حين تغلق الرعاية أبوابها… نساء البسطات في بغداد يؤسسن صناديقهن الخاصة
تاريخ التحديث: قبل 5 أيام

تشكل الأسواق الشعبية فرصة عمل لنساء وجدن أنفسهن المعيلات الوحيدات لأسرهن في غياب أية حماية اجتماعية.
ويستوعب الاقتصاد غير المنظم في العراق ما بين 50% إلى 60% من إجمالي القوى العاملة، حسب دراسة لمنظمة العمل الدولية نشرت في 2021، أي أن أكثر من خمسة ملايين عامل ينشطون خارج المظلة التأمينية. وتتراجع مشاركة الإناث في القوى العاملة الرسمية إلى ما بين 11% و13%، حسب موقع البنك الدولي، بينما تُبيّن بيانات التعداد العام للسكان لسنة 2024 أن هناك نحو مليون أسرة ترأسها نساء بنسبة 11.33% من إجمالي الأسر. ويتركز ثقل هذه الأسر في أحياء أطراف بغداد، مثل مدينة الصدر والشعلة، حيث تتراوح معدلات الفقر بين 20% و24% لأسرة يبلغ متوسط أفرادها 5.7.
السلف التشاركية… بنوك تضامنية لمساعدة البائعات
في ظل امتلاك أقل من 20% من العراقيات حسابات مصرفية نشطة، واشتراط المصارف كفالات موظفين وضمانات عقارية يعجز عنها صغار الكسبة للحصول على تمويل لمشاريعهن، ابتكرت البائعات نظامهن الائتماني الخاص عبر السلف التشاركية (جمعيات الادخار التدويري) لتأمين السيولة بفائدة صفرية وحماية أنفسهن من المرابين.
توفر أم كريم خمسة آلاف دينار عراقي يومياً من أرباحها لصالح سلفة دورية تديرها بائعة موثوقة في السوق، مكنتها طوال 35 عاماً من تحمل نفقات تدريس ابنيها حتى تخرجا من المرحلة المتوسطة وبناتها الثلاث اللواتي أنهين تعليمهن الابتدائي، بالإضافة إلى ترميم جدار منزلها. تقول أم كريم: "لا أحب البقاء في البيت بين أربعة حيطان… العمل هو الذي يساعدني ويعطيني القوة، حتى لو اضطررت أن أبقى واقفة من الصباح إلى المساء" وتضيف " توفير خمسة آلاف دينار عراقي يوميا للمشاركة في السلفة أمر يرهقني ولكن ذلك هو ما مكنني من تربية أطفالي وتعليمهم وترميم البيت الذي كاد يقع فوق رؤوسنا".
وفي سوق" مريدي"، تدير الستينية "أم ناظم" كشكاً للملابس المستعملة(البالة)، وتخصص دفتراً لتسجيل مبيعات (البيع بالآجل) لنساء الحي اللاتي يعجزن عن الدفع الفوري. وإلى جانب ذلك، تدير صندوقاً تضامنياً يضم عشر نساء باشتراكات يومية تُقبض شهرياً، لكنه محكوم بقواعد مرنة تتجاوز الحسابات المالية الجافة، إذ توضح هذه الأخيرة: "الناس تعيش في ضيم، وكلما احتاجت زبونة أن تؤجل الدفع لتشتري ما تحتاجه من ضروريات لأطفالها، لا أستطيع أن أرفض، فأسجل المبلغ في الدفتر وأصبر." وتتابع " السلفة تجمعنا نحن عشر نساء، كل شهر واحدة منا تقبض المبلغ، نحن الفقراء نساعد بعضنا البعض، ولا نيأس من رحمة الله". وتوظف المجموعة سلفاً سنوية باشتراكات أكبر لشراء بالات ملابس كاملة لتوسيع الكشك وتجديد البضاعة.
عجز مؤسسات الدولة عن إيجاد بدائل
رغم إقرار قانون التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال رقم 18 لسنة 2023 والذي يشمل الضمان الاختياري بمساهمة حكومية تبلغ 15% مقابل 5% يدفعها العامل، يبقى أكثر من 90% من العاملين في الأسواق المفتوحة خارج التغطية نتيجة تعقيدات الإجراءات الرقمية وضعف الرقابة وتذبذب الدخل اليومي، كما تتراوح إعانات شبكة الحماية الاجتماعية بين 125 ألف دينار (ما يقارب 90 دولار أمريكي)، كحد أدنى للمرأة المعيلة و325 ألف دينار (ما يقارب 220 دولارًا أمريكيًا)، للأسرة المكونة من أربعة أفراد فما فوق، وهي مبالغ لا تسد تكلفة المتطلبات الأساسية في ظل التضخم المستمر.
تبدأ رحلة أم صابرين عند الرابعة فجراً بالتوجه إلى علوة سوق التاجي شمال بغداد لجلب الأسماك، متقاسمة تكلفة سيارة الأجرة مع باعة آخرين لتقليص نفقات النقل، بينما يتولى زملاؤها في السوق مساعدتها في تفريغ وحمل الصناديق الثقيلة. تصف أم صابرين واقعها قائلة: "شغل السمك يكسر الظهر، فالماء بارد في الشتاء، في حين أن حرارة الصيف تُتلف الأسماك، بالإضافة إلى الروائح الكريهة والاوزان الثقيلة. ولكن ما العمل؟ فليس لدي خيار آخر بعدما توفي زوجي وترك لي أطفالا لأعيلهم إلى جانب أمي المريضة".
وفيما يخص مراجعاتها المتعثرة لدوائر الحماية الاجتماعية، تقول: "كلما ذهبت إلى هناك، قيل لي أن النظام معطل وأن المعاملات مجمّدة بحجة الإنتخابات. لو اعتمدت على مساعدة الدولة لمت جوعا، بالتالي، ليس لدي من حل سوى الإعتماد على نفسي كي أوفر لقمة العيش لي ولأطفالي".
تشن أمانة بغداد حملات دورية لإزالة البسطات غير المرخصة بدعوى تنظيم الفضاء العام وفتح الطرقات، دون طرح بدائل مكانية مستدامة. هذا ما اضطر أم صابرين إلى شراء لوح خشبي مستعمل والانتقال إلى داخل الأزقة الضيقة بعد تجريف بسطتها السابقة قرب الشارع العام.
وترى الباحثة في الشأن الاقتصادي، آمنة أحمد أن " تعامل دوائر البلديات والجهات ذات العلاقة مع البسطات كتشويه بصري للفضاء العام، يتجاهل حقيقة كون كل بسطة تُطعم خمسة أو ستة أفراد، مشيرة إلى أن حرمان المعيلات من مساحات عمل مرخصة وميسرة التكلفة في ظل محدودية المواقع البديلة، يقطع مصدر الدخل الوحيد عن أسر تعتمد كلياً على مبيعات الأسواق الشعبية".
عند مغيب الشمس، تجمع أم كريم ما تبقى من خضارها بعد 12 ساعة من العمل المتواصل في سوق لم يتبق فيه من جيلها سوى خمس بائعات يواجهن الأمراض المزمنة دون معاش أو رعاية صحية. وبين دفتر ديون أم ناظم وألواح سمك أم صابرين، تواصل الأسواق الشعبية والبسطات أداء دورها كشبكة حماية تعاونية تديرها نساء يقتطعن من عرق يومهن كلفة مواجهة أعباء الحياة، أمام عجز المؤسسات عن توفير بديل.
لقد تم انتاج هذا المقال ضمن مشروع "أصوات نساء بلا حدود من أجل السلام" (VFSF)، وهي مبادرة من منظمة المساعدات الإنسانية والصحافة (AHJ)و بدعم من الصندوق الأوروبي للديمقراطية (EED).






تعليقات