ التشريعات القانونية. 

تقول المحامية والناشطة الحقوقية، تهاني الصراري أن " الأعراف القبلية هي التي تُحدّد مصير الأطفال، ويتم سلب حق الأم في الحضانة بالقوة أو التهديد، خاصة في المناطق الريفية، وأحيانًا دون حكم قضائي". وتوضّح أن بعض الأمهات يُجبرن على التنازل عن أطفالهن تحت ضغوط نفسية ومجتمعية، أو كشرط للحصول على الطلاق، "وهي ممارسة تُناقض صراحة المبدأ القانوني بأن الحضانة حق للطفل لا يجوز التنازل عنه". 

من جهتها،  تؤكد المحامية هبة زين، أن العادات القبلية تبقى هي السائدة، و"غالباً ما تُجبر الأم على توقيع تنازل ضمن صلح قبلي لإرضاء العائلة، مما يتركها في حالة من الضعف والاستسلام".

​إلى جانب الصراع القانوني والقبلي، يلعب العامل الاقتصادي دورًا مفصليا في حرمان الأمهات من أطفالهن. في هذا الصدد، يُبيّن الخبير الاقتصادي، ماجد الداعري، أن الفقر يجعل هذه القضايا "أكثر قسوة". ويضيف "أن الأسرة اليمنية غالباً ما تكون عاجزة عن تحمّل عبء أطفال ابنتها المطلقة، خاصة إذا امتنع الزوج عن النفقة". 

وفي ظل الأوضاع الاقتصادية الخانقة، قد يُحرم الطفل من أمه فقط لأن الأسرة لا تستطيع دعمهما مادياً، ليصبح العجز الاقتصادي أداة ضغط أخرى بيد الأب لانتزاع حضانة الأطفال، وهو ما يخلق معاناة مضاعفة للأم المطلقة التي تجد نفسها بين خيار البقاء بجانب أطفالها في فقر مدقع أو التخلي عنهم لضمان استقرارهم المادي ولو بشكل غير مباشر. 

تشير المستشارة الأسرية، هبة الله صلاح، إلى الآثار النفسية لهذه الضغوط، مؤكدة أن الأم التي تُجبر على التنازل عن أطفالها "تعيش صدمة نفسية مضاعفة"، بفقدان الشريك والأبناء الذين هم "قطعة من الروح"، ما يخلق لديها شعوراً بالذنب والعجز وعدم القيمة. 

وتزداد المعاناة بسبب البطء والتعقيد في الإجراءات القضائية، حيث تطول دعاوى الحضانة وتتكرر التأجيلات الإدارية، مما يحوّل معركة الحضانة إلى كابوس نفسي ومادي للأم. وتضيف المحامية هبة زين، أن المشكلة لا تنتهي عند صدور الحكم، فـ "حتى لو كسبت الأم الحكم، قد يمتنع الأب أو أسرته عن تسليم الأطفال بلا رادع حقيقي"، مشيرة إلى أن القانون يحتاج إلى أحكام رادعة وعقوبات صارمة ضد من يمتنع عن التنفيذ، لضمان فعالية الأحكام القضائية.  

لكن الضحية الأكبر في هذا الصراع يبقى الطفل نفسه، حيث تؤكد أخصائية علم الاجتماع، مروة أحمد قاسم سرحان أن حرمانه من حضن أمه يُخلّف آثارًا نفسية عميقة يصعب محوها، مشيرة إلى أن الأم هي الأمان، والبدائل مهما كانت "لا تعوّض دفء الأمومة". هذه الآثار تشمل تدني التحصيل الدراسي، ومشاكل في الثقة والقلق، والاضطرابات السلوكية، وقد يمتد الأثر إلى بناء علاقاته المستقبلية. 

فقدان الأم في سن مبكرة أو الفصل القسري عنها يسبب للطفل شعوراً بالهجر وعدم الأمان، مما يؤدي إلى خلل في بناء شخصيته السوية وثقته بنفسه وبالعالم المحيط. وفي ظل غياب التوعية المجتمعية الكافية بأهمية دور الأم، خاصة في السنوات الأولى من عمر الطفل، يصبح القانون عاجزاً عن حماية مصلحة المحضون الفضلى التي ينادي بها. 

لذلك ولمواجهة هذا الواقع المرير، تُطالب محاميات وخبيرات بحقوق المرأة بتعديلات ضرورية في النصوص القانونية لحماية الأمهات الحاضنات وضمان حقوق أطفالهن. تشمل هذه المطالب وضع نص صريح لتوفير مسكن للأم الحاضنة وأطفالها من أجل توفير الاستقرار، وتطبيق عقوبات واضحة وصارمة على الآباء الذين يمتنعون عن تنفيذ أحكام الحضانة أو النفقة لردعهم، واعتبار دعاوى النفقة والحضانة من القضايا العاجلة أمام القضاء لتقليل مدة النزاع، بالإضافة إلى ضرورة وضع برامج دعم ومساعدات إنسانية للمطلقات الفقيرات وتمويل دعاوى الحضانة. من المهم كذلك تنظيم حملات توعية مجتمعية وإدراج مادة تثقيفية عن حقوق الطفل في المناهج الدراسية، لتغيير النمط الثقافي والقبلي السائد.

يبقى الطريق طويلاً لتنفيذ النصوص القانونية ومواجهة سلطة العادات والتقاليد. في الأثناء، تستمر الأمهات في صراعهن من أجل الحفاظ على حقهن الأساسي في الحضانة وتحقيق مصلحة الطفل الفضلى. 




"الأعراف القبلية هي التي تُحدّد مصير الأطفال، ويتم سلب حق الأم في الحضانة بالقوة أو التهديد."




 
 

"أكثر ما حُرمت منه المرأة اليمنية هو التعليم"، بهذه الكلمات تختصر مزنة الحميدي، سيدة في الخمسين من عمرها، معاناة النساء في اليمن.


 ما زالت هذه الأخيرة تحن إلى فرصة ضاعت منها بسبب تزويجها مبكرا في سن 13 من عمرها وعدم إكمالها تعليمها، حيث أنجبت طفلها الأول بعد عام واحد فقط من بلوغها البيولوجي. تتحسر مزنة على تلك الأيام، حين كانت في الصفوف الابتدائية وتتذكر معلميها المصريين قبل حوالي نصف قرن.

لاتزال المرأة اليمنية تُعاني إلى اليوم من ظاهرة الزواج المبكر، الذي يعتبر أحد العادات والتقاليد الاجتماعية المتجذرة في المجتمع. وقد أسهمت الحرب وتدهور الوضع الإنساني والصحي في ازدياد هذه الظاهرة، حتى باتت تُمثّل أحد أبرز أشكال العنف الممنهج ضد الفتيات. 

يؤدي زواج القاصرات إلى انقطاع البنات عن التعليم في سن مبكرة، حيث تقل فرصهن في الالتحاق بالمدراس أو الاستمرار فيها. وفقاً لتقرير صادر من اليونيسف في يوليو 2021، فإن هناك "أكثر من مليوني طالب وطالبة يوجدون خارج المدرسة"، وهو ضعف العدد مقارنة بعام 2015. 

وتشير دراسة أجرتها وزارة التربية والتعليم في عام 2014، الى أن "الفتيات هن أكثرعرضة بنسبة 17% للانقطاع عن التعليم في المرحلة الابتدائية مقارنة بالفتيان"، بينما في المرحلة الإعدادية "ترتفع هذه النسبة إلى 23%"، الأمر الذي يعكس ازدياد الفجوة بين الجنسين فيما يخص التسرب من المدرسة.

ويُعدّ الزواج المبكر السبب الأبرز لانقطاع الفتيات عن التعليم، الأمر الذي زاد من نسبة الأمية في أوساط النساء وقّلل من عدد الملتحقات بالتعليم العالي، في ظل ظروف اقتصادية صعبة بسبب الحرب والجفاف والتغيرات المناخية. 

في المجتمعات القبلية يُنظر إلى الزواج المبكر أحياناً كوسيلة لحماية الفتاة أو لتأمين مستقبلها، خاصة مع ضعف الوعي المجتمعي بأهمية تعليم الإناث، الذي يُساهم في استمرار هذه الظاهرة. لكن في الواقع، فإن ذلك يتسبب في التعدي على حق المرأة الأساسي في التعليم.



"لا خيار لنا كفتيات سوى الموافقة والرضوخ"


بدأت ظاهرة تزويج القاصرات في القرية بين أحضان القبيلة ولكن الحرب والظروف الاقتصادية الصعبة، جلبت هذه التقاليد إلى المدن والمراكز الحضارية، مثل عدن وغيرها.

في هذا الصدد تقول رنا (اسم مستعار)، معلمة تعمل في إحدى المدارس بمديرية البريقة في محافظة عدن: "لاحظت أنا وزميلاتي ازدياد عدد المخطوبات من الطالبات في المراحل الأساسية والثانوية، وعدد المتسربات من الصفوف أو اللواتي يذهبن الى صفوف الانتساب أو التعليم المنزلي لانشغالهن ببيوتهن المفتوحة حديثا، سواءا كان ذلك بإردتهن أو بدونها".

لا تزال العديد من الفتيات اليمنيات اللواتي تزوجن في سن مبكرة، يدفعن ثمن هذا القرار القاسي الذي اتخذه الكبار في العائلة، من بينهن فخرية محمود (اسم مستعار)، وهي نازحة من محافظة تعز وتسكن في مديرية البريقة، وهي كذلك أم لطفلين، الكبرى تبلغ من العمر ثماني سنوات والصغرى لم يتجاوز سنها تسعة أشهر، وهي تُعاني هي وزوجها من قسوة الحياة. من أجل كسب لقمة عيشها، تُدير مشروعاً منزلياً قائما على بيع المعجنات، في حين يعمل زوجها في صيد وبيع السمك لمجابهة غلاء الأسعار وارتفاع تكاليف الإيجار ومصاريف المدرسة لطفلتها الكبرى. 

تروي فخرية قصتها بمرارة قائلة: "وحده النظر إلى طفلتيّ يخفف عني الأعباء التي نالت من صحتي جراء زواجي المبكر وولادتي الأخيرة الصعبة، والتي استغرقت أربع ساعات في عملية قيصرية حطمتني مادياً وصحياً"، مضيفة "عندما تزوجت كان عمري 15 سنة، لكن كتبوا لي في عقد الزواج حينها بأن لدي 19 سنة. كان أخي هو من أرغمني على هذا الزواج مثلي مثل أخواتي البنات اللواتي زوجهن أبي وهن قاصرات قبل وفاته". 

من جهتها، تتحدث نسرين (اسم مستعار)، وهي أم لطفلة في عامها الثالث وطفل لا يتعدى عمره التسعة أشهر، عن قصتها المؤلمة حول زواجها بعمر ال16 سنة، وتقول "زوجتني عائلتي بعد نزوحنا إلى عدن بسبب الحرب. في محافظتنا، الحديدة، كان والدي رجلا فقيرا وعائلتي كثيرة العدد، ولا نملك كمصدر دخل سوى المساعدات الإنسانية، كما أن الزواج المبكر يُعدّ هناك من العادات والتقاليد التي نشأنا عليها، ولا خيار لنا كفتيات سوى الموافقة والرضوخ لقرار الذكور دون أي اعتراض". 


52% من الفتيات اليمنيات يتزوجن قبل سن 18عاماً


يشير تقرير دراسة أجرتها هيومن رايتس ووتش تحت عنوان "على اليمن وضع نهاية لزواج الأطفال"، أن "نحو 52% من الفتيات اليمنيات يتزوجن قبل سن 18عاماً، و14% منهن قبل سن 15 عاماً، أما نسبة الفتيات المتزوجات من الفئة العمرية بين 20 الى 24 عاماً، فتبلغ 37%". 

تقول منظمة هيومن رايتس ووتش في دراستها " أن الضرر الذي تتعرض له الفتيات اللواتي تقوم عائلاتهن بإجبارهن على الزواج، في بعض الحالات في سن صغيرة تصل إلى ثماني سنوات، شديد وطويل الأمد، لأنه يعني أنهن فقدن السيطرة على حياتهن، بما في ذلك القدرة على تقرير ما إذا كن يرغبن في إنجاب أطفال أم لا ومتى يكون ذلك".

وبسبب انتشار الظاهرة وخطورتها على الفتيات، دعا مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة اليمن في سبتمبر 2013 لإنهاء الزواج المبكر والقسري. 

كذلك أشار المجلس الأعلى للأمومة والطفولة في تقرير نشرته منظمة الإنسانية الجديدة في 2007، أن وزارة الصحة اليمنية تقدرعدد النساء اللواتي يمتن يومياً أثناء الولادة بثماني نساء، ومن بين 100 الف ولادة حية (طبيعية) تموت 366 امرأة، ويتفاقم الوضع بسبب ارتفاع معدل الخصوبة في اليمن وهو أحد أعلى المعدلات في العالم، بمتوسط سبعة أطفال لكل امرأة. ويعتبر المختصون أن الزواج المبكر هو أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع معدل وفيات الأمهات.


مشاريع قوانين معطلة للحد من الزواج المبكر 


 رغم المحاولات المتكررة لتحديد سن قانوني للزواج في اليمن، إلا أن هذه الجهود غالباً ما تُواجه بمعارضة من بعض القوى التقليدية والدينية. في عام 2014، تم تقديم مشروع قانون يحدد سن الزواج بـ 18 عاماً، لكن لم يتم إقراره حتى الآن، حيث أن المعمول به حاليا، هي المادة 15 من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1990، والتي تنص على "أنه لا يصح تزويج الصغير ذكراً كان أو أنثى دون بلوغه خمسة عشرة سنة".   

تضمّن مشروع القانون الذي تم طرحه من جانب وزير الشؤون القانونية اليمني في 2014، اقتراحات جذرية لحل مشكلة الزواج المبكر، فمثلا جاء في الفقرة (ج) من المادة 46، أنه "على المسؤول عن تحرير عقد الزواج التأكد من سن الرجل والمرأة على حد سواء. أما المادة 242 الفقرة (أ) فتنص، على عقوبات جنائية بالسجن لفترات تتراوح بين شهرين وسنة واحدة وغرامة تصل الى 400 ألف ريال، ما يعادل (1860 دولاراً وقت إقرار القانون) لأي شخص غير مختص يقوم بتحرير عقد زواج وهو على معرفة بأن أحد الطرفين على الأقل دون سن ال18، ويواجه أي من الشهود أو الموقعين على عقد الزواج، بمن في ذلك الآباء والاوصياء، الذين يعرفون أن أحد الطرفين على الأقل هو دون سن ال18، عقوبة السجن من شهر الى ثلاثة أشهر وغرامة مالية تتراوح ما بين 100 ألف و250 ألف ريال (460 الى 1160 دولاراً وقت إقرار القانون). 

وبالرغم من أن اليمن وقّع على إتفاقيات دولية مثل إتفاقية حقوق الطفل واتفاقية سيداو، التي تمنع بشكل صريح زواج الأطفال، وتُلزم الدولة باتخاذ تدابير قضائية لاستئصال هذه الممارسة، إلا أن الواقع يعكس غير ذلك.

ترى الناشطة النسوية والحقوقية، الرميصاء يعقوب أنه "يجب رفع سن الزواج لضمان حماية الطفلات وضمان تنمية سليمة لهن، ولكن للأسف لا يتم تطبيق القوانين حالياً".

زواج القاصرات في اليمن ليس ظاهرة جديدة بل هو نتاج بيئة قبلية راسخة في الأرياف، حيث تتغلب العادات والتقاليد على الحقوق الأساسية للفتيات، إلا أن تفاقم الظاهرة في الوقت الراهن يعود إلى عوامل إضافية أبرزها الفقر، وضعف مستوى التعليم، وغياب القوانين الرادعة.

وتشير الحقوقية رميصاء إلى أنه "رغم أن غياب مجلس النواب يمنع حالياً إصدار قانون يحدد سناً قانونية للزواج، إلا أنه لا يزال بإمكاننا إحداث فرق من خلال حملات توعية جادة ومستدامة تركز على حماية الطفولة، وتمكين الفتيات على الأقل من خلال التعليم كخطوة أساسية لبناء جيل واعٍ وقادر على التغيير". 

وتضيف "يجري حالياً إعداد خطة لمشروع الحماية الاجتماعية لعدن، وخطة وطنية عامة ومناقشة موضوع سن الزواج، حيث أن سن ال15 سنة غير مناسب للزواج كون الفتاة في هذا العمر لم يكتمل نموها الجسدي أو النفسي، مما يُشكّل خطراً على صحتها وعائقا أمام قدرتها على تحمل مسؤولية أسرة". 


تداعيات جسدية ونفسية حادة


تواجه الفتيات المتزوجات في سن مبكرة مخاطر صحية جسيمة أثناء الحمل والولادة ومضاعفاتها، مثل النزيف والالتهابات وتسمم الحمل، نظراً لعدم اكتمال نمو أجسادهن، مما يؤدي إلى الوفاة، إضافة إلى التأثير النفسي، حيث أن العديد من الفتيات يواجهن اضطرابات نفسية نتيجة زواجهن المبكر كالاكتئاب والقلق، بسبب الضغوط والمسؤوليات التي تُلقى على عاتقهن في سن صغيرة. 

في هذا الصدد، تُفسّر الأستاذة رانيا خالد، رئيسة منصة المرأة المستقلة، وأستاذ مساعد في قسم علم الاجتماع في جامعة عدن ومختصة في تدريب الدعم النفسي، أن "زواج القاصرات صار مشكلة تؤرق المجتمع اليمني بشكل عام وعدن بشكل خاص، لما يترتب عليه من سلبيات كثيرة"، مشيرة إلى أن " الفتاة تتعرض للأمراض النفسية والعضوية في حالة الحمل المبكر، كما أن الأم الطفلة التي تُصبح لديها أطفال، تجد نفسها غير ناضجة لتربية الأولاد مستقبلاً. كذلك، فإن عدم اكتمال الوضع الواعي لعقلها وعدم فهمها لمهام الأم والزوجة، يتسبّب في ازدياد التوترات مع الزوج، وقد حصلت مشاكل كبيرة وكثيرة من هذا القبيل". 

يتسبّب الزواج المبكر أيضا في انقطاع الفتيات عن التعليم، مما يحد من فرصهن في الحصول على وظائف مستقبلية، وتعاني الزوجات القاصرات من الفقر والاعتماد على الآخرين بصورة كبيرة، وهو ما يعد من مؤشرات الأضرار الاجتماعية التي تعانيها القاصرة، من قبيل تعزيز دائرة الفقر وتهميش المرأة وإقصائها من العمل والحياة العامة، وهو ما ينعكس سلبا على المجتمع برمته. لذلك تعتبر الأستاذة رنا، أن "ازدياد ظاهرة الزواج المبكر، يستدعي حقاً تدخلاً قانونياً لتمكين الفتاة من إكمال تعليمها، على الأقل في المرحلة الأساسية". 

غالبا ما تعيش الفتيات اللواتي تزوجن في سن مبكرة حياة زوجية صعبة، لذلك بات من الضروري الحد من هذه الظاهرة عبر سن قوانين ملائمة تمنع هذا النوع من الزواج والحرص على تطبيقها. 

كذلك من المهم إنشاء مراكز تخصصية لمعالجة تبعات مشكلة زواج القاصرات نفسياً وجسدياً وتحسين المستوى المعيشي لبعض القاصرات اللواتي لم يكملن تعليمهن من خلال دعمهن لانشاء مشاريع صغيرة مثل الطبخ والخياطة والتطريز، مما يساهم في التخفيف من معاناتهن ويساعدهن على مجابهة الحياة بشكل أفضل.





"لا خيار لنا كفتيات سوى الموافقة والرضوخ لقرار الذكور دون أي اعتراض."


 
 

Thanks for submitting!

Follow Us !

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter

Thanks for submitting!

bottom of page