top of page

بالورقة والألوان والكولاج: مساحات للتشافي والوعي بالصحة النفسية في بغداد


" كنت أمارس التشافي بدون أن أعرف، لأن الفن هو الفضاء الوحيد الذي يمكنني من أوقف دوامة التفكير والقلق في ذهني وأن أحس بأنني أتنفس"


، تقول  مينا اسعد، مؤسسة نادي "الكولاج"، مضيفة "عام 2007 أتذكر أنني كنت بالصف الثالث ابتدائي، عندما رأيت علامة حمراء على باب بيتنا، ومعناها الإخلاء الفوري، تهجّرنا أنا وعائلتي، وخسرت أقارب لي بسبب العنف الطائفي. في ذلك الوقت، لم أكن أدرك ما يحصل، ولكن عندما كبرت، استرجعت كل هذه الذكريات عن الموت والدم والعنف والموت والفقدان، أثّر ذلك كثيرا على صحتي النفسية". 

لسنوات ارتبط العلاج النفسي بالوصم الاجتماعي، رغم ما مرت به البلاد من صراعات وحروب تركت آثارها على الصغار قبل الكبار، ثم كبر هؤلاء الأطفال  ليحاولوا إيجاد مساحات جديدة ليعبروا عما عاشوه من آلام في سنوات صغرهم، ولكن ليس في عيادات الطب النفسي التقليدي، وإنما في ورشات تحاول تجديد مفهوم الصحة النفسية والعناية الذاتية لتجعله جزءا من الحياة اليومية وتمهّد السبيل للتعافي من  سنوات طويلة من سماع أصوات الانفجارات في البلاد ومشاهدة صور الجثث. 


الشفاء عبر الرسم والكتابة و"الكولاج" 


في بغداد، قرّر فريق من الفنانين الشباب تحويل الألم إلى مساحة للفن والشفاء


، فانبثقت فكرة “منطوي”، وهو مشروع للعلاج بالفن والكتابة. اختار الفريق هذا الاسم لأنهم شعروا أنهم منطوون على ذواتهم، ولأن الورشة اعتمدت على “طيّ الورق” بعد الكتابة، كأداة تعبير وتفريغ فنية. وقد لمسوا بعد ذلك تغييراً في حياتهم الشخصية.

هكذا كانت تجربة مينا أسعد(28 عاماً)، طبيبة شابة وفنانة "كولاج" من بغداد، عانت منذ مراهقتها من اضطراب القلق العام والرهاب الاجتماعي. وعند دخولها كلية الطب، تضاعف القلق مع ضغط الدراسة والتعامل مع المرضى، لكن ومع كل مرة، كانت تلمس فيها الألوان أو الورق، تهدأ دوامة أفكارها وهواجسها.

 في عام 2016، بدأت تجربتها مع فن "الكولاج"، من خلال قصّ الصور والأوراق وإلصاقها وإنتاج أعمال فنية بها. بمرور الأيام، تحول هذا الفعل البسيط إلى وسيلة للتعافي من همومها ودفعتها هذه التجربة إلى تنظيم ورش عن "الكولاج" و"الجورنال"، يقوم فيها المشاركون بالكتابة وقصّ الأوراق والتلوين كوسيلة لقضاء وقت مع الذات وفهمها. 

لاحقاً أسست نادي "الكولاج"، الذي صار فضاءاً صغيرا يجتمع فيه الشباب والفتيات ليمارسوا الفن بهدوء، بعيداً عن ضوضاء السوشال ميديا. وشاركت  عام  2024، عملها " بلاط الذاكرة" المستوحى من كل ما مرت به في معرض أثر.

عين اليقين، فنانة من البصرة في الثانية والعشرين من عمرها، تُنظّم هي أيضا ورشات "للكولاج" ولكنها لا تكتفي بتيسيرها وتمكين المشاركين من رسم اللوحات وتفريغ المشاعر، بل تُحلّل الرسومات لتقرأ ما تخفيه الألوان والخطوط من أحاسيس دفينة. وتمنح المشاركين مساحةً آمنة لمواجهة أنفسهم عبر الورق بدلاً من الكلام، لأنها تؤمن بأن " الفنّ طريقٌ لفهم الذات وليس ترفاً."


أول الطريق نحو إيجاد الذات


في السنوات الأخيرة، تكررت تجارب أخرى لورشات الكولاج، لتشكّل حركةً تشافي فنيةً جديدة تعيد تعريف الصحة النفسية في العراق، وتحوّلها من وصمةٍ إلى موضوعٍ للنقاش العام والممارسة اليومية. لا أحد من منظمي هذه الورشات يدّعي أنه معالجٌ نفسي، لكنهم جميعاً يمهدون الطريق نحو كسر الوصمة حول الصحة النفسية.

في هذا الصدد تفسّر مينا قائلة : " نحن لسنا أطباء نفسيين، ولكننا نوفّر مساحة يكتشف من خلالها الشخص طريقه"، فيما تعتبر عين اليقين أن

" أعظم استثمار يقوم به الإنسان هو في نفسه، لأن البحث عن الشفاء ليس من الكماليات، بل هو ضرورة حياتية".

تتذكر مينا قصص العديد من المشاركين الذين لمسوا تغييرات في حياتهم بعد الورش، لكنها تتوقف عند قصة فتاةٍ شابة جاءت إلى الورشة وهي غاضبة من والدها. طلبت مينا من المشاركين، خلال تمرين بسيطـ، أن يكتبوا رسالةً بعد "الكولاج" لأنفسهم  أو لأحد أفراد العائلة الذين يشعرون بتراكم مشاعر تجاههم. بعد أن كتبت الفتاة الرسالة، انهارت بالبكاء وبعد  أيامٍ عادت لتخبر مينا أنها بدأت بمراجعة طبيبٍ نفسي، وأن الورشة كانت أول خطوةٍ نحو فهم علاقتها بوالدها.

من جهتها، تروي عين اليقين قصة فتاةٍ حضرت إحدى الورشات تحت إصرار أختها التي جلبتها قسرا،  وكانت صامتة كل الوقت وترتدي السواد. "عندما رسمت، كانت لوحتها مزيجاً من الأسود والأحمر كأنها نارٌ تلتهم نفسها". لاحقاً، اكتشفت عين اليقين أن الفتاة فقدت صديقتها في حريق وبقيت تعيش منذ ذلك اليوم إحساسا بالذنب لأنها نجت. في الورشة التالية، أعادت الفتاة رسم نفس المشهد لكنها رسمته وكأنها تراه من بعيد، لا من قلب النار. " عندها أدركت أن التغيير بدأ فعلاً، وأنها انتقلت من موقع الألم إلى موقع المراقبة وهو ما ساعدها لتتعامل مع ما حدث دون الإحساس بأنها مذنبة".


ورشات بمجهودات ذاتية ودون دعم 


رغم النتائج الجيدة التي توفرها ورشات "الكولاج" في تحسين الصحة النفسية للمشاركين، فإنه لا يوجد دعم رسمي لهذه المساحات والفعاليات، إذ تستأجر مينا قاعات لتنظيم الورشات وتدفع ثمنها من رسوم حضور المشتركين، أما عين اليقين فتنظّم ورشاتها في بغداد والبصرة ومدن أخرى بجهودٍ شخصية، من استئجار القاعات إلى إعداد المواد والضيافة. ويحضرها شباب ومراهقون إلى جانب رجال ونساء في الخمسين والستين من عمرهم، يأتون بشغفٍ وتجارب مختلفة. وتقول عين أن التعب يزول عندما ترى وجوه المشاركين وقد صاروا أكثر هدوءاً ووعياً.

لكن فريق "منطوي" كان أكثر حظاً، إذ بعد تصميم منهج أولي لمشروعهم، قدّموا لمنحة “Going Together” التابعة لليونسكو، بالتعاون مع الكاتبة والمدربة السورية الفرنسية مها حسن، المتخصصة بالعلاج عبر الفن والكتابة.

شمل المنهج أربعة محاور: الهوية والذات، الحب والعلاقات، المستقبل، والعلاقة بين الصحة النفسية والجسدية، واحتوى على تمارين كتابية وتفاعلية تُساعد المشاركين على التصالح مع أنفسهم. 

تم تطبيق هذا المنهج من قبل ثلاثين شاباً وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و40 عاماً، أغلبهم في المراهقة أو بداية الجامعة، وهي الفئة الأكثر عرضة للضغوط النفسية.ويعمل فريق "منطوي" حاليا على تحويل المطويات التي أنجزها المشاركون إلى كتيّب رقمي ومطبوع يوثّق تجربة الشباب العراقي مع التصالح مع الذات ودعم الصحة النفسية، كصوتٍ فني جماعي يؤكد أن الجميع يحتاج أن يعبّر ويحكي عما في داخله حتى يُشفى من همومه.  



لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)

تعليقات


Thanks for submitting!

Follow Us !

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter

Thanks for submitting!

bottom of page