top of page
Screenshot 2023-11-22 at 11.56.45 AM.png

في أزقة المدن اليمنية، تختبئ الأصوات النسائية خلف الجدران، خشية نظرة المجتمع القاسية لمن تختار الفن مسارًا لحياتها. 


الغناء هنا ليس مجرد موهبة، بل فعل مقاومة نسائية في مواجهة تقاليد صارمة وتهميش مؤسساتي، امتد لعقودٍ في بلد مزقته النزاعات وبنية ثقافية هشّة مع غياب الحماية القانونية للمغنيات. رغم أن العنف ضد النساء في اليمن يأخذ أشكالاً متعددة، إلا أن حدّته تزداد في حالة الفنانات، حيث يُعتبر الفن فعلاً مرفوضًا اجتماعياً. 

 في هذا التحقيق، سنسلط الضوء على حياة المغنيات اليمنيات بين الماضي والحاضر، من خلال استعراض تجاربهن الفردية، وتتبع التحديات التاريخية والإجتماعية والسياسية التي تعرقل الممارسة الحرة للفنون في اليمن. 


دعم أسري محتشم أمام ضغوط اجتماعية كبرى


تختلف مسارات المغنيات اليمنيات وفق البيئات الإجتماعية والدعم الأسري الذي يتلقينه. ومن بين هذه التجارب، تبرز مسيرة رنا السلامي، وهي مغنية للأعراس الشعبية في عدن، تحولت حياتها منذ الطفولة إلى صراع بين الهوية الفردية والقيود الاجتماعية. حاول العنف الأسري كسر إرادتها، لكنها أصرت على إحياء الحفلات سرًا، ولم ترضخ للنظرة النمطية. تقول رنا "كنت أُضرب لخوف الأهل على سمعتي، لكنني آمنت بالفن، ووضعت كل طاقتي فيه"، لذلك "كنت أذهب إلى العمل لأثبت جدارتي، وفرضت عليهم احترام فني وشخصيتي، ليصبحوا درعي الحامي من القيود الإجتماعية التي تنتهك حقي في الممارسة الفنية الحرة". بمرور الوقت، وبعد أن أثبتت سلامي جدارتها، لعبت أسرتها دورًا حاسمًا في دعمها وحمايتها، وأصبحت درعًا يحمي مشروعها الفني.  

تجربة هاجر نعمان، المغنية اليمنية المقيمة في مصر، كانت مختلفة قليلا، فمنذ أن اكتشف والدها موهبتها في السادسة من عمره، شجعها على تطوير قدراتها، لتصبح عائلتها الداعم الأساسي لها في مجتمع ينظر للفن كوصمة عار، خاصة عندما تمارسه النساء. وقد مكنها هذا الدعم من أن تجد طريقها، حيث تقول  "هذا الدعم شكّل هويتي الفنية، وصرت مؤمنة بأن صوتي رسالة حب وسلام للعالم يجمع الناس رغم اختلافاتهم ونزاعاتهم، وهو ما جعلني قادرة على الإستمرار رغم كل الانتقادات والهجومات التي أتعرض لها من المجتمع". هكذا استطاعت هاجر أن تتجاوز الحدود الضيقة لليمن لتصل إلى الساحة العربية الواسعة، خاصة بعد زواجها من الفنان عمر ياسين وانتقالهما للعيش في القاهرة.

ومهما كان الدعم الأسري صادقًا وقويًّاً فإنه لا يكفي لوحده، مادام المجتمع المحيط يفرض قيوده على الفنانات ويجبرهن على خوض تحديات قاسية أو مواجهة ضغوط كبيرة، وهذا ما تُظهره تجربة المغنية وعازفة العود الناشئة فرح قائد، التي لم تجد مكانًا مناسبًا لتنمية موهبتها في مدينة تعز، رغم تميزها في الأنشطة المدرسية ومشاركاتها الفنية المتعددة منذ سنٍّ مبكرة، بل أنها تعرضت للقمع والتنمر اللذين تركا ندوبًا عميقة داخلها، ومع ذلك ظلت متمسكة بحلمها حتى انتقلت إلى عدن والتحقت بمشروع (الفن مهنتي) عام 2023، الذي يهدف لتمكين المغنيات والعازفات لاقتحام سوق العمل عبر تشكيل فرقة نسائية، لتقديم العروض الغنائية الحيّة، إلّا أن فرح وزميلاتها لم يسلمن من هجوم المجتمع وتهديداته التي قيّدت أنشطتهن وحجّمت المساحة الفنية المتاحة لهن. 

هذه النماذج الثلاثة، على اختلافها وتباينها، تؤكد أن التحدي الأكبر بالنسبة لهن كان دائما المجتمع الذي يفرض رقابة مستمرة على النساء، ويُحدّد متى وكيف يجب أن تظهر المرأة، ومتى يجب أن تختفي. هكذا، فإن حضورهن في المشهد الفني يظل مرهونًا بمعركة غير متكافئة مع العادات والتقاليد والسلطة الاجتماعية.


التغيرات السياسية تلقي بظلالها على  المشهد الفني


قراءة السياق التاريخي للغناء في اليمن توضح أن هذه المعاناة ليست طارئة، بل ممتدة عبر عقود. في هذا الصدد، يوضح رفيق العكوري، الخبير الوطني في مجال اتفاقية اليونسكو لعام 2003 الخاصة بصون التراث الثقافي غير المادي، أن القيود المفروضة على الفنانات اليمنيات تمتد جذورها إلى عقود سابقة، حيث "كانت النساء يُجبرن على استخدام أسماء مستعارة ويضطررن للسفر إلى عدن لتسجيل أعمالهن الفنية هربًا من تضييق الخناق عليهن من السلطة السياسية في الشطر الشمالي آنذاك( ما قبل العام 1990).

ويشير العكوري إلى وجود تباين واضح بين الشمال والجنوب قبل الوحدة، "ففي حين ارتبطت فنانات الشمال بالأداء التقليدي المصحوب بالآلات الشعبية، تصدّرت فنانات الجنوب المسارح بدعم الفرق الموسيقية الحديثة". غير أن التحولات السياسية التي رافقت مرحلة ما بعد الوحدة، ولا سيما عقب حرب 1994 "أدت إلى تغير جذري في المشهد الفني مع اشتداد قبضة التيارات الدينية، فقد شهدت البلاد حملة ممنهجة عبر التحريض المجتمعي ضد الفن وممارسيه، ما أسفر عن انهيار تدريجي للبنية المؤسسية الداعمة للفنون وتراجع الحريات الفنية"، لتقتصر الساحة لاحقًا على مواهب محدودة الطابع، توارت عن الأنظار شيئًا فشيئًا"، مضيفا " هذا الامتداد التاريخي يلتقي مع التفسيرات المؤسسية المعاصرة، التي تضع غياب النساء ضمن شبكة من العوامل السياسية والاجتماعية، في ظل الحروب والنزاع المستمر". 


تبرز حكايات الفنانات المنسيات كنافذة لفهم جوانب مهمة من التاريخ الثقافي والاجتماعي لليمن وفهم الدور الذي لعبنه في تشكيل المشهد الفني والهوية الثقافية. في هذا السياق، تُشير مدونة الصوت، فريال مجدي، التي تعمل على توثيق تجارب الفنانات اليمنيات المنسيات، أن دافعها للقيام بهذا المشروع هو "الرغبة في معرفة ما أصابهن وأين اختفت أصواتهن بعد كل تلك النجاحات والإنجازات التي حققنها". وقد أبدت دهشتها من كثرة القيود الاجتماعية التي تعرضن لها، ومن التهميش المؤسسي الذي مررن به. وتساءلت عن أسباب حرمانهن من حقهن في ممارسة الفنون بحرية، قائلة:"لماذا يتم منعهن من أبسط سبل الحياة؟".

وتوضح فريال أن هذه التساؤلات وغيرها دفعتها لإنتاج بودكاست (منكام) من أجل مشاركة حكاياتهن مع الجيل الجديد، ثم شكلت فريق (أصوات وإيقاعات غائبة)، بمشاركة فتيات من مختلف المحافظات لتسليط الضوء على مزيد من قصصهن، وأخيرًا أسست منصة (ضفائر) لتكون "أرشيفًا نسائيا لا يوثق إلا الفن والثقافة".

أمّا شعيب عفيف، رئيس قسم العلاقات العامة في معهد جميل غانم للفنون، فيرى أن غياب النساء عن الوسط الفني لا يمكن فهمه باعتباره معطى عابراً، لأنه "نتاج بنية متشابكة من عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية تُعيد إنتاج أنماط التهميش والإقصاء الجندرية؛ مثل الرقابة الأبوية، الرفض المجتمعي، التنمر الرقمي، غياب التمويل، وضعف المبادرات الرسمية لتعزيز مشاريع الفنانات، كل هذا يسهم في زيادة هشاشة البنية التحتية الثقافية ويعطل تكوين منظومة مستدامة لدعمهن". ومع ذلك، يظل مؤشّر الإقبال المتزايد للشابات على الفنون، دالاً على تحولات جلية أعمق، تسعى من خلالها النساء إلى إعادة التفاوض مع الواقع الثقافي والاجتماعي، وهذا ما لمسه عند إدارته مشروع (الفن مهنتي) عام 2023، حيث تجاوز عدد المتقدمات أكثر من مئة مشاركة من تخصصات علمية وأدبية متعددة.


فنانات بلا حماية قانونية


يزداد واقع الفنانات تعقيدا مع غياب المواد القانونية والدستورية التي تحمي حقوقهن في اليمن، فالمادة 27 من الدستور اليمني تشير إلى أن "الدولة تكفل حرية الفكر والتعبير وتتيح للمواطن المشاركة في الحياة العامة والثقافية"، إلا أن النصوص القانونية لا تقدم حماية واضحة للفنانين ولا توفر أية ضمانات تتيح ممارسة النساء للفنون بحرية وأمان.  

وأمام هذا الفراغ القانوني، لابد من سياسات وتشريعات متخصصة، إلى جانب آليات تنفيذية تضمن تفعيلها على أرض الواقع في الداخل والخارج، أما التشريعات الحالية فهي لا تعود بالنفع على المتضررات ولا توفر لهن الحماية اللازمة.

 ينضاف إلى ذلك، وجود الفنانات في وسط متخم بالمحاباة والمناطقية، إلى جانب التجاهل المؤسسي واللامبالاة الرسمية، حيث واجهت رنا السلامي الكثير من التحديات عندما جربت العمل في دول الخليج العربي ولم يكن يعاديها إلا أبناء وطنها الأم الذين جعلوا الفن يتمحور حول عرض المفاتن وحضور جلسات السمر دون الالتفات لحجم الموهبة أو الرسالة المقدمة. 

وتتفق هاجر نعمان مع رنا في أنهما لم تتلقيا أي دعم لائق من أي جهة حكومية أو مؤسسة ثقافية محلية، مع غياب المعاهد الموسيقية وإلغاء حصصها التعليمية في المدارس من بعد وحدة عام 1990، وإغلاق المسارح وفض (فرقة الإنشاد) التي تخرّجت منها كوادر غنائية كانت سابقة لعصرها، كما أنهما واجهتا الكثير من  الإهمال حتى رغم تعرضهما للعنف الرقمي. 

ولعل هذا ما يدفع الفنانات إلى عدم تسجيل محاضر لأي اعتداء يتعرضن له، وعدم تقديم أي دعاوى للمحاكم أو بلاغات للجهات المختصة. ومن وجهة نظر الباحثة في السياسات العامة، شيماء بنت عثمان، فإن "هناك ضرورة لحمايتهن وتعزيز حرياتهن في ممارسة الفنون"، إلى جانب "تمكينهن من إدراك حقوقهن واللجوء للجهات المختصة عند تعرضهن لأي شكل من أشكال العنف أو تقييد الحريات"، وهذا هو الحال الذي نشهده في الدول المجاورة اليوم بعد عقود من التزمت والانغلاق. من ثم يأتي دور منظمات المجتمع المدني في المناصرة والتأثير، غير أن ذلك، بحسب رأيها "يظل ضرباً من الخيال في الواقع المحلي، حيث تلتزم النساء الصمت مهما لحق بهن من أذى، كما تغيب المرأة عن مراكز صناعة القرار وتشكيل السياسات العليا للدولة، وإن وجدت فإن مشاركتها تبقى غير متوافقة مع تطورات العصر". 



تراجع الحضور الفني في مهنة بلا نقابة


يفتقر المشهد الفني المحلي إلى وجود اتحاد أو نقابة تمثل الفنانين والفنانات، إذ أن هذه الكيانات كانت موجودة بشكل محدود وخجول قبل حرب 2015، إلا أنها تلاشت تمامًا في ظل الأوضاع الراهنة، وزاد من تفاقم المشكلة غياب المنظمات المتخصصة في الدفاع عن حقوق الفنانات.

 عندما توجهنا إلى مكتب الثقافة في عدن، أوضحت الأستاذة منى حداد، مديرة المكتب، أن "الظروف الراهنة أدت إلى تراجع ملحوظ في حضور الفن والثقافة في المجتمع، ولم يعد هناك ذات القبول أو الدعم الذي كان ملموساً في السابق". 

 وأشارت إلى أن الوضع يتدهور يوماً بعد يوم، وأن "تعقيدات الأزمة المحلية باتت تفوق إمكانيات المكتب، سواء فيما يتعلق بحماية الفنانات أو تمويل مشاريعهن". حداد أكدت أن "مكتب الثقافة في عدن يواصل بذل ما في وسعه لدعم المواهب الشابة، من خلال توفير التسهيلات الممكنة لها، وتمكينها من ممارسة فنونها في بيئة آمنة نسبياً"، إضافة إلى "تقديم التوجيه والإرشاد المهني لتطوير مهاراتها وتعزيز حضورها في المشهد الثقافي". 

وقد أكدت الناشطة الثقافية زهـراء علي، على غياب الدور المؤسسي الرسمي في حماية الفنانات وتمكينهن، مبينة الحاجة إلى إيجاد حلول وآليات تكفل لهن مصدر دخل ثابت من الفن، سواء عبر المشاركة في المهرجانات المحلية أو العربية أو الإقليمية التي تمثل الدولة.

وأشارت أيضاً إلى أن منظمات المجتمع المدني يمكن أن تلعب دورًا تكميليًّا من خلال تدريب الفنانات على الظهور الرقمي، بما يسهم في إيجاد توافق بين ما يقدمنه من محتوى فني وبين درجة تقبّل المجتمع لهذا الحضور.

 هكذا، يصبح بناء مؤسسات ثقافية راسخة وسنّ تشريعات خاصة بالمجال الفني ضرورة حتمية لدعم الفن الغنائي النسائي وتمكينه من الانتقال من الهامش إلى المتن، ليصبح جزءًا أصيلًا من هوية الوطن وذاكرته.






"كنت أُضرب لخوف الأهل على سمعتي، لكنني آمنت بالفن، ووضعت كل طاقتي فيه."



 
 
 

في شوارع مدينة عدن المزدحمة، لم تعد الأرصفة مجرد مساحات للمارة، بل تحولت الى مسرح مفتوح تُروى فيه فصول من البؤس الإنساني، فمع تصاعد موجات النزوح واستمرار الحرب، تقف المدينة شاهدة على حكايات نساء وأطفال أجبرتهم الظروف على الانزلاق إلى حافة التشرد والتوسل. 


تتجسد المعاناة اليومية في وجوه اولئك الأطفال المهمشين، الذين تخلوا عن مقاعد الدراسة باحثين عن لقمة عيش تسد رمقهم، ليتحولوا إلى متسولين ينتظرون إحسان المارة.


في ظل أزمة انسانية حادة وازدياد أعداد النازحين، أصبح التسول مشهداً مألوفاً ومعاناة لايبدو أن نهايتها قريبة. 


نازحات يعلن أسرهن عبر التسول ولا يسلمن من الإهانة


تبلغ مساحة مدينة عدن 750 كيلومترا مربعا، وتبعد عن العاصمة صنعاء مسافة حوالي 363 كيلومترًا. بحسب الأستاذة افتخار عبد الحليم الزغير، المديرة العامة للأرقام القياسية بمركز الإحصاء في عدن، يُقدّر عدد سكان المدينة في آخر احصائية  لعام 2024، بأكثر من (1.147.000) نسمة، مما يجعلها ثاني أكبر مدينة في اليمن بعد صنعاء.

تشير التقديرات الإنسانية إلى أن نحو 35% من سكان عدن هم نازحون فروا من جحيم الحرب، وجاء في آخر احصائية لمركز الإحصاء، أن عدد النازحين وصل الى 300 ألف شخص. وجد هؤلاء النازحون أنفسهم في مواجهة واقع اقتصادي هش وخدمات عامة شبه منهارة وغياب شبه تام لأي حلول مستدامة.  

في حي منطقة الشعب، الواقع على بعد 12 كيلومتراً من مركز مدينة عدن، تبدأ حكاية ناهد محمد عبده التي تبلغ من العمر 34 عاماً، وهي امرأة نازحة من محافظة الحديدة، المحافظة الساحلية الواقعة في الشمال الغربي من عدن وتبعد عنها حوالي 320 كيلومتراً.  دفعتها الحرب إلى مغادرة منزلها، واليوم تقف كل صباح على أحد أرصفة عدن مع طفليها، تمد يدها للمارة محاولة أن تحفظ لأبنائها ما تبقى من حياة.

تقول ناهد وهي تمسح دموعها "جئت من الحديدة قبل خمس سنوات بعد أن دُمّر منزلنا بفعل القصف، زوجي كان يعمل خياطاً للأحذية لكنه أُصيب بانزلاق في العمود الفقري ولم يعد قادراً على العمل، وأصبحت أنا من تُعيل الأسرة". 

 هي تعيش اليوم في خيمة بلا تهوئة في أحد مخيمات النزوح، بينما يخرج ابنها الأكبر البالغ من العمر 15 عاماً، وهو يعاني كذلك من آلام مزمنة في ظهره، يومياً للشارع باحثاً عن أية فرصة عمل.

وتضيف بصوت حزين " إن طفلي الصغير يُضرب أحياناً أثناء التسول ولا نجد ما يكفي حتى لشراء كيس دقيق كامل، فنحن نشتري السكر والدقيق بالكيلو ولم أتلقى أي دعم حقيقي من أية منظمة".

بحسب إحصائية لصندوق الأمم المتحدة للسكان، فإن "80% من النازحين في اليمن هم من النساء والأطفال" أي أن "نحو رُبع عدد الأسر النازحة تُعيلها نساء" وهن يعشن في ظروف صعبة وقد أجبرن على تحمل العبء الأكبر في العائلة.

في حي شعبي آخر من أحياء مدينة عدن، تسكن مواهب سعيدة أحمد، أم لثمانية أطفال، تتقاسم مع أسرتها غرفة واحدة لا تكاد تتسع لهم. وفي كل صباح، تخرج مع أبنائها للشارع للتسول طلباً للطعام، بينما يجمع زوجها  قوارير الماء الفارغة. 

تتعرض مواهب لإساءات لفظية من المارة، وتقول بمرارة "نحن نُهان دائماً لكن لا خيار لنا"، فزوجها رغم عمله غير قادر على توفير لقمة العيش لها ولأولادها.

على أحد الأرصفة، تجلس الخالة حسناء أحمد، نازحة في الخمسينيات من العمر، تُعاني من أمراض مزمنة، وترافقها حفيدتها الصغيرة في جولات التسول، بينما تُحاول الحاجة فاطمة محمد، وهي مقعدة على كرسي متحرك أن تحصل على بعض المال لشراء الدواء والطعام رغم حرارة الصيف القاسية. 



طفولة مسلوبة في غياب الحماية القانونية


تنص المادة 145 في القانون رقم 45 لسنة 2002 لحماية الطفل، أنه "على الدولة حماية ورعاية الأطفال الأيتام وأطفال الأسر المفككة، والأطفال الذين لا يجدون الرعاية ويعيشون على التسول والقضاء على هذه الظاهرة، ووضع الأطفال المتسولين والمتشردين في دور الرعاية الإجتماعية وتوجيههم إلى أن يكونوا أعضاء صالحين منتجين في المجتمع". ولكن تطبيق هذه المادة يبقى حبرا على ورق.

سلمان علي، طفل يبلغ من العمر 10 سنوات، يرتدي قميصاً باهتا وبنطالا ممزق، اضطر لترك المدرسة وامتهان التسول ليساعد والده المريض. بملامح حزينة يقول "أعطي أمي كل ما أجمعه من الناس حتى تشتري لنا الأكل"، مضيفا بحسرة "كنت أحب المدرسة لكننا لا نقدر على مصاريفها". 

شعبان أدهم صبي يبلغ من العمر 11 عاماً، ويُعاني من تأخر في النطق ويُعتقد أن معاناته ناتجة عن سوء التغذية والضغط النفسي المرتبط بالنزوح، يرافق والدته كل صباح بحثاً عن طعام، فلا يتحدث كثيراً لكن ملامحه تسرد الكثير من الألم.

يتعرّض الاطفال المتسولون رغم معاناتهم والعبء الثقيل التي يتحملونه، لمضايقات المارة ونظرة المجتمع السلبية.

أسوان سالم، فتاة تبلغ من العمر 12 عاماً، كانت تدرس في المدرسة، لكنها اضطرت لتركها بسبب عدم قدرة والدها على دفع الرسوم، واليوم تتلقى تعليمها في المسجد. تقول "أخرج لأتسول من أجل ان أساعد في دفع ايجار بيتنا. أحياناً يضايقني الناس بكلامهم وتصرفاتهم، لكنني أحاول أن أدافع عن نفسي".

تُجسّد قصص سلمان وشعبان وأسوان، الواقع المؤلم لغياب الرعاية والحماية القانونية الحقيقية للأطفال، وإجبارهم على الإنقطاع عن الدراسة، وذلك رغم أن المادة81 من قانون حماية الطفل، تنص بشكل واضح  على أن "الدولة تكفل مجانية التعليم وفقاً للقوانين النافذة".

 

يرى الأخصائي النفسي سعيد مثنى زيد، من دار التكافل الاجتماعي، أن"الأطفال المتسولين يعانون من صدمات نفسية وحرمان عاطفي وكذلك من الشعور بالدونية، كما أن الكثير من الأسر ترفض إيداع أطفالها في دور الرعاية، ما يصعب تأهيلهم نفسانيا".

من جانبه، يقول وكيل قطاع الرعاية بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، الأستاذ صالح محمود حسن أن "التسول لم يعد مجرد ظاهرة بل خطرا متناميا يمسُّ النساء والأطفال، ونحن نُنفّذ حالياً خطة وطنية لتوفير مراكز إيواء وتأهيل بالشراكة مع المجتمع المدني والجهات الأمنية".


ظاهرة تتفاقم وإحصائيات غائبة


رغم تفاقم ظاهرة التسول، تُعاني الأجهزة الرسمية من غياب الإحصائيات الدقيقة لتحديد حجمها، حيث أكدت افتخار الزغير، مديرة إدارة الأرقام القياسية  في الجهاز المركزي للإحصاء، أن البيانات لا تزال محدودة، لكنها وعدت بإجراء دراسات ميدانية حول الموضوع فور توفر الإمكانات اللازمة.

يُجمع المختصون على أن جذور هذه الأزمة تعود إلى الانهيار الاقتصادي الحاد، حيث يعاني أكثر من 12 مليون طفل في اليمن من الفقر وسوء المعيشة، وفقا لتقارير صادرة من الأمم المتحدة، كما أن ضعف التمويل وعدم كفاية البرامج الإنسانية يعمق من هذه المعاناة.

ترى الأستاذة إشراق علي أحمد، رئيسة مؤسسة تاج عدن للمرأة والطفل، أن "التسول ظاهرة دخيلة على عدن، سببها الفقر والنزوح وغياب التعليم والتفكك الأسري، والدولة غائبة بشكل شبه كامل عن المشهد".

من جانبها، تؤكد الأستاذة شادية السباعي، رئيسة جمعية شذى عدن، أن "التسول في مديرية البريقة يشهد تصاعداً لافتاً في أعداد الأطفال المتسولين الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و15 عاما، معظمهم من الأيتام والنازحين، وأطفال خارج نطاق التعليم". وقد ذكّرت في هذا الصدد، بتنفيذ الجمعية لبرامج توعوية وتمكينية للأمهات والأطفال "لكنها توقفت بسبب غياب التمويل".

لكن رغم كل هذه القتامة، لا يخلو المشهد من بصيص أمل، حيث يحكي الأستاذ سعيد مثنى زيد عن توأمين من محافظة إب، نزحا إلى عدن قبل ست سنوات وقد تخلى عنهما ذويهما، ولكن الشرطة أنقذتهما من بناية مهجورة وتم نقلهما إلى دار الرعاية، أحدهما اليوم مصمم بارع والآخر متفوق في دراسته ويمارس الكاراتيه، وما يزالان يعيشان في دار التكافل الاجتماعي.

في النهاية، فإن الأرصفة في عدن أصبحت صفحات مفتوحة لحكايات موجعة كتبها الفقر والنزوح والإهمال. إن إنقاذ ناهد، وسلمان، وأسوان، وغيرهم من براثن الضياع مسؤولية وطنية، يُنتظر من الحكومة ومنظمات المجتمع المدني والجهات الدولية، أن تنسق فيما بينها لاجتثاث هذه الظاهرة من جذورها.


"نحن نُهان دائماً لكن لا خيار لنا."




 
 
 

" كنت أمارس التشافي بدون أن أعرف، لأن الفن هو الفضاء الوحيد الذي يمكنني من أوقف دوامة التفكير والقلق في ذهني وأن أحس بأنني أتنفس"


، تقول  مينا اسعد، مؤسسة نادي "الكولاج"، مضيفة "عام 2007 أتذكر أنني كنت بالصف الثالث ابتدائي، عندما رأيت علامة حمراء على باب بيتنا، ومعناها الإخلاء الفوري، تهجّرنا أنا وعائلتي، وخسرت أقارب لي بسبب العنف الطائفي. في ذلك الوقت، لم أكن أدرك ما يحصل، ولكن عندما كبرت، استرجعت كل هذه الذكريات عن الموت والدم والعنف والموت والفقدان، أثّر ذلك كثيرا على صحتي النفسية". 

لسنوات ارتبط العلاج النفسي بالوصم الاجتماعي، رغم ما مرت به البلاد من صراعات وحروب تركت آثارها على الصغار قبل الكبار، ثم كبر هؤلاء الأطفال  ليحاولوا إيجاد مساحات جديدة ليعبروا عما عاشوه من آلام في سنوات صغرهم، ولكن ليس في عيادات الطب النفسي التقليدي، وإنما في ورشات تحاول تجديد مفهوم الصحة النفسية والعناية الذاتية لتجعله جزءا من الحياة اليومية وتمهّد السبيل للتعافي من  سنوات طويلة من سماع أصوات الانفجارات في البلاد ومشاهدة صور الجثث. 


الشفاء عبر الرسم والكتابة و"الكولاج" 


في بغداد، قرّر فريق من الفنانين الشباب تحويل الألم إلى مساحة للفن والشفاء


، فانبثقت فكرة “منطوي”، وهو مشروع للعلاج بالفن والكتابة. اختار الفريق هذا الاسم لأنهم شعروا أنهم منطوون على ذواتهم، ولأن الورشة اعتمدت على “طيّ الورق” بعد الكتابة، كأداة تعبير وتفريغ فنية. وقد لمسوا بعد ذلك تغييراً في حياتهم الشخصية.

هكذا كانت تجربة مينا أسعد(28 عاماً)، طبيبة شابة وفنانة "كولاج" من بغداد، عانت منذ مراهقتها من اضطراب القلق العام والرهاب الاجتماعي. وعند دخولها كلية الطب، تضاعف القلق مع ضغط الدراسة والتعامل مع المرضى، لكن ومع كل مرة، كانت تلمس فيها الألوان أو الورق، تهدأ دوامة أفكارها وهواجسها.

 في عام 2016، بدأت تجربتها مع فن "الكولاج"، من خلال قصّ الصور والأوراق وإلصاقها وإنتاج أعمال فنية بها. بمرور الأيام، تحول هذا الفعل البسيط إلى وسيلة للتعافي من همومها ودفعتها هذه التجربة إلى تنظيم ورش عن "الكولاج" و"الجورنال"، يقوم فيها المشاركون بالكتابة وقصّ الأوراق والتلوين كوسيلة لقضاء وقت مع الذات وفهمها. 

لاحقاً أسست نادي "الكولاج"، الذي صار فضاءاً صغيرا يجتمع فيه الشباب والفتيات ليمارسوا الفن بهدوء، بعيداً عن ضوضاء السوشال ميديا. وشاركت  عام  2024، عملها " بلاط الذاكرة" المستوحى من كل ما مرت به في معرض أثر.

عين اليقين، فنانة من البصرة في الثانية والعشرين من عمرها، تُنظّم هي أيضا ورشات "للكولاج" ولكنها لا تكتفي بتيسيرها وتمكين المشاركين من رسم اللوحات وتفريغ المشاعر، بل تُحلّل الرسومات لتقرأ ما تخفيه الألوان والخطوط من أحاسيس دفينة. وتمنح المشاركين مساحةً آمنة لمواجهة أنفسهم عبر الورق بدلاً من الكلام، لأنها تؤمن بأن " الفنّ طريقٌ لفهم الذات وليس ترفاً."


أول الطريق نحو إيجاد الذات


في السنوات الأخيرة، تكررت تجارب أخرى لورشات الكولاج، لتشكّل حركةً تشافي فنيةً جديدة تعيد تعريف الصحة النفسية في العراق، وتحوّلها من وصمةٍ إلى موضوعٍ للنقاش العام والممارسة اليومية. لا أحد من منظمي هذه الورشات يدّعي أنه معالجٌ نفسي، لكنهم جميعاً يمهدون الطريق نحو كسر الوصمة حول الصحة النفسية.

في هذا الصدد تفسّر مينا قائلة : " نحن لسنا أطباء نفسيين، ولكننا نوفّر مساحة يكتشف من خلالها الشخص طريقه"، فيما تعتبر عين اليقين أن

" أعظم استثمار يقوم به الإنسان هو في نفسه، لأن البحث عن الشفاء ليس من الكماليات، بل هو ضرورة حياتية".

تتذكر مينا قصص العديد من المشاركين الذين لمسوا تغييرات في حياتهم بعد الورش، لكنها تتوقف عند قصة فتاةٍ شابة جاءت إلى الورشة وهي غاضبة من والدها. طلبت مينا من المشاركين، خلال تمرين بسيطـ، أن يكتبوا رسالةً بعد "الكولاج" لأنفسهم  أو لأحد أفراد العائلة الذين يشعرون بتراكم مشاعر تجاههم. بعد أن كتبت الفتاة الرسالة، انهارت بالبكاء وبعد  أيامٍ عادت لتخبر مينا أنها بدأت بمراجعة طبيبٍ نفسي، وأن الورشة كانت أول خطوةٍ نحو فهم علاقتها بوالدها.

من جهتها، تروي عين اليقين قصة فتاةٍ حضرت إحدى الورشات تحت إصرار أختها التي جلبتها قسرا،  وكانت صامتة كل الوقت وترتدي السواد. "عندما رسمت، كانت لوحتها مزيجاً من الأسود والأحمر كأنها نارٌ تلتهم نفسها". لاحقاً، اكتشفت عين اليقين أن الفتاة فقدت صديقتها في حريق وبقيت تعيش منذ ذلك اليوم إحساسا بالذنب لأنها نجت. في الورشة التالية، أعادت الفتاة رسم نفس المشهد لكنها رسمته وكأنها تراه من بعيد، لا من قلب النار. " عندها أدركت أن التغيير بدأ فعلاً، وأنها انتقلت من موقع الألم إلى موقع المراقبة وهو ما ساعدها لتتعامل مع ما حدث دون الإحساس بأنها مذنبة".


ورشات بمجهودات ذاتية ودون دعم 


رغم النتائج الجيدة التي توفرها ورشات "الكولاج" في تحسين الصحة النفسية للمشاركين، فإنه لا يوجد دعم رسمي لهذه المساحات والفعاليات، إذ تستأجر مينا قاعات لتنظيم الورشات وتدفع ثمنها من رسوم حضور المشتركين، أما عين اليقين فتنظّم ورشاتها في بغداد والبصرة ومدن أخرى بجهودٍ شخصية، من استئجار القاعات إلى إعداد المواد والضيافة. ويحضرها شباب ومراهقون إلى جانب رجال ونساء في الخمسين والستين من عمرهم، يأتون بشغفٍ وتجارب مختلفة. وتقول عين أن التعب يزول عندما ترى وجوه المشاركين وقد صاروا أكثر هدوءاً ووعياً.

لكن فريق "منطوي" كان أكثر حظاً، إذ بعد تصميم منهج أولي لمشروعهم، قدّموا لمنحة “Going Together” التابعة لليونسكو، بالتعاون مع الكاتبة والمدربة السورية الفرنسية مها حسن، المتخصصة بالعلاج عبر الفن والكتابة.

شمل المنهج أربعة محاور: الهوية والذات، الحب والعلاقات، المستقبل، والعلاقة بين الصحة النفسية والجسدية، واحتوى على تمارين كتابية وتفاعلية تُساعد المشاركين على التصالح مع أنفسهم. 

تم تطبيق هذا المنهج من قبل ثلاثين شاباً وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و40 عاماً، أغلبهم في المراهقة أو بداية الجامعة، وهي الفئة الأكثر عرضة للضغوط النفسية.ويعمل فريق "منطوي" حاليا على تحويل المطويات التي أنجزها المشاركون إلى كتيّب رقمي ومطبوع يوثّق تجربة الشباب العراقي مع التصالح مع الذات ودعم الصحة النفسية، كصوتٍ فني جماعي يؤكد أن الجميع يحتاج أن يعبّر ويحكي عما في داخله حتى يُشفى من همومه.  



لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)

 
 
 

Thanks for submitting!

Follow Us !

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter

Thanks for submitting!

فتيات ضحايا لهيمنة العادات بمستقبل مجهول.png
bottom of page