كيف يمكن أن يستعيد المنتج الوطني مكانته في السوق العراقية؟
- زينة مؤيد

- 16 سبتمبر
- 4 دقيقة قراءة

على مدى السنوات الماضية، شهد المنتج العراقي تراجعًا ملحوظًا في مختلف القطاعات الزراعية والصناعية، الأمر الذي أدى إلى تراجع حصته في السوق المحلية وتزايد الاعتماد على المنتجات المستوردة. هذا الانخفاض لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة لتراكم مشكلات هيكلية مثل ضعف البنية التحتية، نقص الدعم الحكومي، ضعف السياسات الاقتصادية، فضلاً عن الأزمات السياسية والأمنية التي تعصف بالبلاد بين فترة وأخرى، نتيجة لذلك، أصبحت الأسواق العراقية مليئة بسلع مستوردة تنافس المنتج المحلي، وغالبًا ما تكون بأسعار أغلى ونوعية أسوأ.
هذا الوضع يمس بشكل مباشر حياة ملايين العراقيين، حيث تتراجع فرص العمل في القطاع الزراعي والصناعي، فحماية المنتج المحلي ليس ترفًا اقتصاديًا، بل هي ضرورة استراتيجية لضمان الأمن الغذائي للعراق. وتحسين جودة المنتوج المحلي وتعزيز ثقة المستهلك فيه، إلى جانب توفير الدعم الحكومي له، هي كلها خطوات أساسية لتقليل الاعتماد على الاستيراد، وبناء اقتصاد قادر على الصمود أمام الأزمات.
توفير الجودة العالية مفتاح نجاح المنتج المحلي
يقف المستهلك العراقي اليوم أمام معادلة صعبة؛ فهو من جهة يرغب في دعم المنتج الوطني، ومن جهة أخرى يتوجس من مسألة الجودة، حيث يشير أحمد قاسم، مؤسس تطبيق "علوة" وهي كلمة عراقية دراجة و تعني سوق الجملة للتسوق من فواكه وخضراوات وهذا التطبيق مختص بالترويج عن البضائع العراقية للمساهمة في تعزيز الإنتاج المحلي، المستهلك العراقي متعطش لتجربة المنتجات المحلية، خاصة إذا جمعت بين جودة مقبولة وسعر منافس، فهناك شريحة كبيرة من المواطنين ترغب في دعم هذا المنتج بدافع تعزيز الاقتصاد المحلي، بينما توجد شريحة أخرى أكثر حذراً، تحتاج إلى بناء ثقة أكبر في جودته، وغالبًا ما يتحدد قرارها من التجربة الأولى، سواء بالنظر إلى جودة التغليف، أو سرعة التوصيل، أو توفر المنتج في الأسواق.
وفي حالات كثيرة، إذا نجح المنتج في تلبية المعايير الأساسية للطعم والجودة، فإنه قادر على الاحتفاظ بالمستهلك على المدى الطويل، غير أن بعض القطاعات تتطلب تحسينات مستمرة لمنتجاتها وأخذ ملاحظات المستهلكين بعين الاعتبار للحفاظ على تنافسيتها. في هذا الصدد، يستشهد أحمد بتجربة على منصته، حيث يشتري من أحد المطاعم منتجات محلية بطعم مميز، لكنه يعيد تعبئتها تحت علامته التجارية، نظرا لضعف جودة التغليف.
ويرى أحمد أن المنتج المحلي يمكن أن يحقق ميزة تنافسية من خلال عدة عناصر، أهمها: تقديم جودة جيدة بسعر أقل بفضل انخفاض تكاليف الإنتاج، وتكييف النكهة لتُلائم ذوق المستهلك العراقي، وهي ميزة يصعب على المنتج المستورد توفيرها، إضافة إلى سرعة التوزيع لقربه من السوق المستهدف، وأخيراً تسويق ميزاته بطريقة تعزز وعي المستهلك بضرورة دعم الصناعة الوطنية.
ويشير إلى أن أهم الإجراءات التي يمكن أن تحمي المنتج المحلي تتمثل حسب رأيه، في فرض رسوم جمركية أو قيود على المنتجات المستوردة التي تضر بالإنتاج الوطني، مع ضرورة تهيئة الأسواق لتجنب الارتباك، وتقديم دعم مادي أو تخفيضات ضريبية للمصانع والشركات المحلية لرفع الجودة، وإطلاق حملات توعية تشجع على شراء المنتج الوطني، مثل حملة "صنع في السعودية"، إضافة إلى تحسين البنية التحتية لنقل البضائع وتسهيل التصدير على غرار التجربة الإماراتية في دعم الشركات المحلية بالمحافل والمعارض الدولية.
أزمة القطاع الزراعي في العراق
يعيش العراق مفارقة مؤلمة، فهو بلد اشتهر عبر التاريخ كأرض خصبة وموطن للحضارات الزراعية، لكنه اليوم يعتمد بشكل شبه كلي على استيراد غذائه من الخارج.
في هذا السياق، يرى مقتدى التميمي وهو رائد اعمال عراقي أنّ الأزمة الزراعية في العراق لا تُختزل في نقص الإنتاج وحده، بل في غياب رؤية اقتصادية متكاملة، فالقطاع الزراعي الذي يشغّل نحو 19% من اليد العاملة لا يساهم بأكثر من 6% من الناتج المحلي.
ويشير إلى أنّ فتح باب الاستيراد دون قيود أو حماية للمنتج الوطني أغرق السوق بالبضائع الأجنبية، وأفقد المزارع العراقي الحافز للمنافسة، فيما زادت مشاكل شح المياه وطرق الري التقليدية وتملح التربة من تدهور الوضع.
ويضيف التميمي أن العجز الغذائي بلغ أكثر من 13.7 مليار دولار في 2023، وهو رقم يكشف حجم الأموال التي تخرج سنويًا لتغطية الاستيراد بدل استثمارها في تطوير الإنتاج المحلي. ويؤكد أن الحل يبدأ بإصلاح أزمة المياه عبر اعتماد أنظمة ري حديثة والتفاوض على حصص عادلة مع دول الجوار، إلى جانب حماية المنتج الوطني بفرض رسوم جمركية منصفة على المنتوجات الأجنبية، وتطوير شبكات النقل والخزن والتسويق. كما يشدد على ضرورة دعم المزارع الصغير والمتوسط باعتبارهما العمود الفقري للإنتاج، من خلال التمويل الميسر وتوفير البذور والأسمدة وإدخال تقنيات زراعة حديثة. ويرى أن للقطاع الخاص دورًا محوريًا في تطوير الصناعات التحويلية، فيما يتحمل الإعلام مسؤولية تعزيز وعي المستهلك بأهمية دعم المنتج المحلي، وتحويل ذلك من شعار إلى سلوك يومي.
تجارب شبابية ملهمة لمشاريع محلية
في سوق يزدحم بالمنتجات الأجنبية ويفتقر لفرص عادلة للمنتج المحلي، تبرز تجارب شبابية ملهمة مثل مشروع "برحية" لميثم سعد، الذي سعى لتقديم التمور العراقية بصورة عصرية تعكس جودتها وقيمتها التراثية. لم يكن الطريق سهلاً، إذ واجه منذ البداية تحديات كبيرة، أبرزها ندرة المواد الأولية الجيدة، خاصة في وقتٍ كانت فيه التمور المستوردة هي الغالبة في السوق، لكنها كانت تفتقر إلى التنوع والنكهات والجودة التي تميز التمور العراقية.
ويرى ميثم أن نجاح أي منتج محلي لا يعتمد فقط على الطعم، رغم أهميته، بل " على تضافر مجموعة من العوامل، منها جودة التغليف، حسن التعامل مع الزبائن، وتوفير خيارات متعددة تتلاءم مع المناسبات المختلفة، وهو ما يجعل المستهلك يتحول من مشتر عابر إلى زبون دائم". ولتحقيق ذلك، من الضروري " التفاعل المستمر مع المستهلكين، من خلال جمع الآراء، وإرسال عينات لمجموعة متنوعة من المستهلكين لتجربة الطعم والجودة، ثم العمل على تعديل المنتج بما يتلاءم مع ملاحظاتهم".
ويؤكد ميثم أن قرار منع استيراد التمور ساهم في إعطاء مساحة أكبر للمنتج المحلي، ومع ذلك، فإن التحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على الجودة العالية للمنتجات، مقارنة بتلك المستوردة ذات القدرة التنافسية في السوق.
لذلك، فهو ينصح أي شخص يرغب في البدء بمشروعه الخاص، أن " يتأكد أولاً من توفر المواد الأولية اللازمة للمنتج، وأن تكون هناك إمكانية حقيقية لتأمين طرق التغليف وموادها داخل البلد. كما يجب التأكد من أن المنتج مقبول وله قاعدة من المستهلكين المستعدين لاستخدامه قبل الدخول في مرحلة الإنتاج، فالدراسة المتأنية والتخطيط المسبق هما الأساس لتجنب العقبات وضمان النجاح لأي منتج.
لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)






تعليقات