كأنهم يتبارزون.. من سيسفك دمها أولاً

تاريخ التحديث: ١٧ يناير


تساءلت عن شعورها وهي تصارعُ أعباءَ الحياة لوحدها.. عن مدى شجاعتها.. كيف قررت أن تكسر القيود المحيطةِ بها.. أن تتحرر من عالم لا يرى المرأة إلا كائنا خلق ليمارس دور الطاعة والعبودية، ثم يرحل حاملا معه ثقل أحلامه وشغفه، ومشاعره، ونجاحاته وانكساراته وقدراته وكل ما في داخله الى قبره، لأنه ببساطة لا يملك حق الحياة.


نورزان التي لم تتجاوز العشرين عاما باتت رقما جديدا أضيف إلى قائمة تغصُ بأعدادِ من نساء ذهبن ضحايا جرائم وانتهاكات تمارس ضد المرأة في العراق.. من "ملاك الزبيدي" التي أُحرقت على يد زوجها، الى حنين" التي توفيت حرقا أيضا على يد زوجها، إلى "زهرة" التي تناشد والدتها الجهات المعنية لأخذ حقها من أفراد في عائلة زوجها قاموا بتعذيبها ... واللائحة تطول وتطول.



قضية نورزان أثارت موجة غضب كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وتصدر اسمها ضمن حملة بهاشتاج "حق نورزان الشمري"، اعتبر من خلالها نشطاء ومغردون أن القضية ليست قضية نورزان فقط، بل قضية الكثير من النساء اللواتي قتلن على يد أقربائهن أو اللواتي يتعرضن للابتزاز والتحرش والتنمر والاستهزاء بقدراتهن والإقصاء من العمل، وغيرها الكثير من ممارسات العنف الجسدي والنفسي التي لا يضع لها القانون حدا. حتى أن المجتمع يبررها من منطلق أن للرجل القوامة والسلطة على المرأة، ويلصقها المتطرفون بالشريعة الإسلامية في حين أننا لا نجدُ نصا دينيا يبرر إيذاء المرأة أو قتلها أو تهميشها.

لكننا للأسف لا نجد سوى عدد قليل من رجال الدين الذين يتطرقون الى هذه المشكلة. وفي مجتمع يعتبر نفسه متدينا محافظا، قد يكون أكثر تقبلا لرسالة رجلِ الدين لو تكلم بهذا الشأن، لكن عدد الذين يتكلمون عن العنف الذي يرتكب بحق المرأة من رجال الدين، لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة.. وبالرغم من ذلك فهم يوجهون رسالة صريحة واضحة للمجتمع، أنه ليس من مبادئ الدين وأخلاقياته الإساءة للمرأة او ممارسة العنف ضدها او التسلط عليها، بل يجب أن تحظى بحقوقها شأنها شأن الرجل.


الغريب في الأمر أن هنالك من يحاول أن يبرر الجريمة دائما لاسيما على مواقع التواصل الاجتماعي التي تضع الضحية في موقع المتهم. (لماذا تنشر صورها على مواقع التواصل..لمَ لمْ تكن ترتدي حجابا.. من المؤكد أنها تستحق ما حصل لها. قتلت بسبب لباسها غير المحتشم.. قد تكون فعلت شيئا يمس بشرف العائلة لذا قتلوها..) هذه عينة صغيرة مما قرأت على مواقع التواصل، من الفئة التي تكرر إيذاء الضحية ببشاعة كل مرة والتي تتخذ دور الجلاد ودور الحاكم وتمارس الوصاية على الناس حسب مظهرهم او معتقداتهم او سلوكياتهم او اختيارهم للعيش بكرامة وحرية في بعض الأحيان.

نعم هناك فئة لا ترضى لغيرها الخروج على العادات والتقاليد حتى وإن كانت نهاية التمسك بتلك العادات ستؤدي إلى نهاية مأساوية ... المهم لديهم هو إرضاء المجتمع، ولا يهم أن يحصل الإنسان على حريته أو أن يسعى للحفاظ على ماء وجهه او أن يرفع صوته بوجه الظلم أو أن يواجهه ولو بكلمة.


وكأن المطلوب هو فقط الاقتناع بما هو قائم والتزام الصمت، فقط لأن عددا من الأشخاص قرروا إقامة الحد على فتاة اختاروا لها شريكا بالنيابة عنها، فمارسوا العنف بحقها دون أي مبرر، وعاودوا تزويجها بعد فشل التجربة الأولى واستمروا بتعنيفها... وعندما اختارت ان تضع حدا لمعاناتها ومعاناة والدتها اعتبروا الأمر تجاوزا وإساءة لسمعة العائلة!!


ثم بعد ذلك كله يصورون الأمر للرأي العام على أنه قضية شرف!


يقول اللواء سعد معن مدير العلاقات والاعلام في وزارة الداخلية العراقية إن جريمة قتل نورزان متعلقة "بالعنف الأسري" حدثت في النهار على يد ثلاثة رجال من أقاربها طعنا بالسكين.


كم استفزتني هذه العبارة (في النهار) ...على مرأى ومسمع الناس! .. هل وقفوا متفرجين؟و كيف لمسؤولية أخلاقية وإنسانية أن تسقط خوفا من التدخل في مثل حادثة كهذه ؟ كيف ترجح كفة اللامبالاة على كفة إنقاذ حياة إنسان ويُترك كي يصارعَ الموت؟


وتساءلت أيضا لو أن الكاميرات لم تصور حادثة القتل ولو لم يكن هنالك وجودٌ للترند ولم ينشر أحدٌ صور الضحايا هل كانت ستظل قصصهم طي الكتمان؟ وهل أن المشاعرَ الانسانية لم تعد تتحرك الا بعد التحدثِ عن تعرض أحدهم إلى معاناة او تهميش او تعنيف ونشر صوره كي يتأثر ويتعاطف الناس او يظهروا موقفا مساندا ؟ ولمَ قد تمر علينا هذه القضايا مرور الكرام ومن المسؤول عن استمرارها ؟.. لم لا تضع الجهات المعنية حدا لها ؟

لربما أستطيعُ القول إنها جريمةٌ مركبة، حيث ان نورزان تعرضت للتعنيف من قبل عمها (حسب شهود عيان.. واصدقائها وخالتها وابن خالتها) وزُوجت بعمر 13 عاما على يد عمها أيضا، وبعد انفصالها تزوجت مرة اخرى رغما عنها لشخص غير متزن عنفها ايضا...وبعد مغادرتها للعائلة تعرضت للكثير من التهديدات حسب قول الاصدقاء..


لا يمكننا اعتبار ضحايا العنف الأسري أو الجرائم التي تحدث تحت مسمى "جرائم الشرف" مجرد احصائيات..الامر سيكون اكثر سوءا إن لم تكن هنالك حلول حقيقية جذرية لمعالجة المشكلة.


فبحسب وزارة الداخلية العراقية سجلت 15 ألف حالة عنف أسري خلال عام 2020، وأعلن المجلس الإعلامي لمجلس القضاء الاعلى في العراق أن المحاكم التابعة لرئاسة استئناف بغداد سجلت 1543 حالة عنف أسري خلال عام 2021 . إلا أن نشطاء يعملون في هذا الشأن يؤكدون أنه لا توجد احصاءات دقيقة لمثل تلك الجرائم.. ولا تزال المطالبات مستمرة بوضع حد لها وعدم السماح لمرتكبي تلك الجرائم بحق نورزان وغيرها من الضحايا بالإفلات من العقاب .


ويقول خبراء القانون إن الاعتداء على النساء تحت مسمى غسل العار وجرائم الشرف او تعنيفهن وايذائهن جسديا ونفسيا بما لا يصل الى حد القتل، تحول الى ما يشبه العرف الاجتماعي ،لاسيما وان الجهات المسؤولة تضع قوانين تخفف الحكم على القاتل أو المعتدي.


كما أنه ليس هناك سياسة قادرة على الارتقاء بواقع حقوق المرأة، ويشير بعضهم الى أن الكثير من الحالات التي تسجل على أنها انتحار هي في الواقع جرائم شرف، كما وأن العائلة التي تقتل تلك الفتاة أو المرأة غالبا ما تلقي بجثتها في أماكن مهجورة او في سلال القمامة، وأن الكثير من الجثث التي تصل الى الطب العدلي ويدعي ذووها أنها حالة انتحار، تكون عليها آثار تعذيب ،لأن ذلك الادعاء يسهل على القاتل الإفلات من قبضة القانون بل ويرسخ مثل هذه الأفعال لدى المجتمع في الوقت الذي ترفض فيه الشرائع السماوية وقوانين الدول المتقدمة و التي تهتم بحقوق الانسان مثل تلك الاعتداءات والانتهاكات والمساس بأرواح الناس وترفض تصنيف المرأة على انها كائن من الدرجة الثانية.


وتبرر بعض الجهات المعنية في العراق هذه الانتهاكات البشعة بأن مثل هذه الجرائم تحدث في كل المجتمعات!! مما يصعب الحصول على حق الضحايا و يطيل مراحل تعريف وتوعية المجتمع بحقوق المرأة وحقها في تقرير مصيرها وحرمة قتلها وان حياتها ليست ملكا لأحد، وأن كل جريمة قتل سواء لنورزان او غيرها هي ضربة للقانون والدولة بما يفتح المجال لكل من تسول له نفسه الاعتداء على حياة الآخرين.


قد تكون مغادرة نورزان لعائلتها نوعا من الاحتجاج، وقد يكون اختيارها لبدء حياة جديدة وهي تعمل بمحل للمعجنات كي تعيل نفسها و والدتها نوعا من الاحتجاج، وقد يكون نشر صورها او اطلاق هاشتاج باسمها للقصاص من القاتل نوعا من الاحتجاج أيضا.. وقد تكتب بضعة حروف هنا أو هناك مساندة ومناصرة لقضايا الضحايا كنوع من الاحتجاج أيضا، ولكن متى ستحتج الجهات المعنية على واقعها وعجزها؟ متى سيحتج المجتمع الذي يسمح للعادات والتقاليد أن تزهق روح إنسان؟ متى سيحتج عليها ويوقفها؟



٣٤٣ مشاهدة٠ تعليق