top of page

بين الصافرة والحلم: هانا مجيد… حكَمة عراقية تتحدى القوالب الاجتماعية في ملاعب كركوك الشعبية

4 أكتوبر
4 دقيقة قراءة

في وسط ملعب خماسي شعبي، وبين هتافات اللاعبين وصخب المباراة، تقف هناء شاخوان مجيد، المعروفة باسم «هانا»، ممسكةً صافرتها، تراقب حركة الكرة واللاعبين بدقة، وتعلن قراراتها بحزم. بالنسبة إليها، لا تمثل الصافرة أداةً لضبط المباراة فحسب، بل إعلاناً عن حضورها في مساحة طالما كانت حكراً على الذكور.



تقول هانا: «هنا في الملعب أحس بالحرية وأشعر أني موجودة، وأن هذا مكاني» وتؤكد أنها لا تكترث بالتصنيفات التي حاول المجتمع زرعها في عقول النساء والفتيات بما يحُدّ من امكانياتهن في العديد من الاختصاصات العملية والعلمية، وهو ما يفسر أيضا تفضيلها لشعرها القصير.

هانا، المولودة في 17 آذار عام 2002، هي خريجة كلية التربية البدنية وعلوم الرياضة في جامعة كركوك وتُدرّس الرياضة في إحدى مدارس المدينة، كما أنها واحدة من خمس فتيات في محافظة كركوك  يعملن حالياً في مجال تحكيم كرة القدم. ورغم أن الرقم يبدو محدوداً، فإنه يعكس خطوة مهمة في مجتمع ما تزال فيه مشاركة النساء في مجال الرياضة، ولا سيما في مواقع القيادة واتخاذ القرار، تواجه تحديات اجتماعية ومؤسسية كبيرة.

تتحرك هانا في الملعب بثقة، مرتديةً زي التحكيم الذي تصفه بأنه «يعلن وجودها». وبينما تركض خلف الكرة وتُتابع تفاصيل المباراة، تُحاول إثبات أنها قادرة على إدارة اللحظات المشحونة واتخاذ القرارات الحاسمة، كما يفعل زملائها الحكام من الرجال.

تقول: « طموحي وشغفي لا يعرفان أي حدود»، مؤكدة أنها لا ترى نفسها مجرد فتاة تُطلق الصافرة وتحسم القرارات داخل الملعب، بل «طائراً حراً رفض أن يسكن قفصاً صنعته التقاليد المُحدّدة لأدوار المرأة». وهي لا تُنكر أنها واجهت صعوبات في بداية مسيرتها وخاصة في إقناع عائلتها بضرورة تحقيق حلمها. وهكذا، استسلم الأهل في الأخير لعنادها وتمكنت من إكمال دراستها في الجامعة والقيام بتدريب FiFA MA Women Refereeing Course في سبتمبر 2023 بمدينة أربيل.


خمس حكمات ينتظرن الاعتماد


بحسب الدكتور أحمد جلال إبراهيم، رئيس لجنة الحكام الفرعية في كركوك، تُوجد خمس فتيات مختصات حالياً في مجال التحكيم الرياضي، في كرة القدم تحديداً. واحدة منهن فقط معتمدة رسمياً في المحافظة، فيما تنتظر الأخريات اجتياز الاختبارات الرسمية الخاصة بالحكمات ومنهن هانا. ولكن موعدها لا يزال غير محدد، مع ترجيحات بإقامتها خلال شهر تشرين الأول المقبل. وهي تنتظر هذا الاستحقاق للحصول على اعتمادها الرسمي، بعدما قطعت خطواتها الأولى في مجال التحكيم وخاضت مباريات عدة في الملاعب الشعبية.

يقول الدكتور أحمد أن هذا العدد المحدود للحكمات في كركوك يكشف حجم التحدي الذي تواجهه النساء في الوصول إلى موقع القرار داخل الملعب، وهو موقع ظل لسنوات طويلة مرتبطاً بالرجال، فالحكم لا يكتفي بالمشاركة في المباراة، بل يتحمل مسؤولية اتخاذ قرارات قد تُحدد نتيجتها، في بيئة رياضية لا تزال تتعامل بحذر مع حضور المرأة في الأدوار القيادية.

أما بالنسبة لهانا، فلا يمثل الاعتماد الرسمي نهاية الطريق، بل بداية لمسار أطول تطمح من خلاله إلى تطوير خبرتها والوصول إلى مستويات أعلى في التحكيم. 


 تراجع الرياضة النسائية 


تعكس قصة هانا واقعا معقّدا تعيشه الرياضة النسائية في كركوك والعراق عموماً، فمشاركة النساء ما تزال محدودة بسبب نقص الدعم والتمويل، وقلة المنشآت الرياضية الآمنة، فضلاً عن النظرة الاجتماعية التي ترى في ممارسة الفتيات للرياضة أمراً غير مألوف أو غير مناسب في بعض البيئات.

تتذكر كوثر سليمان أحمد، عضوة اللجنة النسوية في اللجنة الأولمبية فرع كركوك، مرحلة ما قبل عام 2014، حين كانت أندية عديدة في المحافظة تضم فرقاً نسائية نشطة، من بينها نادي خاك، والفتاة، وغاز الشمال، ونفط الشمال، والشورجة، وبابا كركر، وسولاف. أما اليوم، فلم يتبقَّ من هذه الفرق سوى عدد محدود جداً.

وترى أن تراجع الرياضة النسائية يعود إلى عوامل متداخلة، في مقدمتها انعدام الدعم من وزارة الشباب والرياضة، وغياب القاعات والملاعب المخصصة لتدريب الفتيات. وحتى القاعات المتوفرة، مثل قاعة نادي سولاف، لا تتمتع بالتجهيزات الكافية، وتفتقر إلى التهوية والتبريد المناسبين.هناك أيضا مشكلة النقل، وعدم توفر باصات آمنة ومخصصة لنقل اللاعبات. وينضاف إلى كل ذلك تحفظ كثير من العائلات على خروج بناتها لممارسة الرياضة. في هذا الصدد، تُوضّح أن بعض الأسر أصبحت أكثر انفتاحاً على إرسال بناتها إلى دورات تعليمية، مثل اللغات، لكنها لا تزال مترددة حين يتعلق الأمر بالانضمام إلى نادٍ رياضي أو فريق نسائي.

وتضيف كوثر أن حملات التضليل وخطابات الكراهية على مواقع التواصل الاجتماعي تزيد من صعوبة الوضع، إذ تتعرض الفتيات لتعليقات سلبية بسبب ظهورهن في الملاعب أو مشاركتهن في المباريات، الأمر الذي يُضعف ثقة العائلات بالرياضة النسائية ويدفع بعض اللاعبات إلى الانسحاب.

من جانبه، يشير الدكتور صباح حسن عبدالله، عضو الاتحاد العراقي المركزي لألعاب القوى، إلى أن كركوك تمتلك فريقين بارزين في ألعاب الساحة والميدان، هما نادي نفط الشمال ونادي غاز الشمال، إلى جانب مدرسة للناشئات افتُتحت مؤخراً في ناحية تازة وتضم ما بين 30 و40 لاعبة. لكنه يؤكد أن استمرار اللاعبات في هذه الفرق يُواجه عقبات كثيرة، أبرزها غياب الملاعب والمنشآت المخصصة لألعاب القوى، وضعف الدعم المالي للأندية، فضلاً عن تأثير الموروث الاجتماعي في قرار العائلات بشأن مواصلة بناتهن النشاط الرياضي بعد التخرج.

ويُشير صباح إلى أن تجربة نادي الثورة  للكرة الطائرة يمكن أن تكون نموذجاً ناجحا قابلا للتعميم لتخطي هذه العقبات، إذ تتدرب فيه نحو 20 إلى 30 لاعبة داخل قاعة مغلقة توفر الخصوصية والأمان. ويرى أن توفير مثل هذه المساحات الآمنة يمكن أن يشجع مزيداً من الفتيات على ممارسة الرياضة والاستمرار فيها ويعزز ثقة العائلات.

في مجال التحكيم، لا يختلف الوضع كثيرأ، حيث يوضح الدكتور صباح أن عدد الحكمات المسجلات في ألعاب القوى في كركوك يتراوح بين 30 و40 حكمة، موزعات بين الدرجات الثالثة والثانية والأولى، مع وجود مرشحات لتمثيل العراق دولياً. 

ويرى صباح أن المدارس يمكن أن تكون نقطة البداية لاكتشاف المواهب، منتقداً تهميش حصة التربية الرياضية، التي غالباً ما توضع في نهاية اليوم الدراسي أو لا تُنفذ بصورة فعلية. ويؤكد أن اكتشاف الموهبة لا يحتاج دائماً إلى إمكانات كبيرة، بل إلى اهتمام مبكر ومنهجي، ومتابعة حقيقية من المدرسين والمدربين، مستشهداً بالنموذج الصيني في اكتشاف الرياضيين في عمر مبكر عبر اختبارات دورية شاملة في المدارس. 


 الصعوبات كجزء من الرحلة


تدرك هانا أن طريقها لن يكون سهلاً، لكنها تتعامل مع الصعوبات باعتبارها جزءاً من الرحلة، ففي كل مباراة، لا تواجه أخطاء اللاعبين وحدها، بل تُواجه أيضاً أحكاماً مسبقة حول قدرة المرأة على اتخاذ القرار وفرض احترامها داخل الملعب.

ومع ذلك، تُصرّ على أن وجودها في الملعب ليس استثناءً عابراً، بل حقاً طبيعياً، حيث تقول: «في كل صافرة أطلقها أشعر أنني أقترب أكثر من حلمي، وأثبت أن الرياضة لا تعترف بالجنس، بل الحكم فيها هو للقدرات والموهبة».

تتجاوز قصة هانا حدود التحكيم، فهي تُمثّل فتيات كثيرات يحاولن دخول الملاعب رغم نقص الدعم، وغياب المنشآت، وضغط المجتمع وحملات الكراهية والتحريض. وبينما تنتظر اعتمادها الرسمي، تُواصل التدريب والمشاركة في المباريات، مؤمنة بأن كل خطوة تخطوها قد تفتح الطريق أمام أخريات يحملن ذات الشغف والطموح.


لقد تم انتاج هذا المقال ضمن مشروع "أصوات نساء بلا حدود من أجل السلام" (VFSF)، وهي مبادرة من منظمة المساعدات الإنسانية والصحافة (AHJ)و بدعم من الصندوق الأوروبي للديمقراطية (EED).


 
 
 

تعليقات


Thanks for submitting!

صحافة_من_أجل_حقوق_الانسان#

bottom of page