top of page
Screenshot 2023-11-22 at 11.56.45 AM.png

في أحد أحياء بغداد، كان أحمد يظن أن أصعب ما في رحلته المهنية هو إقناع العملاء بجودة عمله كمصمم مواقع يعمل بشكل مستقل. ولكن حين انتهى من إنجاز  أول مشروع كبير له مع شركة أجنبية، اصطدم بعائق كبير وهو كيفية استلام أجره، فالتحويل المصرفي يتأخر  لمدة أسابيع والعمولات المرتفعة تلتهم جزءًا من المبلغ، بالإضافة إلى إجراءات تحقيق طويلة وأسئلة مصرفية لا تنتهي حول طبيعة العمل ومصدر التحويل. وفي كل مرة، كان أحمد يشعر أنه مطالب بإثبات شرعية جهده، لا مجرد استلام مستحقاته. وحين فكّر في توسيع عمله وتوظيف مساعدين، اصطدم بحقيقة أخرى: وهي هشاشة نظام الدفع والاستلام وتعقيده إلى جانب أنه غير مُتوافق مع طبيعة الاقتصاد الرقمي.




قصة أحمد تكشف واقعا صعبا يعيشه رواد الأعمال في العراق، فيما يخص البنية الأساسية للحركة المالية غير ملائمة لنشاطاتهم، من حيث طرق الدفع وآليات التحويل وسهولة الحصول على الأموال بعد إنجاز العمل، إذ كيف يمكن لقطاع خاص أن ينمو، إذا كان استلام المستحقات يمثل تحديًا بحد ذاته؟ وكيف يمكن لفريلانسر عراقي أن ينافس عالميًا، بينما يظل محاصرًا بقيود مصرفية لا تواكب طبيعة السوق الرقمية؟


في ظل التحولات العالمية نحو الاقتصاد الرقمي والعمل عن بُعد، أصبحت سرعة ومرونة المدفوعات عنصرًا حاسمًا في استدامة الأعمال. غير أن النظام المصرفي في العراق لا يزال يتعامل مع هذا التحول بحذر شديد، ينعكس في تعقيد الإجراءات، وضعف الخدمات الرقمية، وغياب حلول متخصصة للعاملين لحسابهم الخاص. 

من هذا المنطلق، لا تبدو قصة أحمد حكاية فردية، بل مؤشرًا على خلل أوسع في العلاقة بين البنوك والاقتصاد الجديد؛ علاقة تحتاج إلى مراجعة جذرية إذا أردنا للقطاع الخاص أن يتحول فعلًا من شعار اقتصادي إلى واقع منتج ومستدام.



تحويلات تستغرق أسابيع  وصعوبات في الحصول على الأموال


في مدينة النجف، أسّس مصطفى شركة صغيرة لخدمات التصوير والإنتاج الإعلامي. وتعاقد مع مؤسسة إقليمية لتنفيذ حملة دعائية، وأنجز العمل ضمن المدة المحددة وبجودة عالية. غير أن مرحلة استلام الدفعة كانت أكثر تعقيدًا من تنفيذ المشروع نفسه، حيث أن التحويل الخارجي استغرق وقتًا طويلًا للوصول، ثم خضع لإجراءات تدقيق إضافية داخل المصرف. وطُلبت منه وثائق وعقود مترجمة، وانتظر أيامًا أخرى قبل أن يُسمح له بالتصرف في المبلغ.


يقول مصطفى أنه خلال تلك الفترة، كان عليه دفع أجور فريق العمل واستئجار معدات إضافية لمشروع جديد، كما أنه اضطر إلى الاقتراض بشكل شخصي لتغطية الالتزامات العاجلة، رغم أن أمواله موجودة فعلًا في حسابه. هذه المفارقة تختصر جوهر الأزمة: الا وهي عدم القدرة على الوصول السلس إلى السيولة، حتى عند تحقق الدخل فعليًا.

كل هذا يُنتج بيئة غير مستقرة للتخطيط المالي، فصاحب المشروع لا يستطيع تحديد موعد دقيق لدخول الإيرادات، ولا احتساب صافي أرباحه بشكل واضح بعد خصم الرسوم المختلفة. ومع غياب أدوات دفع إلكترونية واسعة الانتشار وموثوقة، يبقى الاعتماد الكبير على النقد أو الحلول الجزئية، ما يحدّ من قابلية توسع النشاط الإقتصادي ويزيد من المخاطر التشغيلية.

الأخطر من ذلك هو أن هذه الهشاشة تُضعف القدرة التنافسية للقطاع الخاص العراقي. في عالم تُقاس فيه كفاءة الشركات بسرعة التحصيل وسلاسة المعاملات، يصبح التأخير البنكي عبئًا إضافيًا على كاهل رواد الأعمال، فالمستثمر أو العميل الخارجي يبحث عن شريك يمكن التعامل معه بسهولة مالية، لا عن طرف يعتذر بسبب قيود مصرفية محلية.

إن معالجة هذه الإشكالية لا تتطلب فقط تطوير تطبيقات إلكترونية أو إطلاق شعارات عن التحول الرقمي ، بل تستدعي إعادة نظر شاملة في فلسفة التعامل المصرفي مع الأعمال الصغيرة والمتوسطة، لأن استقرار منظومة المدفوعات هو الأساس الذي يُبنى عليه أي نمو لاحق. ومن دون ضمان حركة مالية مرنة وموثوقة، سيبقى القطاع الخاص يتحرك بخطوات حذرة في بيئة لا تمنحه اليقين الذي يحتاجه للتوسع والاستدامة.


فجوة سعر الصرف… حين تتآكل الأرباح عند بوابة المصرف


إذا كانت أزمة المدفوعات تتعلق بسرعة الوصول إلى الأموال، فإن أزمة سعر الصرف تتعلق بقيمتها الفعلية عند الوصول، حيث أن الكثير من العاملين في القطاع الخاص، خصوصًا من يتعاملون مع عملاء خارج العراق، يواجهون معضلة عدم القدرة على استلام الحوالات بالعملة الأجنبية نفسها، والاضطرار إلى تسلّمها بالدينار العراقي وفق سعر صرف أدنى من السعر المتداول في السوق.

في بغداد، تعمل منار كمترجمة حرة مع دور نشر ومنظمات خارجية. وتتقاضى أتعابها بالدولار مقابل كل مشروع تنجزه. حين يرسل العميل الحوالة، تتوقع منار أن تستلم المبلغ كما هو متفق عليه. لكن عند وصول التحويل إلى حسابها، تُبلَّغ بأن المبلغ سيُصرف لها بالدينار العراقي، وبسعر صرف رسمي يقل عن السعر الرائج في السوق المحلية.

النتيجة؟ فرق في القيمة قد يلتهم جزءًا معتبرًا من الأجور، فالمبلغ الذي تتفاوض عليه بالدولار يفقد جزءًا من قوته الشرائية بمجرد تحويله إجباريًا إلى العملة المحلية بسعر أدنى. وبين السعر الرسمي والسعر المتداول، تتكوّن فجوة يتحمّلها العامل وحده، لا المصرف ولا الجهة الدافعة.

هذه الإشكالية لا تمس الأفراد فقط، بل تضرب الشركات الصغيرة التي تعمل مع الخارج، فعندما يتفق رائد الأعمال مع عميل دولي على تسعيرة معينة، فإنه يبني حساباته على أساس تلك العملة التي من المفروض أن تُغطي تكاليف الإشتراكات الرقمية وأدوات عمل وخدمات الإستضافة و حتى المواد الأولية المستوردة والتي تُسعّر غالبًا بالدولار. وعند إجباره على استلام أجره بالدينار العراقي بسعر صرف أقل، يجد نفسه أمام معادلة مختلة وبدخل فعلي بقيمة أدنى.

والأسوأ هو  أن هذا الواقع يضع العامل العراقي في موقع أضعف تفاوضيًا، فهو لا يستطيع ببساطة رفع أسعاره لتعويض الفارق، لأن السوق العالمية تنافسية. كما أنه لا يملك دائمًا خيار الاحتفاظ بحسابه بعملة أجنبية والتصرف به بحرية.

إن مسألة سعر الصرف هنا ليست مجرد تفصيل تقني، بل عنصرًا حاسمًا في تحقيق العدالة في التعامل المالي، فحين يخسر صاحب العمل جزءًا من أجره بسبب آلية صرف مفروضة، يتحول النظام المصرفي من وسيط محايد إلى طرف يؤثر سلبًا على دخله. وفي اقتصاد يسعى إلى تشجيع الصادرات غير النفطية والخدمات العابرة للحدود، يُصبح تمكين العامل من استلام أجره بالعملة المتفق عليها خطوة أساسية لتعزيز الثقة وجذب المزيد من النشاط الاقتصادي الخارجي.


يشير الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي في تحليلاته المتكررة إلى أن أي حديث عن تنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط يظل ناقصًا من دون إصلاح جذري للقطاع المصرفي، وتطوير أدوات التحويل والدفع بما ينسجم مع حركة التجارة والخدمات العابرة للحدود، فضعف كفاءة النظام المصرفي، برأيه، لا يؤثر فقط في الأفراد، بل يحدّ من قدرة العراق على جذب العملة الصعبة وتنشيط القطاعات الإنتاجية غير النفطية.

من جانبه، يؤكد الخبير المالي باسم جميل أنطوان أن تحديث أنظمة الدفع الإلكتروني، وتوسيع التعامل بالعملات الأجنبية بشفافية، وتقليل الفجوة بين السعر الرسمي والسوقي، هي عناصر أساسية لاستقرار السوق وتعزيز الثقة بالمؤسسات المالية. ويرى أن غياب هذه المعالجات يدفع بعض الأنشطة إلى البحث عن قنوات غير رسمية، ما يضعف الرقابة ويزيد من هشاشة الاقتصاد.

إن تمكين رواد الأعمال والفريلانسرز من استلام مستحقاتهم بالعملة المتفق عليها، وبسعر صرف عادل، وبإجراءات واضحة وسريعة، ليس تفصيلًا تقنيًا، بل خطوة استراتيجية في مسار إصلاح اقتصادي أوسع، فبقدر ما تُبنى الثقة بين المصرف وصاحب العمل، بقدر ما يتحول القطاع الخاص إلى شريك حقيقي في التنمية، لا مجرد عنوان في خطط الإصلاح.



لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)


 
 

تُواجه النساء واقعاً قاسياً في بلد يُصنّف ضمن أفقر دول العالم، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة، فقد أدت الحرب وتعثر جهود السلام إلى انهيار اقتصادي حاد، وتوقف عملية تصدير النفط الخام، مما تسبب في انهيار العملة الوطنية وضعف البنية التحتية، وانعكس ذلك بشكل مباشر على صرف رواتب الموظفين الحكوميين، الذين يُقدّر عددهم بنحو 1.2 مليون شخص، وفق تقرير نشر في (المصدر اونلاين) سنة 2022.   


يزداد الأمر سوءاً بالنسبة لشريحة واسعة من العاملين بنظام التعاقد في القطاع الحكومي، حيث تعمل أعداد كبيرة من النساء برواتب متدنية في ظل ظروف معيشية صعبة دون ضمان وظيفة ثابتة. وتعكس هذه المعاناة واقعاً مؤلماً تعيشه النساء خلف مكاتب المؤسسات الحكومية في ظل استمرار الصراع وانقطاع الرواتب، وهي أبرز تداعيات الحرب في اليمن.


عدالة غائبة ونساء بلا أمان وظيفي


تقول أم تيماء 45 عاماً، وهي إحدى الموظفات المتعاقدات في مكتب التربية والتعليم في مديرية المنصورة في عدن، أن " التعاقد لا يضمن لها أية حقوق وظيفية، حتى المرضية". وتضيف "كل يوم نشعر بعدم الأمان ونتعرض للتهديد الوظيفي والتقليل من شأننا كمعلمات متعاقدات، ونطالب دوماً بالتثبيت في وظيفة رسمية، لكن الوعود الكاذبة جعلتني أرغب بإنهاء التعاقد". وتوضح أن راتبها لا يتجاوز 20 دولاراً في الشهر، بينما يبلغ إيجار منزلها 50 دولاراً. وتشير إلى أن الهدف من التعاقد هو أن يكون بوابة للحصول على وظيفة دائمة ومضمونة، إلا أنها أمضت 14 عاماً كمتعاقدة دون أية إجراءات حقيقية للتوظيف الرسمي.  

بدورها، تقول أمل سعيد، 36 عاماً، وهي متعاقدة في مكتب الشهداء والجرحى في دار سعد في عدن منذ 2015، أنها لا تشعر بالأمان الوظيفي، خاصة عند رؤيتها لزملاء متعاقدين سابقين بدؤا العمل قبلها لم يتم توظيفهم حتى اليوم. وتضيف "طالبت بالتوظيف لكن في كل مرة يتم إرجاع طلبي إلى وزارة الخدمة المدنية، التي بدورها لم تقم بأية عملية توظيف رسمي منذ اندلاع الحرب، وعلى الرغم من وجود العديد من العوائق والتحديات  إلى جانب الراتب الضئيل، إلا أنني أحب عملي وأتمنى أن يتم تثبيتي في وظيفتي". 

في الوقت الذي يجب أن تكون فيه المرافق الحكومية هي الأماكن التي تسودها العدالة والنظام، تحوّل العمل فيها إلى كابوس بالنسبة للعديد من النساء، خاصة في القطاع التربوي.

نسرين صلاح، 35 عاماً، تعمل متعاقدة في مدرسة حكومية، تصف حالتها النفسية بالسيئة جداً والمحبطة، وتقول "راتبي الشهري لا يتجاوز 6 دولارات، ولا يكفي حتى لشراء كيس قمح، ويُصرف لنا كل أربعة أشهر، كما يتم الاستقطاع منه". 

للأسف، لا توجد إحصائيات رسمية  تُشير إلى عدد العاملات بنظام التعاقد في المرافق والجهات الحكومية، نتيجة الظروف الصعبة التي يمر بها جهاز الإحصاء المركزي في فترة الحرب. 

يقول دكتور فيدل سعيد، وكيل مساعد لقطاع علاقات العمل في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، بأن للنساء المتعاقدات الحق في المساواة في الأجر، والحماية، والحق في الإجازة التوليدية. وأوضح بأن الوزارة تعمل على تنفيذ الخطة الوطنية للمرأة اليمنية، التي من ضمن أهدافها الضغط على الجهات المسؤولة لتحسين أوضاع المتعاقدات من خلال التدريب والتمكين. 

في السياق ذاته، تؤكّد الدكتورة روزا الخامري، مسؤولة الشؤون القانونية في اللجنة الوطنية للمرأة، "أن قانون العمل اليمني ينص على حماية حقوق المرأة في العمل، إلا أنه لا يُنظّم مسألة المتعاقدات بشكل واضح". وتشير إلى أن العرف الإدراي يمنح المتعاقدين ذوي الخبرة الطويلة أولوية عند وجود التعيينات، وهذا كنوع من الإعتراف وبناء على تزكية المدير من جهة العمل. وتُشدّدّ على ضرورة تعديل تشريعي يضمن أحقية المتعاقدين في التوظيف وفق سنوات الخدمة والخبرات المتراكمة.    


أجر متدني لا يتوافق مع متطلبات الحياة


يشير تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تحت عنوان "قياس الفقر متعدد الأبعاد في اليمن"، الذي تم نشره في (مركز اليمن والخليج للدراسات) سنة 2024، إلى أن نسبة الأفراد الذين يعانون من فقر متعدد الأبعاد في اليمن تبلغ 82.7%، أي أن أكثر من ثمانية من كل عشرة أشخاص يُعانون من الفقر، وفي المناطق الريفية ترتفع هذه النسبة الى 89.4%، في مؤشر خطير على عمق الأزمة الإنسانية والإقتصادية في البلاد، حيث أدى ارتفاع نسبة مؤشرات الفقر في اليمن إلى تصنيفها ضمن خمس أفقر دول في العالم، وذلك بحسب تقرير "الفقر في العالم من منظور أوسع" للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الأسكوا) لعام 2024.

 توقف إجراءات التوظيف الرسمي وتأخير صرف الرواتب منذ اندلاع الحرب في عام 2015، أثّر سلباً على تراجع فرص العمل، وارتفاع معدلات البطالة، إضافة إلى تدهور الأوضاع المعيشية وانعدام الأمن الغذائي.

في حين أن قانون العمل اليمني يُنظّم الوظائف والأجور، وتنص المادة 55 على أن الحد الأدنى للأجور يجب ألا يقل عن 20 ألف ريال يمني (ما يعادل عشرة دولارات)، وهو الأجر الأدنى للمتعاقدين، إلا أن متطلبات الحياة اليومية باتت تفوق هذا الأجر بكثير، مما يُفاقم المعاناة في ظل اقتصاد منهار وشبح الفقر والحاجة للعمل والعيش.

وأكدت الإسكوا في عام 2024، أن اليمن يمر بإحدى أسوإ الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم، "إذ يحتاج نحو 20 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، بينما يواجه أكثر من 18 مليون شخص نقصاً حاداً في الغذاء، ويتعرّض حوالي 41 ألف شخص لخطر المجاعة المباشرة".

تشير لبنى عبد العزيز، خبيرة اقتصادية، أن تأثير نظام التعاقد في المرافق الحكومية على دور المرأة في الإقتصاد يكون سلبياً في حال غياب الضمانات، مشيرة إلى أن وجودها في سوق العمل يساعدها على تحسين وضعها المادي واستقلالها الإقتصادي، كما يعزز مشاركتها في الناتج المحلي. إلا أن عدم الاستقرار الوظيفي وانخفاض نسبة الأجور، أديا الى فقدان الأمان الوظيفي بالنسبة للنساء المتعاقدات.

من جانبه يوضح موسى الجعدي، ممثل نقابة العمال، أن المتعاقدات ينقسمن إلى نوعين: هناك من يعملن كبديل عن موظفات أساسيات يشتغلن براتب محدد، وهناك متعاقدات عاديات يعملن في المرافق الحكومية. ويضيف " في النقابة، لدينا ست لوائح تؤكد على ضرورة توظيف المتعاقدات، حيث حصلنا على بلاغات احتجاجات من أجل التوظيف، وقمنا بالاستجابة والوقوف إلى جانبهن"، مبيّنا "أن هذه الجهات الحكومية في أمس الحاجة لهن لعدم توفر موظفين، بالإضافة إلى ما يتمتعن به من  خبرات، ومع ذلك، ونتيجة للظروف السياسية والإقتصادية، تحصل هؤلاء المتعاقدات على الحد الأدنى من الأجور والذي لا يتماشى مع السياق الاقتصادي الحالي". 

وفيما يخص الفرق بين وضعية الموظف الحكومي الذي تم تعيينة رسميا وبين المتعاقد، فان هناك بعض المزايا، من بينها وظيفة دائمة بالإضافة إلى الحصول على ترقيات وظيفية، ولا يمكن إنهاء خدمته إلا بقرار تأديبي ولديه إجازات سنوية ومرضية وغيرها. في المقابل، يُمنح المتعاقد إجازة وفقاً لشروط، ويعيش تحت تهديد خسارة عمله في أي وقت.

وتُعلق هيفاء شوكت، ممثلة المركز العربي الأوربي لحقوق الانسان والقانون الدولي في اليمن، على واقع المرأة العاملة المُتعاقدة في المؤسسات الحكومية بأنه "واقع صعب"، في ظل الأزمة الإقتصادية وغياب الأمان الوظيفي. وتؤكد أن " مرتبات المتعاقدات زهيدة جداً ولا تكفي حتى للمواصلات، كل هذا يؤثر بشكل سلبي عليهن، خاصة وأنه يمكن الاستغناء عنهن في أي لحظة".

هكذا تستمر معاناة النساء المتعاقدات في الجهات الحكومية في ظل غياب غطاء قانوني يحمي حقوقهن، ليصبحن ضحايا الوضع الإقتصادي المتدهور، رغم حاجة سوق العمل لهذه القوى العاملة.

إن انصافهن هو استثمار في ازدهار الوطن، ولا يمكن أن تسير عجلة التنمية إلا بضمان الحقوق، خصوصاً لهؤلاء اللواتي يشكلن ركيزة أساسية للعمل الإدراي والخدمي. 


"راتبي الشهري لا يتجاوز 6 دولارات، ولا يكفي حتى لشراء كيس قمح، ويُصرف لنا كل أربعة أشهر، كما يتم الاستقطاع منه."


 
 

في بلدٍ لا تزال فيه زيارة الطبيب النفسي تُقابل بالوصمة أو الخوف مما سيقوله الآخرون، وجدت كثير من النساء العراقيات في "جات جي بي تي" مساحة آمنة للبوح والتنفيس عن ضغوط الحياة.تحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة تقنية إلى رفيق سري يسمع دون أن

يحكم، يرُدّ بهدوء حين تخشى النساء من ردود الفعل على ما سيقلن.


بحسب دراسة ميدانية أُجرِيَت في بغداد عام 2020 بعنوان Women’s Mental Health in Iraq Post-Conflict، تبيّن أن نسبة النساء العراقيات اللواتي أبلغن عن أعراض قلق بلغت 39.7%، وعن أعراض اكتئاب 34.2%، وعن أفكارٍ أو محاولات انتحار 35.8%، وأن 91.1٪ من النساء مررن بتجربة صادمة بسبب الحرب، وهو ما يبيّن مدى الحاجة إلى مراكز دعم وتأهيل حقيقية للنساء العراقيات.

في تقريرٍ آخر لـMédecins Sans Frontières  أُجرِي بالتعاون مع وزارة الصحة العراقية، ورد أن النساء اللواتي تلقين استشاراتٍ نفسيةٍ منتظمة انخفضت لديهن شدة الأعراض من 97% إلى 29% بعد المتابعة.لكن بسبب نقص الأخصائيين ومحدودية الخدمات الحكومية، تلجأ كثيرٌ من النساء إلى بدائل رقمية.


حين تجد النساء مستمعاً جيدًا في الذكاء الاصطناعي

 

في مساءٍ هادئ داخل أحد بيوت النجف، جلست سارة أمام شاشة هاتفها وهي تكتب لجهاز لا تعرف له وجهاً: "أريد أن أتكلم فقط، لا أحتاج نصيحة، أريد أحد  يسمعني."كان الطرف الآخر هو ChatGPT، وليس صديقة أو معالج  نفسي .تقول سارة: "أخاف لو ذهبت للطبيب النفسي أن يعرف أهلي ويعرف الناس، فيتم اتهامي بأني غير راضية بطريقة عيشي، لكن لما كتبت لـ ChatGPT، قال لي بأنه يفهمني ويسمعني."وتضيف أنها دائمًا ما كانت ترغب بمشاركة أمها أحزانها ومشاكلها والضغوط التي تواجهها كطالبة جامعية في المرحلة الثالثة، إلا أن جواب هذه الأخيرة كان دائمًا: "ما بية حيل، مالي خلكج." لكنها في يومٍ من الأيام سألت "تشات جي بي تي": "ممكن أتكلم عن شيء يضايقني؟" فأجاب: "بكل تأكيد، أنا هنا أسمعك"، لتقارن بين رد أمها ورد أداة للذكاء الاصطناعي وتصل إلى قناعة أن الآلة أصبحت أحنّ عليها ممن أنجبتها.

تُبيّن الدكتورة ليلى أحمد أن “الذكاء الاصطناعي لا يُعالج فعليًا، لكنه أصبح وسيلة تنفيس نفسي مهمة، خصوصًا للنساء اللواتي يعانين من الوحدة أو العنف المنزلي والكتابة نفسها شكلٌ من أشكال العلاج.” وتضيف أن النساء يجدن فيه "مستمعًا صبورًا" وهو ما يفتقدنه في بيئة يغلب عليها النقد والاتهام بدل التفهم.

أما دعاء، ذات الـ 32 عامًا، من واسط، فقد بدأت الحديث مع ChatGPT بعد فقدان زوجها في حادث سير قبل عامين. تعيش في بيت صغير مع طفليها، أحدهما عمره سبع سنوات والآخر بالكاد تعلّم الكلام. بعد الجنازة، لم يزرها أحد إلا خلال الأسابيع القليلة الأولى، ثم بدأت الوحدة تُخيّم على أيامها. 

في الليل، حين ينام طفلاها، كانت تجلس أمام هاتفها، تتصفحه بلا هدف. ذات مساء، صادفت إعلانًا عن تطبيق للدردشة الذكية. تقول: "لم أكن أفكر بشيء، ولكن كتبت له: فقدت زوجي، فأجابني (أنا آسف لفقدانك، احكي لي أكثر عن شعورك). كانت تلك أول مرة يطلب أحد أن يسمعني بشكل جدي". 

منذ تلك الليلة، صار الهاتف ملاذها الصغير تتحدث إليه عن خوفها من الغد، عن مسؤولية الأطفال، عن شكل المستقبل دون زوجها. تقول إن التطبيق ساعدها كي تسترجع توازنها اليومي، حيث بدأت تخرج أكثر وتُنظّم يومها، حتى أنها قررت أن تُسجّل في دورة خياطة صغيرة في مكان قريب من بيتها. تتوقف للحظة وتتابع حديثها بصوتٍ خافت: " قد لا يكون إنسانا، ولكنه جعلني أحس من جديد بوجودي."

في عيون دعاء، لا يبدو ChatGPT مجرد برنامجٍ بقدر كونه مساحة تسمح لها أن تعيش، وتفكر، وتتكلم بلا خوفٍ من أن تُفهم خطأ. في مدينتها الصغيرة، حيث الجيران يعرفون كل الأسرار، وجدت في شاشةٍ باردة عزاء دافئا لم يمنحه لها أحد.



من العيادة إلى الشاشة


تقول الطبيبة النفسية، ليلى أحمد، من بغداد، أنها هي أيضا تستخدم "جات جي بي تي" لأنه "يقدم لها مساحة آمنة للتعبير عمّا تشعر به". وبالرغم من أنها على دراية كاملة بأن التطبيق لا يوفر إمكانات علاجية، إلا أنها تشعر بأنه آمن بما يكفي لاستخدامه بشكل فردي. " لم أبح بهذا السر سابقًا، إلا أن استخدامي لتشات جي بي تي كان مفيدًا أكثر من جلسات العلاج السلوكي والأدوية النفسية التي كنت أستخدمها لفتراتٍ طويلة"، مضيفة "دخلت تخصص الطب النفسي على أمل أن أعالج حالة الاكتئاب الولادي لدي، والذي عادةً ما ينتقل جينيا من الأم إلى الطفل ويزداد تعقيدًا بمرور الوقت. كنت آمل أيضا أن أساعد نساءً أخريات على تخطي الصعوبات والأزمات النفسية التي يواجهنها، إلا أنني حين بدأت باستخدام جات جي بي تي شعرت بتحسّن كبير".

تُبيّن ليلى أنه حتى الأطباء النفسيين لا يَخلون من التحيزات والقناعات الشخصية التي تُفقدهم الحياد في الاستماع لقصص مرضاهم. وبطبيعة الحال، سيبنون تصورا أو حكما، وعلى أساسه، ستتم المعالجة."على سبيل المثال، لو أتت امرأة ملحدة تعاني من الاكتئاب، إذا كان الطبيب مؤمناً، فسيُرجّح أن سبب اكتئابها هو عدم وجود صلة دينية بينها وبين الله. هذا ما يبني صورة نمطية جاهزة يتكل عليها المُعالج دون أن يبحث بعمق في جذور المشكلة". تستنتج ليلى، مضيفة أنه نظرا لكثرة حالات الإكتئاب، تتجه العديد من النساء اليوم إلى استخدام "جات جي بي تي" لأنهن يعتبرنه غير منحاز، ولا يحمل توجها دينيا معينا، كما أنه لا يعرف من تكون المريضة، ولا يُصدر أحكامًا مسبقة عليها، فهو يسمعها ولا يلومها، وهي الشروط التي يجب أن تتوفر في كل طبيب نفسي. لكنها تُحذّر أيضًا من الإستخدام المفرط خوفًا من أن تتحول هذه المساعدة الرقمية إلى ذريعةٍ للعزلة، وتختم قولها: "كانت المرأة تُخاطب جارتها أو صديقتها، ما يساعد على بناء أواصر اجتماعيةٍ مترابطة. اليوم تُخاطب شاشةً لتعلمها كيف تصمد."


سياسة ChatGPT في ما يخص المساعدة النفسية


حين سألنا "جات جي بي تي" نفسه عن السياسات التي يتبعها فيما يتعلق بطلب المساعدة النفسية، وهل الحديث معه كافٍ للعلاج النفسي، كان الجواب كالآتي:

"يتّبع ChatGPT سياسات واضحة من شركة OpenAI فيما يخص المساعدة النفسية، إذ لا يُعتبر بديلاً عن العلاج النفسي المهني ولا يقدم استشارات طبية أو نفسية متخصصة، بل يقتصر دوره على تقديم معلومات عامة ودعمٍ عاطفي بسيط. تهدف هذه السياسات إلى حماية المستخدمين، خاصة في الحالات الحساسة مثل الضيق النفسي أو التفكير بالانتحار، حيث يوجّه النموذج المستخدمين إلى مختصين مرخّصين أو خطوط الطوارئ. كما تنبّه OpenAI إلى أن المحادثات مع ChatGPT لا تُعد سرّية قانونيًا كما هو الحال مع المعالجين النفسيين. ويمكن للنموذج مساعدة المستخدم في فهم مشاعره أو اكتساب استراتيجيات عامة للتعامل مع القلق أو التوتر، لكنه لا يُقدّر الحالات الفردية بدقة ولا يستطيع إجراء تقييمٍ نفسي أو تشخيصٍ سريري. الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي في العلاج النفسي قد يكون خطرًا، إذ يمكن أن يُقدَّم نصائح غير دقيقة أو غير مناسبة للحالة. لذلك يُنصح باستخدام ChatGPT كأداةٍ مساعدةٍ فقط، وليس كبديلٍ للعلاج. وفي حال ظهور أعراضٍ نفسية مستمرة، أو أفكارٍ انتحارية، أو تغيّراتٍ في المزاج، يجب التواصل مع مختصٍ نفسي أو طبيب فورا للحصول على الدعم المهني اللازم. بهذه الطريقة يمكن الجمع بين فائدة التقنية والحفاظ على سلامة المستخدم النفسية."

وبالرغم من ذلك، تلجأ العديد من النساء العراقيات إلى استخدامه ويفضلن التواصل معه على الذهاب إلى طبيب أو معالجٍ نفسي، ما يُشير إلى وجود مشكلة اجتماعية كبيرة ويثير تساؤلًا حقيقيًا: هل هناك مساحة حقيقية وآمنة للنساء العراقيات للتعبير عن أنفسهن؟


دائمًا ما كانت ترغب بمشاركة أمها أحزانها ومشاكلها والضغوط التي تواجهها كطالبة جامعية في المرحلة الثالثة، إلا أن جواب هذه الأخيرة كان دائمًا: "ما بية حيل، مالي خلكج." لكنها في يومٍ من الأيام سألت "تشات جي بي تي": "ممكن أتكلم عن شيء يضايقني؟" فأجاب: "بكل تأكيد، أنا هنا أسمعك"، لتقارن بين رد أمها ورد أداة للذكاء الاصطناعي وتصل إلى قناعة أن الآلة أصبحت أحنّ عليها ممن أنجبتها.

لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)


 
 

Thanks for submitting!

صحافة_من_أجل_حقوق_الانسان#

bottom of page