top of page

"باب المندب من الشرفة: نساء في مواجهة الحرب وأزمات البحر والبيئة"

قبل 11 دقيقة
9 دقيقة قراءة

من شرفة بعيدة يبدو البحر كما تركته حكيمة: ممتداً حتى الأفق، هادئاً في مظهره، وكأنه لا يعرف شيئاً عن الذين غادروا شواطئه. لكنها لم تعد تقف على شاطئ الخوخة المطلة على باب المندب اليمنية، اليوم توجد هذه المرأة النازحة في أبين، بعيداً عن المكان الذي عاشت فيه، وعن البحر الذي كان مصدر رزق أسرتها. لم تأت إلى هنا بحثاً عن حياة أفضل، كما تقول، ولكن بحثاً عن الأمان.

"أخذوا منا البحر، المصدر الوحيد لنا"، تقول حكيمة، مضيفة: "الأزمة جعلتنا ننزح من الخوخة متجهين إلى محافظة أبين للبحث عن الأمان، رغم أنه لا يوجد مأوى لنا إلى الآن". 


حين فقدت حكيمة البحر، لم تفقد مكاناً فقط، إنما فقدت مورداً كانت تعتمد عليه أسرتها، واضطرت إلى الإنتقال إلى مكان آخر من دون أن تجد فيه الاستقرار الذي بحثت عنه. قصتها ليست قصة منفردة وإنما تتكرر نفس المعاناة مع العديد من النساء.

فماذا يحدث لهن عندما يفقدن البحر بوصفه مصدراً للعيش ويضطررن للنزوح؟ وكيف تتواصل حياتهن بعد الوصول إلى أماكن جديدة؟


النزوح لا يعني فقدان المكان فقط، بل فقدان مصدر الرزق أيضاً


تتميز باب المندب بأجود أنواع الأسماك الموجهة للإستهلاك المحلي والتصدير (كالثمد، الباغة، الناجل)، ويعمل الرجال تاريخيا في مهنة الصيد التقليدي، بينما تشارك النساء في تجهيز الشباك وإعداد زاد الرحلات البحرية للأزواج والأبناء، إلى جانب العمل على تجميع "الظفر" الذي يُستخرج من الأصداف البحرية ويُستخدم في صناعة البخور والعطور اليمنية التقليدية". 

ويؤكد تقرير أصدرته اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) في 2020، أن البحر كان مصدر الرزق الأساسي للسكان، في منطقة ذباب في مديرية باب المندب بمحافظة تعز في اليمن، وأن النزاع الحاصل حاليا دفع سكان المنطقة إلى النزوح، فيما أدى ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف الصيد إلى تقليص ما يتبقى للصيادين من دخل.

جاء أيضا في تحقيق نشره موقع "سويس إنفو" (Swiss info)، أن البحر الأحمر لم يعد بالنسبة لأهالي منطقة ذباب والصيادين اليمنيين ذلك الملاذ الآمن ومصدر الرزق الأساسي الذي يعتاشون منه، بل تحول إلى ساحة خطر تضج بالتوترات، فقد أجبرت أزمة باب المندب المستمرة السكان على النزوح هرباً من جحيم النزاع، فيما اصطدم من تبقى من الصيادين بغلاء أسعار الوقود وتصاعد تكاليف الصيد، لتتآكل أرباحهم الشحيحة ويجدون أنفسهم في مواجهة قاسية مع الجوع والعوز.

بشكل عام، تشير إحصاءات الصليب الأحمر إلى أن أكثر من 70% من صغار الصيادين في اليمن تضرروا بشكل مباشر جراء الحرب المستمرة وتداعياتها الاقتصادية. 

وفي واحجة ذباب المخا المطلة على باب المندب، تختصر أم محمد علاقتها بالبحر بعبارة أكثر حميمية: "عمرنا وحياتنا نعيش على البحر"، ها أنه أصبح الآن مصدراً للخوف وفقدان العمل والنزوح.

قبل النزوح، كانت أم علي تعيش في قرية واحجة الساحلية في منطقة ذباب في مديرية باب المندب مع أسرتها. وكانت تعمل في الخياطة، بينما كان شقيقها، الذي يعيل الأسرة، يعمل في البحر. "كنا آمنين ونعيش في سلام"، تتذكر بأسى.

مع تصاعد حدة الأزمة، تفرقت الأسرة بين مناطق مختلفة، ونزحت أم علي وشقيقها وزوجته وأولاده إلى الوادي الكود في محافظة أبين، وبينما نزحت أسر أخرى إلى مناطق ودول أخرى، ومنهم والدتها التي ذهبت إلى جيبوتي. "جعلتنا الأزمة نعيش في رعب، حيث فقدنا العمل وارتفعت الأسعار."، تقول بأسف.

يوضح الباحث في حقوق الإنسان والصحفي أ. عاصم الخضمي كيف تتداخل عوامل الخوف وانعدام سبل العيش لدفع الأسر الساحلية نحو الرحيل، حيث يقول إن " فقدان مقومات الحياة في البحر وانعدام مصادر الرزق يتحولان إلى عامل ضغط رئيسي يدفع نحو سرعة النزوح. ويتزامن ذلك مع تفاقم المخاطر الأمنية، وانتشار الألغام المزروعة على طول السواحل، فضلاً على تلوث البحر بمهددات إضافية وألغام مرتبطة بقراصنة وافدين عبر عمليات الاختطاف والاعتقال المستمرة. هذا الواقع القاتم يُجبر الصيادين على ترك أعمالهم والنزوح نحو مناطق أكثر أمناً مثل حضرموت وشبوة وأبين، وحيث تتراجع حدة المخاطر".

ويضيف أن النازحين يواجهون أزمات ضخمة بسبب نقص فرص العمل وغياب الدور الحكومي والدولي المطلوب لخلق وظائف بديلة، مما يجعل الأسر رهينة للمساعدات المتقطعة دون قدرة فعلية على الإنتاج. ويرافق ذلك تدهور حاد في الخدمات الأساسية داخل المخيمات، مثل انعدام الرعاية الصحية، وشح المياه النقية، وغياب خدمات الصحة الإنجابية، وهو ما يضاعف المعاناة الإنسانية.

قبل الأزمة، كان صابر، وهو صياد من واحجة ذباب المخا المطلة على باب المندب، يحقق دخلاً يومياً يصل، بحسب إفادته، إلى 60–70 ألف ريال يمني، لكن العمل توقف لمدة شهر بسبب الخوف من الطيران الحربي، ثم لم تعد المشكلة مقتصرة على الخروج إلى البحر، فقد ارتفعت تكلفة الوقود. "كنا قبل الأزمة نأخذ الدبة ب 20 ألف ريال يمني، حاليا وصل سعرها إلى 100 ألف ريال يمني"، يقول صابر، مضيفا "لقد أثّرت علينا الأزمة كثيرا، حيث لا يوجد دخل قار، فأحياناً نحصل على الغذاء وأحياناً لا".

ويروي أن زوجته تُعاني من مرض الضمور في الدماغ كما حصلت لها جلطة دماغية، ما يؤثر على قدرته على توفير العلاج لها.

يشير تحليل نظم سوق المصائد السمكية الذي نشره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في يونيو 2026 إلى "هشاشة وضع الصيادين نتيجة ارتفاع أسعار الوقود، ومحدودية التمويل، وعدم استقرار أسعار الأسماك، وتراجع المصيد". كما وثقت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في ذباب أن جزءاً كبيراً من دخل الصياد يذهب أصلاً إلى الوقود وصيانة القوارب ومعدات الصيد، وأن الصياد قد يعود من البحر بكمية من الأسماك لا تغطي حتى تكلفة الرحلة. 

تقول أم محمد أن زوجها كان مصدر الدخل الأساسي للأسرة: "إذا ما في شي في البحر لا الغذاء ولا عشاء ينتظران أطفالي عندما يعودون".

وتضيف أنها نزحت بسبب الحرب، وحصلت هي وأسرتها على مساعدات إيوائية، لكنها لم تحصل على الغذاء والاحتياجات الصحية الكافية.


الواقع الصعب في مخيمات النزوح


بحسب بيانات الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في المحافظات المطلة على باب المندب الحديدة وتعز، فقد بلغ عدد النازحين حتى 30 سبتمبر 2026 نحو 29,506 أسرة، تضم 197,945 فردًا. وتشير هذه الأرقام إلى اتساع الاحتياجات الإنسانية.

 أثر النزوح لا ينتهي بمجرد وصول الأسر إلى منطقة أكثر أماناً، فبالنسبة إلى كثير من الأسر تبدأ معركة جديدة أخرى لتأمين الغذاء والماء والمأوى والعلاج، خصوصاً عندما تضطر الأسر إلى ترك ممتلكاتها ومصادر دخلها خلفها.

توضّح الأستاذة أمة الله عبد الله، مسؤولة النازحين في اليمن، أن فقدان مصدر الدخل لا يكون دائماً السبب المباشر للنزوح، لكنه يتحول إلى عامل ضغط إضافي عندما تجتمع خسارة الرزق مع الحرب وانعدام الأمن وارتفاع الأسعار وضعف الخدمات.

وتروي أمة الله حالة أسرة غادرت منطقة الوازعية ولم تتمكن من اصطحاب سوى بقرة واحدة قبل أن تضطر إلى بيعها بأقل من سعرها لتوفير الطعام بعد الوصول إلى منطقة النزوح.

تكشف هذه الحالة كيف لا يفقد النازحون ممتلكاتهم فحسب، بل قد يضطرون أيضاً إلى بيع ما تبقى لديهم من أصول لتلبية احتياجاتهم الأساسية، حتى لو كانت تلك الأصول مصدراً محتملًا للدخل والتعافي في المستقبل.

وبالنسبة إلى الأسر الساحلية، قد تتخذ الخسارة شكلًا آخر؛ إذ يمكن أن يؤدي الابتعاد عن البحر وتعطل الصيد إلى فقدان مصدر الدخل الذي كانت تعتمد عليه الأسرة.

بعد وصول أم علي وأسرتها إلى الوادي الكود في محافظة أبين، لم تبدأ حياة مستقرة جديدة، حيث تؤكد أن الأسرة منذ نزوحها لم تحصل على الغذاء الأساسي، وإنما حصلت على بعض المواد الإيوائية: "من وقت نزوحنا ما تلقينا غذاء أساسي إنما كماليات وأدوات ايوائية كالفرشان".

لا يختلف وضع أم محمد عما تعيشه أم علي، التي تروي بأسف: "نحن أسرة كبيرة مكونة من خمس عائلات، نعيش في هذا المكان على التراب. الحياة هنا صعبة، فلا مسكن ولا علاج لنا والبعوض قتلنا". وتُضيف أن هناك مشاكل في القدرة على الوصول إلى الأدوية، فهي تُعاني من الغدة الدرقية ولم تستطع الحصول على علاجها، كما أنها تشكو من ارتفاع ضغط الدم ولا يتوفر الدواء الخاص به في الوحدة العلاجية.

توضّح أمة الله عبد الله أن الفجوة بين الاحتياجات والمساعدات للنازحين لا تقتصر فقط على الغذاء، بل تشمل المأوى والمياه النظيفة والصرف الصحي والرعاية الصحية وخدمات الصحة الإنجابية والحماية. وتشير إلى أن بعض التدخلات الإنسانية تشمل توزيع مواد غذائية وبطانيات وفرش وحقائب، لكنها ترى أن هذه المساعدات لا تزال محدودة مقارنة بالاحتياجات التي رصدتها في مناطق النزوح.


النساء يتحملن العبء الأكبر

 

تتحمّل النساء أعباء النزوح بشكل أكبر. في هذا الصدد، تُبيّن أمة الله عبد الله أن بعض النساء نزحن أكثر من مرة، فيما فقدت أخريات أزواجهن وأصبحن مسؤولات عن إعالة أطفالهن من دون مصدر دخل ثابت. كما رصدت، بحسب إفادتها، حالات لنساء حوامل ومرضعات وصلن إلى مناطق النزوح من دون مأوى مناسب أو خدمات صحية كافية. هذا ما حصل في مخيم القحفة الحمراء،غربي مدينة تعز، حيث تعيش النازحات ظروفا معيشية قاسية لدرجة أن بعض النساء اضطررن إلى الولادة في العراء أو تحت الأغطية البلاستيكية.

ترى أمة الله، أن فقدان الدخل ينعكس على قدرة النساء على إعالة أسرهن واتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهن، لاسيما عندما تتزايد مسؤوليات الرعاية وتتقلص فرص العمل. ومع تواصل النزوح، قد تجد المرأة نفسها عالقة في دائرة تبدأ بفقدان الأصول والدخل، ثم تتسع مع زيادة الأعباء الأسرية والاعتماد على المساعدات.

ويزداد الوضع سوءا بالنسبة إلى النساء الحوامل والمرضعات والنساء المعيلات لأسرهن اللواتي قد يحتجن إلى تدخلات مختلفة لا يمكن تلبيتها من خلال توزيع المساعدات العامة وحدها.

كانت عصماء، زوجة ابن أم محمد، عروساً جديدة عندما اضطرت إلى الإنتقال من موزع إلى المخا، حيث تقول "كنت متحمسة للعيش في المخا ولكنني تفاجأت بالنزوح بعد أسبوع من عرسي".

تُبيّن شهادة عصماء كيف يمكن للنزوح أن يغيّر حياة المرأة في لحظة يُفترض أن تكون بداية لحياة جديدة. لكن المخاطر التي تواجه النساء أثناء النزوح لا تتوقف عند فقدان المنزل أو الدخل، حيث تُشير انتصار الهدالي، رئيسة مؤسسة «من حقي» لتمكين المرأة سياسياً، إلى  أن النساء النازحات قد يواجهن العنف القائم على النوع الاجتماعي، والاستغلال والتحرش، والعنف الأسري، والزواج القسري أو المبكر، إضافة إلى الفقر وفقدان السكن والوثائق وصعوبة الوصول الآمن إلى الخدمات.

وتضيف الهدالي أن الحقوق الأكثر عرضة للتأثر أثناء النزوح تشمل السكن الملائم والتعليم والصحة والعمل وكسب الرزق والحماية من العنف والحصول على الوثائق القانونية والمشاركة في القرارات التي تؤثر في حياة النساء.


تأثير الأزمة السياسية والحرب في باب المندب على تلوث البحر


يقول صابر، أحد الصيادين: " قبل الأزمة، كان البحر نظيفا، لكن لونه أصبح في الآونة الأخيرة مختلفا ولا ندري إذا كان ذلك بسبب الحرب أم بسبب التغير المناخي."  

بين عامي 2020 و2026، تحوّل باب المندب إلى بؤرة أزمة بحرية متشابكة بفعل النزاع في اليمن وتصاعد الهجمات على السفن التجارية منذ أواخر عام 2023، ما أثار مخاوف بشأن سلامة الملاحة الدولية والتجارة والبيئة البحرية. وتفاقمت المخاطر مع غرق السفينة "روبيمار" في فبراير 2024، وهي تحمل نحو 41 ألف طن من الأسمدة، بما سلط الضوء على احتمالات التلوث البحري. وفي ممر استراتيجي تتقاطع فيه المصالح التجارية والأمنية، امتدت تداعيات الأزمة إلى الصيادين والمجتمعات الساحلية وأمنها المعيشي. 

لا تقتصر آثار الأزمات التي تواجه السواحل اليمنية على البحر والكائنات التي تعيش فيه، بل تمتد إلى حياة المجتمعات التي تعتمد عليه في الغذاء والعمل والدخل. ويوضح المهندس عدنان عبدالله، الخبير في علوم البحار والبيئة، أن عدن والسواحل اليمنية تشهد مجموعة من التحديات البيئية، من بينها تدهور جودة المياه، وتراكم النفايات البلاستيكية والصلبة، وتآكل السواحل، وتراجع بعض الموائل البحرية المهمة، مثل الشعاب المرجانية وغابات المانجروف، إلى جانب الضغوط الناتجة عن الأنشطة البشرية وتغير المناخ.

ويشرح عدنان أن ارتفاع درجة حرارة مياه البحر، وتغير أنماط الرياح والأمطار، وارتفاع مستوى سطح البحر، يمكن أن تؤثر في توزيع الأسماك والموائل البحرية والموارد الطبيعية. وقد تنعكس هذه التغيرات على إنتاجية المصايد، وبالتالي على دخل الصيادين والأسر التي تعتمد على البحر مصدرًا للرزق.

ولا يتوقف التأثير عند الصياد الذي يخرج إلى البحر، بل يمتد إلى سلسلة واسعة من الأعمال المرتبطة بالصيد، مثل نقل الأسماك وصيانتها، فضلًا عن الأنشطة التي تمارسها النساء في تجهيز الأسماك وتسويقها وبعض الأعمال المرتبطة بمعدات الصيد. وعندما يقل الصيد أو تتراجع الموارد البحرية، قد تتقلص فرص العمل وينخفض دخل الأسرة، ما يزيد صعوبة توفير الغذاء والاحتياجات الأساسية.

من جهته، أوضح المختص في البيئة، الأستاذ محمد سعد، أن تلوث المياه وتراكم المخلفات يهددان الموائل البحرية ونظافة الشواطئ وفرص السياحة البيئية. وتنعكس هذه التحديات على الأسر الساحلية، خصوصًا النساء العاملات في مجال الصيد. ودعا سعد إلى تعزيز الرصد البيئي طويل الأجل، ودعم المؤسسات البحثية بالمعدات والكوادر، وتطوير التنبؤات الجوية وأنظمة الإنذار المبكر بالكوارث.

ولا تنفصل هذه الإجراءات عن احتياجات السكان؛ فتنويع مصادر دخل المجتمعات الساحلية يمكن أن يساعد الأسر على مواجهة تراجع الصيد، ويحد من اعتمادها على مصدر رزق واحد. وينبغي أن تشمل هذه الجهود النساء العاملات في تجهيز الأسماك وتسويقها والأنشطة المرتبطة بها، لأن تراجع الموارد البحرية قد يؤثر في دخلهن حتى إن لم يعملن مباشرة في الصيد.

وتلخص رؤية المهندس عدنان العلاقة بين البيئة والمجتمع في أن حماية البيئة الساحلية ليست قضية علمية أو بيئية فقط، بل ترتبط أيضًا بالغذاء والصحة والدخل وقدرة المجتمعات الساحلية على الصمود. ومن هذا المنطلق، فإن حماية البحر في خليج عدن والسواحل اليمنية ينبغي أن تسير بالتوازي مع دعم سبل العيش، وتحسين البيانات البيئية، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية في تحديد المخاطر وصياغة الحلول.


من الإغاثة إلى التمكين


تطرح أزمة النزوح ضرورة ايجاد حلول للنازحين خاصة من الصيادين، لاستعادة نشاطهم السابق وبناء حياة جديدة مستقرة. 

يرى كبير الصيادين في المخا، عبده محمد، أن الأولوية هي أن يحصل  الأشخاص الذين فقدوا أعمالهم في المخا والبحر على فرص عمل في المناطق التي نزحوا إليها حتى يستطيعوا التكيف مع الوضع والإنفاق على أسرهم. كما أشار إلى النساء اللواتي فقدن أزواجهن أو مصادر رزقهن نتيجة الأزمة، ويرى أنهن يحتجن إلى مشاريع صغيرة تمكنهن من الإنفاق على أطفالهن. وهذا يلتقي مع الاتجاه الموجود في برامج التنمية الحالية لقطاع الأسماك في اليمن؛ فبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي يشدّد على أن التدخلات في قطاع المصائد لا تقتصر على إعادة البنية التحتية، وإنما تشمل خلق فرص دخل مستدامة، وتطوير سلسلة القيمة، مع تركيز خاص على تمكين النساء. 

من جانبها، تؤكد أمة الله عبد الله على أن المساعدات الطارئة ضرورية في المراحل الأولى من النزوح، لكنها لا تكفي وحدها عندما تطول الأزمة. وتشدّد على أهمية توفير فرص اقتصادية تساعد النساء على استعادة مصادر دخلهن، بدلًا من استمرار اعتمادهن على المساعدات.

وتشمل الخيارات التي تقترحها: المنح الإنتاجية الصغيرة، ودعم الزراعة المنزلية وتربية المواشي والدواجن والصناعات الغذائية والمنزلية والخياطة وإعادة التدوير، إلى جانب التدريب المهني المرتبط باحتياجات السوق الفعلية.

وتؤكّد أمة الله عبد الله على أن تصميم المشاريع يجب أن يبدأ بالاستماع إلى النساء أنفسهن، ومعرفة احتياجاتهن ومهاراتهن والعوائق التي تواجههن، بدلًا من فرض حلول جاهزة عليهن.

وتقترح إشراك النساء في جميع مراحل التدخل، بدءًا من تحديد الاحتياجات وتصميم البرامج، مرورًا بالتنفيذ، وانتهاءً بالمتابعة والتقييم، فالمشاركة الحقيقية لا تعني سؤال النساء عن احتياجاتهن فقط، بل منحهن دورًا في تحديد الأولويات واتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهن وسبل عيشهن.

من جهتها، تعتبر انتصار الهدالي أن النساء النازحات لسن أرقامًا في قوائم المساعدات، بل صاحبات حقوق وقدرات ويجب أن يكنّ شريكات في صياغة الحلول وإعادة بناء مجتمعاتهن".

هكذا يبدو باب المندب من بعيد ممراً بحرياً استراتيجياً تتشابك حوله المصالح الأمنية والتجارية، لكن الاقتراب من حياة سكانه يكشف وجهاً آخر للأزمة؛ نساء فقدن بيوتهن ومصادر رزق أسرهن، و صيادون أصبح البحر بالنسبة إليهم مصدراً للخوف والخسارة بعد أن كان مصدراً للحياة.

بالتالي، فإن مستقبل باب المندب لا يُقاس بسلامة الملاحة وحدها، بل أيضاً بقدرة سكانه على استعادة سبل عيشهم، وحماية بيئتهم، والمشاركة في القرارات المتعلقة بحياتهم، فمن الشرفة نرى الممر البحري، لكن من الشاطئ نفهم ثمن الأزمة؛ وبين الرؤية والقرار، يجب ألا تبقى النساء خارج الصورة.


تعليقات


Thanks for submitting!

صحافة_من_أجل_حقوق_الانسان#

bottom of page