top of page

"أنتِ ويانة": ناد نسائي في بغداد يوفر مساحات آمنة للمرأة العراقية للتطوير الذاتي

ree

مشروع "أنتِ ويانة" ليس مجرد نادٍ نسائي، بل ظاهرة مجتمعية تتحدى القوالب النمطية وتفتح أبوابًا لمساحات آمنة تحتضن روح المرأة العصرية. بقيادة مؤسسته الشابة، مينا عبدالخالق، المولودة في عام 1993، خريجة الهندسة المدنية التي اختارت مسارًا مغايرًا تمامًا، لتشكل رؤية جديدة للتمكين الأنثوي.


من العمل التنموي إلى تأسيس مجتمع نسائي


"لم أعمل يومًا كمهندسة"، تقول مينا، "بل انخرطت مباشرةً في العمل الإنساني والبرامج المجتمعية، خاصة في مناطق النزاع." خبرتها على مدار سبع سنوات في قطاع المنظمات التنموية مع مؤسسات مرموقة مثل USAID واليونيسف، كشفت لها فجوة عميقة في المجتمع العراقي، إلا وهي  غياب مساحات نسائية آمنة تسمح للمرأة بالتعبير عن ذاتها بحرية.

"نحن كنساء في العراق لا نملك مجتمعات آمنة تمكننا من أن نكون على طبيعتنا دون أحكام."


تؤكد مينا التي لاحظت، من خلال تفاعلاتها على وسائل التواصل الاجتماعي، أن الكثيرات يفتقرن إلى فضاء يعبرن فيه عن مخاوفهن، أو تجاربهن القاسية كالانفصال أو التحرش، دون أن يواجهن النقد. "تجمعاتنا غالبًا ما تكون محصورة بدوائر العائلة أو الصديقات المقربات، وهي ليست دائمًا مريحة بما يكفي للتعبير الصادق عما نعيشه."

من هنا، ولدت فكرة "أنتي ويانة" كـ "شلة أكبر" - دائرة دعم تتسع لتشمل كل امرأة تبحث عن هذا الملاذ.

أردت إعادة الفتيات إلى التصرف على فطرتهن الأنثوية الحقيقية، بعيدًا عن الأحكام المجتمعية التي تلاحق المرأة في كل خياراتها، سواء في العمل أو الزواج، أو حتى الإنجاب.

تحديات البداية 


لم يكن طريق "أنتي ويانة" مفروشًا بالورود، حيث تصف مينا البداية بأنها كانت مليئة بـ "الرفض والانتقادات اللاذعة". وكان السؤال الدائم: على أي أساس تقومين بهذه الأنشطة؟ ومن أنتِ لتقدمي حلقات نسائية؟. والأدهى من ذلك، أن المفهوم بحد ذاته كان غريبًا على المجتمع العراقي:

الناس لم يعتادوا على دفع المال مقابل 'خدمة الرفاهية نفسية' أو "التجمعات النسائية". كنا نقدم شيئًا جديدًا، مشروعًا رياديًا مجتمعيًا (Social Enterprise)، وهو مفهوم غير موجود تقريبًا في العراق.

رغم التحديات المالية وسوء الفهم، لم تستسلم مينا، حيث تقول "لم يكن لدي خيار سوى الاستمرار، فإيماني بقيمة ما أقدمه وقصص البنات اللاتي وجدن الراحة في التعبير عن أنفسهن كانت أكبر دافع لمواصلة العمل." ساعدت الشراكات الاستراتيجية مع أماكن مثل "كولاج كلوب" ومكتبة "أطراس" في نشر الوعي والوصول إلى جمهور أوسع، مما يؤكّد على أن المشروع استطاع جذب الناس.


أنشطة متنوعة للتواصل مع الذات والعودة إلى الفطرة الأنثوية


يتجاوز مشروع "أنتي ويانة" مجرد تنظيم لقاءات عابرة، حيث تطمح مينا إلى ترسيخ مفهوم مجموعات الدعم والحلقات النسائية الواعية كشيء مستدام ومتاح لكل امرأة في العراق. "نريد أن يكون 'أنتي ويانة' الملاذ لأي امرأة تمر بمرحلة صعبة في حياتها – سواء انفصالًا أو احتراقًا وظيفيًا أو فقدانًا أو حتى مرحلة الأمومة الجديدة – لتجد مجموعة دعم تشعرها بأنها ليست وحدها."


لا يكتفي النادي باستضافة اللقاءات، بل يطمح لأن يعمل في المستقبل على تدريب نساء ليكن ميسرات (facilitators) لهذه الحلقات، لإدارة مساحات آمنة تتيح للمنتسبات للنادي مشاركة تجاربهن بحرية ودون حكم.


"لا نحتاج دائمًا إلى معالج نفسي لكل مشكلة؛ أحيانًا كل ما نحتاجه هو أن نشعر أننا مسموعات ومدعومات."


من الأنشطة البارزة التي يقدمها النادي: الحلقات النسائية التي تعتبر أهم نشاط، إضافة إلى نادي القراءة العلاجية، و""لمة السينما التي تناقش أفلامًا ذات رسائل عميقة. كما ينظم النادي جلسات توعوية حول مواضيع حساسة مثل الطب النفسي الجسدي والصحة الجنسية للمرأة، وحتى "كبل سيركل" لتعزيز العلاقات بين الأزواج.

"جميع أنشطتنا تصب في قيمة أساسية واحدة وهي التواصل مع الذات والعودة إلى الفطرة الأنثوية." تقول مينا بفخر، مشيرة إلى أن الإقبال على النادي يفاجئها دائمًا بمدى تنوعه، حيث يضم مشاركات من جميع الأعمار والخلفيات، من 22 عامًا إلى ما فوق الستين.


تأثرت مينا كثيرًا بقصة سيدة تجاوزت الستين من عمرها، قالت لها: "وصلت مرحلة لا أعرف من أنا. قضيت حياتي أربي أولادي ثم كبروا وصار عندي أحفاد، لكنني نسيت نفسي." هذه القصة تجسد رؤية مينا لدور النادي فيما يخص منح النساء فرصة "لإعادة اكتشاف ذواتهن" مهما كانت أعمارهن.

"النجاح الأكبر بالنسبة لي هو عندما تقول لي الفتيات المنتسبات للنادي: " لم أكن أتخيل أن لدي كل هذه الأشياء بداخلي ولم أعبر عنها من قبل"، أو "هذه أول مرة أشعر فيها أنني في مكان لا أحد يحكم علي فيه". هذه الجملة الأخيرة تتكرر كثيرًا، وتعتبرها مينا مؤشرا حقيقيا على أن النادي يحقق رسالته. 

التوازن بين الطموح الشخصي واستدامة المشروع


تدير مينا معظم مهام "أنتي ويانة" بمفردها، وهو تحدٍ كبير يتطلب توازنًا دقيقًا بين المشروع وعملها الخاص، بالإضافة إلى حياتها الشخصية. "مررت بفترات انهيار وشعرت بعدم الرغبة في الاستمرار، لكنني في كل مرة، أعود وأواصل العمل في المشروع".

على الصعيد المالي، يواجه النادي تحديات بسبب كونه نموذجًا جديدًا في السوق العراقي. "القيمة التي نقدمها، والتي تتعلق بالرفاهية النفسية والتجمع المجتمعي، لم تكن شيئًا اعتاد السوق العراقي على الدفع مقابله." لكن مينا تؤكد أن طريقة إدارة المشروع أصبحت أوضح الآن. "بدأنا بتطوير خدمات مستدامة تخلق نظامًا ماليًا ثابتًا للنادي. كما نعمل على تعيين موظفين بحلول نهاية العام."

المستقبل يحمل في جعبته خططًا طموحة لـ "أنتي ويانة" مثل الحصول على مساحة مادية خاصة للنادي، والبحث عن مستثمرين يؤمنون بالمشروع. كما يعمل النادي على تطوير منصة أونلاين لتقديم خدمات مختلفة تساعد النساء على تحقيق الاتصال بالذات والوعي بأنفسهن.


تمكين نسائي بشكل جديد


تشاركنا سارة ماجد، إحدى المشاركات في أنشطة "أنتِ ويانة"، تجربتها التي تلخص جوهر النادي ودوره في حياة النساء قائلة:"ما دفعني للإنتماء لنادي 'أنتِ ويانة' هو الأجواء الآمنة والداعمة التي يوفرها لكل امرأة ترغب في اكتشاف وتطوير ذاتها، ففي زمن السرعة وضغط العمل ووسائل التواصل الاجتماعي، نحتاج إلى 'فصلة' عن هذا العالم، وتجربة أنشطة مختلفة تساعد أجهزتنا العصبية على الاسترخاء". وتضيف "رسالة مينا، مؤسسة النادي، واضحة جدًا: 'هنا مساحة آمنة بدون أحكام' نتعلم فيها كيف نتعامل مع الآخرين من منطلق القبول لا الحكم".


بالنسبة لسارة، يوفر النادي فرصة للنساء ليتعلمن كيف يُعبرن عن آرائهن وأفكارهن ويؤمنن بأن أصواتهن مسموعة. " لقد اعتدنا على الخوف والخجل وكبت الكثير من الأصوات بداخلنا. ومن الرائع أن نشعر بأن هناك من يستمع إلينا دون إصدار أحكام، وأن هناك من يشاركنا دروسًا تعلمها من تجربته الشخصية ليلهمنا، وهكذا يتحقق تبادل الوعي. بهذه الطريقة، نحن نبني مجتمعًا واعيًا يقوم على الحب والقبول."


من جهتها، تؤكد الأستاذة هالة عيسى، مهندسة معمارية، وأستاذة بجامعة الفراهيدي على تميز النادي في دعم المرأة بأسلوب يختلف عن المفاهيم السائدة، حيث تقول "نادي 'أنتِ ويانة' هو المساحة الحقيقية لدعم المرأة بأسلوب بعيد عن مفهوم 'تمكين المرأة' الذي انتشر مؤخرًا وبات أحيانًا بعيدًا عن طبيعة الأنثى ذاتها." وتضيف "الكثير من الحملات التسويقية تدعي دعم المرأة وتمكينها، لكنها في الحقيقة تزيد من إرهاقها واضطهادها لأنها لا تفهم طبيعة النساء."


وتشرح الأستاذة عيسى، التي تؤمن بعمل المرأة وتميزها في مجالاتها (فهي أستاذة جامعية، وتدير مكتبها الخاص بالتصاميم والتنفيذ): "التركيز يكون فقط على تحفيز المرأة لتكون نسخة من الرجل: 'اذهبي واعملي، انجحي، أنجزي'. أنا لست ضد هذا، فمسيرتي المهنية تشهد على ذلك. لكن ما تحتاجه المرأة حقًا هو بيئة تدعمها كأنثى، تخبرها بأن لديها قدرات على الإنجاز والمنافسة، وفي الوقت نفسه تذكّرها بأنها لن تكون متوازنة إذا ركزت فقط على هذا الجانب."


وتبيّن أن "أنتِ ويانة" يوفر للمرأة المساحة لتكون أنثى، لتتعلم كيف تُنمّي جانبها الإبداعي وحدسها. "نحن بحاجة للعودة إلى مجتمعات الإناث الحقيقية التي تعتمد على التواصل العميق والاستقرار. هذا يمنعنا من أن نتحول إلى نساء يشبهن الرجال، مما قد يؤدي إلى مشاكل لدى الأجيال القادمة. كل هذا لم أجده إلا في 'أنتِ ويانة".


وتتابع: "الهدف الأخير هو جعل النساء أكثر قوة في اتصالهن بأنفسهن، وأكثر استرخاءً وهدوءًا، يعشن الحياة لا كصراع وجهاد ومنافسة مع الرجل وإنما ينمين أيضا جانبهن الأنثوي. وإذا لم ترغب المرأة في المنافسة، فإن النادي يحتضنها، ويدعم اختيارها للسلام والسكينة والاهتمام بالبيت والعائلة والأطفال، دون أن تشعر بالتقليل من شأنها."


"أنتِ ويانة" هو البيئة التي تضمن ألا تكون الأنثى وحدها في مجتمع قد لا يحاربها بالضرورة، لكنه لا يفهم فطرتها الأنثوية واحتياجاتها المختلفة عن الرجل، حتى لو وصلت إلى أعلى المناصب.

وهو بالتالي، يقول لها: " أنت لست وحدك ونحن هنا لنقدم لك الدعم المعنوي والروحي الذي تحتاجينه."، تفسر الأستاذة هالة عيسى. وتعتبر أن من أجمل ما يميز النادي هو أن الانضمام إليه غير مكلف، ففعالياته إما مجانية أو بمشاركات رمزية جدًا لأن "الهدف هو الاستمتاع دون عبئ". وتُبيّن أنه قدم لها "مكانًا لتتعلم فيه أمورًا روحانية، وثقافية، واجتماعية، وإنسانية، وفضاءا تأخذ فيه قسطًا من الراحة من صخب الحياة اليومية." 


في الأثناء، تواصل مينا رسالتها في دعم النساء من خلال ناديها، حيث تقول لكل امرأة تبحث عن مساحة آمنة وداعمة: "أنت تحتاجين أن تكوني واعية بذاتك، وباحتياجاتك، ومتقبلة لها. وإذا لم تكوني كذلك فستسيرين في الحياة كـ 'روبوت'." وتتابع: "بداخل كل فتاة جوهر عظيم. تواصلي معه، استشعري قلبك، ففي اللحظة التي تتواصلين فيها مع ذاتك بوعي، ستجدين أن الدنيا تبدو مختلفة تمامًا، وستصبحين إنسانة متمكنة حقيقة. وإذا لم تعرفي كيف تقومين بذلك، فـنحن هنا لنعلمك ونوجّهك."


لقد تم انتاج هذا المقال تحت اشراف منظمة المساعدات الانسانية والصحافة (AHJ) ضمن مشروع "قريب" برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)


 
 
 

تعليقات


Thanks for submitting!

Follow Us !

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter

Thanks for submitting!

فتيات ضحايا لهيمنة العادات بمستقبل مجهول.png
bottom of page