المرأة والعنف...هل السكوت علامة رضا؟

تاريخ التحديث: ١٧ يناير

اجتمع الرجال في غرفة الضيوف فيما اتخذت النساء من المطبخ مكانا للاجتماع، والمناسبة كانت محاولة لحل ما اسموه خلافا عائليا فيما اسمه الحقيقي فاجعة فتاة تتعرض للضرب من زوجها بشكل دائم ومستمر، وكانت الفتاة لائذة في حضن امها راجية أن توفر لها بعضا من الأمان الذي تفتقد له بشدة.

لكن الأم كانت تذرف الدموع بصمت.. وكانت الأخوات وبعض النساء المقربات ينتظرن بقلق ما سيسفر عنه اجتماع الرجال ...وبعد دقائق جاء الاب ليعلن انه تم الاتفاق على ان تعود الفتاة الى بيت زوجها مع وعد بالمحاولة في أن يكون أقل قسوة. لكن الأم قالت له بأن ابنتك لا تريد العودة إليه، فقال لها هل صحيح هذا الكلام؟ وهنا سكتت البنت فكرر السؤال وايضا كان الرد صمتا، فحينها قال ... السكوت علامة الرضا سأخبرهم أن جوابك هو القبول.

وما أن خرج الأب حتى بادرتها الأم بالسؤال لماذا الصمت؟

قالت: ان ابي لا يقل عنفا عن زوجي ولن يقبل ان اكسر اتفاقه، في حين قالت الاخت الكبرى كلنا نسكت في هذه المواقف لأن ثمن الكلام كبير.



لطالما كانت الكتابة عن شؤون النساء أمرا يكتنفه الكثير من الصعوبة، إذ يجد المرء نفسه مضطرا للصدام مع جهات عدة تتناقض في مبادئها وخلفياتها، إلا أنها تجمع على موقف موحد من العنف الواقع على النساء ....غير أن المحاولة قد أصبحت ملحة لإعادة الامور الى نصابها وتعديل البناء المعوج، وهذا الذي دفعني الى كتابة هذا المقال لنعيد معا النظر الى الأمور من زوايا غير تلك التي اعتدناها ومن بينها نظرتنا الى الصمت وتفسيره في كل الحالات على أنه رضا... وهي حجة طالما تمسك بها المدافعون عن حق الرجل في تعنيف المرأة وأن النساء في اغلبهن راضيات عن العنف الذي يتعرضن له كما يدعون، ولولا ان بعضهم وقف محرضا النساء على الرفض لبقيت الأسرة تعيش في نعيم أزلي!!!!!


وقد تناسى أولئك المدافعون عن العنف ان الصمت إنما مرجعه إلى أن النساء على مر العصور هن الطرف الأضعف حينما كان قانون الغاب المستند الى معيار القوة هو السائد.

فلو كان هناك رجل متفوق بمعايير القوة تجعله متبوعا من رجل اخر اقل منه قوة وكان مضطرا لتقديم الطاعة والإذعان له، فهل سيكون صمته عن الاذى دلالة رضا؟ ام هو صمت المغلوب على أمره الذي لا يطيق ثمن الاعتراض ذاك الثمن الذي قد يكون حياته ذاتها أو حتى حياة من يهتم لأمرهم؟


وهو ذاته حال المعنفات، وهذا ما أكده إقبال النساء على الشكوى في مراكز الأسرة بمجرد إتاحة الأمر، رغم ضعف الآليات وبدائية الطرق الحمائية. كل عام نشهد تصاعدا في عدد الشكاوى المقدمة، فقد ذكر تقرير صادر عن مجلس القضاء الأعلى في العام 2019 تسجيل نحو 17 ألف حالة عنف أسري في عام واحد... وبطبيعة الحال فإن الرقم لا يعبر عن العدد الحقيقي للحالات، إذ يشير المختصون إلى أن الرقم الفعلي أكبر من ذلك غير أنه يصلح دليلا على تزايد حالات الشكوى وان النساء غير راضيات. ومن الجدير بالذكر أن غالبية المتقدمات بشكاوى العنف الأسري هن من ذوات التعليم البسيط او غير المتعلمات اللاتي لا علاقة لهن بالحركات النسوية انما يشتكين بدافع الرفض الفطري والذي اتاحت له الظروف الحالية أن يظهر للسطح.


الامر الاخر علينا ان نتذكر ان ما من طبقة مستعبدة أو مهانة على مر التاريخ قد طالبت بالحرية أو جاهرت بالرفض دفعة واحدة، وكل حركات التحرر تبدأ ببضعة أشخاص وتنتهي الى تحرير الجميع وان هذا الجميع الذي ظل صامتا لم يكن راضيا وإنما فقط كان ضعيفا غير واثق بقدراته، وما أن تنفتح بصيرته حتى تجده قد ساند تلك القلة وحينها فقط يفهم السجان (متأخرا) ان الصمت ما كان رضا.

وكذلك هو الحال بالنسبة للنساء فإن التربية التي تتلقاها الفتاة منذ أعوام الطفولة الاولى تفرض عليها مفاهيم تجعلها مهيأة لتقديم فروض الطاعة اللا واعية ، ويفرض عليها أن تنظر الى نفسها على أنها نقيض الرجل، فإذا كان للرجل ارادة حرة وقدرة على اصدار الاوامر فإن للمرأة أن تتميز بالخضوع والاستسلام والطاعة، وعملية التدجين هذه تغيب الإرادة الحرة للأنثى ...

ولا اعتقد ان الصمت الصادر عن ارادة مسلوبة يصلح أن نفسره.. رضا.


ومن الملاحظ ان هناك تفاوتا ملحوظا في أعداد النساء اللواتي يقدمن على التبليغ عند تعرضهن للعنف سواء في المنطقة العربية او في النطاق الاقليمي والعالمي، غير أن هذا التفاوت يرتبط بصورة مباشرة بما تسنه الدولة من تشريعات تحد بواسطتها من سطوة العادات وبما توفره من سبل الحماية والتسهيلات للوصول إلى مراكز الشكوى. وكلما كانت معايير هذه الامور مرتفعة يوازيها ارتفاع في اعداد المقبلات على طلب الحماية من العنف وهذا يعني أن سكوت النساء يعود الى ظروف محيطة بهن ونقص في التشريعات وقصور في فهم المحيطين وليس رضا.


اعتقد انك تتفق معي عزيزي القارئ بضرورة اعادة النظر بمفهوم الصمت خاصة عندما يكون هو ردة الفعل الوحيدة التي تبديها الضحية.


٤٤ مشاهدة٠ تعليق

أحدث منشورات

عرض الكل