top of page

"صيف بلا مدارس..معضلة الأمهات العاملات في بغداد"

تاريخ التحديث: ١٠ يونيو




تواجه الثلاثينية رسل، مع بداية فصل الصيف تحديًا كبيرًا. فبينما يتطلب عملها في إحدى الوزارات العراقية تواجدها من الساعة 8 صباحًا حتى 3 بعد الظهر، يجد طفلاها البالغان من العمر 6 و 8 سنوات أنفسهما بدون مكان مناسب يقضيان فيه وقتهما.

تقول رسل عن تجربتها الصعبة : "منذ انتهاء العام الدراسي، أصبح البحث عن مكان آمن ومفيد لأطفالي هاجسًا يوميًا. لا توجد أماكن قريبة من منزلنا في منطقة الحرية ببغداد توفر لهم بيئة تعليمية وترفيهية مناسبة لأعمارهم. أما الأماكن البعيدة، فتكاليف الاشتراك فيها تفوق قدرتنا المالية."

وتضيف: "أضطر كل صباح إلى إيصال أطفالي إلى منزل والدتي قبل الذهاب إلى العمل، ثم العودة لأخذهم بعد انتهاء الدوام في وسط الزحام الخانق. هذا التنقل اليومي مرهق ومكلف، ولكنه الحل الوحيد المتاح أمامي في ظل غياب الخيارات الأخرى."


بالنسبة لسهاد، الأم الأربعينية التي تسكن في منطقة الغزالية في بغداد، والتي تعمل في القطاع المصرفي الخاص، فإن بداية العطلة الصيفية تحمل في طياتها معاناة وضغوطا لا تنتهي، فبينما يتطلب عملها البقاء في المكتب حتى الساعة الخامسة مساءًا في بعض الأحيان، يجد أطفالها الثلاثة وأكبرهم بعمر 12 سنة، أنفسهم وحيدين في المنزل لعدة ساعات.

تقول سهاد بقلق :


"بالرغم من المساعدة الكبيرة التي يقدمها زوجي، إلا أنني أشعر بالتوتر والخوف الدائم على أطفالي. أحرص على أن يناموا متأخرًا حتى لا يستيقظوا قبل عودتنا، وأراقبهم باستمرار عبر كاميرات المراقبة التي وضعتها في عدة زوايا داخل البيت. وأحرص على أن أحضر لهم وجبات جاهزة لتناولها عند الاستيقاظ، لكن هذا ليس حلاً مثاليًا."


وتضيف: "فكرت في توظيف جليسة أطفال، لكن التكلفة الباهظة تجعل هذا الخيار مستحيلًا، فمبلغ الإستقدام من خلال المكاتب المجازة لجليسة أطفال يبلغ 3500 دولار أمريكي. وراتبي الشهري لا يكفي لتغطية نفقات المعيشة الأساسية، فكيف يمكنني تحمل أعباء إضافية؟ فيما تتراوح أجرة الجليسة الشهرية بين 250 إلى 300 دولار أمريكي، بالإضافة إلى تكاليف الإقامة والطعام، وهذا يفوق قدرتي المالية بكثير."


وتختم سهاد حديثها بحيرة :"جربت تسجيل أطفالي في مركز تعليمي، لكن ساعات الدوام القصيرة والرسوم المرتفعة لم تكن حلاً مناسبًا. ولا أعرف كيف يمكنني التوفيق بين مسؤولياتي كأم عاملة ورعاية أطفالي خلال العطلة الصيفية."


رسل وسهاد هن من بين الآلاف من الأمهات العاملات في بغداد اللواتي يجدن أنفسهن سنويا أمام كابوس العناية بأطفالهن أثناء العطلة الصيفية في ظل نقص المرافق المتخصصة وارتفاع تكلفة استئجار جليسة أطفال.


معضلة متكررة … بدون حلول


تقول نور الهدى محمد، الناشطة في شؤون المرأة والطفل، أن "العطلة الصيفية للمدارس تمثل معضلة للأمهات العاملات. ففي ظل غياب خيارات رعاية الأطفال والمدارس الصيفية بأسعار معقولة، يصبح على الأمهات الاختيار بين التضحية بوظائفهن أو ترك أطفالهن دون رعاية كافية.

وتضيف نور الهدى أن :" الجهات الحكومية مطالبة بتوفير حلول والالتفات لهذه المشكلة، مثل إنشاء مراكز رعاية صيفية مؤقتة للأطفال والمزيد من رياض الأطفال"، كما تؤكد على أهمية توعية أصحاب العمل بأهمية دعم الأمهات العاملات خلال هذه الفترة، من خلال توفير ساعات عمل مرنة أو خيارات العمل عن بعد. تشدد نور الهدى، على أن هذه المشكلة " لا تقتصر على العطلة الصيفية فحسب، بل تمتد لتشمل الأوقات التي تكون فيها المدارس مغلقة لأي سبب كان. وتدعو إلى وضع خطة من قبل لجنة المرأة والطفولة في مجلس النواب العراقي، أو الدائرة الوطنية للمرأة العراقية لمعالجة هذه القضية، تضمن حصول جميع الأطفال على الرعاية اللازمة، وتمكين الأمهات من المشاركة الكاملة في سوق العمل".

تواجه سارة 37 عامًا، الام لطفلين بعمر 9 و7، والتي تسكن في منطقة حي الحسين في العاصمة بغداد، حيث تعمل في احدى شركات القطاع الخاص، تحديًا كبيرًا في التوفيق بين مسؤولياتها المهنية ورعاية طفليها خلال العطلة الصيفية. فبينما يتطلب عملها في مجال الموارد البشرية تركيزًا وتفرغًا تامًا، تجد نفسها مضطرة للاعتماد على شقيقتها أو والديها لرعاية طفليها في غياب أماكن رعاية صباحية مناسبة لأعمارهم ومتطلباتهم، حيث تعمل من 9 صباحاً حتى 5 عصرًا.

تقول سارة : " من حسن حظي أن عائلتي تسكن في ذات المنطقة التي أسكن بها مما يسهل نقل الأطفال عندهم، لكن هذا لا يخفف من شعوري بالضغط النفسي والتوتر المستمر بسبب عدم قدرتي على توفير الرعاية الكافية لأطفالي وتفريغ طاقاتهم في المكان المناسب. أعلم أن شقيقتي ووالدي يبذلون قصارى جهدهم، لكنهم غير مؤهلين للتعامل مع طاقة الأطفال وحيويتهم. أحيانًا، أتلقى اتصالات هاتفية أثناء العمل تشتكي من شغبهم وتخريبهم لغرض ما أو تعرضهم لإصابة بسبب فرط حركتهم، وهذا يشتت انتباهي ويؤثر على أدائي الوظيفي." وتضيف:


"أتمنى لو كانت هناك أماكن رعاية صباحية متخصصة  تضعها وزارة التربية، أو جهات أخرى  لتوفير بيئة آمنة ومحفزة للأطفال خلال العطلة الصيفية وتكون بمبالغ مناسبة تلائم قدرتنا المالية. هذا من شأنه أن يخفف العبء عني ويسمح لي بالتركيز في عملي ."



التحديات الاقتصادية تعمق معاناة الأمهات العاملات


لا يقتصر تحدي العطلة الصيفية على الجانب اللوجستي فحسب، بل يتعداه إلى الجانب الاقتصادي، ففي ظل الوضع الاقتصادي المتقلب في العراق، وارتفاع تكاليف المعيشة، تجد الأمهات أنفسهن أمام خيارات محدودة ومكلفة في آن واحد، حيث تتراوح تكاليف دور الحضانة الصيفية بين 200 إلى 400 دولار أمريكي شهريًا، وهو مبلغ يفوق قدرة العديد من الأسر العراقية ذات الدخل المحدود. أما بالنسبة لتوظيف جليسة أطفال، فتتراوح التكاليف بين 250 إلى 400 دولار أمريكي شهريًا، بالإضافة إلى تكاليف الإقامة والطعام، وتكاليف الاستقدام التي تُدفع للمكاتب المسؤولة عن إحضار مساعدات المنزل وجليسات الأطفال، مما يجعلها خيارًا غير واقعي بالنسبة للكثيرين.


تقول حنين ذات 41 عامًا، وهي أم لطفل بعمر العاشرة وآخر بعمر الثامنة، كما أنها تعمل في إحدى شركات الاتصالات في العاصمة بغداد: "أشعر بالعجز التام أمام هذه التكاليف المبالغ فيها. راتبي بالكاد يكفي لتغطية احتياجات الأسرة مع زوجي، فكيف يمكنني تحمل تكاليف إضافية لرعاية أطفالي؟، وحتى فكرة إنجاب طفل آخر للعائلة أصبحت بعيدة جدًا بل مستحيلة بالنسبة لنا."

وتضيف: "أحيانًا، أفكر في ترك عملي والتفرغ لرعاية طفلي، لكن هذا يعني التضحية باستقلاليتي المادية وقدرتي على المساهمة في دخل الأسرة. إنه خيار صعب ومؤلم."

تواجه الأمهات العاملات في العراق معضلة حقيقية خلال العطلة الصيفية. فبين ارتفاع تكاليف الرعاية وغياب الخيارات المتاحة، يصبح التوفيق بين مسؤوليات العمل ورعاية الأطفال تحديًا شاقًا قد يدفع البعض منهن إلى التضحية بمسيرتهن المهنية.




الدعم الاجتماعي طوق نجاة أم سراب؟


في خضم هذا الصراع، يبرز دور الدعم الاجتماعي والأسري كعامل حاسم في تخفيف العبء عن كاهل الأمهات العاملات، ففي بعض الأحيان، يمثل الأجداد أو الأقارب طوق نجاة للأمهات، حيث يقدمون الدعم في رعاية الأطفال خلال ساعات العمل. إلا أن هذا الدعم ليس متاحًا للجميع، لأنه في بعض الحالات، قد يكون الأجداد متقدمين في السن أو يعانون من مشاكل صحية تمنعهم من تقديم المساعدة اللازمة. وفي حالات أخرى، قد يكون الأقارب غير متفرغين أو يعيشون بعيدًا.

الثلاثينية لمياء، وهي طبيبة، تسكن منطقة الكرادة في بغداد، وأم لطفلين تقول:


"أشعر بالوحدة والعزلة في هذا الصراع. لا أملك أقارب يمكنهم مساعدتي في رعاية أطفالي، وأشعر بتأنيب الضمير والتقصير لأنني لا أستطيع قضاء وقت كافٍ معهم بحكم طبيعة عملي، التي تتطلب أوقات خفارة ليلية أو دواما خلال أوقات مختلفة صباحًا ومساءًا."


وتضيف: "أحاول أن استعين ببديل عني خلال فترات المناوبة الليلية، وفي أحيان أخرى لا يتوفر بديل، فأترك الأطفال في رعاية زوجي. أتمنى لو كانت هناك مجموعات تواصل أقوى للأمهات العاملات، فأحيانًا كثيرة أحتاج إلى أن أفرّغ الضغط الذي أمرّ به لكي لا يخرج في شكل موجات غضب وعصبية تجاه أولادي أو زوجي، كما أرجو أن تتوفر أماكن مخصصة للألعاب وتنمية المهارات والمواهب وتكون مساحة للأمهات والأطفال في آن واحد."


في ظل غياب الدعم المؤسسي الكافي، يصبح الدعم الاجتماعي والأسري ضرورة حتمية للأمهات العاملات. إلا أن هذا الدعم ليس متاحًا للجميع، مما يعمق معاناة الأمهات ويضعهن أمام خيارات صعبة ومؤلمة.

تقول الدكتورة جنان عبد المجيد، المختصة في علم النفس، إن "غياب حلول فعالة لرعاية الأطفال خلال العطلة الصيفية يضع الأمهات العاملات في العراق تحت ضغط نفسي هائل. الشعور بالذنب تجاه أطفالهن بسبب عدم القدرة على توفير الرعاية الكافية، والقلق المستمر يؤثران على سلامتهن وقدرتهن على الرفاهية أو المتعة، مما يؤدي إلى تراكم الضغوط النفسية التي قد تتطور إلى حالات اكتئاب شديد وقلق مزمن."

وتضيف الدكتورة عبدالمجيد :"هذا الضغط النفسي لا يؤثر على صحة الأمهات النفسية فحسب، بل ينعكس سلبًا على علاقاتهن الأسرية، فالأم التي تعاني من الإرهاق النفسي قد تجد صعوبة في التواصل بشكل فعال مع أطفالها وشريك حياتها، مما يؤدي إلى توتر العلاقات الأسرية وربما إلى تفاقم المشاكل القائمة."

وتشدد الدكتورة عبدالمجيد على أهمية وجود وعي مجتمعي بحاجة الأمهات العاملات لتوفير الدعم النفسي، سواء من خلال الاستشارات النفسية الفردية أو الجماعية، أو من خلال توفير مساحات آمنة للتعبير عن مشاعرهن وتبادل الخبرات والتجارب.


الرعاية الصيفية ترف الأحياء الراقية أم حق لكل طفل؟


لا تتوزع أماكن رعاية الأطفال الصيفية بالتساوي في بغداد، بل تتبع نمطًا تمييزيًا واضحًا، ففي حين تتواجد رياض الأطفال والمراكز الصيفية المتنوعة في الأحياء الراقية مثل "المنصور" و"زيونة"، تعاني الأحياء الشعبية مثل "العامل" و"الشعلة" و"الحرية" و"حي الجهاد" و"الشعب" من ندرة أو غياب تام لهذه المرافق.

هذا التوزيع غير المتكافئ يضع عبئًا إضافيًا على كاهل الأمهات العاملات في المناطق المهمشة، فبدلًا من إيجاد حلول رعاية قريبة من المنزل، يجبرن على قطع مسافات طويلة ومكلفة للوصول إلى رياض الأطفال في الأحياء الراقية، أو الاعتماد على الأقارب والجيران، أو التضحية بوظائفهن لتوفير الرعاية اللازمة لأطفالهن.

تقول أم علي 45 عامًا، وهي أم لخمسة أطفال، أكبرهم بعمر 13 سنة، تسكن حي الشعلة في بغداد وتعمل كمعلمة لغة عربية في إحدى المدارس القريبة من مكان سكنها :


"دائمًا ما أتسائل لما لا توجد جهة تلتفت لمناطقنا وأطفالنا، عندما أرى أطفال الأحياء الراقية يستمتعون بتوفر حدائق وأماكن مخصصة للألعاب ووجود نوادي ومراكز توفر فعاليات مختلفة، بينما يفتقر أطفالي إلى هذه الفرص، مما يضطرهم للعب داخل أزقة المنطقة أو وسط الكثبان الرملية في أماكن غير آمنة أو مهيئة للعب. لماذا لا يحق لأطفالنا الاستمتاع بطفولتهم وتنمية مهاراتهم أسوة بأقرانهم؟"




هذا التمييز المناطقي في توفير خدمات رعاية الأطفال يعكس عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية في العراق، ويحرم الأطفال في المناطق المهمشة ومحدودي الدخل من فرص النمو وتطوير واكتشاف مهاراتهم. إنه تحدٍ يتطلب حلولًا من قبل الجهات المختصة لتضمن حصول جميع الأطفال على حقوقهم الأساسية، بغض النظر عن مكان سكنهم أو وضعهم الاجتماعي.


الأمهات العراقيات العاملات أرقام وحقائق


تشير الإحصاءات إلى أن النساء يشكلن نسبة قليلة من القوى العاملة في العراق، مما يزيد من صعوبة إيجاد توازن بين العمل ورعاية الأسرة. وفقًا لتقرير مسح القوى العاملة في العراق لعام 2021 الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء في العراق، فإن نسبة النساء في القوى العاملة تبلغ 13.4% فقط، مقارنة بـ 86.6% للرجال.

وتتركز النساء العاملات في قطاعات محددة، مثل التعليم والرعاية الصحية والقطاع العام، بينما تقل مشاركتهن في القطاع الخاص وقطاعات الأعمال الأخرى. ويعود ذلك جزئيًا إلى العادات والتقاليد الاجتماعية التي تحد من فرص عمل المرأة، بالإضافة إلى نقص الدعم المؤسسي والخدمات التي تساعدهن على التوفيق بين العمل والحياة الأسرية.

تُظهر هذه الأرقام بوضوح التحديات التي تواجهها الأمهات العاملات في العراق، وتؤكد الحاجة الماسة إلى توفير المزيد من الدعم والفرص لهن، بما في ذلك توفير خدمات رعاية الأطفال بأسعار معقولة وممكنة تناسب الدخل الشهري للعوائل، وتطبيق سياسات وأوقات عمل مرنة تراعي احتياجاتهن الأسرية.



لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)



١٣٣ مشاهدة٠ تعليق

Comments


bottom of page