top of page

النساء العاملات في قطاع الأسماك في عدن: بين قسوة المناخ وتحديات المهنة

ree

إيمان رامي وبشرى الجرادي


 في مدينة عدن، الواقعة على الساحل الجنوبي لليمن والمطلة على خليج عدن وبحر العرب، يعيش السكان على وقع تحولات مناخية متسارعة باتت تهدد مصادر رزق أساسية لطالما شكّلت جزءًا من هويتهم، أبرزها قطاع الصيد البحري.

تقول أمنية حافظ التي  تعمل منذ عدة سنوات في التعليب المنزلي للأسماك بمنطقة البريقة في عدن: "المناخ تغيّر، والمواسم لم تعد كما كانت، السمك يقل في البحر، والحرارة شديدة. صرنا نخسر كثيرًا، وذلك نظرا لارتفاع سعر الكيلو لسمك التونة، حيث أصبحت تكلفة شرائه عالية، مما أدّى إلى توقفي عن الإنتاج لعدم قدرتي على تغطية مصاريفي اليومية".

أما نسيم سعيد، وهي عاملة أيضا في تعليب الاسماك، فتؤكد: "في الماضي، كان الصيد في البحر وفيرا، أما الآن، فالسمك يهرب من السواحل بسبب الحرارة والمياه تغيّرت وهذا يؤثر على مصدر رزقنا الذي لا نملك بديلا له". 


عدن، التي تتميز بساحل يمتد من رأس عمران غربًا حتى منطقة العلم شرقًا، تشتهر بثروة سمكية متنوعة، خاصة في مديرية البريقة كأكبر المديريات الساحلية، حيث تقدر الثروة السمكية في مياه عدن بحوالي 40 إلى 50 ألف طن من الأسماك، وحيث يسهم هذا القطاع في دعم الاقتصاد الوطني وتوفير عملة صعبة من خلال تصدير أجود أنواع الأسماك للخارج،  إلا أن التغيرات المناخية ألقت بظلالها على هذا النشاط الحيوي، ولم يكن وقعها أخفّ على النساء العاملات فيه.


تحولات بيئية تؤثر على مصدر الرزق


يعد قطاع الأسماك في محافظة عدن من القطاعات الحيوية التي يعتمد عليها عدد كبير من السكان كمصدر رئيسي للدخل والمعيشة، فعلى الرغم من ضعف الاحصائيات الحديثة حول  عدد العاملين والعاملات في قطاع الأسماك، فقد بلغ هذا العدد حوالي 28 الف شخص ووفقا لتقرير لوكالة الأنباء السعودية عام 2014، بينما تشير تقارير أخرى الى وجود ما يقارب 80 ألف صياد على مستوى اليمن ككل. ولا يقتصر العمل في هذا القطاع على الصيد فقط، بل يشمل أنشطة أخرى كالتصنيع والتعليب والتجارة.


يُبيّن الأستاذ محمد عبدالله سعد، مستشار فرع الهيئة العامة للشؤون البحرية بعدن، أن "تأثير التغير المناخي على قطاع الأسماك كبير جدًا، فالأسماك ككائنات بحرية تتأثر بدرجة حرارة المياه واتجاه الرياح وخصائص المياه الفيزيائية والكيميائية، كما أن تغيُّر مواسم التكاثر نتيجة ارتفاع درجات الحرارة بات ملحوظًا، حيث تتجاوز 40 درجة مئوية خلال فصل الصيف، وينضاف إليها النقص في معدل هطول الامطار الذي لا يتجاوز سنويًا 50 ملم. كل ذلك تسبّب في حدوث خلل في توازن البيئة البحرية".


ويضيف "عدن منطقة ساحلية مكشوفة، ومع ارتفاع درجات الحرارة وتمدّد موجات المد البحري وارتفاع مستوى سطح البحر، يتضرر السكان والمنشآت الساحلية، لذلك تحتاج هذه الظواهر إلى خطط تكيّف عاجلة مثل إقامة حواجز بحرية وخطط لإجلاء السكان من السواحل المعرضة للغمر، وتعويض المتضررين".

تقول فاطمة أحمد، التي تعمل في مجال تجفيف الأسماك بعدن وتعيل أسرتها المتكونة من زوج طريح الفراش وطفل من ذوي الهمم، أن "المناخ تغيّر والمواسم لم تعد كما كانت، فالاسماك قلّت في البحر، كما أن الحرارة الشديدة في فصل الصيف تجعل ظروف العمل صعبة ومُرهقة." كل هذا جعلها تتحول من مجال تعليب الأسماك إلى تجفيفها وهو ما يُوفّر لها دخلا أسبوعيا يُقدّر ب100,000 ريال يمني أي ما يعادل 50 دولار تقريبا.


من جهتها، تُوضّح ابتسام البيحاني، رئيسة جمعية فقم للمرأة الساحلية، أن النساء العاملات في مصائد وتعليب الأسماك يواجهن تحديات متزايدة بسبب التغيرات المناخية التي تسببت في انقراض أنواع من الأسماك وارتفاع أسعار التونة، ما أدى إلى توقف معمل تعليب التونة النسوي الذي أُنشئ بدعم من UNDP وSMEPS. وأضافت أن المشروع كان له أثر ملموس في تحسين أوضاع النساء المعيشية، لكنه مُهدّد حاليا بالتوقف الدائم نتيجة ارتفاع أسعار المشتقات النفطية والتغيرات المناخية وقلة المعروض السمكي، داعية الجهات الرسمية والمانحة إلى تبني حلول مستدامة تدعم استمرارية هذه المشاريع النسوية الساحلية.


استنزاف القطاع السمكي


 يعتبر د. عادل الغوري، مستشار وزير الزراعة والثروة السمكية للدراسات والبحوث السمكية أن " الثروة السمكية تتعرّض لاستنزاف كبير، حيث انخفض عدد أنواع الأسماك من 50 نوعًا في التسعينيات إلى 16 نوعًا فقط حاليًا. ويواجه القطاع تحديات متعددة مثل الصيد الجائر، والمصائد العشوائية، والممارسات السلبية التي أسفرت عن نفوق أعداد كبيرة من الأسماك، إضافة إلى تأثير التغيرات المناخية، من ارتفاع غير مسبوق لدرجات الحرارة وعديد مظاهر التلوث".


وفقا للإتحاد الدولي لحفظ الطبيعة IUCN هناك أنواع من الأسماك مهددة بالإنقراض في اليمن، وذلك بسبب الصيد الجائر والتغيرات المناخية، ومن هذه الأنواع: سمك القرش وأسماك الشعاب المرجانية وغيرها من الأنواع الغير مدرجة ضمن القائمة الحمراء لحفظ الطبيعة. بالمقابل، تزخر سواحل عدن بأنواع مختلفة من الأسماك، ومن أشهرها:السردين، التونة، الهامور، الديرك، السخلة، الثمد، العنبرية، الصولفيش، الفارس، الحبار والجمبري.


يعاني قطاع الأسماك كذلك من " غياب تقنيات مستدامة، وضعف في الميزانيات، وغياب دراسات دقيقة حول المخزون السمكي، وانعدام الرقابة على الإنتاج والتوزيع. كما تعرضت موانئ ومرافق الاستزراع السمكي للتدمير بسبب الحرب، في ظل تراجع برامج التدريب والتأهيل المتخصصة. أما معامل التعليب، فمعظمها مؤقتة ولا تتوافق مع المعايير الوطنية نظرا لعدم توفر الأدوات والمعدات المناسبة، وغياب التنسيق بين الصيادين والمعامل لتنظيم الكميات والأسعار وآليات التوزيع"، حسب الغوري.


مشروع نوعي لمساعدة النساء على مواجهة التحديات المناخية والاقتصادية


لمساعدة النساء العاملات في قطاع الصيد البحري على مواجهة التحديات الناجمة عن التغيرات المناخية، نفّذت مؤسسة "تمدين شباب" مشروع "تمكين النساء في مصائد الأسماك وسبل العيش المستدامة" بتمويل من الوكالة الفرنسية للتنمية، للفترة من مارس إلى ديسمبر 2024، مستهدفًا 50 امرأة من منطقتي فقم ورأس عمران في مديرية البريقة. وشمل المشروع  تدريبهن على كيفية تعليب الأسماك وتجفيفها وصنع البهارات من بقايا السمك، ليُشكّل نقلة نوعية في حياة العديد منهن، خاصة من خلال إتاحة الفرصة لهن لامتلاك مشاريع خاصة بهن لتكون مصدر دخل لهن ولأسرهن.


وتُشير هديل الحاج، ممثلة مؤسسة "تمدين شباب" إلى أن تصميم المشروع جاء كاستجابة مباشرة لحاجيات النساء الساحليات لمواجهة التحديات المناخية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيق وصولهن لمصادر دخل مستدامة، حيث عمل المشروع على " بناء قدراتهن المهنية والريادية وتسهيل ولوجهن للأسواق، مع توفير تدريبات في سلاسل القيمة السمكية وريادة الأعمال والثقافة المالية والمهارات الحياتية". وتُبيّن أن اختيار منطقتي فقم ورأس عمران كان مبنيًا على دراسة واقع المرأة الساحلية هناك، حيث تفاقمت معاناة النساء نتيجة التغيرات المناخية ونقص التمويل وضعف الوعي والتدريب، مضيفة أن

المشروع استهدف بشكل خاص الأرامل والمطلقات والنساء المعيلات لأسر منخفضة الدخل، بهدف تمكينهن من مهارات اقتصادية متخصصة، وربط مشاريعهن بالأسواق المحلية لضمان استمرارية الدخل، وتعزيز الأمن الغذائي المجتمعي، وتوسيع فرص التعافي الاقتصادي للنساء بعد الأزمات.

مدينة عدن أمام أزمة بيئية متعددة الأبعاد


 شهدت مدينة عدن، خلال السنوات الأخيرة، تصاعدًا ملحوظًا في التحديات البيئية الناتجة عن التغيرات المناخية، والتي انعكست بشكل مباشر على جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وفاقمت من معاناة السكان في ظل ظروف معيشية متدهورة.

وبحسب ما كشفته دراسة حديثة أعدتها مؤسسة بلقيس للدراسات، فإن التغير المناخي في عدن أسهم في ارتفاع درجات الحرارة بشكل يفوق المعدلات الطبيعية، الأمر الذي أدى إلى ازدياد معدلات التبخر، وتراجع الموارد المائية العذبة المتاحة، مع تسجيل تراجع ملحوظ في هطول الأمطار واضطراب الدورة المائية. وأوضحت الدراسة أن هذه التحولات أدت بدورها إلى تضييق الخناق على السكان، خصوصًا في ظل اعتمادهم شبه الكلي على المياه الجوفية، والتي تشهد بدورها انخفاضًا مستمرًا في مستوياتها نتيجة الجفاف.


من جانب آخر، لم تقتصر تأثيرات التغير المناخي في عدن على مصادر المياه، بل امتدت لتشمل القطاع الزراعي والثروة السمكية، فقد أشارت دراسة ميدانية أصدرتها مؤسسة اليوم الثامن للدراسات إلى أن ارتفاع درجات الحرارة وزيادة ملوحة مياه البحر أثرا سلبًا على البيئة البحرية، ما تسبب في تراجع نشاط الصيد البحري، الذي يُعد مصدر رزق أساسي لآلاف الأسر في المناطق الساحلية. كما أدى ارتفاع مستوى سطح البحر إلى التآكل الساحلي، وتهديد المناطق السكنية والزراعية الواقعة على الشريط الساحلي.


وتوضح الدراسة أن الاعتماد المتزايد على الواردات الغذائية في ظل تدهور الإنتاج الزراعي والصيد، تسبب في ارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ضاعف من المخاطر المرتبطة بالأمن الغذائي، وتوقعت أن يستمر هذا التدهور في حال لم تتخذ السلطات المحلية والمنظمات البيئية خطوات عاجلة لمعالجة الوضع.

في السياق ذاته، بيّنت دراسة مؤسسة بلقيس أن هذه التغيرات المناخية أدت إلى زيادة الأمراض والأوبئة نتيجة تغير الظروف البيئية، وإلى ازدياد تلوث مصادر المياه، مؤكدة أن المجتمعات الفقيرة وذات الدخل المنخفض هي الأكثر عرضة لتبعات هذه الأزمات.


وقد أوصت الدراستان بضرورة تحسين إدارة الموارد المائية، وإقامة محطات مراقبة بيئية متخصصة لرصد درجات الحرارة وكميات الأمطار، إلى جانب دعم الأبحاث المحلية حول تأثيرات التغير المناخي على التنوع البيولوجي والبيئة البحرية والأمن الغذائي، بهدف تطوير استراتيجيات تكيّف تضمن استدامة بيئية واقتصادية للمدينة.

ما تعيشة عدن اليوم ليس مجرد أزمة بيئية، بل صرخة ألم تٌرفع من قلوب النساء الساحليات اللاتي يُعانين في صمت، ويواجهن تحديات هائلة جراء التغيرات المناخية التي تضر بالبحر، مصدر رزقهن الرئيسي.

لقد تم انتاج هذا المقال ضمن مشروع اصوات نساء بلا حدود، مبادرة من منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ)، وبدعم من مركز الازمات التابع لوزارة اوروبا والشؤون الخارجية


 
 
 

تعليقات


Thanks for submitting!

Follow Us !

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter

Thanks for submitting!

فتيات ضحايا لهيمنة العادات بمستقبل مجهول.png
bottom of page