top of page
Screenshot 2023-11-22 at 11.56.45 AM.png


في محافظة أبين، أصيبت حنان عبد الله عام 2024 بالملاريا. بدأت الأعراض بحمى شديدة لم تستجب للأدوية الأولية، مما زرع في

نفسها استغرابًا وقلقًا.


" في البداية، لم يخطر ببالي أن أكون مصابة بهذا المرض، خاصة بعد الاعتقاد السائد بانحساره في اليمن لفترة من الزمن، لكن الفحوصات المخبرية قطعت الشك. لحسن حظي لم أعانِي من مضاعفات خطيرة، لكن آلام المفاصل وفقدان الشهية أتعباني كثيرا"، مضيفة أن "جفاف المياه وركودها، بالإضافة إلى الأمطار الغزيرة، ساهم بشكل كبير في زيادة انتشار المرض" في محيطها. 

في اليمن الذي يواجه أزمة إنسانية حادة بسبب الحرب، يزيد تغير المناخ الوضع سوءًا، فارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط تساقط الأمطار يخلقان بيئة مثالية لتكاثر البعوض، مما يؤدي إلى انتشار الأمراض المنقولة بالنواقل. وتعتبر النساء والأطفال من الفئات الأكثر عرضة للإصابة بهذه الأمراض، خاصة مع هشاشة النظام الصحي القائم. 


تكاثر البيئات الحاضنة للبعوض


تقع عدن على ساحل خليج عدن وتبلغ مساحتها 750 كيلومترًا مربعًا ويبلغ عدد سكانها حوالي 590 ألف نسمة. أما أبين، فتقع جنوب شرق اليمن وتبلغ مساحتها حوالي 21,489 كيلومترًا مربعًا ويبلغ عدد سكانها حوالي 434 ألف نسمة.

تُعاني عدن وأبين من تأثيرات التغيرات المناخية مثل ارتفاع درجات الحرارة، خاصة في الصيف، حيث تتراوح متوسطات درجات الحرارة بين 35 و 40 درجة مئوية، بينما تتراوح بين 18 و 22 درجة مئوية في فصل الشتاء مما يؤثر سلبًا على صحة السكان. كما شهدت عدن فيضانات  مدمرة في  4/6/2020م نتيجة الأمطار الغزيرة، مما أدى إلى تضرر البنية التحتية وخسائر في الأرواح.


يُسرّع ارتفاع درجات الحرارة وتيرة تكاثر البعوض، كما يوفر الظروف المثالية لبقائه على قيد الحياة في مختلف مراحله، وبالتالي زيادة الأعداد القادرة على نقل الأمراض. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لارتفاع الحر أن يقلل من فترة حضانة الفيروسات داخل البعوض، مما يجعله ناقلًا للأمراض بشكل أسرع.

أما بالنسبة لتغير أنماط هطول التساقطات، فإن زيادة الأمطار تؤدي إلى تكوين برك ومستنقعات راكدة توفر بيئات حاضنة مثالية لتكاثر البعوض الذي يضع بيضه في هذه المياه. وفي حين تخلق الفيضانات بركًا مؤقتة، يؤدي الجفاف إلى تجمع المياه في مناطق محدودة، وكلاهما يزيد من فرص تكاثر البعوض. من جهة أخرى، تساهم زيادة الأمطار في نمو النباتات التي توفر الظل والرطوبة المناسبة للبعوض البالغ. كما أن تغير أنماط الرياح يساعد في نقل هذه الحشرات إلى مناطق جديدة لم يكن موجودًا فيها من قبل، مما يزيد من انتشاره.

وبما أن محافظتي عدن وأبين مناطق ساحلية ذات درجات حرارة مرتفعة، فهما تعتبران بيئات حاضنة للعديد من أنواع البعوض، مما يزيد من خطر انتشار الأمراض بين السكان.


خلال عام 2024، ربطت التقارير بين الفيضانات التي شهدتها عدن في سبتمبر وتفشي وباء الملاريا، كما لوحظت زيادة كبيرة في حالات الحُمّيات في محافظة تعز تجاوزت 100%. وفي أبريل من العام نفسه، أشارت الإحصائيات إلى وباء ملاريا واسع النطاق في اليمن، حيث تجاوزت الإصابات 82,000 حالة وبلغت الوفيات  2250 حالة، معظمها في أوساط الأطفال والنساء الحوامل. وفي الشهر نفسه، حذر باحثون  من تأثير تغير المناخ على صحة نواقل الأمراض المعدية، داعين إلى تعزيز الوعي والاستعداد الطبي.

وفيما يتعلق بالوضع في اليمن بشكل عام، أكدت منظمة الصحة العالمية في عام 2016 أن الملاريا مرض متوطن، حيث سُجلت أعداد كبيرة من الحالات المشتبهة والمؤكدة في عام 2015.

في أغسطس 2022، أشارت دراسة نشرت في مجلة "Nature Climate Change" إلى أن تغير المناخ يلعب دورًا محوريًا في زيادة انتشار الأمراض المعدية على مستوى العالم، متوقعة تفاقم 58% من الأمراض بسبب الارتفاع في درجات الحرارة والظواهر المناخية المتطرفة.

وفي سياق متصل، أكدت دراسة أخرى نشرت في مجلة "لانسيت بلانيتري هيلث" في يوليو 2022، التأثير المباشر لتغير المناخ على انتشار البعوض في مناطق مثل سريلانكا، مما يزيد من خطر الإصابة بحمى الضنك. ) .بشكل عام، فإن تغير أنماط هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة يؤثران بشكل مباشر على انتشار البعوض والأمراض التي ينقلها، وهو ما يفسر جزئيًا تفشي الملاريا في اليمن عقب الفيضانات. بالإضافة إلى ذلك، يُشار إلى احتمالية وصول أنواع جديدة من البعوض، مثل "البعوض الأفريقي كنتيجة للتغيرات البيئية، مما يزيد من تعقيد الوضع. 


يشكل البعوض الغازي أنوفيليس ستيفنسي (Anopheles stephensi)، المعروف بقدرته على التكاثر في المناطق الحضرية ومقاومته للمبيدات، تهديدًا متزايدًا فيما يخص تفشي الملاريا. ويساهم التغير المناخي بشكل كبير في انتشاره؛ فارتفاع درجات الحرارة يسرّع دورة حياته ونمو الطفيليات بداخله، بينما تخلق أنماط هطول الأمطار المتغيرة (جفاف يؤدي لتخزين المياه، أو فيضانات تخلق تجمعات مياه) بيئات تكاثر مثالية، مما يوسع نطاقه الجغرافي ويزيد من خطر انتشار الملاريا في مناطق لم تكن مستهدفة سابقًا.

"تؤكد الأخصائية في إدارة المخلفات الإلكترونية والكهربائية، سبأ عمر باوزير، أن الارتفاع الملحوظ في منسوب المياه يعود بشكل مباشر إلى زيادة غزارة الأمطار. وتربط باوزير هذا الأمر بالتغيرات المناخية التي تؤثر على خصائص الطقس في كل دولة. وتشير إلى نقطة بالغة الأهمية وهي عدم قدرة اليمن على مواجهة هذا الارتفاع في منسوب المياه أو الزيادة في الأمطار، خاصة وأن السدود الموجودة حاليًا قد صُممت لاستيعاب كميات محددة من الأمطار بناءً على المعدلات السابقة. 

في أبريل 2024 سجل اليمن أكثر من 82 ألف إصابة بالملاريا و2250 حالة وفاة، كان أغلب ضحاياها من الأطفال والنساء الحوامل، وهي الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع.

التحديات التي تواجه النساء والأطفال في الوصول إلى الرعاية الصحية


في ظل الأوضاع الإنسانية الصعبة باليمن، تواجه النساء والأطفال تحديات متزايدة في الحصول على الرعاية الصحية الأساسية. ويتفاقم هذا الوضع مع انتشار الأمراض المنقولة كالملاريا وحمى الضنك، مستغلة البيئة الصحية المتردية. 


في أول ليلة من رمضان 2020 بعدن، تحولت ليلة نجلاء (44 عامًا) الهادئة إلى كابوس. فبعد تنظيف منزلها وشعورها بوهن بسيط، عجزت فجأة عن الحركة عند محاولة الوقوف. تبعت ذلك حمى شديدة وآلام مبرحة اجتاحت مفاصلها وجسدها. وجاء التشخيص في المستشفى: حميات.

تتذكر نجلاء الأمطار الغزيرة التي سبقت ليلة مرضها والأيام العصيبة من الألم الشديد التي عانتها والتي تركت في ذاكرتها تساؤلات عديدة عن أسباب هذا الوباء المفاجئ.

بدأت رحلة عبد الله علي فرج، التلميذ في الصف الرابع الابتدائي، مع المرض بحمى شديدة. في البداية، شُخصت حالته في المستشفى على أنها حمى الضنك، لكن بعد عودته وتدهور حالته، تبين أنها الملاريا. تلقى عبد الله العلاج اللازم، لكن فترة المرض استمرت أسبوعين كان يعاني فيها من حمى شديدة وآلام في الجسم، مما جعله غير قادر على الوقوف أو اللعب أو حتى تناول الطعام بسهولة. خلال تلك الفترة، كان يشرب عصائر طبيعية ووصفات شعبية مثل عصير العمبا (البابايا) والكيوي. كانت والدته تشعر بقلق بالغ عليه، بينما أحاطه أهله جميعًا بالرعاية والاهتمام.

في ربيع العمر، وبينما كان يفترض أن تكون خطواتها واثقة نحو مقاعد الدراسة، وجدت ابها ميثاق، 14 سنة، جسدها متهالكًا تحت وطأة مرض قاسٍ. " السنة الماضية، فوجئت بألم مُفَتِّت للعظام، سلبني القدرة على المشي، الفحوصات كشفت عن حقيقة مُرَّة: إنها الحميات... أيامٌ طوال قضيتها بعيدا عن المدرسة"، تتحسر المراهقة. وبين نصائح مختلفة تفتقر إلى أساس علمي، وجدت الطفلة عزاءً مؤقتًا في حلاوة البابايا والكيوي. تحسنت ببطء، لكن تجربتها تركت في قلبها ندبة، وفي ذاكرتها صورة مؤلمة عن مرض لم تجد له علاجًا واضحًا وسريعًا.

هذه الحالات ليست حالات فردية، وإنما تفضح غياب استراتيجيات واضحة وفعالة لمكافحة الحميات وتوفير العلاج المناسب للمرضى. 


النزاعات تُفاقم الوضع الوبائي


أكد الدكتور ياسر باهشم، المدير التنفيذي للبرنامج الوطني لمكافحة الملاريا وأمراض النواقل، أن المناطق الساحلية والوديان تُعد الأكثر عرضة للملاريا، حيث تحتل محافظة عدن الصدارة، يليها الساحل الغربي. كما حدد مناطق أخرى تشهد ارتفاعًا في الإصابات مثل مديرية المسيمير في محافظة لحج، والأزرق في محافظة الضالع، ومديريتي خنفر وأحور في محافظة أبين، ووادي جردان في محافظة شبوة.

وأوضح أن حالات الإصابة بالملاريا انخفضت في الفترة من عام 2000 إلى عام 2014، إلا أن الوضع العام للنزاع في اليمن منذ عام 2015 أدى إلى ارتفاع ملحوظ في الإصابات. ويُعزى ذلك إلى نزوح الأفراد من المناطق الموبوءة، بالإضافة إلى تدفق المهاجرين غير الشرعيين من القرن الأفريقي بأعداد كبيرة.

في مقابلة تلفزيونية بُثت بتاريخ 20 أبريل 2025 عبر قناة الجمهورية، أوضح الدكتور مجدي سيف الداعري، مدير الترصد الوبائي في عدن، حجم انتشار الأمراض المنقولة بالنواقل في محافظة عدن، الذي وصل إلى 50 ألف حالة إصابة منذ بداية العام، بالإضافة الى 12 حالة وفاة بسبب حمى الضنك نتيجة التأخر في تلقي العلاج. وأشار إلى أن عام 2024 شهد تسجيل حوالي 150 ألف حالة إصابة بأمراض مختلفة، بينما لا تزال الإحصائيات النهائية لعام 2025 قيد التحديد.



تُظهر بيانات الرصد الوبائي الصادرة عن مركز الأمومة والطفولة في منطقة الكود بمحافظة أبين ارتفاعًا ملحوظًا في حالات حمى الضنك  بين النساء خلال عام 2023، حيث سُجلت 24 حالة مقارنة بـ 6 حالات فقط في عام 2022. والجدير بالذكر أن حمى الضنك هي مرض يُنقل بالبعوض وينتشر في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية من العالم. وتتسبب حمى الضنك الخفيفة في الإصابة بحمى شديدة وظهور أعراض شبيهة بأعراض الإنفلونزا. ويمكن أن يؤدي أحد أشكال حمى الضنك الشديدة -والمعروف باسم حمى الضنك النزفية- إلى نزيف وانخفاض مفاجئ في ضغط الدم (صدمة) والوفاة. ومن أعراضها: الصداع، ألم العضلات أو المفاصل، الغثيان، القيء، ألم خلف العينين، تورم الغدد والطفح الجلدي .

من جهته، أوضح علي مخشم، مدير إدارة التثقيف في البرنامج الوطني لمكافحة الملاريا وأمراض النواقل، الخطر البالغ الذي تمثله الأمراض المنقولة على صحة الأم الحامل. وشدد بشكل خاص على خطورة الإصابة بالملاريا أثناء الحمل، مشيرًا إلى أنها قد تؤدي إلى الإجهاض المبكر وتمثل تهديدًا جسيمًا لصحة الأم والجنين على حد سواء. وأكد أنها قابلة للعلاج إذا ما تم اكتشافها في مراحلها الأولى. وشدد كذلك على ضرورة التزام النساء الحوامل بالتدابير الوقائية المعروفة، مثل استخدام الناموسيات المعالجة بالمبيدات والأدوية الوقائية، كما نصح بضرورة التوجه الفوري إلى الطبيب عند ظهور أي من أعراض الحمى أو الشعور بالضعف الشديد. 


الجهود الحكومية لمكافحة البعوض والوقاية من الأمراض


في ظل هذه التحديات الجسيمة، تبرز أهمية استعراض وتقييم الجهود الحكومية المبذولة لمكافحة البعوض والوقاية من الأمراض في اليمن. في هذا الصدد، أوضح الدكتور ياسر باهشم، المدير التنفيذي للبرنامج الوطني لمكافحة الملاريا وأمراض النواقل، أن البرنامج يمتلك شبكة واسعة من المرافق الصحية المنتشرة في جميع محافظات البلاد، حيث يبلغ عددها 629 مرفقًا. وأشار إلى أن البرنامج الوطني قد تأسس في صنعاء عام 2000م، وتمت إعادة هيكلته وتعزيزه في عام 2020م لمواجهة التحديات المتزايدة.


وفي إطار الجهود الحالية، تحدّث عن تنفيذ حملة توعية نشطة تستهدف المجتمعات المحلية شاركت فيها 400 متطوعة في محافظة عدن وحدها، تولين خلالها مهمة الوصول إلى المنازل وتقديم التوعية اللازمة للأسر، بالإضافة إلى تفتيش البيوت والمناطق المحيطة بها للكشف عن مصادر توالد النواقل المرضية. وقد تم تدشين هذه الحملة الهامة في شهر فبراير من السنة الحالية.

ذكّر الدكتور باهشم كذلك بتوفر علاج خاص ومجاني للنساء الحوامل، مؤكدًا على أن الاكتشاف المبكر للمرض والتشخيص الصحيح يلعبان دورًا حاسمًا في حماية صحة الأم والجنين، بينما التأخر في ذلك قد يؤدي إلى عواقب وخيمة تصل إلى الوفاة.

من جانبها، وفي إطار الجهود المستمرة لمكافحة الأمراض المنقولة بالنواقل في محافظة أبين، أكدت مديرة المركز الأمومة والطفولة في الكود، ومسؤولة الترصد الوبائي في المنطقة د. عيناء كريف، على أهمية تعزيز الوصول إلى الرعاية الصحية وتوفير الأدوية اللازمة للنساء الحوامل. وأشارت إلى أن الوضع الصحي قد تدهور نتيجة لتوقف المنظمات عن الدعم، مما زاد من صعوبة الحصول على العناية الطبية. وأكّدت أيضا على الحاجة الملحة لتنظيم حملات توعية شاملة وتوزيع مواد تعليمية، بالإضافة إلى دعم برامج التدريب للكوادر الصحية. وأوضحت أن المجتمع المحلي يلعب دورًا حيويًا في نشر الوعي وتنظيم حملات رش دورية لمكافحة انتشار الأمراض. ولكن هذه الجهود تتطلب استئناف الدعم الدولي لضمان مستقبل صحي أفضل للنساء والأطفال في المنطقة.



" الاكتشاف المبكر للمرض والتشخيص الصحيح يلعبان دورًا حاسمًا في حماية صحة الأم والجنين، بينما التأخر في ذلك قد يؤدي إلى عواقب وخيمة تصل إلى الوفاة."




 



لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)

 
 
 

شهد العراق في السنوات الأخيرة، بروزًا لافتًا للشركات التكنولوجية الناشئة وتوسعًا في القطاع الخاص، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا وتطوير البرمجيات. هذه الطفرة لم تأتِ من الجامعات وحدها، بل كانت ثمرة جهود مبرمجين شباب تعلموا ذاتيًا وطوّروا مهاراتهم عبر التجربة والممارسة العملية، خاصة خلال فترة انتشار كوفيد 19. 

شركات ناشئة في بغداد وأربيل والبصرة باتت تعتمد بشكل أساسي على هذه الطاقات غير الأكاديمية، التي أثبتت قدرتها على المنافسة إقليميًا، بل وحتى عالميًا، في مجالات مثل التطبيقات، التجارة الإلكترونية، والخدمات الرقمية.

لكن في مقابل هذا الإزدهار ، يثير مشروع قانون نقابة المبرمجين جدلًا واسعًا بسبب اشتراطه الشهادة الجامعية كمدخل أساسي للانضمام لهذا المجال، وهو ما يهدد بإقصاء شريحة واسعة من المبرمجين الذين يشكلون اليوم العمود الفقري لهذا القطاع.

واقع البرمجة في العراق

البرمجة في العراق لم تعد حكرًا على أصحاب الشهادات الجامعية. العشرات من قصص النجاح تثبت أن كثيرًا من المبرمجين الأكثر تأثيرًا في السوق المحلي هم عصاميون لم يدخلوا قاعات الجامعة قط، لكنهم يمتلكون خبرة ومهارة جعلتهم في طليعة المجال.

شركات مثل كومبيوتك، ميسواگ، وBaly.iq تعتمد اليوم على مطورين شباب تعلّموا عبر الإنترنت أو من خلال مشاريع عملية، ليصبحوا عناصر أساسية في نجاح هذه الشركات. وفي أربيل، برزت شركة Lezzoo كواحدة من أبرز المنصات التقنية، يقف خلفها فريق يضم مبرمجين بدأوا مسيرتهم بعيدًا عن التعليم الأكاديمي التقليدي.

في هذا الصدد، يوضح المختص في تكنولوجيا المعلومات، محمد العاني: "النظام التعليمي في العراق ما يزال بعيدًا عن متطلبات السوق، لذلك نرى أن الكفاءات الحقيقية غالبًا ما تأتي من خارج القاعات الدراسية، لأن ما يهم هو القدرة على كتابة "كود" فعّال وحل المشكلات، وليس الشهادة الجامعية فقط."

أما المبرمج المستقل علي حمزة الذي يعمل مع شركات في الخليج وأوروبا عبر منصات العمل الحر فيقول: "لم أكمل دراستي الجامعية، لكنني استثمرت وقتي في التعلّم الذاتي والعمل على مشاريع حقيقية. اليوم أستطيع أن أثبت مهاراتي أمام أي شركة، وهذا أهم من أي لقب أكاديمي."

من جانب آخر، يؤكد يادكار مراني، مؤسس شركة Lezzoo : "ما نبحث عنه في فريقنا هو القدرة على الابتكار وحل المشكلات، وليس مجرد شهادات علمية. الشهادة قد تفتح بابًا، لكن المهارة والابتكار هما ما يبقيانك في السوق."

هذا الواقع يعكس حقيقة أساسية وهي أن الخبرة العملية والمهارة التقنية أصبحتا رأس المال الحقيقي للمبرمج العراقي، أكثر من أي وثيقة رسمية.


بين القانون والواقع


يثير مشروع قانون نقابة المبرمجين العراقيين جدلًا واسعًا بسبب اشتراطه امتلاك شهادة جامعية للانضمام إلى المجال. نظريا، يبدو هذا الشرط ضمانًا للجودة، لكن الواقع العملي في السوق العراقي يثبت أن العديد من المبرمجين الجيدين لا يحملون شهادات جامعية، ومع ذلك يساهمون بشكل فعّال في تطوير التطبيقات والخدمات الرقمية.

تُبيّن رنا عبد الله، مديرة قسم التكنولوجيا في شركة ناشئة ببغداد، أنه:

"إذا تم تطبيق هذا الشرط كما هو، فستمّ إقصاء عدد كبير من المبرمجين الموهوبين، وهذا يشمل أشخاصًا لديهم خبرة سنوات في مشاريع مهمة داخل العراق وخارجه."

أما المبرمج حسين كريم، الذي يعمل مع فرق تطوير تطبيقات محلية، فيوضح: "أنا لم أكمل دراستي الجامعية، لكن خبرتي العملية سمحت لي بقيادة مشاريع معقدة لشركات ناشئة. القانون بهذا الشكل يضع حاجزًا أمام الكثير من الشباب المثابرين."

من جهتها، ترى المختصة في تكنولوجيا المعلومات، نوال قاسم، أن "اعتماد شرط الشهادة فقط يعني تجاهل واقع السوق، حيث يأتي الإبداع والمهارة العملية غالبًا من أشخاص تعلموا البرمجة ذاتيًا. وبالتالي، قد يؤدي ذلك إلى فجوة بين النقابة والعاملين الفعليين في القطاع."

بينما يثير شرط الشهادة الجامعية جدلًا واسعًا، يقدم الواقع فرصًا للتفكير في آليات أكثر عدالة وشمولية لتمثيل المبرمجين في العراق، حيث أن  كثيرا من الخبراء ورواد الشركات يرون أن هناك طرقًا يمكن أن تحقق التوازن بين الجودة والمرونة، دون استبعاد الكفاءات الفعلية.

حلول بديلة لتمثيل المبرمجين

تعدّ اختبارات الكفاءة التقنية أحد أبرز البدائل المقترحة، حيث يمكن تقييم مهارات البرمجة والقدرة على حل المشكلات بشكل عملي، بدلًا من الاعتماد على الشهادات الأكاديمية فقط. هذه الاختبارات تتيح الفرصة لكل مبرمج لإثبات مهارته، سواء كان حاصلًا على شهادة أم لا.

يمكن كذلك اعتماد الخبرة العملية الموثقة كمعيار للانضمام للنقابة، فالمبرمج الذي عمل سنوات في مشاريع حقيقية، أو قاد تطوير تطبيقات مستخدمة فعليًا، يمتلك خبرة تعادل أو تتجاوز كثيرًا ما يمتلكه الحاصلون على شهادات جامعية. وبعض الشركات الناشئة مثل Lezzoo وBaly.iq توظف حاليا مبرمجين بناءً على خبرتهم وقدرتهم على الإنجاز، وليس على خلفيتهم الأكاديمية.

ترى المختصة في تكنولوجيا المعلومات نوال قاسم أنه

"يمكن للنقابة أن تعتمد نظامًا متعدد المسارات: اختبارات عملية وتقييم المشاريع السابقة، لتكون الشهادات الأكاديمية كمكمّل لهذه الشروط، وليس كشرط أساسي. هذا سيضمن شمولية تمثيلية النقابة للقطاع التكنولوجي."

هذه البدائل لا تمنح فرصة أكبر للمبرمجين فحسب، بل تعكس أيضًا واقع السوق التكنولوجي العراقي، حيث الابتكار والمهارة العملية هما المفتاحان الرئيسيان للنجاح. هكذا يمكن للنقابة أن تصبح جسراً بين الخبرات الفعلية ومتطلبات التنظيم الرسمي، بدلًا من أن تصبح عائقًا أمام الشبان الموهوبين.

السوق الرقمي العراقي اليوم مليء بالطاقات الشابة المبدعة، الكثير منها عصامي لم يحظَ بفرصة التعليم الجامعي، لكنه أثبت نفسه عبر الخبرة والمشاريع العملية. 

في النهاية، النجاح في عالم البرمجة لا يُقاس بالشهادة المعلقة على الجدار، بل بالقدرة على الابتكار وحل المشكلات وبناء مشاريع فعلية تُحدث فرقًا في السوق العراقي.



لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)

 
 
 

"كنت أحلم أن تصبح ابنتي طبيبة، لكن قسوة الحياة حالت دون ذلك"، تقول "نفحة دبوان" (اسم مستعار)، وهي أم لخمسة فتيات، مضيفة "أجبرت ابنتي الصغرى على ترك المدرسة لتذهب لجلب الماء، وأحيانًا كنت أضربها لتطيعني، رغم أن ذلك كان يمزق قلبي".



تصف نفحة المعاناة اليومية التي تواجهها فتيات قرية "الأحطوب"، وهي منطقة جبلية نائية ضمن مديرية شرعب الرونة في محافظة تعز، في سبيل الحصول على الماء، مشيرة إلى أنهن يضطررن للسير أكثر من ساعة عبر طرق جبلية وعرة للوصول إلى بئر بعيدة، مُبيّنة أنه "في الشتاء، تجف أغلب مصادر المياه، فنُترك بلا ماء، لا للشرب ولا للتنظيف".


والمشكلة لا تكمن فقط في شح المياه بل أيضا في الطريق للحصول على الماء، حيث تؤكد نفحة أن الأهالي يعيشون في قلق دائم على بناتهم أثناء تسلقهن المنحدرات الوعرة، موضحة "نراقبهن بقلق وقلوبنا معلقة، ونخشى وقوع أي حادث".


وتضيف أن التعليم في القرية بات حلمًا بعيد المنال: "نادراً ما تُكمّل الفتيات الصف السادس، ومعظمهن يتركن المدرسة بسبب أعباء جلب الماء". وتوضح أن ابنتها الكبرى تركت الدراسة في الصف الثالث، والثانية توقفت في بداية المرحلة الإعدادية.

وتعتمد أكثر من 30 أسرة في القرية على بئر واحدة تبعد مسافة طويلة قد تستغرق ما بين ساعة إلى ساعتين سيرا على الأقدام، ما يجعل جلب الماء مسؤولية يومية تقع غالبًا على عاتق الفتيات.


الماء أولًا، ثم التعليم


في ظل تصاعد الأزمات الإنسانية التي تعصف باليمن، يتصدر الجفاف قائمة التحديات التي تهدد حياة المواطنين، إذ لا يقتصر تأثيره على نقص المياه والغذاء فحسب، بل يمتد لينعكس بعمق على حق الفتيات في التعليم، مهددًا بتدمير مستقبل جيل بأكمله.


في قلب هذه الأزمة تقع قرية "الأحطوب" التي تتميز بتضاريسها الوعرة وانقسامها الإداري بين سلطتين متنازعتين، إحداهما تتبع الحكومة الشرعية، والأخرى تحت سيطرة جماعة أنصار الله. هذا الانقسام، إلى جانب الإهمال المزمن، حرم القرية من أبسط مقومات الحياة، إذ تعاني من بنية تحتية متهالكة وطرقات وعرة يصعب الوصول إليها.


أدى تفاقم أزمة الجفاف إلى تعميق معاناة الأهالي، لاسيما الفتيات، اللواتي يُجبرن على قطع مسافات طويلة لجلب المياه، ما يتسبب في تسرب كثير منهن من المدارس، ويهدد أحلامهن البسيطة بالضياع.


سعدية عبد المغني، إحدى فتيات قرية الأحطوب، كانت تحلم بإكمال تعليمها، لكن حلمها توقف مبكرًا في الصف الثالث الابتدائي.  "كنت أذهب صباحا إلى المدرسة، لكن في داخلي كنت منشغلة بشيء آخر: كيف سأذهب بعد الظهر لجلب الماء. حاولت التوفيق بين الإثنين، لكنها كانت مهمة صعبة"، تقول وهي تستذكر كيف كانت تقطع يوميًا مسافة تتجاوز الساعة والنصف سيرًا على الأقدام إلى آبار بعيدة. وتتابع: "أحيانًا نخرج قبل الفجر، أو في منتصف الليل، ونسابق الزمن والآخرين للحصول على القليل من الماء. ونعود عند الرابعة صباحًا نحمل أوعية نصف فارغة بسبب الجفاف".


رحلة الماء لم تكن مرهقة فقط، بل محفوفة بالمخاطر، كما تروي سعدية: "كنا نصادف الثعابين والضباع، وفي بعض الليالي نفرّ من كلاب ضالة أو ظلال مجهولة في العتمة. وكان الخوف يسيطر علينا تمامًا".


اليوم، توجد سعدية خارج أسوار المدرسة. لم تتركها لقلة الشغف، بل لأن الحياة رسمت لها طريقًا آخر. "كنت أحلم أن أتعلم مثل باقي أبناء وبنات القرية، لكن الحياة وضعتني أمام خيار صعب إما أن أتعلم، أو أساعد أسرتي في جلب الماء ". وبفعل الظروف، تزوجت وهي في الخامسة عشرة، ككثير من فتيات القرية.

مسك سعيد عامر، أم لثماني فتيات، كانت شاهدة هي الأخرى على سنوات من العطش والمعاناة. تقول بحسرة: "كنت أتمنى أن يكملن تعليمهن ويتوظفن، لكن الحياة هنا قاسية جدًا، لذلك اضطررن لترك المدرسة لمساعدتي في المنزل". لم تكمل سوى بنت واحدة من بناتها المرحلة الثانوية، أما البقية فتوقفن عند الصف السادس، لأنهن منشغلات بجلب الماء، ورعي المواشي، وجمع الحطب.


مدرسة واحدة بمعدل تسرّب كبير للبنات


 يصف صادق كامل، أحد أعيان المنطقة، الواقع مشيرًا إلى أن قريته، التي تضم أكثر من 1400 نسمة، لا تملك سوى مدرسة واحدة للتعليم الأساسي اسمها "مدرسة عائشة". ولكن "في الشتاء، حين تجف الآبار وتتفاقم المعاناة، تضطرّ العديد من الأسر لإخراج بناتهن من التعليم لتأمين الماء".


تنقسم قرية الأحطوب إلى عدة تجمعات سكنية صغيرة تسمى "عزل"، منها وادي السبل، الحفيرة، الحديقة، الضبري، الرحيبة، ووادي النيل، ويتراوح عدد المنازل فيها بين 12 إلى 65 منزلًا، وكلها تفتقر لأبسط مقومات البنية التحتية. ويُؤكّد صادق أن التعليم أصبح "رفاهية يصعب الحفاظ عليها".


من جهته، يؤكد أحمد عبده، مدير "مدرسة عائشة"، أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا حادًا في التحاق الفتيات بالتعليم، حيث أن عدد اللاتي يُكملن تعليمهن بعد المرحلة الإعدادية قليل جدًا، ففي المرحلة الثانوية، لا يتجاوز هذا الرقم خمس إلى سبع طالبات فقط. وبسبب هذا العدد المحدود، اضطرت إدارة المدرسة إلى نقلهن ودمجهن مع طالبات مدرسة أخرى في قرية مجاورة لمواصلة دراستهن.

 أما في بقية الفصول الدراسية، فأشار إلى أن الطالبات يتغيبن بشكل متكرر، وعددهن في كل فصل لا يتجاوز عشرين طالبة. 

ويُرجع ذلك إلى تفاقم أزمة المياه والواقع المعيشي المتدهور. ويفسر قائلا: "الفتيات يقضين ساعات طويلة في جلب الماء من آبار بعيدة، ما يحرمهن من الانتظام في الدراسة، وبالتالي تسرب الكثير منهن قبل إكمال المرحلة الابتدائية".

ويضيف أن المدرسة تعمل بموارد محدودة وبنية تحتية متهالكة، في حين تستمر الأسر، تحت وطأة الحاجة، في سحب بناتهن من مقاعد الدراسة للمساعدة في الأعمال اليومية.



التغير المناخي وتأثيره على دراسة الفتيات


تشير تقارير دولية إلى وجود أكثر من مليوني طفل خارج مقاعد الدراسة في اليمن، 60% منهم فتيات. وتُعد موجات الجفاف المتكررة، كما أشارت تقارير البنك الدولي، من أبرز أسباب هذا التسرب، إذ تدفع الأسر الفقيرة إلى اتخاذ قرارات قاسية، أبرزها إخراج الفتيات من التعليم لتأمين الاحتياجات الأساسية.


ويُحذّر الخبير البيئي، عبد القادر الخراز من أن التغيرات المناخية تُهدد استقرار المجتمعات الريفية قائلا: "الجفاف الحاد يؤدي إلى التصحر، ويُجبر المزارعين على هجر قراهم، فيبحثون عن مصادر دخل بديلة، مما يُفاقم هشاشة أوضاع الأسر النازحة".

من جهتها تُبيّن الناشطة الحقوقية، هبة زين أن الفتيات يتحملن العبء الأكبر، سواء داخل القرى المتأثرة بالجفاف أو في مخيمات النزوح، حيث يفتقرن لفرص التعليم، ويواجهن قيودًا اجتماعية تُقيد حركتهن وتُفاقم الفجوة التعليمية.


أما عفاف مكي، مديرة إدارة تعليم الفتاة في مكتب التربية بمحافظة تعز، فتُشير إلى أن نسبة تسرب الفتيات من التعليم في المناطق الريفية تجاوزت 90% خلال السنوات الأخيرة، بفعل النزاعات وتدهور المناخ.


وتُحذر تقارير صادرة عن صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) من ازدياد معدلات الزواج المبكر في المناطق المتأثرة بالجفاف والنزوح، مما يجعل التغير المناخي تهديدًا غير مباشر لحقوق الفتيات التعليمية والجسدية. لذلك يدعو الخبير الخراز إلى إطلاق استجابات عاجلة، تشمل إعادة تأهيل الأراضي الزراعية، وإنشاء مراكز تعليمية متنقلة، وبرامج دعم تمنع الزواج المبكر.

من جانبها، تؤكد هبة زين على أهمية دمج قضايا المناخ ضمن السياسات التعليمية والحقوقية، مشددة على أن "حماية تعليم الفتيات هو استثمار في ازدهار اليمن وإنقاذ أجياله القادمة".



"أكثر من مليوني طفل خارج مقاعد الدراسة في اليمن، 60% منهم فتيات"




لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)

 
 
 

Thanks for submitting!

Follow Us !

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter

Thanks for submitting!

فتيات ضحايا لهيمنة العادات بمستقبل مجهول.png
bottom of page