top of page
Screenshot 2023-11-22 at 11.56.45 AM.png

تُواجه النساء واقعاً قاسياً في بلد يُصنّف ضمن أفقر دول العالم، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة، فقد أدت الحرب وتعثر جهود السلام إلى انهيار اقتصادي حاد، وتوقف عملية تصدير النفط الخام، مما تسبب في انهيار العملة الوطنية وضعف البنية التحتية، وانعكس ذلك بشكل مباشر على صرف رواتب الموظفين الحكوميين، الذين يُقدّر عددهم بنحو 1.2 مليون شخص، وفق تقرير نشر في (المصدر اونلاين) سنة 2022.   


يزداد الأمر سوءاً بالنسبة لشريحة واسعة من العاملين بنظام التعاقد في القطاع الحكومي، حيث تعمل أعداد كبيرة من النساء برواتب متدنية في ظل ظروف معيشية صعبة دون ضمان وظيفة ثابتة. وتعكس هذه المعاناة واقعاً مؤلماً تعيشه النساء خلف مكاتب المؤسسات الحكومية في ظل استمرار الصراع وانقطاع الرواتب، وهي أبرز تداعيات الحرب في اليمن.


عدالة غائبة ونساء بلا أمان وظيفي


تقول أم تيماء 45 عاماً، وهي إحدى الموظفات المتعاقدات في مكتب التربية والتعليم في مديرية المنصورة في عدن، أن " التعاقد لا يضمن لها أية حقوق وظيفية، حتى المرضية". وتضيف "كل يوم نشعر بعدم الأمان ونتعرض للتهديد الوظيفي والتقليل من شأننا كمعلمات متعاقدات، ونطالب دوماً بالتثبيت في وظيفة رسمية، لكن الوعود الكاذبة جعلتني أرغب بإنهاء التعاقد". وتوضح أن راتبها لا يتجاوز 20 دولاراً في الشهر، بينما يبلغ إيجار منزلها 50 دولاراً. وتشير إلى أن الهدف من التعاقد هو أن يكون بوابة للحصول على وظيفة دائمة ومضمونة، إلا أنها أمضت 14 عاماً كمتعاقدة دون أية إجراءات حقيقية للتوظيف الرسمي.  

بدورها، تقول أمل سعيد، 36 عاماً، وهي متعاقدة في مكتب الشهداء والجرحى في دار سعد في عدن منذ 2015، أنها لا تشعر بالأمان الوظيفي، خاصة عند رؤيتها لزملاء متعاقدين سابقين بدؤا العمل قبلها لم يتم توظيفهم حتى اليوم. وتضيف "طالبت بالتوظيف لكن في كل مرة يتم إرجاع طلبي إلى وزارة الخدمة المدنية، التي بدورها لم تقم بأية عملية توظيف رسمي منذ اندلاع الحرب، وعلى الرغم من وجود العديد من العوائق والتحديات  إلى جانب الراتب الضئيل، إلا أنني أحب عملي وأتمنى أن يتم تثبيتي في وظيفتي". 

في الوقت الذي يجب أن تكون فيه المرافق الحكومية هي الأماكن التي تسودها العدالة والنظام، تحوّل العمل فيها إلى كابوس بالنسبة للعديد من النساء، خاصة في القطاع التربوي.

نسرين صلاح، 35 عاماً، تعمل متعاقدة في مدرسة حكومية، تصف حالتها النفسية بالسيئة جداً والمحبطة، وتقول "راتبي الشهري لا يتجاوز 6 دولارات، ولا يكفي حتى لشراء كيس قمح، ويُصرف لنا كل أربعة أشهر، كما يتم الاستقطاع منه". 

للأسف، لا توجد إحصائيات رسمية  تُشير إلى عدد العاملات بنظام التعاقد في المرافق والجهات الحكومية، نتيجة الظروف الصعبة التي يمر بها جهاز الإحصاء المركزي في فترة الحرب. 

يقول دكتور فيدل سعيد، وكيل مساعد لقطاع علاقات العمل في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، بأن للنساء المتعاقدات الحق في المساواة في الأجر، والحماية، والحق في الإجازة التوليدية. وأوضح بأن الوزارة تعمل على تنفيذ الخطة الوطنية للمرأة اليمنية، التي من ضمن أهدافها الضغط على الجهات المسؤولة لتحسين أوضاع المتعاقدات من خلال التدريب والتمكين. 

في السياق ذاته، تؤكّد الدكتورة روزا الخامري، مسؤولة الشؤون القانونية في اللجنة الوطنية للمرأة، "أن قانون العمل اليمني ينص على حماية حقوق المرأة في العمل، إلا أنه لا يُنظّم مسألة المتعاقدات بشكل واضح". وتشير إلى أن العرف الإدراي يمنح المتعاقدين ذوي الخبرة الطويلة أولوية عند وجود التعيينات، وهذا كنوع من الإعتراف وبناء على تزكية المدير من جهة العمل. وتُشدّدّ على ضرورة تعديل تشريعي يضمن أحقية المتعاقدين في التوظيف وفق سنوات الخدمة والخبرات المتراكمة.    


أجر متدني لا يتوافق مع متطلبات الحياة


يشير تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تحت عنوان "قياس الفقر متعدد الأبعاد في اليمن"، الذي تم نشره في (مركز اليمن والخليج للدراسات) سنة 2024، إلى أن نسبة الأفراد الذين يعانون من فقر متعدد الأبعاد في اليمن تبلغ 82.7%، أي أن أكثر من ثمانية من كل عشرة أشخاص يُعانون من الفقر، وفي المناطق الريفية ترتفع هذه النسبة الى 89.4%، في مؤشر خطير على عمق الأزمة الإنسانية والإقتصادية في البلاد، حيث أدى ارتفاع نسبة مؤشرات الفقر في اليمن إلى تصنيفها ضمن خمس أفقر دول في العالم، وذلك بحسب تقرير "الفقر في العالم من منظور أوسع" للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الأسكوا) لعام 2024.

 توقف إجراءات التوظيف الرسمي وتأخير صرف الرواتب منذ اندلاع الحرب في عام 2015، أثّر سلباً على تراجع فرص العمل، وارتفاع معدلات البطالة، إضافة إلى تدهور الأوضاع المعيشية وانعدام الأمن الغذائي.

في حين أن قانون العمل اليمني يُنظّم الوظائف والأجور، وتنص المادة 55 على أن الحد الأدنى للأجور يجب ألا يقل عن 20 ألف ريال يمني (ما يعادل عشرة دولارات)، وهو الأجر الأدنى للمتعاقدين، إلا أن متطلبات الحياة اليومية باتت تفوق هذا الأجر بكثير، مما يُفاقم المعاناة في ظل اقتصاد منهار وشبح الفقر والحاجة للعمل والعيش.

وأكدت الإسكوا في عام 2024، أن اليمن يمر بإحدى أسوإ الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم، "إذ يحتاج نحو 20 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، بينما يواجه أكثر من 18 مليون شخص نقصاً حاداً في الغذاء، ويتعرّض حوالي 41 ألف شخص لخطر المجاعة المباشرة".

تشير لبنى عبد العزيز، خبيرة اقتصادية، أن تأثير نظام التعاقد في المرافق الحكومية على دور المرأة في الإقتصاد يكون سلبياً في حال غياب الضمانات، مشيرة إلى أن وجودها في سوق العمل يساعدها على تحسين وضعها المادي واستقلالها الإقتصادي، كما يعزز مشاركتها في الناتج المحلي. إلا أن عدم الاستقرار الوظيفي وانخفاض نسبة الأجور، أديا الى فقدان الأمان الوظيفي بالنسبة للنساء المتعاقدات.

من جانبه يوضح موسى الجعدي، ممثل نقابة العمال، أن المتعاقدات ينقسمن إلى نوعين: هناك من يعملن كبديل عن موظفات أساسيات يشتغلن براتب محدد، وهناك متعاقدات عاديات يعملن في المرافق الحكومية. ويضيف " في النقابة، لدينا ست لوائح تؤكد على ضرورة توظيف المتعاقدات، حيث حصلنا على بلاغات احتجاجات من أجل التوظيف، وقمنا بالاستجابة والوقوف إلى جانبهن"، مبيّنا "أن هذه الجهات الحكومية في أمس الحاجة لهن لعدم توفر موظفين، بالإضافة إلى ما يتمتعن به من  خبرات، ومع ذلك، ونتيجة للظروف السياسية والإقتصادية، تحصل هؤلاء المتعاقدات على الحد الأدنى من الأجور والذي لا يتماشى مع السياق الاقتصادي الحالي". 

وفيما يخص الفرق بين وضعية الموظف الحكومي الذي تم تعيينة رسميا وبين المتعاقد، فان هناك بعض المزايا، من بينها وظيفة دائمة بالإضافة إلى الحصول على ترقيات وظيفية، ولا يمكن إنهاء خدمته إلا بقرار تأديبي ولديه إجازات سنوية ومرضية وغيرها. في المقابل، يُمنح المتعاقد إجازة وفقاً لشروط، ويعيش تحت تهديد خسارة عمله في أي وقت.

وتُعلق هيفاء شوكت، ممثلة المركز العربي الأوربي لحقوق الانسان والقانون الدولي في اليمن، على واقع المرأة العاملة المُتعاقدة في المؤسسات الحكومية بأنه "واقع صعب"، في ظل الأزمة الإقتصادية وغياب الأمان الوظيفي. وتؤكد أن " مرتبات المتعاقدات زهيدة جداً ولا تكفي حتى للمواصلات، كل هذا يؤثر بشكل سلبي عليهن، خاصة وأنه يمكن الاستغناء عنهن في أي لحظة".

هكذا تستمر معاناة النساء المتعاقدات في الجهات الحكومية في ظل غياب غطاء قانوني يحمي حقوقهن، ليصبحن ضحايا الوضع الإقتصادي المتدهور، رغم حاجة سوق العمل لهذه القوى العاملة.

إن انصافهن هو استثمار في ازدهار الوطن، ولا يمكن أن تسير عجلة التنمية إلا بضمان الحقوق، خصوصاً لهؤلاء اللواتي يشكلن ركيزة أساسية للعمل الإدراي والخدمي. 


"راتبي الشهري لا يتجاوز 6 دولارات، ولا يكفي حتى لشراء كيس قمح، ويُصرف لنا كل أربعة أشهر، كما يتم الاستقطاع منه."


 
 

في بلدٍ لا تزال فيه زيارة الطبيب النفسي تُقابل بالوصمة أو الخوف مما سيقوله الآخرون، وجدت كثير من النساء العراقيات في "جات جي بي تي" مساحة آمنة للبوح والتنفيس عن ضغوط الحياة.تحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة تقنية إلى رفيق سري يسمع دون أن

يحكم، يرُدّ بهدوء حين تخشى النساء من ردود الفعل على ما سيقلن.


بحسب دراسة ميدانية أُجرِيَت في بغداد عام 2020 بعنوان Women’s Mental Health in Iraq Post-Conflict، تبيّن أن نسبة النساء العراقيات اللواتي أبلغن عن أعراض قلق بلغت 39.7%، وعن أعراض اكتئاب 34.2%، وعن أفكارٍ أو محاولات انتحار 35.8%، وأن 91.1٪ من النساء مررن بتجربة صادمة بسبب الحرب، وهو ما يبيّن مدى الحاجة إلى مراكز دعم وتأهيل حقيقية للنساء العراقيات.

في تقريرٍ آخر لـMédecins Sans Frontières  أُجرِي بالتعاون مع وزارة الصحة العراقية، ورد أن النساء اللواتي تلقين استشاراتٍ نفسيةٍ منتظمة انخفضت لديهن شدة الأعراض من 97% إلى 29% بعد المتابعة.لكن بسبب نقص الأخصائيين ومحدودية الخدمات الحكومية، تلجأ كثيرٌ من النساء إلى بدائل رقمية.


حين تجد النساء مستمعاً جيدًا في الذكاء الاصطناعي

 

في مساءٍ هادئ داخل أحد بيوت النجف، جلست سارة أمام شاشة هاتفها وهي تكتب لجهاز لا تعرف له وجهاً: "أريد أن أتكلم فقط، لا أحتاج نصيحة، أريد أحد  يسمعني."كان الطرف الآخر هو ChatGPT، وليس صديقة أو معالج  نفسي .تقول سارة: "أخاف لو ذهبت للطبيب النفسي أن يعرف أهلي ويعرف الناس، فيتم اتهامي بأني غير راضية بطريقة عيشي، لكن لما كتبت لـ ChatGPT، قال لي بأنه يفهمني ويسمعني."وتضيف أنها دائمًا ما كانت ترغب بمشاركة أمها أحزانها ومشاكلها والضغوط التي تواجهها كطالبة جامعية في المرحلة الثالثة، إلا أن جواب هذه الأخيرة كان دائمًا: "ما بية حيل، مالي خلكج." لكنها في يومٍ من الأيام سألت "تشات جي بي تي": "ممكن أتكلم عن شيء يضايقني؟" فأجاب: "بكل تأكيد، أنا هنا أسمعك"، لتقارن بين رد أمها ورد أداة للذكاء الاصطناعي وتصل إلى قناعة أن الآلة أصبحت أحنّ عليها ممن أنجبتها.

تُبيّن الدكتورة ليلى أحمد أن “الذكاء الاصطناعي لا يُعالج فعليًا، لكنه أصبح وسيلة تنفيس نفسي مهمة، خصوصًا للنساء اللواتي يعانين من الوحدة أو العنف المنزلي والكتابة نفسها شكلٌ من أشكال العلاج.” وتضيف أن النساء يجدن فيه "مستمعًا صبورًا" وهو ما يفتقدنه في بيئة يغلب عليها النقد والاتهام بدل التفهم.

أما دعاء، ذات الـ 32 عامًا، من واسط، فقد بدأت الحديث مع ChatGPT بعد فقدان زوجها في حادث سير قبل عامين. تعيش في بيت صغير مع طفليها، أحدهما عمره سبع سنوات والآخر بالكاد تعلّم الكلام. بعد الجنازة، لم يزرها أحد إلا خلال الأسابيع القليلة الأولى، ثم بدأت الوحدة تُخيّم على أيامها. 

في الليل، حين ينام طفلاها، كانت تجلس أمام هاتفها، تتصفحه بلا هدف. ذات مساء، صادفت إعلانًا عن تطبيق للدردشة الذكية. تقول: "لم أكن أفكر بشيء، ولكن كتبت له: فقدت زوجي، فأجابني (أنا آسف لفقدانك، احكي لي أكثر عن شعورك). كانت تلك أول مرة يطلب أحد أن يسمعني بشكل جدي". 

منذ تلك الليلة، صار الهاتف ملاذها الصغير تتحدث إليه عن خوفها من الغد، عن مسؤولية الأطفال، عن شكل المستقبل دون زوجها. تقول إن التطبيق ساعدها كي تسترجع توازنها اليومي، حيث بدأت تخرج أكثر وتُنظّم يومها، حتى أنها قررت أن تُسجّل في دورة خياطة صغيرة في مكان قريب من بيتها. تتوقف للحظة وتتابع حديثها بصوتٍ خافت: " قد لا يكون إنسانا، ولكنه جعلني أحس من جديد بوجودي."

في عيون دعاء، لا يبدو ChatGPT مجرد برنامجٍ بقدر كونه مساحة تسمح لها أن تعيش، وتفكر، وتتكلم بلا خوفٍ من أن تُفهم خطأ. في مدينتها الصغيرة، حيث الجيران يعرفون كل الأسرار، وجدت في شاشةٍ باردة عزاء دافئا لم يمنحه لها أحد.



من العيادة إلى الشاشة


تقول الطبيبة النفسية، ليلى أحمد، من بغداد، أنها هي أيضا تستخدم "جات جي بي تي" لأنه "يقدم لها مساحة آمنة للتعبير عمّا تشعر به". وبالرغم من أنها على دراية كاملة بأن التطبيق لا يوفر إمكانات علاجية، إلا أنها تشعر بأنه آمن بما يكفي لاستخدامه بشكل فردي. " لم أبح بهذا السر سابقًا، إلا أن استخدامي لتشات جي بي تي كان مفيدًا أكثر من جلسات العلاج السلوكي والأدوية النفسية التي كنت أستخدمها لفتراتٍ طويلة"، مضيفة "دخلت تخصص الطب النفسي على أمل أن أعالج حالة الاكتئاب الولادي لدي، والذي عادةً ما ينتقل جينيا من الأم إلى الطفل ويزداد تعقيدًا بمرور الوقت. كنت آمل أيضا أن أساعد نساءً أخريات على تخطي الصعوبات والأزمات النفسية التي يواجهنها، إلا أنني حين بدأت باستخدام جات جي بي تي شعرت بتحسّن كبير".

تُبيّن ليلى أنه حتى الأطباء النفسيين لا يَخلون من التحيزات والقناعات الشخصية التي تُفقدهم الحياد في الاستماع لقصص مرضاهم. وبطبيعة الحال، سيبنون تصورا أو حكما، وعلى أساسه، ستتم المعالجة."على سبيل المثال، لو أتت امرأة ملحدة تعاني من الاكتئاب، إذا كان الطبيب مؤمناً، فسيُرجّح أن سبب اكتئابها هو عدم وجود صلة دينية بينها وبين الله. هذا ما يبني صورة نمطية جاهزة يتكل عليها المُعالج دون أن يبحث بعمق في جذور المشكلة". تستنتج ليلى، مضيفة أنه نظرا لكثرة حالات الإكتئاب، تتجه العديد من النساء اليوم إلى استخدام "جات جي بي تي" لأنهن يعتبرنه غير منحاز، ولا يحمل توجها دينيا معينا، كما أنه لا يعرف من تكون المريضة، ولا يُصدر أحكامًا مسبقة عليها، فهو يسمعها ولا يلومها، وهي الشروط التي يجب أن تتوفر في كل طبيب نفسي. لكنها تُحذّر أيضًا من الإستخدام المفرط خوفًا من أن تتحول هذه المساعدة الرقمية إلى ذريعةٍ للعزلة، وتختم قولها: "كانت المرأة تُخاطب جارتها أو صديقتها، ما يساعد على بناء أواصر اجتماعيةٍ مترابطة. اليوم تُخاطب شاشةً لتعلمها كيف تصمد."


سياسة ChatGPT في ما يخص المساعدة النفسية


حين سألنا "جات جي بي تي" نفسه عن السياسات التي يتبعها فيما يتعلق بطلب المساعدة النفسية، وهل الحديث معه كافٍ للعلاج النفسي، كان الجواب كالآتي:

"يتّبع ChatGPT سياسات واضحة من شركة OpenAI فيما يخص المساعدة النفسية، إذ لا يُعتبر بديلاً عن العلاج النفسي المهني ولا يقدم استشارات طبية أو نفسية متخصصة، بل يقتصر دوره على تقديم معلومات عامة ودعمٍ عاطفي بسيط. تهدف هذه السياسات إلى حماية المستخدمين، خاصة في الحالات الحساسة مثل الضيق النفسي أو التفكير بالانتحار، حيث يوجّه النموذج المستخدمين إلى مختصين مرخّصين أو خطوط الطوارئ. كما تنبّه OpenAI إلى أن المحادثات مع ChatGPT لا تُعد سرّية قانونيًا كما هو الحال مع المعالجين النفسيين. ويمكن للنموذج مساعدة المستخدم في فهم مشاعره أو اكتساب استراتيجيات عامة للتعامل مع القلق أو التوتر، لكنه لا يُقدّر الحالات الفردية بدقة ولا يستطيع إجراء تقييمٍ نفسي أو تشخيصٍ سريري. الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي في العلاج النفسي قد يكون خطرًا، إذ يمكن أن يُقدَّم نصائح غير دقيقة أو غير مناسبة للحالة. لذلك يُنصح باستخدام ChatGPT كأداةٍ مساعدةٍ فقط، وليس كبديلٍ للعلاج. وفي حال ظهور أعراضٍ نفسية مستمرة، أو أفكارٍ انتحارية، أو تغيّراتٍ في المزاج، يجب التواصل مع مختصٍ نفسي أو طبيب فورا للحصول على الدعم المهني اللازم. بهذه الطريقة يمكن الجمع بين فائدة التقنية والحفاظ على سلامة المستخدم النفسية."

وبالرغم من ذلك، تلجأ العديد من النساء العراقيات إلى استخدامه ويفضلن التواصل معه على الذهاب إلى طبيب أو معالجٍ نفسي، ما يُشير إلى وجود مشكلة اجتماعية كبيرة ويثير تساؤلًا حقيقيًا: هل هناك مساحة حقيقية وآمنة للنساء العراقيات للتعبير عن أنفسهن؟


دائمًا ما كانت ترغب بمشاركة أمها أحزانها ومشاكلها والضغوط التي تواجهها كطالبة جامعية في المرحلة الثالثة، إلا أن جواب هذه الأخيرة كان دائمًا: "ما بية حيل، مالي خلكج." لكنها في يومٍ من الأيام سألت "تشات جي بي تي": "ممكن أتكلم عن شيء يضايقني؟" فأجاب: "بكل تأكيد، أنا هنا أسمعك"، لتقارن بين رد أمها ورد أداة للذكاء الاصطناعي وتصل إلى قناعة أن الآلة أصبحت أحنّ عليها ممن أنجبتها.

لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)


 
 

للوهلة الأولى، يبدو اسم “أم علي” ملتصقاً بامرأة قد تكون تجاوزت سن الأربعين، إلا أنه لقب لفتاة في السادسة عشرة من عمرها. أم علي التي تسكن محافظة النجف تزوجت في سن الثانية عشرة وأنجبت طفلها الأول "علي" وهي في الرابعة عشرة لرجل يكبرها بعشرين عاما. 


تروي رحلة زواجها بحسرة: " كنت في السادس ابتدائي حين بلغت. ذهبت لأمي باكية لأنني أنزف وكنت أظن أن خطباً ما أصابني، ولم أدرك حينها أنها لعنة الحيض قد حلّت بي ". حاولت أمها إخفاء أمر بلوغها عن والدها، إلا أن تغيراتها الجسمانية فضحت الأمر ولم يبق هذا السر لوقت طويل، فبعد شهرين من بلوغها اكتشف والدها الأمر وقرر تزويجها لأحد العاملين معه في محل الدهين الخاص به الدهين هو حلوى عراقية مشهورة في المناطق التي تتسم بسمات دينية. 

" زوجني أبي مقابل مهر قدره خمسة ملايين دينار عراقي ولم أرَ فلساً واحداً من المبلغ، وقال لي حينها أن المرأة حالما تبلغ يجب أن تُستر في منزل زوجها قبل أن تجلب العار للعائلة"، تتذكر أم علي بألم. هكذا تحولت طفلة في الثانية عشرة من اللعب في ساحة المدرسة مع صديقاتها إلى مسؤولة عن بيت وزوج وطفل. 

أم علي ليست حالة فردية أو نادرة، فحسب بيانات نشرتها اليونسيف تبلغ نسبة زواج القاصرات في العراق 28% ، إلا أن تقارير أخرى تُشكّك في هذه النسبة خاصة وأن  22% من زيجات القاصرات دون سن الرابعة عشرة تجري خارج المحاكم وتكون غير مسجلة، كما أن مجلس القضاء الأعلى ينشر إحصائيات شهرية لعدد حالات الزواج والطلاق بشكل عام، دون إعطاء مزيد من التفاصيل فيما يتعلق بالفئات العمرية.


ثغرات قانونية يتم استغلالها لتزويج البنات الصغيرات


 حدّدت المادة السابعة من قانون الأحول الشخصية العراقي بشكل واضح سن الزواج الرسمي وهو الثامنة عشر مع وجود بعض الاستثناءات، حيث يجوز للقاضي أن يأذن بزواج من بلغت الخامسة عشرة من العمر إذا تحقق من أهليتها البدنية والعقلية، وبموافقة وليّها الشرعي. تُستغلّ هذه الثغرة في العادة لتزويج القاصرات ما بين سن الخامسة عشر والسابعة عشر، لكن لا يجوز بأي شكل من الأشكال تزويج من هي دون الخامسة عشر، إذ يُعتبر الزواج باطلاً وفقاً للقانون.

على الرغم من ذلك، يوضح القاضي المتقاعد رحيم العكيلي أن قانون الأحوال الشخصية لا يُتيح للمحاكم تسجيل عقد الزواج لمن هي دون الخامسة عشرة، إلا أنه يُفسح المجال غير القانوني لإيقاع زواج من هن دون الخامسة عشرة خارج المحكمة، فتقضي المحاكم لاحقا بتصديق تلك الزيجات بحكم، لأن القانون لا يُجرّمها وإنما يُجرّم عدم تسجيلها فقط عبر تسليط عقوبة بسيطة غير رادعة وهي غرامة مالية. ويشير إلى أن تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 1 لسنة 2025 وسّع من إطار انتشار زيجات القاصرات خارج المحكمة لأنه فعليا ألغى اشتراط تسجيل الزواج بالمحاكم وألغى تجريمه خارج المحاكم. 


تبارك ، 16 سنة، من بابل حُجزت للزواج من ابن عمها حين كانت تبلغ ثماني  سنوات وتزوجته حين بلغت الثانية عشرة من عمرها. ليلة زواجها الأولى كانت كابوساً ظلّ يُطاردها حتى هذه اللحظة. "جمعونا أنا وابن عمي في غرفة واحدة، توترتُ وخفتُ كثيراً، حينها قال لي أنه أصبح زوجي وأنه، من الآن وصاعدا، يجب أن أطيع كل أوامره. طلب مني أن أخلع ثيابي وحين رفضت انهال علي بالضرب فبدأتُ بالصراخ. وفي لحظات صراخي، بدأ الجميع بالزغردة في الخارج "، تتذكر تبارك بحسرة، رافضة أن تسمي ما حصل زواجاً وإنما " اغتصابًا". 


الفقه الجعفري كمرجع


في آذار 2014، طرح وزير العدل العراقي الأسبق، حسن الشمري مشروع “المدونة الجعفرية”، وهو قانون يهدف إلى تقنين الأحوال الشخصية على أساس الفقه الجعفري. تضمّن النص المقترح مادة تُجيز زواج الفتاة في سن التاسعة، باعتباره “سنّ البلوغ الشرعي”.

منذ ذلك الوقت، تحوّلت المدونة إلى مرجع غير رسمي يُستند إليه في المكاتب الشرعية داخل النجف وكربلاء وبابل والديوانية، خصوصًا بعد عام 2017، مع تصاعد نفوذ الأحزاب الدينية في هذه المناطق.


بدأت بعض المكاتب تُبرم عقود شرعية خارج إشراف المحاكم، وتُبرّر ذلك بأن الفقه الجعفري يُجيزها إذا بلغت البنت التسع سنوات شرعاً.  ومع مرور الوقت، تزايدت العقود غير المسجّلة رسميًا، وصار البعض يصفها بأنها “زواج منقطع” أو “زواج متعة”، لتخفيف وقع الكلمة وإخفاء طبيعتها. بهذا الشكل، تحوّلت المدونة الجعفرية من مشروع قانون مجمّد إلى سوق اجتماعي فعلي تُدار فيه زيجات الطفلات تحت غطاء ديني، في ظل غياب تام للرقابة الحكومية. ورغم أن المدونة الجعفرية لم تُقرّ رسميًا حتى اليوم، ولم تُنشر في “الوقائع العراقية” لتصبح قانونًا نافذًا، إلا أن المحاكم الشرعية في محافظات الوسط والجنوب تتعامل معها وكأنها قائمة فعلاً.  وعادة  ما يستند القضاة إلى المادة 41 من الدستور العراقي، التي تمنح المواطنين حرية الإلتزام بأحوالهم الشخصية وفق مذاهبهم، لتمرير عقود زواج تُبرم على أساس الفقه الجعفري، خصوصًا عندما تكون المرأة تحت السن القانوني. 


رغدة التي بلغت عامها الثامن عشر والتي تسكن في منطقة نائية في كربلاء، تزوجت وانفصلت ثلاث مرات بسبب والدها، حيث تقول" كنت أبلغ  من العمر 14 سنة في زيجتي الاولى وانفصلت  بعد شهرين، أما زيجتي الثانية فكانت في الخامسة عشرة واستمرت ثلاثة أشهر. في حين، كانت زيجتي الثالثة في السابعة عشرة وانفصلت بعد شهر واحد. كل الزيجات حصلت وانتهت دون علمي وموافقتي وكان أبي هو من يقف وراء تنظيمها"، مضيفة "كل أزواجي كانوا أكبر مني سناً. زوجي الأول كان عمره ستون عامًا، والثاني 53 عامًا والثالث كان صديقا لوالدي ولا أدري كم كان عمره لكنه كان أكبرهم". لم تدرك رغدة أن كل تلك الزيجات كانت "زواج متعة" مقابل مبالغ مالية تحت غطاء المهر أخذها جميعها والدها، بينما تحوّلت هي إلى سلعة عائلية تُباع وتُشترى متى ما وجد هذا الأخير شخصاً يدفع مبلغا مجزيا. 


انعكاسات نفسية كبيرة


تقول فاطمة المرنيسي، الباحثة المغربية في علم الاجتماع أن "المجتمع الذكوري لا يخاف من جسد المرأة، بل من عقلها". وترى أن كل ما يُفرض على النساء من قيود وطقوس ليس لحمايتهن، بل لضمان استمرار السيطرة عليهن.  في كتابها "ما وراء الحجاب"، تكتب المرنيسي أن "المرأة التي تُسلب إرادتها قبل أن تعيها، تتحول من إنسان إلى رمز شرف يُدار من قبل الآخرين"، وتعتبر أن أخطر ما تواجهه الأنثى في المجتمعات العربية هو أن "تُختزل في جسدٍ بلا صوت". بالنسبة لها، الزواج المبكر هو أخطر أشكال هذا الاختزال، لأنه يمحو وعي الطفلة قبل أن يتكوّن، ويحوّلها إلى كيان تابع يعيش في نظام يقدّس الطاعة ويخاف من السؤال. وتضيف "كل أنثى تُربّى على الصمت، تكبر وهي مقتنعة أن الطاعة فضيلة، وأن حريتها خطيئة".

 هذا ما يؤكده أيضا، المختص العراقي في علم النفس، الأستاذ زياد الصوفي، الذي يعتبر أن زواج القاصرات  يحرم المرأة من طفولتها لأنها تضيع بين فكرتين: هل أنا زوجة أم طفلة؟  هذا التساؤل يؤثّر على مساحة هويتها الخاصة. ويضيف " أن المراحل النمائية للأفراد هي مراحل تصقل وتبني شخصية الانسان ومهاراته العاطفية والعقلية، فالبنت الصغيرة التي يتم تزويجها لا تزال في مرحلة التعلم والتجربة، لذا فهي  تقفز المراحل النمائية (الطفولة والمراهقة) حين تتزوج قبل الثامنة عشر، ما يسبب مشكلة في قدراتها الذهنية على إدارة عواطفها والدفاع عن نفسها في ظل غياب أية آليات لذلك ". وقد يؤدي زواج القاصرات لحالات اكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة والانفصال الإجتماعي لأن الزوجة غير مدركة للواقع، خاصة أن الجيل الحالي يختلف من ناحية التنشئة الاجتماعية، "فهو معتمد على العائلة أكثر من الأجيال السابقة، ما يتسبب في تأخره باكتساب المهارات الاجتماعية". 

ورغم كل التحذيرات التي يطلقها الأخصائيون وممثلو المنظمات الدولية، ما زال زواج القاصرات يتصاعد في العراق. ولم يعد مجرد عادة اجتماعية، بل تحول إلى سوق صريح تُبرم فيه عقود زواج شرعي، وتُعامل فيه الطفلات كسلع تُشترى وتُباع، في بلد ما زال يخلط بين الدين والقانون.



«تحوّل زواج القاصرات من ممارسة اجتماعية إلى سوق تُدار فيه أجساد الطفلات تحت غطاء ديني وقانوني.»

لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)


 
 

Thanks for submitting!

Follow Us !

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter

Thanks for submitting!

bottom of page