زواج البدل أو الشغار في اليمن: ارتباط بلا رضا وطلاق بلا خيار
- جيهان عبد الحكيم وآلاء حافظ
- قبل 6 أيام
- 5 دقيقة قراءة

وفاء صالح البالغة من العمر 65 عاماً، لاتزال تعيش ألم انفصالها الإجباري عن زوجها الذي جمعتها به قصة حب، ولكنها انتهت بالتفريق بينهما قبل 35 عاماً، لأن زواجها به كان مشروطا بزواج شقيقها من أخت زوجها، و بسبب طلاق أخيها من زوجته، تزعزع استقرار منزلها وانتهى زواجها الذي استمر لسنوات عديدة، وكأنها كانت طرفاً في صفقة لا قرار لها فيها.
بعد الانفصال، عادت وفاء إلى نشاطها المجتمعي كمعلمة في مدرسة منطقتها حالمين في محافظة لحج، كما كانت في السابق قبل زواجها، وهي تعيش اليوم فقط لتربية أولادها من زوجها السابق.
قصة وفاء هي واحدة من مئات القصص المماثلة في اليمن، لزيجات انتهت بالتفكّك القسري بسبب زواج البدل، الذي لا يزال يُمارس في القرى وبعض المجتمعات في اليمن تحت مسمى الالتزام بالأعراف.
زواج "البدل" أو "الشغار"، هو شكل من أشكال المقايضة في الزيجات، حيث يتبادل رجلان أختيهما دون تحديد مهر لكل منهما بشكل منفصل، ويقوم الإتفاق أساساً على تبادل النساء كشرط رئيسي لإتمام الزواج.
يعتقد بعض مؤيدي هذا النوع من الزواج، أنه يُسهّل فكرة الزواج بإسقاط المهر وتخفيف التكلفة المادية للشباب، وقد يستخدم في بعض الظروف كحل لنزاع قبلي أو كعرف متفق عليه في منطقة ما. لكن هذه المبررات، تتجاهل حقوق المرأة وتُحوّلها إلى مجرد سلعة أو وسيلة تبادل في اتفاق اجتماعي أو قبلي، دون اعتبار لمشاعرها أو حقها في اتخاذ قرار يخص مستقبلها.
زيجات تنعكس سلبا على الإستقرار الإجتماعي
لا توجد للأسف إحصائيات أو أرقام رسمية دقيقة حول عدد حالات الزواج أو حالات الطلاق الناتجة عن هذا النوع من الزواج. ويعتبر القاضي محمد العمراني في تصريح لموقع (فرانس24) "أن ظاهرة الشغار انخفضت، لكنها لاتزال موجودة".
من جانبه أوضح المحامي إيهاب الدهبلي، بأنه "لا توجد احصائيات حصرية لحالات الطلاق الناتجة عن زواج الشغار، وذلك لأن الطلاق لا يُسجّل رسمياً بأنه ناتج عن هذا النوع من الزواج".
فاطمة محمد، البالغة من العمر ٦٧ عاماً من منطقة دمت في محافظة الضالع، تزوجت زواج شغار، لكنها لم تتوفق بإنجاب الأطفال في زيجتها، ورغم ذلك كان زواجها مستقراً ولكنه لم يتكلل بالنجاح، ليس بسبب عدم الإنجاب أو عدم انسجامها مع زوجها، بل بسبب فشل علاقة شقيقها الذي كان متزوجاً من أخت زوجها ضمن نفس صيغة زواج الشغار.
بانفصال شقيقها، انتهى زواج فاطمة أيضاً، رغم أن هذا الأخير بعد طلاقه، تزوّج مرة أخرى، في حين توقفت حياتها مع إلصاق لقب "المطلقة" بها، لتحاصرها العادات والتقاليد البالية وتحرمها من حقها في إكمال تعليمها واستعادة حياة طبيعية.
لا يزال زواج البدل في اليمن مستمراً في بعض المناطق، خاصةً في المناطق الريفية التي يتم فيها حصر دور المرأة في مهام محدودة تتناقض بشكل مجحف مع حاجاتها النفسية والصحية والاجتماعية، فالمرأة هناك هي المسؤولة الأولى عن إحضار المياه من مناطق بعيدة وخطيرة، وهي من تجمع الحطب، وتقوم بأعمال الزراعة والحصاد، بالإضافة إلى رعاية أفراد أسرتها، من تحضير الطعام والعناية بأطفالها وتربيتهم، وتلبية احتياجات زوجها، ومع ذلك لا يُنظر لها إلا كربّة بيت تقوم بواجبها دون مراعاة حقوقها.
وتُبيّن الأخصائية الإجتماعية خلود محمد، أن زواج البدل "إجباري على الرجال والنساء، وفي حال الرفض من طرف الرجل، فإنه يتعرض للنبذ القبلي ويمسّ العار كل عائلته، وهذا ينطبق أيضاً في حالة الطلاق القسري، حيث أن هذه الزيجات تنعكس سلباً على التماسك المجتمعي والعائلي".
في تحقيق صحفي ل(شبكة أريج) حول أبعاد ومخاطر زواج الشغار، يقول الدكتور عبد الكريم غانم، الباحث في علم الاجتماع، أن "زواج الشغار يضع المرأة في موضع السلعة التي يمكن مقايضتها بسلعة أخرى، والأخطر من ذلك أن مستقبل نجاح إحدى الزيجتين يظل مرهوناً بنجاح الأخرى، خصوصاً في السنوات الأولى من الزواج"، وهذا "ينسف الاستقرار الذي يحتاج إليه الأطفال في السنوات الأولى من أعمارهم من أجل اكتمال نموهم النفسي والبدني على النحو المطلوب".
أما محامي الأحوال الشخصية حميد الحجيلي، فيشبه زواج الشغار "بلغم مؤقت قد ينفجر في أي وقت ليطيح بعلاقات الزواج المتشابكة، فيدمر أسراً سعيدة هانئة، ذنبها الوحيد هي أنها أحد أطراف هذا الزواج".
حكم زواج البدل في القانون اليمني
قيقول القاضي الدكتور أحمد عطية، أن "القانون اليمني يُحرّم زواج الشغار، ويعتبره مخالفاً للشرع ولحقوق المرأة".
من جهته، يؤكد الأستاذ سعيد صلاح في حكم زواج الشغار في الإسلام، بأنه "باطل ومحرم باتفاق العلماء".
نصّت المادة 23 من قانون الأحوال الشخصية اليمني رقم 20 لسنة 1992 وتعديلاته، "ببطلان الزواج الذي يتم بالإكراه". كما جاءت المادة 24 من نفس القانون لتؤكد على "ضرورة وجود المهر كحق للمرأة وليس شرطاً لصحة العقد"، ولكن إسقاطه في زواج البدل قد يُستغل في ظلم المرأة، بالرغم من انه يحق "للمتضررة فسخ العقد عبر المحكمة ورفع الدعوى" بموجب هذه النصوص.
وهنا نجد أنه لا توجد عقوبات واضحة في القانون اليمني ضد من يمارسون هذا النوع من الزيجات، كما لا توجد مُعالجة قانونية لإبطال حالات الطلاق القسري الناتجة عنها.
هكذا وفي سبيل الحفاظ على الأعراف والعادات القبلية، يتجاهل المجتمع اليمني والجهات الرسمية، حقوق المرأة، في تناقض واضح مع القوانين اليمنية، فضلاً عن اتفاقية سيداو والاتفاقيات الدولية الأخرى التي صادق عليها اليمن.
حلول بديلة من وجهة نظر قبلية
لتجاوز تداعيات زواج البدل، وجد كبار مشائخ منطقة حورة غنية، بالتحديد في مديرية الأزارق بمحافظة الضالع اليمنية، حلاً يقوم على مبدأ "لا ضرر ولا ضرار"، فأهل هذه القرى كغيرها يصعب عليهم أن يقوموا بمنع زواج البدل بشكل كلي في منطقتهم، لذلك وضعوا له ضوابط ومعايير، بحيث لا يقع هذا الزواج في محظور التحريم الديني والرفض القانوني، وذلك ما أفاد به ثائر الضالعي، أحد أبناء هذه المنطقة بقوله "زواج الشغار أصبح ممكناً ضمن الإجراءات القبلية التى تحد من وقوع المشاكل الحاصلة في الزيجات، بسبب شروط الشغار المجحفة وذلك بوضع محددات تضبط هذا النوع من الزواج". وتتمثل هذه الشروط المستحدثة في منطقتهم، بأن يرسل شخص يوصف ب "الوسيط" الى والد العروس، يخطبها لابن الشخص الذي كلفه بهذه الوساطة، وعند وصوله لوجهته، يخبر والد العروس بأنه وسيط وقد قدم إليه ليقوم بخطبة ابنته لشخص محدد، أوكل إليه مهمة الوساطة. ثم يبادر الوسيط بقوله "إن العريس المتقدم لابنتكم لديه أخت شابة يمكن أن تزوجوها لابنكم في حال رغبتم بذلك"، ويُستشار الرجال في قبولهم بالزواج شغاراً. وفي حال القبول، "تبدأ المراسيم باجتماع كبار العائلتين والوسطاء وكبار القرية وتُكتب بينهم وثائق من قبل قاضي المنطقة المكلف بعقد القران"، وتُوضع الشروط التي بدورها تمثل الحل الوسط من وجهة نظرهم القبلية.
في حال فشل زواج الطرف الأول، على الطرف الثاني أن "يدفع مبلغ اثنين مليون ريال أو أكثر" ليستمر الزواج للطرف الآخر الراغب باستمرار الزواج. أما بالنسبة لما يسمى بالدفع "فكل طرف مسؤول عن شراء ذهب لإبنته بمبلغ متفق عليه منذ البداية، فيما كل زوج يقوم بدفع ما يسمى صداقا متفقا عليه لزوجته".
ولكن لايزال "زواج الشغار" حتى في هذه الحالة، يحتفظ بخصائص معينة، مثل تخفيض المبالغ المتفق عليها للمهر عن المبالغ التى قد تدفع فعلياً في أي زواج عادي آخر، والتي قد يصل إلى أربعة مليون ريال، فيما زواج الشغار يقتضى كما ذكر سابقاً، فقط دفع "مبلغ من مليون إلى ثلاثه مليون ريال" لا غير، مع وقف التنفيذ لهذا السداد، ويتم الأخذ به عند الرغبة في الاستمرار بالزيجة في حال فشل الطرف الآخر من زواج الشغار.
وقد اعتبر أهل هذه المنطقة، أن الحلول البديلة مجدية من وجهة نظرهم، واختصرت عليهم العديد من الإشكاليات المستقبلية. ولكن إن نظرنا بشكل معمق يتضح لنا، أن هذه الحلول لازالت تُكرّس الفكر الذكوري لأن هذا النوع من الزواج لا يحترم الرغبة الحقيقية للمرأة بالارتباط وحقها في اختيار زوجها.
حتى الآن، يصطدم تطبيق القوانين المحلية والاتفاقيات الدولية لتجريم زواج الشغار في اليمن، بعادات وأعراف القبيلة بشكل مباشر، لذلك من المهم أن تعمل الدولة على إنفاذ القانون على الجميع دون استثناء بكل حزم وصرامة. كذلك، من الضروري توعية النساء بشكل مكثف بحقوقهن القانونية، وحمايتهن ومنع ترهيبهن للسكوت عن حقهن في رفض زواج الشغار.
« وكأنها كانت طرفاً في صفقة لا قرار لها فيها. »






تعليقات