top of page
Screenshot 2023-11-22 at 11.56.45 AM.png

تاريخ التحديث: 10 يونيو 2024




تواجه الثلاثينية رسل، مع بداية فصل الصيف تحديًا كبيرًا. فبينما يتطلب عملها في إحدى الوزارات العراقية تواجدها من الساعة 8 صباحًا حتى 3 بعد الظهر، يجد طفلاها البالغان من العمر 6 و 8 سنوات أنفسهما بدون مكان مناسب يقضيان فيه وقتهما.

تقول رسل عن تجربتها الصعبة : "منذ انتهاء العام الدراسي، أصبح البحث عن مكان آمن ومفيد لأطفالي هاجسًا يوميًا. لا توجد أماكن قريبة من منزلنا في منطقة الحرية ببغداد توفر لهم بيئة تعليمية وترفيهية مناسبة لأعمارهم. أما الأماكن البعيدة، فتكاليف الاشتراك فيها تفوق قدرتنا المالية."

وتضيف: "أضطر كل صباح إلى إيصال أطفالي إلى منزل والدتي قبل الذهاب إلى العمل، ثم العودة لأخذهم بعد انتهاء الدوام في وسط الزحام الخانق. هذا التنقل اليومي مرهق ومكلف، ولكنه الحل الوحيد المتاح أمامي في ظل غياب الخيارات الأخرى."


بالنسبة لسهاد، الأم الأربعينية التي تسكن في منطقة الغزالية في بغداد، والتي تعمل في القطاع المصرفي الخاص، فإن بداية العطلة الصيفية تحمل في طياتها معاناة وضغوطا لا تنتهي، فبينما يتطلب عملها البقاء في المكتب حتى الساعة الخامسة مساءًا في بعض الأحيان، يجد أطفالها الثلاثة وأكبرهم بعمر 12 سنة، أنفسهم وحيدين في المنزل لعدة ساعات.

تقول سهاد بقلق :


"بالرغم من المساعدة الكبيرة التي يقدمها زوجي، إلا أنني أشعر بالتوتر والخوف الدائم على أطفالي. أحرص على أن يناموا متأخرًا حتى لا يستيقظوا قبل عودتنا، وأراقبهم باستمرار عبر كاميرات المراقبة التي وضعتها في عدة زوايا داخل البيت. وأحرص على أن أحضر لهم وجبات جاهزة لتناولها عند الاستيقاظ، لكن هذا ليس حلاً مثاليًا."


وتضيف: "فكرت في توظيف جليسة أطفال، لكن التكلفة الباهظة تجعل هذا الخيار مستحيلًا، فمبلغ الإستقدام من خلال المكاتب المجازة لجليسة أطفال يبلغ 3500 دولار أمريكي. وراتبي الشهري لا يكفي لتغطية نفقات المعيشة الأساسية، فكيف يمكنني تحمل أعباء إضافية؟ فيما تتراوح أجرة الجليسة الشهرية بين 250 إلى 300 دولار أمريكي، بالإضافة إلى تكاليف الإقامة والطعام، وهذا يفوق قدرتي المالية بكثير."


وتختم سهاد حديثها بحيرة :"جربت تسجيل أطفالي في مركز تعليمي، لكن ساعات الدوام القصيرة والرسوم المرتفعة لم تكن حلاً مناسبًا. ولا أعرف كيف يمكنني التوفيق بين مسؤولياتي كأم عاملة ورعاية أطفالي خلال العطلة الصيفية."


رسل وسهاد هن من بين الآلاف من الأمهات العاملات في بغداد اللواتي يجدن أنفسهن سنويا أمام كابوس العناية بأطفالهن أثناء العطلة الصيفية في ظل نقص المرافق المتخصصة وارتفاع تكلفة استئجار جليسة أطفال.


معضلة متكررة … بدون حلول


تقول نور الهدى محمد، الناشطة في شؤون المرأة والطفل، أن "العطلة الصيفية للمدارس تمثل معضلة للأمهات العاملات. ففي ظل غياب خيارات رعاية الأطفال والمدارس الصيفية بأسعار معقولة، يصبح على الأمهات الاختيار بين التضحية بوظائفهن أو ترك أطفالهن دون رعاية كافية.

وتضيف نور الهدى أن :" الجهات الحكومية مطالبة بتوفير حلول والالتفات لهذه المشكلة، مثل إنشاء مراكز رعاية صيفية مؤقتة للأطفال والمزيد من رياض الأطفال"، كما تؤكد على أهمية توعية أصحاب العمل بأهمية دعم الأمهات العاملات خلال هذه الفترة، من خلال توفير ساعات عمل مرنة أو خيارات العمل عن بعد. تشدد نور الهدى، على أن هذه المشكلة " لا تقتصر على العطلة الصيفية فحسب، بل تمتد لتشمل الأوقات التي تكون فيها المدارس مغلقة لأي سبب كان. وتدعو إلى وضع خطة من قبل لجنة المرأة والطفولة في مجلس النواب العراقي، أو الدائرة الوطنية للمرأة العراقية لمعالجة هذه القضية، تضمن حصول جميع الأطفال على الرعاية اللازمة، وتمكين الأمهات من المشاركة الكاملة في سوق العمل".

تواجه سارة 37 عامًا، الام لطفلين بعمر 9 و7، والتي تسكن في منطقة حي الحسين في العاصمة بغداد، حيث تعمل في احدى شركات القطاع الخاص، تحديًا كبيرًا في التوفيق بين مسؤولياتها المهنية ورعاية طفليها خلال العطلة الصيفية. فبينما يتطلب عملها في مجال الموارد البشرية تركيزًا وتفرغًا تامًا، تجد نفسها مضطرة للاعتماد على شقيقتها أو والديها لرعاية طفليها في غياب أماكن رعاية صباحية مناسبة لأعمارهم ومتطلباتهم، حيث تعمل من 9 صباحاً حتى 5 عصرًا.

تقول سارة : " من حسن حظي أن عائلتي تسكن في ذات المنطقة التي أسكن بها مما يسهل نقل الأطفال عندهم، لكن هذا لا يخفف من شعوري بالضغط النفسي والتوتر المستمر بسبب عدم قدرتي على توفير الرعاية الكافية لأطفالي وتفريغ طاقاتهم في المكان المناسب. أعلم أن شقيقتي ووالدي يبذلون قصارى جهدهم، لكنهم غير مؤهلين للتعامل مع طاقة الأطفال وحيويتهم. أحيانًا، أتلقى اتصالات هاتفية أثناء العمل تشتكي من شغبهم وتخريبهم لغرض ما أو تعرضهم لإصابة بسبب فرط حركتهم، وهذا يشتت انتباهي ويؤثر على أدائي الوظيفي." وتضيف:


"أتمنى لو كانت هناك أماكن رعاية صباحية متخصصة  تضعها وزارة التربية، أو جهات أخرى  لتوفير بيئة آمنة ومحفزة للأطفال خلال العطلة الصيفية وتكون بمبالغ مناسبة تلائم قدرتنا المالية. هذا من شأنه أن يخفف العبء عني ويسمح لي بالتركيز في عملي ."



التحديات الاقتصادية تعمق معاناة الأمهات العاملات


لا يقتصر تحدي العطلة الصيفية على الجانب اللوجستي فحسب، بل يتعداه إلى الجانب الاقتصادي، ففي ظل الوضع الاقتصادي المتقلب في العراق، وارتفاع تكاليف المعيشة، تجد الأمهات أنفسهن أمام خيارات محدودة ومكلفة في آن واحد، حيث تتراوح تكاليف دور الحضانة الصيفية بين 200 إلى 400 دولار أمريكي شهريًا، وهو مبلغ يفوق قدرة العديد من الأسر العراقية ذات الدخل المحدود. أما بالنسبة لتوظيف جليسة أطفال، فتتراوح التكاليف بين 250 إلى 400 دولار أمريكي شهريًا، بالإضافة إلى تكاليف الإقامة والطعام، وتكاليف الاستقدام التي تُدفع للمكاتب المسؤولة عن إحضار مساعدات المنزل وجليسات الأطفال، مما يجعلها خيارًا غير واقعي بالنسبة للكثيرين.


تقول حنين ذات 41 عامًا، وهي أم لطفل بعمر العاشرة وآخر بعمر الثامنة، كما أنها تعمل في إحدى شركات الاتصالات في العاصمة بغداد: "أشعر بالعجز التام أمام هذه التكاليف المبالغ فيها. راتبي بالكاد يكفي لتغطية احتياجات الأسرة مع زوجي، فكيف يمكنني تحمل تكاليف إضافية لرعاية أطفالي؟، وحتى فكرة إنجاب طفل آخر للعائلة أصبحت بعيدة جدًا بل مستحيلة بالنسبة لنا."

وتضيف: "أحيانًا، أفكر في ترك عملي والتفرغ لرعاية طفلي، لكن هذا يعني التضحية باستقلاليتي المادية وقدرتي على المساهمة في دخل الأسرة. إنه خيار صعب ومؤلم."

تواجه الأمهات العاملات في العراق معضلة حقيقية خلال العطلة الصيفية. فبين ارتفاع تكاليف الرعاية وغياب الخيارات المتاحة، يصبح التوفيق بين مسؤوليات العمل ورعاية الأطفال تحديًا شاقًا قد يدفع البعض منهن إلى التضحية بمسيرتهن المهنية.




الدعم الاجتماعي طوق نجاة أم سراب؟


في خضم هذا الصراع، يبرز دور الدعم الاجتماعي والأسري كعامل حاسم في تخفيف العبء عن كاهل الأمهات العاملات، ففي بعض الأحيان، يمثل الأجداد أو الأقارب طوق نجاة للأمهات، حيث يقدمون الدعم في رعاية الأطفال خلال ساعات العمل. إلا أن هذا الدعم ليس متاحًا للجميع، لأنه في بعض الحالات، قد يكون الأجداد متقدمين في السن أو يعانون من مشاكل صحية تمنعهم من تقديم المساعدة اللازمة. وفي حالات أخرى، قد يكون الأقارب غير متفرغين أو يعيشون بعيدًا.

الثلاثينية لمياء، وهي طبيبة، تسكن منطقة الكرادة في بغداد، وأم لطفلين تقول:


"أشعر بالوحدة والعزلة في هذا الصراع. لا أملك أقارب يمكنهم مساعدتي في رعاية أطفالي، وأشعر بتأنيب الضمير والتقصير لأنني لا أستطيع قضاء وقت كافٍ معهم بحكم طبيعة عملي، التي تتطلب أوقات خفارة ليلية أو دواما خلال أوقات مختلفة صباحًا ومساءًا."


وتضيف: "أحاول أن استعين ببديل عني خلال فترات المناوبة الليلية، وفي أحيان أخرى لا يتوفر بديل، فأترك الأطفال في رعاية زوجي. أتمنى لو كانت هناك مجموعات تواصل أقوى للأمهات العاملات، فأحيانًا كثيرة أحتاج إلى أن أفرّغ الضغط الذي أمرّ به لكي لا يخرج في شكل موجات غضب وعصبية تجاه أولادي أو زوجي، كما أرجو أن تتوفر أماكن مخصصة للألعاب وتنمية المهارات والمواهب وتكون مساحة للأمهات والأطفال في آن واحد."


في ظل غياب الدعم المؤسسي الكافي، يصبح الدعم الاجتماعي والأسري ضرورة حتمية للأمهات العاملات. إلا أن هذا الدعم ليس متاحًا للجميع، مما يعمق معاناة الأمهات ويضعهن أمام خيارات صعبة ومؤلمة.

تقول الدكتورة جنان عبد المجيد، المختصة في علم النفس، إن "غياب حلول فعالة لرعاية الأطفال خلال العطلة الصيفية يضع الأمهات العاملات في العراق تحت ضغط نفسي هائل. الشعور بالذنب تجاه أطفالهن بسبب عدم القدرة على توفير الرعاية الكافية، والقلق المستمر يؤثران على سلامتهن وقدرتهن على الرفاهية أو المتعة، مما يؤدي إلى تراكم الضغوط النفسية التي قد تتطور إلى حالات اكتئاب شديد وقلق مزمن."

وتضيف الدكتورة عبدالمجيد :"هذا الضغط النفسي لا يؤثر على صحة الأمهات النفسية فحسب، بل ينعكس سلبًا على علاقاتهن الأسرية، فالأم التي تعاني من الإرهاق النفسي قد تجد صعوبة في التواصل بشكل فعال مع أطفالها وشريك حياتها، مما يؤدي إلى توتر العلاقات الأسرية وربما إلى تفاقم المشاكل القائمة."

وتشدد الدكتورة عبدالمجيد على أهمية وجود وعي مجتمعي بحاجة الأمهات العاملات لتوفير الدعم النفسي، سواء من خلال الاستشارات النفسية الفردية أو الجماعية، أو من خلال توفير مساحات آمنة للتعبير عن مشاعرهن وتبادل الخبرات والتجارب.


الرعاية الصيفية ترف الأحياء الراقية أم حق لكل طفل؟


لا تتوزع أماكن رعاية الأطفال الصيفية بالتساوي في بغداد، بل تتبع نمطًا تمييزيًا واضحًا، ففي حين تتواجد رياض الأطفال والمراكز الصيفية المتنوعة في الأحياء الراقية مثل "المنصور" و"زيونة"، تعاني الأحياء الشعبية مثل "العامل" و"الشعلة" و"الحرية" و"حي الجهاد" و"الشعب" من ندرة أو غياب تام لهذه المرافق.

هذا التوزيع غير المتكافئ يضع عبئًا إضافيًا على كاهل الأمهات العاملات في المناطق المهمشة، فبدلًا من إيجاد حلول رعاية قريبة من المنزل، يجبرن على قطع مسافات طويلة ومكلفة للوصول إلى رياض الأطفال في الأحياء الراقية، أو الاعتماد على الأقارب والجيران، أو التضحية بوظائفهن لتوفير الرعاية اللازمة لأطفالهن.

تقول أم علي 45 عامًا، وهي أم لخمسة أطفال، أكبرهم بعمر 13 سنة، تسكن حي الشعلة في بغداد وتعمل كمعلمة لغة عربية في إحدى المدارس القريبة من مكان سكنها :


"دائمًا ما أتسائل لما لا توجد جهة تلتفت لمناطقنا وأطفالنا، عندما أرى أطفال الأحياء الراقية يستمتعون بتوفر حدائق وأماكن مخصصة للألعاب ووجود نوادي ومراكز توفر فعاليات مختلفة، بينما يفتقر أطفالي إلى هذه الفرص، مما يضطرهم للعب داخل أزقة المنطقة أو وسط الكثبان الرملية في أماكن غير آمنة أو مهيئة للعب. لماذا لا يحق لأطفالنا الاستمتاع بطفولتهم وتنمية مهاراتهم أسوة بأقرانهم؟"




هذا التمييز المناطقي في توفير خدمات رعاية الأطفال يعكس عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية في العراق، ويحرم الأطفال في المناطق المهمشة ومحدودي الدخل من فرص النمو وتطوير واكتشاف مهاراتهم. إنه تحدٍ يتطلب حلولًا من قبل الجهات المختصة لتضمن حصول جميع الأطفال على حقوقهم الأساسية، بغض النظر عن مكان سكنهم أو وضعهم الاجتماعي.


الأمهات العراقيات العاملات أرقام وحقائق


تشير الإحصاءات إلى أن النساء يشكلن نسبة قليلة من القوى العاملة في العراق، مما يزيد من صعوبة إيجاد توازن بين العمل ورعاية الأسرة. وفقًا لتقرير مسح القوى العاملة في العراق لعام 2021 الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء في العراق، فإن نسبة النساء في القوى العاملة تبلغ 13.4% فقط، مقارنة بـ 86.6% للرجال.

وتتركز النساء العاملات في قطاعات محددة، مثل التعليم والرعاية الصحية والقطاع العام، بينما تقل مشاركتهن في القطاع الخاص وقطاعات الأعمال الأخرى. ويعود ذلك جزئيًا إلى العادات والتقاليد الاجتماعية التي تحد من فرص عمل المرأة، بالإضافة إلى نقص الدعم المؤسسي والخدمات التي تساعدهن على التوفيق بين العمل والحياة الأسرية.

تُظهر هذه الأرقام بوضوح التحديات التي تواجهها الأمهات العاملات في العراق، وتؤكد الحاجة الماسة إلى توفير المزيد من الدعم والفرص لهن، بما في ذلك توفير خدمات رعاية الأطفال بأسعار معقولة وممكنة تناسب الدخل الشهري للعوائل، وتطبيق سياسات وأوقات عمل مرنة تراعي احتياجاتهن الأسرية.



لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)



 
 
 

تاريخ التحديث: 10 يونيو 2024




” في الطريق إلى مركز الشرطة قام أهلي بتحذيري من الإبلاغ عن المغتصب: حتى لو تشوفيه لا تقولين … لقنوني السكوت أمام من حرمني من طفولتي بين ليلة وضحاها“


من دون الاحتماء باسم مستعار، لا تستطيع المرأة  في المجتمع العراقي أن تروي قصة لم تنس أحداثها يوماً، قصة ابتلعت طفولتها دفعة واحدة. "البيدوفيليا"، هذا الاضطراب النفسي الذي وجدت ”أسماء“ نفسها ضحية له دونما أي حماية.



ما هي البيدوفيليا؟


البيدوفيليا أو الغلمانية أو عشق الأطفال، هو اضطراب نفسي ينتج عنه خلل في الميل الجنسي، حيث يميل فيه المصاب للأطفال إما لكلا الجنسين أو لجنس واحد معين، ويكون عمر الضحية فيه أقل من ١٣عاماً، ويكون الجاني البيدوفيلي أكبر من الضحية بخمس سنوات على أقل تقدير.


يشير الدكتور كمال الخيلاني، أخصائي نفسي، إلى أن بعض المصابين بهذا الاضطراب يميلون للأطفال في أعمار صغيرة جداً قد يصل إلى الأطفال الرضع، وهذا الميل قد يتم بصيغة تحرش من خلال ملامسة أعضاء حساسة في جسم الطفل أو قد يصل حد الإغتصاب.


ويضيف الخيلاني إلى أن من بين الأسباب التي تجعل من الفرد مصاباً بالبيدوفيليا هو احتمالية تعرضه إلى التحرش في الطفولة فيلجأ إلى تقليد هذا السلوك ويتحول بذلك إلى رغبة بالإنتقام فيقوم بتكرار هذا الفعل، ومن سماته الشخصية حسب ما يذكر الخيلاني، بأنه يمتاز بالعزلة والخجل الإجتماعي وتدني تقدير الذات، لكن شحة الدراسات حول هذه الحالات أدت إلى عدم اكتشاف الأسباب الكاملة التي تؤدي بالفرد إلى أن يكون معتدياً على الأطفال ومصاباً بهذا الاضطراب النفسي.


"في عام 2020 أشار تقرير صادر عن الأمم المتحدة إلى ازدياد معدلات العنف ضد الأطفال بالتزامن مع انتشار عدوى فيروس كورونا وإجراءات الحجر المنزلي. وأكد التقرير إلى أن أكثر من 2114 طفلا تعرضوا إلى انتهاكات جسيمة ومؤكدة في العراق، من بينهم أطفال تعرضوا إلى القتل، والتشويه، والاغتصاب. لكن هذه الإحصائيات لا تعبر عن الأعداد الحقيقية ومن غير الممكن الحصول على بيانات دقيقة بما أن الغالبية العظمى لا تقوم بالتبليغ عن هكذا انتهاكات تجنباً لوصمة العار الاجتماعية، فتضيع الأرقام الفعلية بين محاولات القمع والإسكات والرضوخ أو الهجرة أو حتى القتل بحجة غسل العار."


القصة كما ترويها "أسماء":


هذه هي المرة الأولى التي تروي فيها ”أسماء“ البالغة من العمر ثلاثين عاماً والتي تعمل في السلك التدريسي، حكاية تعرضها للاعتداء الجنسي في طفولتها، حيث شعرت انها قادرة اليوم على قول ما لم تستطع قوله ابداً من قبل، بالإضافة لإدراكها خطورته على الفرد والمجتمع بعد أن عاشت التجربة بكل تفاصيلها الموجعة حيث تغيرت حياتها تماماً واستمر تأثير هذه الحادثة ولم ينقطع.


بشجاعة كبيرة تستعيد تفاصيل ذلك اليوم الذي خرجت فيه من المنزل عندما كانت طفلة تبلغ من العمر ثمان سنوات. اتجهت إلى بقالة قريبة من منزل عائلتها في الساعة الثانية ظهراً، حيث أرسلتها جدتها لشراء بعض الحاجيات من هناك وكان والداها خارج المنزل. كان صاحب البقالة رجلا ضريرا لكنه يعرف جميع أبناء المنطقة التي تقطن فيها ”أسماء“ من خلال أصواتهم وروائحهم. كانت بنيتها الجسدية نحيفة وتبدو أصغر من أقرانها ممن كانوا بمثل سنها.


عندما وصلت إلى البقالة، اقترب منها شخص في الأربعين من عمره، غريب عن الحي وأخبرها بوجود حيوان جريح على مسافة قريبة واقترح عليها مساعدته في علاجه.


"كنت طفلة غير مدركة للخطر لذلك صدقته وسرتُ معه وما إن ابتعدنا قليلاً عن البقالة حتى أمسكني من يدي بقوة، حاولت الإفلات منه لكنه اجبرني على السير وبدأ يجرني بكل قوته نحو مكان بعيد عن الحي. وهناك في غرفة وسط المساحات الزراعية قام بضربي واغتصابي من الساعة الثانية ظهراً حتى السابعة مساءً، حاولت الصراخ كثيراً لكن بلا جدوى، حيث لم يكن هناك أحد باستطاعته سماع صرخاتي، ويبدو أنه اعتاد على اغتصاب أخريات في هذا المكان، إذ أنه لم يكن مرتبكا أو خائفا."


واصلت ”اسماء“ في سرد ما تحمله ذاكرتها من مشاهد دارت في تلك الساعات: "عندما قرر تركي فتح لي الباب فقط، فخرجت ولا أعرف أين أنا وماذا حدث وكيف سأعود إلى أهلي، لم أكن أعرف أي طريق سأسلك، بدأت اركض بشكل عشوائي، أبكي بروحٍ مرعوبة وكان واضحاً عليّ الاعتداء ."


الوصول إلى أرض مألوفة



في الوقت الذي تأخرت فيه ”أسماء“ عاد والداها إلى المنزل وعندما لم يجداها، قاما بتبليغ مركز الشرطة بعد أن بحثا طويلاً عنها في أزقة الحي من دون أن يجدا لها اثراً. "لو لم يفتقدني افراد أسرتي ولم يبلغوا الشرطة عن اختفائي لما كنت وجدت طريق العودة ".

قدما ”اسماء“ الصغيرة اللتان كانتا تركضان في المجهول أوصلتاها اخيراً إلى منطقة سكنها، وكان الناس الذين يعترضون طريقها يحاولون إيقافها وسؤالها عما حدث، ولماذا تركض وتبكي بادية عليها ملامح التيه الكامل.


تؤكد أسماء "لم أصل لبيتنا، لكنني عرفتُ طريقاً مألوفة أوصلتني إلى بيت عمتي، واصطحبوني مباشرةً إلى المشفى، جاء أفراد الشرطة وقاموا بأخذ إفادتي الأولية التي كانت بسيطة وخالية من التعبيرات الدقيقة والتي كان يملؤها الذعر والخوف وعدم الفهم والاستيعاب لكل ما جرى لكني وفي قرارة نفسي كنت اعرف شيئاً واحداً، لقد حدث معي شيء خاطئ" وأكملت قائلة" بعدها طلب الأطباء من الشرطة أن يتركوني لوقت قصير كي أهدأ وارتاح، في هذا الوقت عماتي حاولن منعي من الحديث عن كل التفاصيل خوفاً على عمي من أن يقوم بعمل متهور، حيث كان غاضبا ويريد معرفة المغتصب ليقوم بالانتقام منه." حينها تم تسجيل الشكوى ضد مجهول لعدم اكتمال التفاصيل الدقيقة التي مُنِعتُ من الإدلاء بها.


بعد مرور عدة أيام تم إلقاء القبض على عدد من المشتبه بهم في عملية الاعتداء على ”أسماء“ وكان المعتدي من بينهم، وكان مطلوباً منها القدوم إلى مركز الشرطة علّها تتعرف عليه. تروي أسماء" في الطريق إلى مركز الشرطة قام أهلي بتخويفي ومنعي من الكلام أو الإبلاغ عن صاحب الفعلة، فيما لو كان من بين المشتبه بهم"


إذ قالوا لي: ”حتى لو تشوفيه لا تقولين“، خوفاً على والدي وأعمامي من أن يقوموا بالانتقام أو إثارة المشاكل مع عائلة الجاني، وفعلاً، لقد رايته بينهم ولم أستطع قول أي شيء، لكن صاحب البقالة استطاع التعرف عليه من خلال رائحته إلا أن شهادته لم تكن كافية، وهكذا أفلت المغتصب من العقاب."


أثر ما حدث في مركز الشرطة كان مساوياً بالنسبة لأسماء لما حدث يوم اغتصابها، إذ أنها لم تستطع أخذ حقها، لقد اسكتها أهلها في الوقت الذي كان من الممكن أن ينصفها القانون وينال المغتصب عقابه بدلاً من بقائه حراً  بحيث يكون باستطاعته تكرار الجريمة عدة مرات ومع فتيات أخريات.


يذكر الدكتور خالد ناصر، استشاري في العلاقات الأسرية ومتخصص في معالجة الصدمات وتربية الأطفال والعلاقات الزوجيّة، أن من أسوأ ما يقوم به الأهل هو إسكات الطفل وتغطية ما حدث على حساب حياة الضحية وهذا ما يفاقم الشعور بوصمة العار، خاصة إذا كان المعتدي من الأقرباء، فيتستّر الأهل على الجاني وينجو بفعلته ويدفع الطفل كامل الثمن بتلقيه الصدمات التي تؤثر على حياته بالمجمل.


الأثر النفسي للحادثة


يشير دكتور خالد ناصر، إلى أن بعض الأطفال لا يميزون فيما اذا كان ما يحدث اعتداءً او تودداً او طريقة للتعبير عن المحبة، وهذا يعتمد على عمرهم بشكل أساسي، لكن بعد مرور فترة من الزمن تبدأ الأمور بأخذ شكل أوضح بالنسبة لهم بعد أن يتم تسميتها ووضعها في خانة الإعتداءات الجنسية وهنا يبدأ الشعور بالعار والصدمة كون ما حدث لم يستطع الطفل إيقافه. يؤكد د. ناصر "وهنا تبدأ مرحلة جديدة في حياة الطفل مليئة بالاضطرابات النفسية، خاصة إذا لم تتم معاقبة الجاني، حيث سيصاب باضطراب ما بعد الصدمة لأنه لم يكن قادراً على رد الاعتداء الذي تعرّض له والدفاع عن نفسه ولم يكن هناك أي دور للأهل أو الجهات المعنية أو القانون لردع الجاني ومعاقبته."


بعد اندثار أمل معاقبة الجاني، تغيرت حياة أسماء تماماً "بين ليلة وضحاها لم أعد طفلة، لم أستطع حتى اللعب مع بقية الأطفال بسبب شعوري بأني مختلفة عنهم بشكل سلبي، وبدأت أشعر بالذنب".


في هذه البيئة التي تجرد الضحية من الشرف تاركة الجلاد بلا عقوبة وبشرف كامل، بدأت ”أسماء“ تعيش حياتها ويرافقها شعور بالعار وبأنها أقل دائماً، لم يكن مرحباً بها في محيطها ولكي تكون قريبة من الآخرين كان عليها دوماً اخفاء قصتها.

كانت عائلتها غير واعية بكيفية التعامل مع ”أسماء“، والأقارب كذلك، كانوا يتحدثون عن قصة الإعتداء عليها على الدوام، ويقومون بطرح الأسئلة التي تعيدها دوماً الى تلك الساعات المظلمة من حياتها التي لم تنساها أبداً.


بعد الحادثة، فقدت ”أسماء“ ثقتها بنفسها و بالمحيط الذي تعيش فيه، فامتنعت عن الاختلاط بالآخرين ولم تستطع أن  تحظى بحياة اجتماعية طبيعية. أصبحت قليلة الخروج من المنزل وكانت تشك في نوايا جميع الأشخاص الذين تلتقي بهم و ينتابها شعور بأن من الممكن أن يتم الاعتداء عليها مرة ً أخرى إذ تؤكد " كنت أشعر بالقلق والخوف بشكل مستمر فبدأت تصيبني أمراض نفسية وجسدية نتيجة لذلك".


في مرحلة الجامعة، تزايد الشعور بالرهاب الاجتماعي لدى أسماء ولم تعد تختلط بالطلبة وكانت مستمرة في انعزالها شبه التام إلا عن صديقة واحدة تتحدث عنها ”أسماء“ بامتنان" كان لدي صديقة في الجامعة لاحظت توتري المستمر وشعوري الدائم بأن شيئاً ما يحدث، تعاطفت معي بعد أن رويت لها قصتي، كانت تأتي يومياً إلى القسم الداخلي وترافقني في طريقي إلى الكلية كي لا أكون بمفردي، وعلى مدار أربع سنوات لم تتركني أبداً، وفي الايام التي يتعذر عليها المجيء إلى الجامعة كانت تخبرني مسبقاً فأقوم بالبحث عن حل آخر بإيجاد رفيقة بديلة أو أمتنع عن الذهاب إلى الدوام في يومها".


تروي أسماء أن من آثار هذه التجربة المريرة عليها هو خوفها المستمر من الرجال بشكل عام، وتشوه نظرتها للحب والعلاقات العاطفية وعدم ثقتها في الجنس الآخر، وهذا ما أثر بشكل مباشر على حياتها العاطفية ورغبتها في الزواج على الرغم من الضغط الذي يمارسه عليها أهلها في بعض الأحيان بخصوص الارتباط وتكوين حياة اسرية. تشرح "أسماء“، "لم يفهموا أنني لست مستعدة لذلك، ولو حتى لفتح حوار حول موضوع الزواج، مازالت الشكوك والمخاوف تراودني".


العلاج النفسي وأمل الشفاء


بعد التخرج من الجامعة لجأت ”أسماء“ للعلاج النفسي بالإضافة إلى قراءة الكتب التي تتحدث عن البيدوفيليا أو كتب علم النفس بشكل عام والفلسفة أيضاً: " بدأت بالتحسن بعد مراجعتي للطبيب النفسي، وانضممت إلى جلسات نفسية جماعية لأفراد عاشوا قصصاً وتجارب مماثلة. في هذه الجلسات وجدت أننا جميعاً نتشارك ذات المخاوف والقلق".


بعد تعرف ”أسماء“ على قصص أخرى في الجلسات النفسية المشتركة كانت تشعر بأنها محظوظةً لأن الاعتداء لم يكن من أحد أفراد عائلتها أو أقاربها، وكونها ما زالت على قيد الحياة ولم تُقتل تحت مسمى جرائم الشرف. ساهم العلاج النفسي في عملية التعافي بشكل كبير حتى انها لم تعد تلوم عائلتها على جهلهم التعامل معها "لا أستطيع القول بأني تجاوزت ما حدث لكني تأقلمت مع مشكلتي وفهمتها واعتقد بأني استطعت أن أتفهم أهلي في بعض المواقف وأعذر قلة وعيهم".


يوضح الدكتور خالد ناصر أهمية العلاج النفسي، فالضحية التي تعيش في بيئة مقلقة غير آمنة يتم فيها التعرض لاعتداءات مختلفة تؤثر على الضحية بتعرضها لما يعرف ب"صدمات النمو" التي ينتج عنها إصابته ب"حالة التأهب المستمر" حيث يكون دماغ الطفل في حالة الدفاع عن النفس بشكل دائم بسبب الخوف من الآخر ومشاعر القلق والحذر التي تصاحبه، بالإضافة إلى حساسية شديدة تجاه الصخب والضوء الساطع والصوت العالي، فيلجأ إلى الإنعزال.


ويضيف الدكتور خالد ناصر، "أن ما ينتج عن حالة التأهب المستمر هو انزعاج الطفل المفرط في حال تم لمسه من قبل الآخرين حتى وإن كانت لمسات ودية من ذويه على سبيل المثال، كما أن تواجده في أماكن مشابهة للمكان الذي تم الإعتداء فيه عليه، يضاعف لديه حالة التأهب ويتم تفعيل عدة منبهات فيعود إلى ألمه السابق ويدخل في نوبات غضب من المجتمع والأهل، ومن الممكن أن يكون هذا الغضب أكبر من غضبه على الجاني، كون أن أحداً لم يقم بمساعدته حين وقع الإعتداء."

ويشرح د. ناصر، أن "واحدة من آثار الصدمات التي يتعرض لها الطفل على المدى البعيد، هو حالة الجمود وعدم المحاربة التي تصيبه إزاء كل ما يحدث معه من ظروف مهما كانت شديدة، حيث يقابلها بالبرود وعدم إبداء ردة فعل، ويحدث هذا نتيجة لعدم حدوث ردة فعل عندما وقع عليه الإعتداء في طفولته. والعلاج النفسي يقوم بتفكيك حالة الجمود عند المصاعب والأزمات ويخفف من رغبته في التأقلم مع كل ما هو سلبي ومنع نقل تأثير الماضي الى المستقبل وتخفيف الشعور بالعار."


تجربة العلاج النفسي جعلت من ”أسماء“ شخصاً واعياً بأهمية الحديث عن مواضيع مسكوت عنها، وفي مجال عملها كمدرسة أصبحت تهتم لشؤون طلبتها وتسعى لمساعدتهم دائماً، فتقول: " دائما ما أفكر طلبتي الذين أقوم بتدريسهم، الموضوع أصبح هاجساً لدي، أخشى بأن أحداً منهم قد تعرض لإعتداء ما ولا يستطيع البوح بذلك".لذلك تحاول ”أسماء“ أن تخلق بيئة سليمة وعلاقة ودية مع طلبتها وتذكرهم دوماً بأنهم يستطيعون التحدث معها في حال مواجهتهم لأي مشكلة وأن لا يترددوا في طلب المساعدة منها.


تعتبر ”أسماء“ نفسها بأنها محظوظة كونها استطاعت إيجاد الطرق المناسبة للنجاة بنفسها رغم كل ما حدث: " أنا فخورة كوني استطعت أن اخرج من هذه القصة منتصرة من دون أن أتحول إلى كائن يملؤه الحقد والانتقام من أهله او مجتمعه او من نفسه، لقد نجوت من الشعور بالذنب والعار، لقد تعافيت، ولهذا فأنا أروي هذه الحكاية للمرة الأولى ومن دون أن أبكي". 


لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)



 
 
 

Thanks for submitting!

Follow Us !

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter

Thanks for submitting!

فتيات ضحايا لهيمنة العادات بمستقبل مجهول.png
bottom of page