فتيات ضحايا لهيمنة العادات بمستقبل مجهول

تاريخ التحديث: ١٧ يناير

تعرضت الفتاة لجين ساجد، ذات الـ١٦ سنة، الى شتى انواع التعنيف اللفظي والجسدي من أبيها منذ ولادتها، لجين اخت لثلاثة أشقاء نالت حصتها من التفريق في التعامل مع اخوتها الأولاد، فالعادات والتقاليد وسطوة الأخوة وأبناء العم وهيمنتهم جعلها تذهب وتعود سرا من منزلها الى المدرسة، حبا بالتعلم وحلما بشهادة جامعية قد تنتشلها من محيطها.


وتقول لجين، إن "أبي تعود في تربيتنا على التمييز بين الأولاد والبنات، ومنحهم مع أبناء عمي كل شيء حرمت منه، على الرغم من سعي أمي لمساعدتي ومحاولاتها اليائسة في اقناع أبي باني ذكية ومتميزة ويمكن ان أصبح طبيبة في أحد الأيام اذا ما سمح لي ابي وأشقائي من اكمال دراستي".

لم تنجح الأم في اقناع زوجها بأن تكمل الفتاة دراستها ولم تكن قادرة على مخالفة أوامره فاضطرت الى التستر عليها عند ذهابها الى المدرسة، لكن كثرة المراقبين من أبناء العم الذين يسكنون على مقربة منها زاد من صعوبة التخفي او التستر عليها او السماح لها بالسير من زميلاتها او صديقاتها.


وتوضح لجين، أن "سخرية أبي من دراستي ومقولته المتكررة أن الفتيات للزواج والمنازل وليس للدراسة او التوظيف، كانت تشكل كوابيس مرعبة بالنسبة لي، وقبل أيام من عيد ميلادي الـ١٤، قرر أبي تزويجي من أحد أبناء عمي، لم يسمح لي أحد بالاعتراض او سماع رأيي".

زوجت الفتاة لتنال قسطا جديدا من الترويع والتنكيل والعمل على خدمة أسرة الزوج على الرغم من حملها، لم تجد أحدا تشكو له فقررت الصمت والعمل على اقناع الزوج بعودتها الى دراستها، فكان الضرب والتجريح ردا على طلبها، ازدادت المشاكل بين لجين من جهة بسبب قراءتها للمناهج المدرسية في غرفتها، وزوجها واسرته حتى أجمعوا على تطليقها قبل ان تنجب ولدها فتبددت أحلامها في رسم مستقبلها.

وتتابع الفتاة، أن "طباع أهلي تغيرت شيئا ما لإحساس أبي بالذنب تجاهي، فسمح لي بالعودة الى الدراسة، وساهمت أمي بتربية ولدي، لن انسى ما مررت به من تجارب قاسية دعتني الى رفض فكرة الزواج مرة أخرى، وتقبلت اسرتي هذه المرة ارادتي خاصة وان القاضي حكم لي بالنفقة لإعالة ولدي".

نجحت لجين في بلوغ المرحلة الثانية الجامعية بتفوق، واخذت على عاتقها ان تكون ناصحة لصديقاتها وزميلات دراستها، تحذر من الوقوع في ذات الأخطاء التي مرت بها خلال مراهقتها.



نشر الجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط مؤشرات التعليم للعام ٢٠١٩، جاء فيها أن عدد تاركي المدارس الابتدائية تجاوز 131 ألف تلميذ وتلميذة خلال عام في جميع محافظات العراق، ما عدا إقليم كردستان، وشكلت الإناث 47.5 في المئة من نسبة المتسربين، على الرغم من تمسك البنات المعهود بمقاعد الدراسة، خلافاً للذكور الراغبين في الإفلات من الالتزام بالقوانين المدرسية.


ويقول الأستاذ المساعد الدكتور في الفلسفة، أحمد الجاف، إن "ظاهرة تسرب الفتيات من المدارس تشكل ظاهرة خطيرة في المجتمع، اذ تؤثر سلباً على مستوى التطور الثقافي والعلمي للمجتمع، كونها تسبب في إنشاء جيل أمي في عصر التطور والمعلوماتية، كما تؤدي الى آثار سلبية في نفسية الفتاة وتعطل مشاركتها الفعالة والمنتجة في المجتمع".

ترتبط ظاهرة تسرب الفتيات من المدارس بالعنف بشكل مباشر، اذ ان حرمان الفتاة من اكمال مشوارها الدراسي يجعلها عرضة للعنف الاسري بنسبة أكبر وقد تقع ضحية للزواج المبكر غير المتكافئ.

وأشارت تقارير داخلية اعدت في مديريات تربية العاصمة، الى "وجود عدد ملحوظ من العائلات لم تعد تتحمل المصاريف اليومية لأبنائها وبناتها من شراء القرطاسية والملابس ولا تستطيع إرسالهم إلى مدارس لا تضمن لهم مستقبلا معيشيا مقبولا، حتى وإن تخرجوا منها بنتيجة متفوقة".


تشير الاحصائيات الرسمية العالمية الى أن العراق احتل المرتبة 22 على مستوى العالم منتصف الثمانينيات في مستوى التعليم، ونال في الفترة نفسها جائزة من “اليونيسكو” تقديرا لنجاحه في محو الأمية، لكن الحروب وما أعقبها من عقوبات دولية ومشاحنات طائفية أدت إلى التفريط بهذه الإنجازات، إذ شهد البلد تراجعا سريعا، تمثل في زيادة أعداد التلاميذ المتسربين من مدارسهم بنسبة 28,8 في المئة خلال أعوام 2013 – 2018، وقفز عددهم من 101 ألف تلميذ وتلميذة في نهاية 2014 إلى 131 ألفا و649 تلميذ وتلميذة في نهاية 2018.


١٠٠ مشاهدة٠ تعليق